Indexed OCR Text

Pages 61-80

الباب الثاني
٦٠
فِي الْوَاقِعَاتِ وَالقصص
(٩) وَعن بُريدة ◌َّه قال: دَخل بلال عَلَى رَسُولِ اللهِلَّ وهو
يتغدّى، فقال رسول اللهِ وَّرُ: "الغداء يابلال". قال: إني صَائِمٌ يا
بنصب الغداء أي احضره
رسول الله! فقال رسول الله ﴿﴿و: " تأكل رزقنا، وفضل رزقُ بلالٍ
في الجنّةِ". أشعرت يا بلال: "إنّ الصّائم لتسبّحُ عظامُه،
ويستغفرلهُ الملائكة ما أكل عنده". (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
صلابنه.
(١٠) وعن جابر نصّه قال: أتيتُ النّبيّ ◌ُّ في دَيْن كان على أبي،
فدققت الباب، فقال من ذا؟ فقلتُ: أَنَا، فقال: أنا أنا، كأنه كرهها.
أي النبى .( من داخل الباب
(رواه البخاري ومسلم)
(١١) وعن أنسٍ ﴿ّه قال كانَ أخوان على عهد
رسول اللهِوَ لَّ فكان أحدُهما يأْتِي النّبِي ◌َّ، والآخر يحترف.
دخل بلال: هو الحبشي صاحب رسول الله ، ومؤذن مسجده.
وهو: يعني رسول الله ويثار. يتغدّى: (من التفعّل) أصل الكلمة من الغداء، وهو: الطعام
الّذي يؤكل أوّل النهار، قال الله: عزّ وجل حكاية عن سيّدنا موسى عليْهُ ﴾ْآتِنَا غَدَاءَنَا فِ:
(الكهف: ٦٢) فقال رسول الله بهلول: الغداء يا بلال: أي احضر الغداء بنصب الغداء. وفيه
أنه يستحب للآكل أن يدعو من دخل عليه إلى الطّعام.
كأنّه كرههَا: يعني أنه يُزُ كره جوابي بلفظ أنا، وكان ينبغي أن يذكر اسمه؛ ليعلم من
الدّاخل، ويعرف من يدق الباب. وفي ذلك دليلٌ على أنه ◌ّر كما كان يعلّم الصلاة
وماشابهها من العبادات، كذالك كان يعلّم آداب المصاحبة، وطرق العشرة.
يحترف: قوله: يحترف من الاحتراف، وأصله من الحرفة، وهي: الصناعة، وجهة الكسب.
يقال: هو يحترف لعياله ويحرف أي يكتسب. ومنه قول أبي بكر حدثت: إن حرفتي لم تكن
تعجز عن مؤنة أهلي.

الباب الثاني
٦١
في الوَاقِعَات وَالقصص
فشكى المحترفُ أخاه النّبِيَّ ◌َّفقال: "لَعَلّك ترزقُ به". (رواهالترمذي)
(١٢) وعن واثلة بن الخطاب رضي الله قال: دخل رجل إلى رسول الله
صلانته
وهو في المسجد قاعدٌ، فتزحزح له رسُولُ الله ◌ُ ◌ّفِقالَ الرّجُل:
أي تنحی عن مكان هوفيه
يارسول الله! إنّ في المَكان سعةً، فقال النّبيّ ◌ُّ: "إنَّ للمُسلم
لحقاً إذا رآه أخوه أن يتزحز ح له ". (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
وإن كان المكان واسعاً
(١٣) وعن عمر بن أبي سلمة غلّه قال: كنتُ غلاماً فى حجر
رسول الله صلّ: وكانت يدي تطيش في الصّحفةِ،
فشكى المحترف: أي في عدم مساعدة أخيه في حرفته، النبيّ: منصوب بنزع الخافض أي
إلى النبي ◌َّفقال عليه: لعلّك ترزق به: يعني إن الله تعالى ينصر هذِهِ الأُمّة ويرزقها بضعفائها،
فلا تكن شاكيًا، بل ينبغي لك أن تكون شاكراً. وظهر بهذا الحديث الشريف: إن من أسباب
الرزق أن یکسب الرجل للضعفاء فينصره الله تعالى بذلك، ويزيد في کسبه.
إِنّ في المَكان سعةً: أصله الوسع حذفت الواو، وزيدت التاء في آخره بدلاً عنها
كالوزن والزنة، ومعناه أي أن لاحاجة إلى تنحّيك يارسول الله! فإن المكان واسعٌ، فقال
النبي ◌ّ: إن للمسلم لحقاً إذا رآهُ أخوه جائيا إليه، وداخلاً عليه أن يتزحزح له عن مكانه
الذي هو جالسٌ فيه؛ إكراماً له وترحيباً.
عمر بن أبي سلمة : هو ربيب النبي ، أمّه أم سلمة من أزواجه ◌ُغَ، وأبوه عبد الله
بن عبد الأسد أخوه ثل من الرضاعة، توفي سنة أربع من الهجرة، فتزوّج رسول الله ◌َخَزَأمّ
سلمة بعد انقضاء عدّتها كانت امرأة مصبية أي ذات صبيان، فربّى النبي ◌ّ صبيانها،
وهذا معنى قوله حثّ: كنت غلاماً في حجر النبى. وكانت يدي تطيش: أي كنت أكل
يوماً معه فكانت يدي تطيش في الصحفة أي تدورُفيها وتتناول من كل جانب،

الباب الثاني
٦٢
في الوَاقِعَات وَالقصص
فقال لي رسُول الله ◌ّ: "سَمّ الله وكُل بيمينك وكُل ممّا يليك".
(رواه البخاري ومسلم)
(١٤) وَعَن أميّة بن مخشي ◌ِنَّه قال: كان رجلٌ يأكل، فلم يسمّ
حتى لم يبق من طعامه إلا لُقمة، فلمّارفعها إلى فيه، قال: بسم الله
◌ََّ، ثمّ قالَ: "مازال الشيطان يأكل
أوَّله وآخره، فضحِكَ النّبيّ
معه فلمّا ذكراسم الله، استقاءَمَا في بطنه". (رواه أبوداود)
فقال عاية: سمّ الله: أي اذكر اسم الله، أوقل بسم الله إذا أردت أن تأكل.
وكل بيمينك: أي بيدك اليمنى؛ فإنه من خصال الأنبياء والصالحين.
وكل مما يليك: أي مما يقربك، لا من كلّ جانب، وهذا إذا كان المأكول من نوعٍ
واحدٍ، وأمّا إذا كان من أنواعٍ مختلفة، فلا يمنع من التناول كما جاء في حديث عكراش
بن ذُويب. ثم الجمهور على سنية الأكل مما يليه منفرداً كان أومع الجماعة؛ لأن الأكل
من كلّ جانب غير ملائم، ومنبئ عن حرص صاحبه، ودالّ على سُوءِ العشرة مع
الأحباب، والأقرباء، ومن يأكل مابقي بعده. (من المرقات وغيره)
مازال الشيطان يأكل معه: من حين شروع ذلك الرّجل في الطعام؛ وذلك لأن الشيطان
لا يستطيع أن يأكل مع الّذي أراد أن ياكل فذكر اسم الله، وأما إذا لم يذكر، فإن الشيطان
يتمكّن من الأكل معه (كما جاء في رواية البخاري)
استقاء مافي بطنه: أي قاء تعمّداً؛ لأنّه إذا قال الرجل بسم الله أوّله وآخره، فقد
استوعب جميع أجزاء الطعام بذكر اسم الله تعالى، فكان حريّاً أن يخرج من بطنه، وكان
على الشيطان أن يستخرج من جوفه؛ لكونه عدوّ الله وعدوّ اسمه سبحانه وتعالى. وهذا
ممّا لا تدركه أبصار الناس، بل هو مُدرك ببصيرة صاحب النبوّة : ويظهر من الحديث
أنّ من نسي اسم الله في أول الطعام، يستحب له إذا ذكر أن يقول: "بسم الله أوّله وآخره".

الباب الثاني
٦٣
في الوَاقِعَات وَالقصص
(١٥) وعن عبد الله بن مَسعُود اللَّه قال: كُنّا يومَ بدر كلُّ ثلاثةٍ
على بعير فكان أبُو لُبابة وعليُّ بن أبي طالب زَميليْ رسول الله ◌ِّ:
قال: فكانت إِذا جَاءت عقبة رسُول الله بَّ: قالا: نحن نمشي
نوبة
عنك، قال: "ما أنتما بأقوى مِنّ، وما أنا بأغنى عَنِ الأجر منكما".
(رواه في شرح السّنّة)
(١٦) وعن عقبة بن عامر ف ◌ُه قال: لقيتُ رسُول الله وَ فقلتُ:
كنا يوم بدر: يعني يوم غزوة بدر (وقعت ٢هـ) كل ثلاثة على بعير: يعني أنّ الظهور
كانت قليلة، فلم يمكن أن يركب كل واحدٍ واحدٍ فرادى؛ لقِلتّها، فاشترك كل ثلاثة في
بعير واحدٍ، فكانوا يتناولون في الركوب والنزول. وقوله كلّ ثلاثة: مرفوع على أنه بدل
من ضمير كُنّا بدل البعض.
زميلي رسول الله : الزميل: العديل الذي حمله مع حملك على البعير، وأيضا
الزّميل: الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك، وهو الرّديف أيضًا، والزاملة:
البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع. والبعير: يقع على الذكروالأنثى من الإبل،
ويجمع على أبعرة وبعران، (قاله في النهاية)
عقبة: أي النّوبة، يقال: دارت عقبة فلانٍ أي جارت نوبته، ومنه الاعتقاب وهو التناوب
في الشيء واحدا بعد واحد.
قالا: أي أبولبابة وعلى ثمّ نحن نمشى عوضا عنك، قال: 23 جواباعن قولهما
ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجرمنكما: أي لو كنتما أقوى مني أو كنتما
أحوج مني إلى الثواب، لفعلت، وليس كذالك. وفي لفظ الحديث ما يدّل على أنّ هذا
السؤال والجواب قد تكرّرا، وفي إظهار احتياج نفسه الكريمة إلى الثواب تنبيه على أنّ
العبد محتاج إليه ولو بلغ في القرب كل مبلغ ودرجة. (اللهم ارزقنا اتباع رسولك $)

الباب الثاني
٦٤
في الوَاقِعَات وَالقصص
ما النّجاةُ؟ فقال: "أملك عليك لسانك، وليسعك بَيتُكَ،
وابك على خطيئتكَ". (رواه أحمد والترمذي)
(١٧) وعن عليّ ◌ُه قال: بينا رسول الله وَم ذات ليلة يُصلّى،
فوضع يده على الأرض، فلدغتْه عقربٌ، فناولها رسُول الله ◌ِّ
أي ضربها
بنعله، فقتلها. فلما انصرف، قال: "لعن اللهُ العقرب، ماتَدعُ مُصِلِياً
ولا غيره، أو (قال) نبيًّا وغيره، ثمّ دعا بملح وماءٍ، فجعله في إناء،
ثمّ جعل يصبُّه على إصبعه حيث لدغته، ويمسحُها، ويعوّذُهَا
بالمُعَوّذتين. (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
ما النجاة: أي كيف النجاة، وأيّ عمل الذي يوصل إليها، فقال: أملك: من الإملاك
كما هو المصحّح في النسخ، ولكن معناه ههنا غير ظاهر؛ لأن الإملاك مصدر بمعنى
التمليك: ولا معنى له ههنا، وقد ضبط بعض الشرّاح بكسر الهمزة، وقال في مجمع
البحار: هو أمر من الثلاثي أي احفظها عمالا خيرفيه (حاشية المشكاة)
لسانك: واللسان يذكر ويؤنث، جمعه ألسنة وألسن ولُسنُ، ومعنى الحديث: أن لا
تسعمله إلا فيما ينفعك، لافيما يضرك يكون عليك وبالاً؛ فانّ اللّسان جرمه صغير،
وجُرمُه كبير، لو حفظت لسانك، نجوت من مهالك الدنيا والآخرة.
وليسعك بيتك: أي لاتزل مشتغلاً في بيتك بأمور الآخرة ومصالح الأهل والولد، ولا
تخرج منه إلا لحاجة دينية كالجماعة والجمعة وغير ذلك، أو لحاجة دنيوية لابد من
انجاحها، فإن في خارج البيت فتناو مهالك تجذبك اليها.
وابك على خطيئتك: فإن خير الخطّائين التوابُون الذين يستغفرون الله لذنوبهم،
ویبکون علی سُوءِ حالھم مخافة أن یدر کھم عذاب الله.

الباب الثاني
٦٥
في الوَاقِعَات وَالقصص
(١٨) وعَن أسامة بن زيد لظَّه قال: بعثنا رسُولُ الله ◌ُخَّ إلى
أناسٍ من جُهَينة، فأتيتُ على رجل منهم، فذهبت أطعنه، فقال:
لا إله إلّ اللهُ، فطعنته، فقتلته، فجئتُ إلَى النّبِيّ ◌َلَّ فأخبرته،
فقال: "أقتلته وقد شهد أن لا إله إلّ الله "، قلتُ: يَا رسُول الله!
إنّما فعل ذلك تعوُّذاً، قال: "فهلّا شققت عن قلبه".
(١٩) وعن أبي هُريرة ◌َُّه (قال): إنّ رجُلاً تقاضى رسول الله وِّ
فأغلظ له فهَمَّ أصحابه، فقال: "دعُوه؛ فإنّ لصاحب الحق مقالاً،
اتركوه
أي قصدوا وأرادوا
بعثنا رسُولُ الله ◌َّإلى أناسٍ من جُهَينة: لندعوهم إلى الإسلام، ولنغزوهم إذا أعرضوا عنه.
فذهبت أطعنه: أي شرعت أضربه بالرمح. فقال: لا إله إلا الله: أي أقر بكلمة الإسلام.
فطعنته فقتلته: أي ظانا أن إسلامه ليس تصديقا من قلبه، بل قاله تعوّ ذاً مِّني صيانة لنفسه عن القتل.
هلاشققت عن قلبه: أي كيف علمت أنه فعل ذلك تعوّذاً، وما قال "لا إله إلا الله" من
صميم القلب، فلو كنت شاكاً في صدق إيمانه، لكان عليك أن تشقّ قلبه؛ لتعلم وتطلع
على ما في قلبه، وتبيّن لك الأمر الصحيح، ولايمكن ذلك، فكان عليك أن تكتفي بصلاح
ظاهره. وشق القلب مستعار للفحص والبحث عن حال قلبه، ولذا عدّاه بعن. وفي
الحديث دلالة على أنّا مأمورون بالحكم على الظاهر فقط، وليس علينا البحث عن قلوب
الرجال وبواطنهم، وعلى أن الصحابة ◌ّها كانوا يعرضون عليه ® مايعرض لهم في
الأسفار ويسألون عنه، وهذا من اهتمامهم بشأن الدين، وشدة حرصهم على العلم.
إن رجلاً تقاضى رسول الله و * إلخ: أي طلب حقّه ودينه منه ◌ُ. فأغلظ له: من
الإغلاظ، وهو إفعال من الغلظة أي تقاضى بكلام فيه غلظة وهي ضدّ الرقّة، ولعلّ
المتقاضي كان كافراً. فهمّ أصحابه أي قصدوا أن يمنعوه من الإغلاظ. فقال ◌َلَّ:
دعوه: أي اتركوه؛ فإن لصاحب الحق مقالاً، فينبغي للمديون أن يسمع قوله.

الباب الثاني
٦٦
في الوَاقِعَاتِ وَالقصص
واشترواله بعيراً فأعطوهُ إيّاه" قالوا: لا نجد إلّا أفضل
مفعول ثاني
من سِنّه، قال: "اشتروه فأعطوهُ إيّاه؛ فإنّ خيركُم أحسنكم
أريدبه البعير بحذف المضاف أي من ذي سنه
قضاءً". (رواهما البخاري ومسلم)
صيدانت.
وسشاعر
(٢٠) وعن أمّ سَلمة ◌ّ أنّها كانت عند رسُول الله
زوجة النبي "١ اسمها هند
وميمونة، إذ أقبل ابنُ أمّ مكتوم رحتُه، فدخل عليه، فقال
اسمهعبدالله أحدمؤذنیه آ و كان أعمى
هي أيضا زوجته ..
رسولُ اللهُ بَّ: "احتجبامنه"، فقلتُ: يا رسول الله! أليس
هو أعْمى؟ لا يبصرنا، فقالَ رسولُ اللهِ نَّمَ: "أفعمياوان أنتُما؟
أي لا ينظرنا
استفهام إنكار
ألستما تبصرانه؟" (رواه أحمد والترمذي وأبو داود)
(٢١) وعَن أبي هُريرة ◌ِثُه عن النّبِيّ ◌ُرَ قالَ: "كانت امرأتانٍ
معهُما ابناهما، جاءَ الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت
صاحبتها: إنّما ذهبَ بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك،
من سنّهِ: السّن: الضرس، ويُراد به ذوالسنّ، وأريد به ههُنا البعير كما يقتضيه سياق الكلام.
وميمونة: فيه ثلاثة أوجه: (١) الرفع للعطف على المستترفي كانت. (٢) النصب عطفاً
على إسم أنّ. (٣) الجر عطفاً على لفظ رسول الله، والأوجه هو الثاني.
أفعميا وان أنتما: تثنية عمياء، تأنيث أعمى، وهو استفهام إنكار.
ألستما تبصرانه: فيه ما يدل على شدة الاهتمام بالحجاب، وكان ذاك زمن عهد النبوة
فكيف فى هذا العصر المشحون بالفتن.

٦٧
فِي الْوَاقِعَات وَالقصص
الباب الثاني
فتحا کمتا إلی داود، فقضى به للکبری، فخرجتا علی سليمان بن
داود، فأخبرتاهُ، فقال: ائتوني بالسّكّين أشقّه بينكما، فقالت
الصّغرى: لاتفعل يَرحمكَ اللهُ هو ابنها، فقضى للصغرى" . (رواه البخاري ومسلم)
(٢٢) وَعن بُريدة ◌َّه قال: بينما رسُولُ اللهِ ◌ٌّ يمشي
على قدميه
إذجاءه رجل مَعَه حمارٍ، فقال: يارسول الله! اركب
على حماري
یر کبه
وتأخّرَ الرّجلُ، فقال رسُول الله ◌َ: "لَا أَنت أحقُّ بصدر دابتك
إلّا أن تجعله لى"، قال: جعلتُه لك، فركبَ. (رواه الترمذي)
صريحاً بعد علمك أنك أحق به
فقضى به للكبرى: لدليل ظهرله في ذلك الوقت، ولم يكن هذا الحكم من داود
(صلوات الله عليه وسلامه) بالوحي وإلّالم يخالفه ابنه سليمان عليهُ فقال سليمان عليه:
ائتوني بالسكين، قال ذلك اختباراً لشفقتهما؛ لتمييز الأمّ من غيرها. وهذه حيلة لطيفة أي
معرفة باطن القضية. أشقه: أي أقطعه لكما؛ ليكون بينكما نصفين، فقالت الصغرى:
لا تفعل يرحمك الله، جملة معترضة.
هو ابنها: أي لا أدعي أنه ابني بل أقرُّ الآن أنه ابنها، قالت ذلك شفقة على ولدها، وقالت في
نفسها: إنه إذا يبقى حيّا عندها، فأزوره مراراً، وتقرّ عيني برؤيته تارةً فتارةً، أما إذا شق
وقسم، فلا يبقى حيًّ فاختارت الأهون من الأمرين، وأما الكبرى فسكنت حين سمعت قوله
عليه: "أشقه" فظهر بذلك أنها كانت كاذبة في دعواها، ولذلك قضى سليمان عليه.
للصغرى إقامة للحق، ولعله (صلوات الله وسلامه عليه) أخبر بذلك أباه ثم قضى بأمره،
ومشورته. ولا يبعد أنهما تحاكمتا عنده أيضا بعد إن رجعتا من عندأبيه فقضى ماقضی.
وتأخّرَ الرّجلُ: أي قدم لرسول الله ريل حماره، وتأخّرعن مجلسه، وخلّاه له سلية.
وأراد أن يكون رديفه بث، ولم يجترئ أن يجلس أمامه غرّ، فقال رسول الله الحثّر: "لا" =

الباب الثاني
٦٨
في الوَاقِعَاتِ وَالقصص
(٢٣) وعن أنس رضا ه أن رجلا استحمل رسُول الله وُّ فقال:
"إنّي حَاملُك على ولدناقةٍ"، فقال: مَا أصنعُ بولد النّاقةِ؟ فقال
: "وَهَل تلد الإبل إلا النوق". (رواه الترمذي وأبوداود)
رسول الله
بضم النون جمع الناقة
= أي لاأجلس أمامك؛ لأنّك أنت أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله لي أي صريحاً بعد
علمك أنك أنت أحق به. وفي الحديث: أنه تستحبّ للراكب أن يقدّم مركبه للماشي إذا
كان فيه سعةً، ولا يضرّه ذلك، وفيه أيضًا أنّ الأحق بصدر مر کبه صاحبه، فلايجوز للغير أن
يركب ويتقدّم عليه من غير إذنه، وفيه أنه لابُدّله من الإعلام به إذا آثر صاحب المركب
والتكرمة أخاه المسلم على نفسه، فلو قدم من غير علم بذلك، لم يجزله أن يقبل من
غير الإعلام به، وروى مسلم عن أبي مسعود حنّ مرفوعاً: ولا يَؤْمَّنّ الرّجل الرجل في
سُلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلّ بإذنه، وينبغي في هذين أيضاً أن يُعلم صاحب
السّلطان وصاحب التكرمة أنك أحق بذلك إذالم يكن عالمابه.
أنّ رجلا استحمل إلخ: أي طلب أن يحمله على دابّة، والمرادبه أن يعطيه حمولة؛
ليركبها فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ ولد الناقة يطلق على الصغير منه، والكبير وإن كان
ولدها لكّنه لا يطلق عليه عرفا، ولذلك تعجّب ذلك الرّجل بقوله وَلَّ: "إنّي حاملك على
ولد النّاقة" وكان هذا القول منه ﴿وَ مزاحاً ولم يكن كذباً، ولذلك قال: عثيّةٌ "هل
تلد الإِبل إلا النّوق" والمعنى: أنّك لو تدبّرت، لما قلت ما قلت. ففيه له إرشاد إلى أنه
ينبغي لمن سمع قول غيره أن لا يبادر إلى ردّه قبل التأمل، والنّوق: بضم النون جمع النّاقة،
وهي أنثى الإبل. وفي الحديث: استحباب الممازحة مع الأصدقاء والخلّان إذالم يكن
الكلام كذباً، روى أبو هريرة أن أصحاب رسول الله وُّ قالوا: يارسول الله! إنّك
تداعبنا، قال: "إني لا أقول إلا حقّاً". (الترمذي)

٦٩
في الوَاقِعَات وَالقصص
الباب الثاني
صلابته
(٢٤) وعن أبي أيوب الأنصاريِّ تُه قال: جاءرجل إلى النّبيّ
فقال: عظني وأوجز، فقال: "إذا قمت في صلاتك، فصلّ
صلاة مودّع، ولاتكلّم بكلام تعذرمنه غدا، واجمع الإياس مِمَّا
من فتح يفتح وكرم يكرم بمعنى القنوط
في أيدي النّاس". (رواه أحمد)
(٢٥) وعن أنسٍ هُنَّه قال: بينما نحنُ في المسجد مَعَ
رسول الله (ّ إذجاءَ أعرابيٌّ، فقام يبُولُ في المسجد فقال
أصحابُ رسُول الله ◌َّ: مهمَهِ، فِقال رسُول ◌َّ:
اسم فعل بمعنى اكفف
عظني: على صيغة الأمر من الوعظ. وأوجز: أي عظ بكلام مختصر؛ لأسمعه وأعيه.
فقال ://: إذا قمت إلخ: أي تارك نفسَه وجميعَ ماسوى الله، وأقبل بكلك إلى جناب
الحق سبحانه وتقدّس بتوجه تام، وإخلاص کلي، ويحتمل أن يكون معناه مودع حياته أي
کن کأنك تصلّي آخر الصلوات في حياتك، وقد حان الرّحیل.
ولا تكلم بكلام تعذرمنه غدا: أي إذا أردت أن تتكلم، فتدبر عاقبته، ولا تكلم من غير
تدبرٍ؛ كيلا يكون وبالاً عليك، وكي لاتحتاج إلى الاعتذار منه، وكان بعض الصلحاء
لا يتكلم إلا قليلاً، فسأل عن ذلك، فقال: إنما أداوم على السكوت؛ لأني لم أندم على
السكوت قط، وندمت على الكلام مراراً.
واجمع الإياس: أمر من جمع يجمع، أو من أجمع يجمع أي اعزم على اليأس مما في
أيدي النّاس، واجمع خاطرك على القنوط مما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك، صرت محبوباً
لهم، ومكرماً، ومن اتّعظ بهذه المواعظ الثلاثة فقد حاز لنفسه راحة الدنيا والآخرة.

الباب الثاني
٧٠
في الوَاقِعَات وَالقصص
"لا تزرموه، دعوه". فتر گُوه حتی بال، ثمّ إنّ رسُول الله ٹاز دعاه،
لا تقطعوا عليه بولو اتركوه
فقال له: "إن هذِهِ المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، وإنّما
هي لذكرِ الله والصّلاة وقراءَة القُرآن" أو كما قال رسول الله شِّثُ قال:
الراوي وهو أنس
أي قال هذا القول أو قولاً شبيهًا به
وأمر رجلاً من القوم، فجاءَ بدلوٍ من ماءٍ، فشِنّه عليه.
(رواه البخاري ومُسلمٍ)
(٢٦) وعن طلق بن علي ؤُه قال: خرجنا وفداً إلى رسول الله صَ لـ
فبايعناه، وصَلّنا معه، وأخبرناه أنّ بأرضنابيعة لنا، فاستوهبناه من فضل
كنا نعبد فيها زمن الجاهلية
هو معبد النصارى
طهوره، فدعا بماءٍ، فتوضأ وتمضمض ثم صبّه لنا في إداوة وأمرنا،
إناءصغير من جلد أي أن نخرج
لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدّمع والبول إذا انقطعا، وأزرمته إذا قطعته.
دعوه: أي اتركوه حتى يبول؛ فإنكم لو قطعتم بوله يتضرر بذلك، وبعثتم ميسرين، ولم
تبعثوامعسرين كماوردفي رواية أبي هريرة ييّ فتر كوه حتى بال.
ثم إن رسول الله بقية دعاه: ليعظه، ويعلّمه آداب المسجد، ولم يزجره؛ لكونه أعرابيًّا غير
عالم بها. وفيه إرشاد منه ثم إلى أن طريق الإصلاح هو الرفق والرّحمة، لا العنف والشدّة، نعم!
قد يحتاج إليهما أيضا كما غضب رسول الله على معاذبن جبل يعيد حين أطال القراءة في
الصلاة. فشنّه: قال في النهاية: أي صبه والسنَّ الصب في سهولة، ويروى بالشين.
خرجنا وفداً: قول طلق بن علي ميّ خرجنا وفداً وهم الذين يجتمعون، فيسافرون، ويردون
البلاد، واحدهم وافدوا الّذين يقصدون الأمراء لزيارة وغيرها، تقول: وفد يفد فهو وافد.
فبايعناه: والمبايعة في مثل هذا المقام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنّ كلّ واحد منهما
باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصةً لنفسه وطاعته ودخيلة أمره (قال في النهاية)
إنّ بأرضنابيعة لنا: البيعة بالكسر معبد النصارى، جمعه بيع بكسر الباء وفتح الياء، قال
الله (عزوجلّ): ٥ نَهْدَمتُ صوامع وبيعٌ وَصلواتُ ها (الحج: ٤٠) الآية.
فاستوهبناه: أي طلبنا منه أن يهب لنا. وقوله: في إداوة: بالكسر، إناء صغير من جلد
يتخذ للماء، وجمعها أداوى (قاله في النهاية)

الباب الثاني
٧١
في الوَاقِعَات وَالقصص
فقال: "أُخرجُوا فإذا أتيتم أرضكم، فاكسرُوا بيعتكم، وانضِجُوا
وصلتم إليها
مَكانها بهذا الماء، واتّخذوهَا مسجدا" قُلنا: إنّ البلد بعيد، والحرّ
شديدٌ، والماء ينشف، فقال: "مُدّوه فإنّه لا يزيده إلا طيباً". (رواه النسائي)
أي يقل بالجفاف من المدأي زيدوه
(٢٧) وعَن جُويرية فِِّمَا أَنَّ النّبِيِّ خرج من عندها بكرة حِين
أي صباحاً أول النهار
زوجة النبي وهي بنت الحارث
أي دخل في وقت الضحى
أي موضع صلاتها
صَلّى الصُّبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي
جَالسة، قال: مازلت على الحال الّتي فارقتكِ عليها؟ قالت: نعم،
قالَ النّبيُّ ◌َلَّ: "لقد قلت بعدك أربع كلماتٍ ثلاث مراراً، لووزنت
فعل مجهول
أي بعد مفارقتك
بما قُلتِ اليوم، لوزنتهنّ سُبْحَانَ اللهِ وَ بحَمدِه عدد خلقه ورِضا
فعل معروف
نفسه وزنة عرشه ومِدَادَ كلماته". (رواه مسلم)
قوله: الماء ينشف: أي يقل بالجفاف، قال ابن الأثير في النهاية: أصل النشف دخول
الماء في الأرض، نشفت الأرض أي شربته.
لوزنتهنّ: أي لساوتهن، أورجحتهن. عاد الضمير إلى معنى ما قلت وهي الكلمات قوله من
سبحان الله وبحمده عدد خلقه: بيان للكلمات الأربع التي قالهنّ بَّ بعدها.
سبحان الله: أي أنّه الله تعالى، وأبرّئه من العيوب، أصل التسبيح التنزيه، والتقديس، والتبرئة،
من النقائص، والسُّبحان مصدر كالتسبيح، وهو منصوب على المصدرية أي أُسبّح الله سبحانا
وبحمده أي وأنطق بحمده عدد خلقه منصوب بنزع الخافض، وكذا معطوفاته أي بعدد
خلقه وقيل: على الظرفية أي قدر عدد خلقه وقيل: على المصدرية. والمعنى: أعدّ تسبيحه،
و خلقه، وبمقدار مایرضاه، و بما يساوي ثقل عر شه، وبعدد كلماته.

الباب الثاني
٧٢
في الوَاقِعَات وَالقصص
(٢٨) وعن أبي قتادة ثّه قالَ: قالَ رجلٌ: يارسول الله! أرأيتَ
إن قتلتُ في سَبيل اللهِ صابراً مُحتسبا مقبلاً غير مُدبر يُكفّر الله
عن الزحف بحذف الاستفهام
أي العدو
عنّي خطاياي؟ فقال رسُولُ اللهِ وُّ: "نعم" فلمّا أدبر، ناداهُ
أي الرجل
فقال: "نعم إلا الدَّين كذلك قال جبريل". (رواه مُسلم)
فإنه من حقوق العباد
يعني النبي ◌ِآ.
(٢٩) وعن أبي ذرّ م ◌ُه قال: دخلتُ على رسُول الله لَّ فذكر
الحديث بطوله إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أوصني، قال:
"أوصيك بتقوى الله، فإنّه أزين لأمرك كُلّه"، قلتُ: زدني قال:
"عليك بتلاوةِ القرآن وَ ذِكر اللهِ عزّوجلّ، فإنّهَ ذِكرٌّ لَكَ في السّماءِ
مُحتسبا: من الاحتساب، وهو من الحسب كالا عتداد من العدّ أي ناوياً بقتله وجه الله
تعالى قوله: يكفّر الله عني خطاياى: أي من التكفير مجرده كفر، وهو السّتر، وتکفیر
الخطيئة سترها ومحوها. والكفارة: الخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها
وتمحوها إلا الدّين فإنه لا يكفّر؛ لكونه من حقوق الناس، قال الشيخ المحدّث الدّهلوي:
فيه دليل على أنّ في حقوق العباد لضيقا.
فذكر الحديث بطوله: أخرجه بتمامه المنذري في كتاب الترغيب والترهيب.
أوصني: من الإيصاء وهو إفعال من الوصيّة أوصاه ووصاه عهد إليه.
فإنه أزين لأمرك كلّه: أي لأمور دينك؛ ودُنياك فإن من اتَّقى الله عزّوجلّ
حازصلاحهما، وتحمّل له کل شأنه. قلت زدني: وصيتك.
ذكرلك في السماء: كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ◌َ﴾ (البقرة: ١٥٢) ورد في
الحديث المرفوع: "لايقعد قومٌ يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة،
ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"(رواه مسلم)

الباب الثاني
٧٣
في الوَاقِعَات وَالقصص
وَنورّلكَ في الأرضِ"، قلت: زِدني، قال: عليكَ بطُول الصّمت،
فإنّه مطردة للشيطان، وعَونٌ لك على أمردينك"، قُلت: زدني،
وهو السكوت
أي معین
أي سبب لطرده
قال: "إيّاكَ وكثرة الضّحك، فإنّه يميتُ القلب، ويذهبُ
أي یورث قساوته ويلهيه عن الله تعالى
بنُور الوجه"، قلتُ: زدني، قال: "قل الحق وإن كان مُرًّا"، قلتُ:
زدني، قال: "لا تخف في الله لومة لائم"، قلتُ: زدني، قال:
أي في امتثال أوامره والاجتناب عن نواهيه
"ليحجزك عن النّاس ما تعلم عن نفسك". (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
من عيوبك
أي ليمنعك
أي عن عيوبهم
ونورٌلك في الأرض: أي في هذا العالم؛ لكون ذكر الله سبب ظهور نور المعرفة واليقين.
عليك بطول الصّمت: أي السّكوت. فإنه مطردة للشيطان: أي سبب لطرده؛ لأنّه
لايزال يرصد أن يغويه ويدحضه، وأكثرما يتمكّن من الإضلال والإغواء فيتسلّطه على
لسان العبد، فإذا لازم العبد كف لسانه، صار الشيطان مطروداً أو خائباً.
وعَون: أي مُعين لك. على أمر دينك: لأنك إذا حفظت لسانك تيسرلك التّمسك بالدّين.
فإنّه: أي كثرة الضحك يميت القلب أي يورث قساوته ويلهيه عن ذكر الله عزّ وجل، فإنّ
موت القلب غفلته عن ذكر الله سبحانه، كما جاءفي الحديث المتفق عليه "مثل الذي
يذكر ربّه والذي لا يذكر مثل الحيّ والميّت".
ويذهبُ بنورالوجه: أي يزيل نوره الذي يظهر في وجوه الصالحين، وليس المراد به
حُسن الخد وصباحة الوجه؛ فإنّ النّور غيرهما. قوله ﴿: ليحجزك: أي ليمنعك عن
الناس أي عن عيوبهم.
ما تعلم من نفسك: أي من عيوب نفسك أي كن مستحضراً لعيوب نفسك واشغلها بإزالة
ما فيها من العيوب. فاذا فعلت ذلك لم تجد في عمرك زمانا تعيّب فيه أحداً او تعيّره وتغتابه،
وهذا معنى قوله * ليحجزك عن الناس وقال قائل في ذلك.

الباب الثاني
٧٤
في الوَاقِعَات وَالقصص
(٣٠) وعن أبي هُريرة ◌ُهُ أنّ رسُول الله ◌َّ قال: "أتدرون
ما الغيبة؟" قالوا: اللّهُ ورسُوله أعلم، قال: "ذكرك أخاكَ بما
مضاف الى فاعله مفعول
يكرهُ، قيل: أفرأيتَ إن كانَ في أخِيْ ما أقول؟ قال: "إن كان فيه
أخبرني
ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه". (رواه مسلم)
(٣١) وعَن جَابر الظُه قال: قالَ رسول الله مُّ: "أوحَى اللهُ
عزّوجلّ إلى جبريل عليه أن أقلب مدينة كَذا وكذا بأهلها، فقال:
أي مع أهلها
أي اجعل عاليها سافلها وبالعكس
ياربّ! إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال: أقلبها عليه
ءُ
وعليهم؛ فإنّ وجهَه لم يتمعّر فيّ ساعة قط". (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
لم يتغير
(٣٢) وعَن ابن مَسعُود ◌ُّهَ أَنّ رسُول الله وَّ نامٍ عَلى حصِيرٍ، فقام
وقد أثّر في جسده، فقال ابن مَسعُودٍ: يارسول الله! لو أمَرتنا أن
نبسط لك ونعمل، فقال: "مالي وللدنيا، ومَا أنا والدّنيا إلّا كراكب
أي نحصل ونكسب لك
بساطا لينا
استظلّ تحت شجرةٍ ثمّ راح وتركها". (رواه الترمذي وابن ماجة)
بهتّه: من البهتان والبهتان أعظم من الغيبة وهو لا يخلو منها
لم يتمعّر: أي لم يتغير، وأصله قلة النّضّارة وعدم إشراق اللّون، يقال: تمعرلونه عند
الغضب أي تغيّر (حاشية المشكاة) وفي القاموس: معّروجهه غيّره غيظاً، فتمعّر فيّ أي
أحكامي إذا تنقض وحدودي إذا تعتدى، وفيه دليل على أنّ النّاس إذا رأوا منكراً فلم
یغیروه ولم ینکرواعلیه وإن کان بالقلب، عمّهم الله بعقاب وإن كانوا عابدین ذا کرین.
لو أمَرتنا أن نّبسط لك: فراشاً لّنا. ونعمل: أي نكسبُ الأموال ونهيّء لك وجوه
التنعم، فقال رسول الله في : "مالي وللدنيا" أي ليس لي بها ألفة، وليس لها بي ألفة حتى
أرغب فيها، وأجمع زخارفها، هذا إذا كانت مانافية، وأما إذا كانت للاستفهام، =

الباب الثاني
٧٥
في الوَاقِعَات وَالقصص
(٣٣) وعن أبي مَسعود ◌ُه قال: كُنتُ أضربُ غُلامِاً لي، فسمعت
%
من خلفي صوتاً، "اعلم أبامسعودٍ! لله أقدر عليك منك عليه"، فالتفتّ
بحذف حرف النداء
فإذا هو رسُول الله ◌َ، فقلت: يا رسولَ اللهِ! هُو حرّ لوجه الله،
علی صیغته المتكلم .
فقال: "إمّا إنّك لولم تفعل للفحتك النّار أو (قال) لمسّتك النّار".
بلام التأكيد من المسّ
أي نار جهنم
(رواه مسلم)
(٣٤) وعن ابن عباس أنّهما قال: كنتُ خلف رسول الله وُّ يوماً
رديفا أو ماشيا
هو عبدالله
فقال: "ياغلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،
أي أمامك
أي احفظ حقوق الله وحدوده
بالجزم جواباً بالأمر
= فالمعنى أي أيّ ألفة لي بها ومحبة، وأيّ ألفة لها بي ومحبة. وما أنا والدنيا
إلاكراكب استظلّ الراكب تحت شجرة ثمّ راح أي ارتحل وتركها من غير أن يجمع
أوراقها وأغصانها، وأن يبني تحتها بيوتاً مرتفعة، أو أن يفرش فرشا مرفوعة. وفي
الحدیث تنبيه على أنه ينبغي لمن يتبعه ( أن یکون قليل المتاع في الدنيا.
فقلت يارسول الله هو حرّ: أي معتق مِنّي لوجه الله أي لابتغاء رضوان الله. وفعل ذلك
تحرزاً عن المعصية؛ لئلا يقع فيها فأعتقه دفعاً لسبب المعصية عن نفسه، ومثل هذا كثير في
قصص الصّحابة ﴿م وكانوا راغبين في الآخرة أشدّ رغبة، وهاربين عن عذابها أشد هَرب
فقال ◌َّ: "إما إنك لولم تفعل ذلك للفحتك النّار" لظلمك على ذلك العبد. معنى لفحتك النار
أي ضربتك بلهبها، ومنه قوله تعالى ﴿ِتَلْفَحُ وُ جُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَبَه (المؤمنون: ١٠٤) أو
قال لمستك النّار بلام التاكيد من المسّ، والمراد بمسها إحراقها وضربها بلهبها.
ياغلام: قوله وَ لابن عمّه عبد الله، ياغلام: بضمّ الميم؛ لكونه نكرةً مقصودةً.
احفظ الله: المراد به حفظ فرائضه، وحدوده، وملازمة تقواه، واجتناب نواهيه ومالا يرضاه.
يحفظك: من مكاره الدنيا والآخرة. احفظ الله تجده تجاهك أي أمامك، والمعنى
تحده مسارعاً لإنجاح حوائجك، ومامسّتك حاجة إلا أن وجدته قدقضاها، وتجده
حيث توجّهت، والتّجاه: أصله وجاه بضم الواو وكسرها، قلبت تاء كما في التراث.

الباب الثاني
٧٦
فى الوَاقِعَات وَالقصص
وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة
أي سائر الخلق
لو اجتمعت على أن ينفعُوك بشيء، لَم يَنفعُوك إلا بشيء قد كتبه الله
لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه
الله عليك، رفعَت الأقلامُ وجفت الصّحف. (رواه أحمد والترمذي)
عمن صحف المقادير بعد كتابتها التر فيها مقادير الكائنات
وإذا سألت شيئًا: أي أردتّ سؤاله فاسأل الله أن يعطيك ولا تسأل غيره؛ فإنّ خزائن الجود
بیده، ولا قادر ولا معطي إلا هو، فهو أحق أن يقصد، وأحری أن يسأل منه کل قليلٍ و كثير
وعظيم وحقير، كما جاء في رواية أنس ◌ّهه مرفوعاً "يسأل أحدكم ربّه حاجته كلها حتى
يسأل شسع نعله إذا انقطع "(رواه الترمذي) وإذا استعنت: أي أردت أن تطلب المعونة
على أمرمن أمور الدنيا والآخرة، فاستعن بالله؛ لأنه القادر على كل شيء وغيره عاجز عن كل
شيء حتى عن جلب مصالح نفسه ودفع مضارها، فهو المستعان كما قال الله عزّوجلّ :
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) بتقديم المعمول؛ ليفيد الحصر والاختصاص.
اعلم أنّ الأمة: المراد بالأمة ههُنا سائر الخلق قاطبة، وأما مدلولها وضعًا وعرفا فالجماعة واتباع
نبي والرجل الجامع للخير المقتدى به، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمََّ﴾ (النحل: ١٢٠)
والزمان، نحو قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةِ﴾ (يوسف: ٤٥) لو اجتمعت أي لو اجتمع آحادها
وأفرادها على أن ينفعوك بشيء مما شئت أو مما شاءوا، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو
اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ فإنه لارادٌ لما قضى الله،
ولا مُعطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّ فلا كَاشِفَ
لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (يونس: ١٠٧) والمعنى
وَخِّدِ الله تبارك وتعالى في إيصال الضّرر والنفع، فهو الضار النافع، ليس لأحد في ذلك شرك وهو
المؤثر في الوجود سبحانه وتعالى، فيه حث على التوكل والاعتماد عليه عزّوجلّ في جميع
الأمور، رفعت الأقلام عن الصّحف بعد كتابتها المقادير، وجفت الصحف التي فيها مقادير
الكائنات؛ فلا يقع فيها تبديل أو نسخ ولا تغير عمّا هي عليه، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها،
ومن علم ذلك وتيقن به، هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه.

الباب الثاني
٧٧
في الوَاقِعَات وَالقصص
(٣٥) وعن عَبد الرّحمن بن عبدالله عن أبيه قال: كُنّا مع
رسول الله ◌ّ في سفرٍ، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها
فرخان، فأخَذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة، فجعلت تفرش، فجاء
النبيّ ◌ََّ، فقال: "مَن فجع هذه بولدها؟ رُدّوا ولدهَا إليها" ورأى
أي تبسط جناحيها
ولدان لها
أي او جع
قرية نمل قد حرّقناها قال: "من حرّق هذه"؟ فقلنا: نحن. قال:
"إنّه لا ينبغي أن يُعذّب بالنّار إلّا رَبُّ النّار". (رواه أبوداود)
وهو العزيز القهار
(٣٦) وعن عبد الله بن عَمرو ◌ّه أنّ رسُول الله ◌ُّمرّ بمجلسين في
مسجده، فقال: "کلا هما علی خیر، وَأحدُهما أفضل من صاحبه،
و بن العاص ميّه
أمّا هؤلاءِ فيدعُونَ الله ويرغبون إليه، فإن شاءَ أعطاهم، وإن شاء
قال ذلكمشیرا إلى أحدالمجلسین وهمالذین کانواید کرون الله ويدعونه
منعهم، وأُمّا هؤلاء فيتعلّمون الفقه أو (قال) العلم، ويُعلّمونَ
من باب تفعيل
الجاهل، فهم أفضل، وإنّما بعثت مُعَلّمًا" ثم جلس فيهم. (رواه الدارمي)
من الآخرين
فرأينا حمرة: هي طائر صغير كالعصفور، معها فرخان لها، وهو تثنية الفرخ، قال في
القاموس: الفرخ ولد الطائر وكل صغير من الحيوان والنبات، جمعه أفرخ وأفراخ.
فجعلت تفرش: بحذف إحدى التائين من التفعل من تفرش الطائر إذا بسط جناحيه أي
جعلت تفرش بجناحيه على فرخيها تعطفا عليهما، فقال : "من فجع هذه بولدها"؟ أي
من أوجعها وأذاها بأخذولدها وحبسه. رُدّوا ولدها إليها؛ ليذهب فزعها ووجعها، ورأى قرية
النّمل مجتمع ترابها الّتي تسكن فيها، لا ينبغي أن يُعذب بالنّار إلاربّ النّار وهو الله عزّ وجل.
وإنما بعثت معلّمًا: بيان للدليل على كونهم أفضل من الآخرين، ثم أظهر النبي ◌ْ *
فضلهم بعمله حيث جلس فيهم، وشبّه عملهم بعمله الذي بعث به هو رُّ، والفقه لغة:
الفهم، والمراد ههنا علم الشريعة وفهمها.

الباب الثاني
٧٨
في الوَاقِعَات وَالقصص
(٣٧) وعن عائشة فَنَّه قالت: جَاءَ رجلٌ فقعد بين يدي رسول الله
فقال: يا رسُول الله! إنّ ◌ِى مَملوكين يكذبُونَني ويخونونني ويعصونني،
أي يكذبون لدي في الأخبار والأقوال
اسم إن مؤخر
وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ◌ِّ.
أي أسبهم
"إذا كانَ يَومُ القيامةِ، يحسبُ ماخانوك وعصَوك وكَذْبُوك،
وعقابُك إيّاهُم، فإن كان عقابك إيّاهُم بقدرٍ ذُنُوبهم، كان كفافا،
أي ويحسب عقابك
لالكَ ولاعليكَ، وإن كان عقابُك إيّاهم دُون ذُنوبِهم، كانَ
فضلاً لكَ، وإن كانَ عقابُك إيّاهُم فوق ذنوبهم، اقتصّ لهم
منك الفضلُ" فتنحّى الرّجل، وجعل يهتف ويبكي، فقال له
رسُول اللهِ بَُّ: "أما تقرأ قولَ الله عزّوَ جلّ": ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ
حَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ فقال الرّجُل: يا رسولَ اللهِ!
(الأنبياء: ٤٧)
فكيف أنامنهم: أي فكيف يكون مالي من أجلهم وبسببهم عند الله عزوجل.
كان كفافا: كفاف الشىء مالا يفضل عنه. (برابر سرابر)
لالك ولا عليك: بيان لكفاف أي لالك فيه ثواب ولاعليك فيه عقاب.
كان فضلالك: أي يكون الفضل لك ويقتص الفضل لك منهم.
اقتص: على زنة المجهول من الاقتصاص أي أخذ منك القصاص.
فتنحى الرّجل: أي بعد من مقامه وتحول إلى الناحية. فجعل يهتف أي يصيح ويبكي
على نفسه متفكراً فيما يعامل به يوم القيمة.

الباب الثاني
٧٩
في الوَاقِعَاتِ وَالقصص
ما أجدُ لي ولهؤلاءِ شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدُكَ أنّهم كلّهم أحرار.
(رواه الترمذي)
صلىالله
(٣٨) وعَن أنسِ اللَّه قال: جاءَ ثلاثة رهط إلى أزواج النّبيّ
يسألُونَ عَن عبادة النّبيّ، فلمّا أخبروا بها كأنّهم تقالّوهَا،
أشهدك أنهم كلهم أحرار: جمع الحرّ أي عتقاء، ولا يخفى مافيه من تعاظم الصّحابة
حساب يوم القيمة، وتفكرهم في ذلك، وتجنبهم عن الدنيا مخافة عذاب الآخرة، فهل
أحد يقتدى بهم مؤيد تفسير قوله ونضع الموازين القسط أي ذوات العدل، وإفراد
القسط، لانه مصدر، وصف به للمبالغة ليوم القيامة أي لجزاء يوم القيامة أو لأهله أوفيه،
كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر، فلا تظلم نفس شيئا: من نقص حسنة أو زيادة
سيئة، وإن كان العمل مثقال حبة من خردل أي مقدار حبة منه ﴿ أَتَيْنَا بِهَاءَه (الانبياء: ٤٧)
أي أحضرناها، ﴿وَ كَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧) إذ لامزيد على علمنا وعَدلنا.
جاءَ ثلاثة رهط: الرَّهط مادون العشرة ولا واحد له من لفظه، جمعه أرهط وأراهط وإرهاط
وأراهيط، ومنه قوله عزوجل ﴿ وَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَحْطِ بَ﴾ (النمل: ٤٨) إلى أزواج النبي
أي زوجاته جمع الزوج، وهو يطلق على البعل والزوجة. يسألون عن عبادة النبي ﴾؛
ليقتدوا به وليتبعوه، والمراد بعبادته لرههنا العبادة في البيت أي سأل أولئك الرهط أنه دخل
كيف يصلّي في البيت ليلاً ونهاراً سوى المكتوبة، هل يداوم على الصوم أم لا؟ فقالت
أزواجه " إنه يصوم ويفطر، ويصلّي اللّيل ويرقد، ويباشر نساءه، فلمّا أخبروا بها.
كأنهم تقالّوها: أي زعموا أنها قليلة، من التقالل وهو تفاعل من القلّة، وزاد أنس ظنّ، لفظة كأنّ؛
لأنّهم لم يصرّ حوابها، بل يفهم ذلك مما قالوه بعد ذلك من قولهم: أين نحن من النبى 12 أي
لسنا نساوي النبي في مرتبته العليا؛ فإنه حبيب الله ومصطفاه ومغفورله، فتكفي له العبادة
القليلة، وأما نحن، فكثيرة خطايانا، فلا تكفي لنا العبادة القليلة، فيجب علينا إكثارها بالغة ما
بلغت زائدة على عبادته ، وأخطؤوا في اجتهادهم ولم يعلموا أن اتباع النبي من هو العبادة
المتقبّلة، وما أحد أفضل عبادة منه (صلواتُ الله عليه وسلامُه) ولذا قال بُّ " أما والله إني
أخشاكم لله وأتقاكم له، فمن شاء أن يصير أعبد النّاس واتقاهم فليتبعه، فَقُ وليقتف آثاره.