Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم سُئِلَ يَقولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتونْ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ عُمَيْرِ الرَّاوي عَنْ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ: فَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِباهُ عَلى عَيْنِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَواري في الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) بالنفس، وطول الفقر بالمال، والوقوع والوقوع في الفتن بالدين (وكان) أي: أسامة (بعد ذلك) أي: المذكور من دعاء سعد عليه (إذا سئل) إذ قيل له كيف أنت (يقول شيخ) أي : أنا شيخ (كبير) أي: بالدعوة الأولى. زاد الطبراني: فقير أي: بالدعوة الثانية (مفتون) أي: بالثالثة (أصابتني دعوة سعد) جاء في رواية: أنه عمي واجتمع عنده عشر بنات. ولابن عدي: ولا تكون فتنة إلا وهو فيها. وفي فوائد الملخص أنه عاش إلى أن أدرك فتنة المختار الكذاب الذي ادعى النبوة فقتل فيها. وقد كان سعد معروفاً بإجابة الدعوة. روى الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد أن النبي : ((قال اللهم استجب لسعد إذا دعاك)) (قال عبد الملك بن عمير) بضم العين المهملة، وفتح الميم وسكون التحتية، ابن سويد اللخمي حليف بني عدي الكوفي، ويقال له الفرس بفتح الفاء والراء ثم مهملة، نسبة إلى فرس سابق، وكان يقال له القبطي بكسر القاف وسكون الموحدة، وربما قيل ذلك لعبد الملك بصري فصيح عالم تغير حفظه وربما دلس، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وله مائة وثلاث سنين، كذا في التقريب، وسكت عن بيان كونه تابعياً وطبقته فيهم (الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته) أي: أبصرته (بعد) بالضم بحذف المضاف إليه ونية معناه (قد سقط حاجباه على عينيه) جملة حالية من المفعول به وقوله: (من الكبر) بيان سبب سقوطهما عليهما وهو بكسر الكاف وفتح الموحدة (وأنه ليتعرض للجواري في الطرق) بكسر الهمزة، من إن على أن الجملة حالية، وفتحها عطفاً على مفعول رأيت. وجاء في رواية يتعرض فيتعين معها كسر الهمزة(٢) (فيغمزهن) بإعجام الغين والزاي، أي: يقصد أصابعهن بأصابعه (متفق عليه) وفيه من الفوائد غير ما تقدم أن من سعى به من الولاة يسأل عنه في موضع عمله أهل الفضل منهم، لسؤال عمر لأهل المساجد الملازمين للصلاة فيها. وأن الإِمام يعزل من يشتكي وإن كذب عليه إذا رآه مصلحة، لئلا يبقى عليهم أميراً وفيهم من يكرهه خوفاً من مساءة في (١) أخرجه البخاري في كتاب: الآذان، باب: وجوب القراءة للإِمام (١٩٦/٢، ١٩٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر، (الحديث: ١٥٨) (٢) الصواب العكس فالكسر متعين مع اللام لا مع حذفها. ع ٣٢٢ ١٥ - كتاب: الدعوات ١٥٠٤ - وعَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ سَعيدَ بنَ زَيْدِ بنَ عَمْرِو بنٍ نُفَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوى بِنْتُ أَوْسٍ إِلَى مَرْوانَ بنِ الْحَكَمِ وادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِها، فَقالَ سَعيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِها شَيْئاً بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ له! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه يَقولُ: (مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الْأَرْضِ ظُلْماً ◌ُوِّقَهُ إِلَى سَبْعٍ أَرَضِينَ)) فَقالَ لَهُ مَرْوانُ: العاقبة فإن عمر قال: له ذلك الظن بك. فصرح بأنه لم يعزله عن عجز ولا خيانة. وفيه خطاب الرجل بمدحه في وجهه إذا لم يخف فتنة بإعجاب منه. ١٥٠٤ - (وعن عروة بن الزبير) الأسدي التابعي الجليل (أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وتخفيف التحتية، أحد العشرة المبشرة بالجنة (خاصمته أروى) بفتح الهمزة والواو وسكون الراء بينهما (بنت أوس) بفتح فسكون آخره سين مهملة. ورأيته بخط الحافظ ابن سيد الناس في مؤلفه المقامات العلية أويس بالتصغير (إلى مروان بن الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف ابن أبي العاص، ابن أمية الأموي المدني ولي الخلافة وكانت الشكوى إليه وهو أمير على المدينة (وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها) وأدخله في أرضه لأنها كانت مجاورته (فقال سعيد: ما كنت آخذ من نصيبها) بيان لقوله: (شيئاً)، اهتماماً ومبالغة في التنزه عما يتعلق بأرضها (بعد الذي سمعت) العائد فيه محذوف اختصاراً (من رسول الله وَ (*) أبهمه للتشوق إليه فيسأل عنه فيذكره عن طلب فيكون أقر عند السامع فلذا (قال) أي: مروان (ماذا سمعت) الأنسب بقول سعيد الذي سمعت جعل ذا موصولة، والعائد محذوف، ويجوز إعراب ماذا مفعولاً مقدماً لسمع فلا محذوف. (من رسول الله (وَل قال: سمعت رسول الله (وَ﴿ يقول من أخذ شبراً) كناية عن منتهى القلة في المأخوذ (من الأرض) يحتمل كونه لغواً متعلقاً بالفعل، وكونه مستقراً صفة شبر (ظلماً) أي: حال كونه ظالماً أو تمييز، أي: بجهة الظلم (طوقه) بالبناء للمفعول للعلم بالفاعل، وهو الله سبحانه وتعالى (إلى سبع أرضين) بفتح الراء معناه أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق حقيقي. وقيل: معناه أنه يعاقب عليه بالخسف إلى سبع أرضين، فيكون كل أرض في تلك الحالة طوقاً في عنقه، ويعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك. قال السيوطي: وهذا أصح، والحديث تقدم مشروحاً في باب تحريم ٣٢٣ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقالَ سَعيدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَها، واقْتُلُها في أَرْضِها، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُها، وبِيْنَمَا هِيَ تَمْشي فِي أَرْضِها إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعيدٍ، وَأَنَّها مَرَّتْ عَلَى بِثْرِ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتْهُ فِيها فَوقَعَتْ فِيها فَكَانَتْ قَبْرَها (١). الظلم، وفي الحديث أقوال أخر ذكرها في الفتح وغيره (فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا) أي فعلمك بذلك مع خوفك من الله ومعرفتك بالله، ومعرفتك بعذابه أقوى مانع من أخذ شيء من ذلك (فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة) أتى بإن مع تحققه كذبها لاحتمال صدقها في نفس الأمر بأن دخل بعض أرضها في أرضه غفلة، أو فعله بعض الخدم من غير علم به (فأعم) بقطع الهمزة (بصرها واقتلها في أرضها) أي: اجعل موتها بسببها أو ناشئاً عنها (قال) أي عروة (فما ماتت حتى ذهب بصرها) أي: القوة المودعة في العينين. جاء في رواية ذكرها الحافظ في الفتح عند ابن حبان: أن سعيداً ترك لها ما ادعت فيه. وفي رواية لغيره فجاء سيل فأبدا عن حفيرتها فإذا حقها خارج عن حق سعيد، فجاء سعيد إلى مروان فركب معه والناس حتى نظروا إليها (وبينما هي تمشي في أرضها) لسقي النخل والقيام بأمره (إذ وقعت في حفرة فماتت) فحقق الله كذبها بوجود ما سئل معلقاً عليه (متفق عليه وفي رواية لمسلم) في الصحيح أيضاً (عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر) قال في التقريب: هو ثقة من الثالثة أي: أواسط التابعين الحديث (بمعناه) أي: وإن اختلف بعض مبناه (وأنه رآها عمياء تلتمس الجدر) لتهتدي بها إلى مقصدها (تقول) جملة حالية من مفعول رأى أو مستأنفة (أصابتني دعوة سعيد) ففيه إجابة دعاء سعيد (وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها فوقعت فيها) فماتت (فكانت) أي: صارت (قبرها) أي: محله بأن دفنت فيه، وكان غور الماء منها بسببها، أو صارت سبب ولوجها قبرها، وفي الفتح في المثل يقولون إذا دعوا ((كعمى الأروي)). قال ابن الزبير: في روايته ((كان أهل المدينة يقولون عماه الله تعالى (١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين وأخرجه في كتاب: المظالم (٢١١/٦). وأخرجه مسلم في كتاب المساقاة باب: تحريم الظلم وغضب الأرض وغيرها (الحديث: ١٣٧). ٣٢٤ ١٥ - كتاب: الدعوات ١٥٠٥ _ وعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أُحُدّ دَعاني أَبي مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: مَا أُراني إِلّ مَقْتُولاً في أوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ، وإِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيٍّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللّهِ وَ، وإِنَّ عَليَّ دَيْناً فَاقْضٍ واسْتَوْصٍ بِأَخَواتِكَ خَيْراً، فَأَصْبَحْنا، فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ، ودَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةٍ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمَ وضّعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرِ عَلى حِدَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). كعمى أروى)) يريدون هذه القصة قال: ((ثم طال العهد فصار أهل الجاهلية يقولون: كعمى الأروى يريدون الوحش الذي بالجبل، ويظنونه أعمى شديد العمى، وليس كذلك. اهـ وتقدم في باب الأمر بأداء الأمانة حديث عبد الله بن الزبير، وقول أبيه: ولا أراني إلا مقتولاً في هذه. فكان كما قال فهي كرامة للزبير. ١٥٠٥ - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت) بفتح فسكون (أحد) بضمتين أي: وقعتها (دعاني أبي من الليل) أي: فيه أو في بعضه (فقال: ما أراني) بضم الهمزة أي: أظنني (إلا مقتولاً في أول من يقتل) بالبناء للمجهول (من أصحاب النبي (وثيقة) بيان لإِبهام من (وإني) بكسر الهمزة (لا أترك بعدي أعز علي منك) أي: نفساً أعز علي بدليل قوله: (غير نفس رسول الله (*) بالنصب على الاستثناء، أو بدلاً من أعز (وإن عليّ ديناً) التنوين فيه للتعظيم كما جاء ما يدل عليه (فاقض واستوص بإخوتك خيراً) نونه ليعم أنواعه من كل ما فيه، بذل ندى وكف أذى (فأصبحنا) أي: دخلنا في الصباح (فكان أول قتيل) بالنصب خبر كان، وهو لا يخالف ظنه أنه في أول من يقتل لأن الأول من جملة ما في الأول (قتل) في محل الصفة لقتيل (ودفنت معه آخر في قبره) لاقتضاء الحال ذلك لكثرة القتلى وما لقيه القوم من القرح (ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر) في قبر واحد (فاستخرجته) لعله اجتهد فرأى تجويز فتح القبر قبل اندراس الميت. وعند أصحابنا لا يجوز فتح قبر قبل غلبة الظن باندراس من فيه وذهاب أثره (بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته) أي: كحاله وقت وضعي له ابتداءً في القبر (غير أذنه) بالنصب أي: فإنها لم تبق وقت وضعه. وفيه كرامة أخرى (فجعلته في قبر على حدة) بكسر المهملة الأولى، وتخفيف الثانية: مصدر وحد يحد، من باب وعد أي: منفرداً على حدته من صاحبه (رواه البخاري). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: هل يخرج الميت من القبر (١٧٢/٣، ١٧٣). ٣٢٥ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم ١٥٠٦ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ خَرَجا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ وَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَّمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كِلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما واحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ. وفي بَعْضِها أَنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وعَبَّادُ بنُ بِشْرِ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا (١). ١٥٠٧ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ عَشَرَةَ رَهْطٍ ١٥٠٦ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رجلين من أصحاب النبي وم خرجا من عند النبي (وَل في ليلة مظلمة) أي: ذات ظلمة. وإسناد الإِظلام إليها مجاز عقلي (ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما) معجزة له ◌َّالر وكرامة لهما (فلما افترقا) أي: ذهب كل من طريقه، وانفرد عن صاحبه (صار مع كل واحد منهما واحد) اسم صار والخبر الظرف قبله (حتى أتى أهله. رواه البخاري) في المناقب (من طرق) فرواه من طريق همام عن قتادة عن أنس، ومن طريق حماد عن ثابت عن أنس، ومن طريق معمر عن ثابت عن أنس (وفي بعضها) وهي الطريق الأخيرة (أن الرجلين أسيد بن حضير) بصغية التصغير فيه. وفي أبيه بمهملة فمعجمة فتحتية (وعباد بن بشر رضي الله عنهما) لكن البخاري أشار إلى أنه هو بترجمته، حيث قال: منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر، أي: بكسر الموحدة وسكون المعجمة، فلعله مأخذ المصنف، والله أعلم. ١٥٠٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ور عشرة رهط) بسكون الهاء، أفصح من فتحها اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإطلاقه على العشرة مبني على إطلاقه على ما فوق التسعة، فقال ثعلب: الرهط والنفر والقوم والمعشر والعشيرة معناهم الجميع، وهو للرجال دون النساء. وقال ابن السكيت: الرهط والعشيرة بمعنى، ويقال: الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين. قاله الأصمعي في كتاب الضاد والطاء، ونقله ابن فارس أيضاً. قال الحافظ: سمى أبو داود ستة: عاصم بن ثابت، ويزيد بن مرثد، وحبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة بفتح المهملة وكسر المثلثة وبالنون، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير، وزاد ابن سعد: سمى السابع معتب(٢) بن عوف. قال الحافظ: فلعل الثلاثة (١) أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: منقبة أسيد بن حضير وعبادة بن بشر (٩٥/٧) (٢) في نسخة مغيث بدل معتب. ٣٢٦ ١٥ - كتاب: الدعوات عَيْناً، وأمِّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بنَ ثَابِتِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَانْطَلَقوا حَتَّى إِذَا كانوا بِالْهُداةِ بَيْنَ عُسْفَانَ ومَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مَاثَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وأصْحابُهُ لَجَؤوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقالوا: انْزِلُوا فَأعْطوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ والْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَداً، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ: أيُّها الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلا أَنْزِلُ عَلَى ذِمَّةٍ كافٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِّكَلَهِ فَرِمُوهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِماً، ونَزَلَ إِليْهِمْ الآخرين كانوا أتباعاً فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. اهـ (وأمر) بتشديد الميم (عليهم عاصم بن ثابت) بمثلثة قبل الألف وموحدة ففوقية (الأنصاري رضي الله عنه) الأنسب عنهم (فانطلقوا حتى إذا كانوا) أي: صاروا (بالهداة) بوزن القضاة والدال مهملة، وقيل: إنه بسكون الدال وهمزة بعدها مفتوحة. وعند ابن إسحاق: الهدة بتشديد الدال بغير ألف محل (بين عسفان) بضم المهملة الأولى وسكون الثانية. سميت به لعسف السيول لها (ومكة) وهي على سبعة أميال من عسفان (وذكروا) بالبناء للمفعول (لحي) بفتح المهملة وتشديد الياء القبيلة من العرب وجمعه أحياء (من هذيل يقال لهم بنو لحيان) بكسر اللام. وقيل: بفتحها وسکون المهملة، هو ابن هذيل نفسه، وهذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وقيل : إن لحيان من بقايا جرهم، فدخلوا في هذيل فنسبوا إليهم (فنفروا) أي: اللحيانيون (لهم) أي: للرهط (بقريب من مائة رجل رام) بالنبل والأحجار وغيرهما مما يعتادون الرمي به في حروبهم (فاقتصوا) بتشديد الصاد المهملة أي: قصوا وتتبعوا (آثارهم) حتى وصلوا إليهم (فلما أحس) أي: شعر (بهم عاصم وأصحابه) باقي الرهط (لجئوا) قصدوا (إلى موضع) يكون ملجأ لهم من العدو لامتناعه (فأحاط بهم القوم) أي: من جميع جهات ذلك الموضع (فقالوا: انزلوا فأعطوا بأيديكم) الباء مزيدة؛ للتأكيد. وهو كناية عن الدخول في الطاعة (ولكم العهد والميثاق) عطف تفسير (ألا نقتل منكم أحداً) أي: على ترك قتل أحد منكم، والجملة حال من فاعل. أعطوا (فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم) بحذف حرف النداء، لأن المقام مقام الإِيجاز والاقتصار (أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (أنا فلا أنزل على ذمة كافر) أي: مهما أكن عليه من الأحوال من السلامة، أو ضدها فلا أنزل على ذمة كافر أي: عقد كافر وعهده، وفي رواية عنه: لا أقبل اليوم عهداً من مشرك، لما فيه من تعظيم الكافر في الجملة والتذلل له (اللهم أخبر عنا نبيك محمداً وَلا) أي: بالوحي إليه وذلك ليدعوا لهم فتعلو رتبتهم عند الله على رتبة الشهادة الحاصلة إذا قتلوا حينئذٍ (فرموهم بالنبل) بفتح النون ٣٢٧ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم XX4×63) ثَلاثَةُ نَفَرِ عَلى الْعَهْدِ والْميثاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وزَيْدُ بنُ الدَّثَّةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقوا أَوْتَارَ قِّهِمْ فَرَبِطوهُمْ، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ واللَّهِ لا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لي بِهَؤلاءِ أُسْوَةً (يُرِيدُ الْقَتْلَى) فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبِى أنْ يَصْحَبَهُمْ فَقَتَلُوه، وانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بنِ الدَّثَّةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَابْتَاعَ بَنو الْحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَل بنِ عَبْدِ مَنافٍ خُبَيْباً، وكانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيراً حَتَّى أَجْمَعوا عَلى قَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ وسكون الموحدة، وهي السهام العربية اسم جمع لا واحد لها من لفظها، بل من معناها وهو سهم (فقتلوا عاصماً) حينئذٍ شهيداً (ونزل إليهم ثلاثة نفر) باقون من الرهط (على العهد والميثاق) الذي عاهدوهم عليه (منهم) خبر مقدم اهتماماً به (خبيب) بضم المعجمة، وفتح الموحدة الأولى وسكون التحتية، هو ابن عدي (وزيد بن الدثنة) تقدم ضبطه (ورجل آخر) بفتح الخاء. قال الحافظ في الفتح في رواية ابن إسحاق: فأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق فاستأسروا وعرف منه تسمية الرجل الثالث (فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار) جمع وتر بفتح الواو، والفوقية كسبب وأسباب (قسيّهم) بكسر القاف والسين المهملة وتشديد التحتية والأصل على فعول، ويجمع أيضاً على أقواس وقياس، وهو القياس كثوب وأثواب وثياب (فربطوهم فقال الرجل الثالث) أيهم في رواية الصحيح (هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة) بضم الهمزة وكسرها أي: قدوة (يريد) بالمشار إليهم بقوله هؤلاء (القتلى) بفتح فسكون جمع قتيل كجريح وجرحى (فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم) قال الحافظ: هذا يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم، لكن في رواية ابن إسحاق فخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كان بمر الظهران، وإلا فما في الصحيح أولى (فقتلوه وانطلق) بصيغة المجهول (بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة) جاء عند ابن إسحاق وابن سعد أن زيداً ابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه، وعند ابن سعد الذي تولى قتله بسطاس مولى صفوان (بعد وقعة بدر) لأن وقعتهم كانت أواخر سنة ثلاث، كما عند ابن إسحاق: وبدر في رمضان من السنة الثانية (فابتاع) أي: اشترى (بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيباً) بين ابن إسحاق أن الذي تولى شراءه هو جحش بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل، وكان(١) الحارث بن عامر. وفي رواية: أنهم شروه بأمة (١) قوله (وكان الحارث) لعل بينهما سقطاً فليتأمل. ع. ٣٢٨ ١٥ - كتاب: الدعوات بَعْضِ بَناتِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِها فَأَعَارَتَهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَها وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ على فَخِذِهِ والْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ، فَقالَ: أَتَخْشَيْنَ أنْ أَقْتُلَهُ مَاكُنْتُ لأفْعَلَ ذَلِكِ، قَالَتْ: واللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيراً خَيْراً مِنْ خُبَيْبٍ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمَاً يَأْكُلُ قُطفاً مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَديدِ وَمَا بِمَكَّةَ سوداء، وفي رواية: باعوهما بآسيرين من هذيل كانا بمكة. قال الحافظ: ويمكن الجمع (وكان خبيب هو قتل الحارث) يعني ابن عامر المذكور (يوم بدر) قال في الفتح: كذا وقع في هذا الحديث، واعتمد البخاري فعد خبيب بن عدي فيمن شهد بدراً. وهو اعتماد متجه وتعقبه الدمياطي بعدم ذكر المغازي خبيب بن عدي فيمن شهد بدراً، وأنه قتل عامراً بأنهم ذكروا أن قاتله ببدر خبيب ابن أساف، وهو خزرجي وخبيب بن عدي أوسي. اهـ ونظر فيه الحافظ بأنه يلزم منه رد الحديث الصحيح، ولو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث، ما كان لاعتنائه بنية شرائه معنى ولقتله المصرح به في الصحيح، لكن يحتمل أنهم قتلوه لكونه من الأنصار جرياً على عادة الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض. ويحتمل أن ابن عدي شارك ابن إساف في قتل الحارث (فلبث خبيب عندهم أسيراً) مدة الأشهر الحرم (حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها) واسمها زينب بنت الحارث، وهي أخت عتبة بن الحارث، الذي قتل خبيباً وقتل امرأته كما في الأطراف بحلف، وهذه الجملة مندرجة في القصة من غير طريق الأولى، نبه عليه الحافظ قال: وموسى يجوز فيه الصرف وعدمه، ويستحد أي يحلق عانته (فأعارته) أي: الموسى، وحذف اكتفاء بدلالة ما قبله عليه (فدرج بني) بالتصغير (لها وهي غافلة) بالغين المعجمة والفاء. ذكر الزبير بن بكار أن هذا الصبي هو أبو حسين المكي المحدث، وهو من أقران الزهري (حتى أتاه فوجدته مجلسه) بصيغة الفاعل (على فخذه) بفتح فكسر، ويجوز كسرهما وكسر الثالث، وفتح الأول مع سكون الثاني (والموسى بيده) جملة حالية من مفعول وجدت (ففزعت فزعة عرفها خبيب) لظهور أثرها وبدوه (فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك) بكسر الكاف ذلك من مكارم أخلاقه، ومقابلة السيئة بالحسنة. والصفح عن المذنب وعدم مجازاته، والاكتفاء بقصاص الله له (قالت: والله ما رأيت) أي: أبصرت (أسيراً خيراً من خبيب) وبينت وجه ذلك بقولها على سبيل الاستئناف (فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالفاء أي عنقوداً (من عنب) جاء في رواية عن سارية مولاة جحش بن أبي إهاب ((قالت: لقد اطلعت عليه يوماً وإن في يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجلين يأكل منها)) (في يده وإنه لموثق بالحديد) أي: مشدود فيه (وما بمكة من ثمرة) بالمثلثة أتى بذلك ٣٢٩ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم مِنْ ثَمَرَةٍ، وكانَتْ تَقولُ: إِنَّهُ فَرِزْقُ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبْباً، فَلَمَّا خَرَجوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيْقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، فَتَرَكِوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَّيْنِ، فَقالَ: واللَّهِ لَوْلا أنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعْ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتَلْهُمْ بَدَداً، ولا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً، وقَالَ: عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ للَّهِ مَّصْرَعِي فَلَسْتُ أُبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً يُبارِكْ عَلى أَوْصالِ شِلْوِ مُمَزَّع وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وإِنْ يَشَأْ تمهيداً لقوله عنها (وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً) فيه إثبات كرامة لخبيب وفي طي ذلك آية لإثبات رسالة نبينا محمد *، وإقامة الحجة على الكفار، لأنه لم يصل لذلك إلا بالإِيمان به سي واتباع هديه. والذي عليه الجمهور كما تقدم أول الباب أن كل ما جاز كونه معجزة لنبي جاز كونه كرامة لولي من غير استثناء، ومن يقع على يده الخوارق متمسكاً بالكتاب والسنة متنسكاً كان ذلك كرامة له. وإلّ فتارة يكون معونة، وتارة يكون استدراجاً، وتارة يكون سحراً وكهانة (فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل) بين ابن إسحاق أنهم أخرجوه إلى التنعيم (قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين) هذه رواية جماهير البخاري بإثبات الياء، وللكشميهني بحذفها ووجهها ظاهر (فتركوه فركع ركعتين) عند موسى بن عقبة أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم (فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع) أي: من الموت كما في البخاري (لزدت) في رواية عنه: لزدت سجدتين أخريين (اللهم أحصهم) بقطع الهمزة (عدداً) تمييز محول عن المفعول به أي: احص عددهم (واقتلهم بدداً ولا تبق) بضم الفوقية (منهم أحداً) جاء في رواية فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير رجل كان استلبد بالأرض حال دعاء خبيب لئلا يصيبه معهم. وفي رواية أخرى فجاء يخبر عنه، فقال خبيب: ((اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه)). جاء في رواية أخرى: ((فجاء جبريل فأخبره فأخبر أصحابه بذلك)) وعند موسى بن عقبة فزعموا أن رسول الله واله قال ذلك اليوم، وهو جالس: وعليك السلام، خبيب قتلته قريش (وقال: فلست أبالي) هذه رواية الكشميهني وللأكثر: ما إن أبالي. قال الحافظ: والأول أوزن، وهذا جائز، لكنه مخروم ويكمل بزيادة الفاء، وما نافية، وإن بكسر الهمزة وسكون النون نافية أيضاً للتوكيد (حين أقتل مسلماً، على أي جنب كان لله مصرعي) أي: موتي ومراده استواء كيفيات الموت عنده حال موته مسلماً شهيداً (وذلك في ذات الإِله) استدل به على جواز إطلاق الذات ٣٣٠ ١٥ - كتاب: الدعوات وكانَ خُبَيْبَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرَأْ الصَّلاةَ، وأَخْبَرَ (يَعْني النَّبِيِّ(وَ) أَصْحابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وبَعَثَ ناسٌ مِنْ قُرِيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعوا مِنْهُ على الله تعالى (وإن يشأ يبارك على أوصال) جمع وصل وهو العضو (شلو) بكسر المعجمة وسكون اللام الجسد وقد يطلق على العضو والمراد هنا الأول (ممزع) بالزاي ثم المهملة أي: مقطع والمعنى أعضاء جسد يقطع. وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر: قبائلهم واستجمعوا كل مجمع: لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا وفيه وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي إلى الله أشكو غربتي بعد قربتي وساقها ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتاً. قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب. وفي البخاري: فقام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وحذفه المصنف لعدم تعلقه بغرض الترجمة (وكان خبيب هو سن) في البخاري في رواية أول من سن (لكل مسلم قتل صبراً) قال في الصحاح: كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبراً (الصلاة) ويؤخذ استحباب ذلك من إقرار المصطفى وليه (وأخبر يعني ◌َله أصحابه يوم أصيبوا خبرهم) ففيه معجزة له بإطلاعه على ما هو مغيب عنه بعيد منه، بالوحي إليه وإعلامه به (وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا) بصيغة المجهول (أنه قتل) بفتح الهمزة وبناء الفعل للمجهول، وهو ساد مسد المفعولين الثاني والثالث (أن يؤتوا بشيء منه) على تقدير اللام أو مضاف مفعول له أي: ليؤتوا أو إرادة أن يؤتوا، وهو بصيغة المجهول وكذا قوله: (يعرف وكان عاصم قتل رجلاً من عظمائهم) قال الحافظ: لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصماً قتله صبراً بأمر النبي ◌ِ ﴿ بعد أن انصرفوا من بدر، ووقع عند ابن إسحاق: أن عاصماً لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه، ليبيعوه من سلاقة بنت سعيد بن نهشل، وهي أم شافع وجداس أبي طلحة العبدري، وكان عاصم قتلها يوم أحد، فمنعته الدبر فإنه كان محفوظاً، احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر له فيتمكنون من أخذه (فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر) بضم المعجمة السحابة، والدبر بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة الزنابير. وقيل: ذكور النحل لا واحد له من لفظه، وسيأتي اقتصار المصنف على هذا غير مقيد بالذكر (فحمته) بتخفيف الميم أي: منعته (من رسلهم) بضمتين ويسكن الثاني تخفيفاً ٣٣١ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم شَيْئاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). قَولُهُ ((الهُداةَ)): مَوْضِعٌ. و((الظُّلَّةُ)): السَّحابُ. و ((الدَّبْرُ)): النَّحْلُ. وقَولُهُ ((اقْتُلْهُمْ بَدَداً) بِكَسْرِ الْبَاءٍ وَفَتْحِها، فمن كَسَر قَالَ: هُوَ جَمْعُ بِدَّةٍ بِكَسرِ الباءِ وهِي: النَّصِيبُ ومَعْناهُ: اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ نَصیبٌ، ومَنْ فَتَحَ قَالَ مَعْناهُ: مُتَفَرِّقِينَ فِي الْقَتْلِ واحِداً بَعْدَ واحِدٍ، مِنَ التَّبْديدِ. وفي البابِ أحاديثُ كَثِيرَةٌ صَحيحةٌ سَبَقَتْ في مَواضِعها مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْها حَديثُ الْغُلامِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ. وَمِنْهَا حَديثُ جُرَيجٍ وحَديثُ أصْحابٍ الْغَارِ الَّذينَ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ، (فلم يقدروا) بكسر الدال (أن يقطعوا منه شيئاً) وفي رواية أبي الأسود ((فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم فحالت بينهم وبين أن يقطعوا)). وفي رواية ابن إسحاق: وكان عاصم أعطى الله عهداً ألا يمس مشرك أبداً، ولا يمسه مشركاً، وكان عمر يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته. وإنما استجاب الله في حماية لحمه منهم دون منعهم من قتله، لما في القتل من الشهادة والكرامة، وفي قطع اللحم من هتك الحرمة والمثلة (رواه البخاري) في أماكن المغازي (قوله: الهداة) تقدم ضبطها (موضع) بين مكة وعسفان (والظلة السحاب والدبر النحل) تقدم (وقوله: اقتلهم بدداً بكسر الباء وفتحها) والدال مفتوحة فيها (فمن كسر قال: هو جمع بدة بكسر الباء) الموحدة وتشديد الدال (وهي النصيب) فيكون نظير قربة وقرب (ومعناه اقتلهم حصصاً منقسمة لكل منهم نصيب) منه (ومن فتح قال: معناه متفرقين في القتل واحداً بعد واحد) فيكون مصدر بددت الشيء أبده، من باب قتل إذا فرقه. قال في المصباح: والتثقيل مبالغة وتكثير. اهـ وعليه فيكون بدداً اسم مصدر (من التبديد. وفي الباب) أي: الكرامات (أحاديث كثيرة) تأكيد للكثرة المدلول عليها بصيغة جمع الكثرة، ودفعاً لتوهم أنه تجوز به عن جمع القلة، كما في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾(٢) (صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر) تقدم في باب الصبر (ومنها حديث جريج) تقدم في باب الإِخلاص (ومنها حديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة) تقدم في باب (١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع كتاب الجهاد، باب: هل يستأثر الرجل (٢٤٠/٧، ٢٩١، ٢٩٥). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨. ٣٣٢ ١٥ - كتاب: الدعوات وحَديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتاً في السَّحابِ يَقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. والدَّلائِلُ في البابِ كَثيرَةٌ مَشْهُورةٌ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ(١). ١٥٠٨ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقولُ لِشَيْءٍ قَطُّ إِنِّي لأظُنَّهُ كَذَا إلّا كانَ كما يَظُنُّ. رَوَاهُ أَلْبُخَارِيُّ(٢). الإِخلاص (وحديث الرجل الذي سمع صوتاً في السحاب يقول: اسق حديقة فلان) وتقدم في باب الكرم والجود (وغير ذلك) من الأحاديث المشتملة على خوارق العادات كرامة للصلحاء (والدلائل فى الباب كثيرة مشهورة وبالله التوفيق). قال المصنف في كتابه بستان العارفين ((باب كرامات الأولياء ومواهبهم)» بعد أن ذكر قول الله تعالى ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾(٣) إلى قوله ﴿الفوز العظيم﴾(٣) ما لفظه: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليه دلائل العقول وصرائح النقول. أما دلائل العقل فهو أنه أمر يمكن حدوثه لا يؤدي وقوعه إلى رفع أصل من أصول الدين فيجب وصف الله بالقدرة عليه، وما كان مقدوراً عليه كان جائز الوقوع وأما النقول فآيات في القرآن العزيز وأحاديث مستنبطة. أما الآيات فكقوله تعالى في قصة مريم: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً﴾ (٤) قال الإِمام أبو المعالي إمام الحرمين: ولم تكن نبية بإجماع العلماء. وكذا قال تعالى: ﴿كلما دخل عليها زكريا (١) انظر الحديث رقم (٢٥٩) و (٥٦٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر، (١٣٥/٧). (٣) سورة يونس، الآيات: ٦٢، ٦٣، ٦٤. (٤) سورة مريم، الآية: ٢٥. ٣٠ ٣٣٣ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم المحراب وجد عندها رزقاً الآية﴾(١) ومن ذلك قصة آصف مع سليمان حيث قال: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾(٢) قال العلماء: ولم يكن نبياً. ومن ذلك ما استدل به إمام الحرمين وغيره من قصة موسى. ومن ذلك ما استدل به الأستاذ أبو القاسم القشيري من قصة ذي القرنين. واستدل القشيري وغيره بقصة الخضر قالوا: ولم يكن الخضر نبياً، بل كان ولياً، وهذا خلاف المختار والذي عليه الأكثرون أنه كان نبياً. وقيل: نبياً رسولاً. وقيل: ولياً، وقيل: ملكاً. ومن ذلك قصة أهل الكهف، وما اشتملت عليه من خوارق العادات. قال إمام الحرمين: وغيره لم يكونوا أنبياء بالإِجماع. وأما الأحاديث فكثيرة: منها حديث أنس أن رجلين خرجا. الحديث أي: السابق في أسيد بن حضير وعباد بشر. وقال: أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، وفي علامات النبوة، ومنها حديث أصحاب الغار الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، وهو مخرج في الصحيحين، ومنها حديث أبي هريرة في قصة جريج أنه قال للصبي الرضيع: من أبوك؟ قال: فلان الراعي. وهو مخرج في الصحيح، ومنها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلر: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون)) الحديث رواه البخاري، ومنها الحديث المشهور في صحيح البخاري ((رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره))، ومنها الحديث المشهور في صحيح البخاري في قصة خبيب الأنصاري الحديث. والأحاديث والآثار في أقوال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصر فنكتفي بما أشرنا إليه اهـ. نقله صاحب الكرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني أول تأليفه. وقال الشيخ تاج الدين السبكي. في ترجمة أبي تراب النخشبي من الطبقات الكبرى بعد رد الشبه في إثبات الكرامات ما لفظه: الدليل على ثبوت الكرامات وجوه منها ما شاع وذاع، بحيث لا ينكره إلا جاهل معاند من أنواع الكرامات للعلماء والصالحين، الجاري مجرى شجاعة علي وسخاء حاتم، بل إنكار الكرامات أعظم مباهتة، فإنه أشهر وأظهر ولا يعاند فيه إلّا من طمس بصره، ومنها قصة مريم، وذكر ما تقدم نقله عنه أول الباب، ومنها التمسك بقصة أصحاب أهل الكهف فإن لبثهم ثلثمائة سنة وأزيد نياماً أحياءً، من غير آفة، مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب، من جملة الخوارق، ولم يكونوا أنبياء فلم تكن معجزة فتعين كونها كرامة. وادعى إمام الحرمين اتفاق المسلمين على أنهم لم يكونوا أنبياء وإنما (١) سورة آل عمران، الآية: ٣٧. (٢) سورة النمل، الآية: ٤٠ . ٣٣٤ ١٥ - كتاب: الدعوات كانوا على دين ملك زمانهم يعبدون الأوثان، فأراد الله أن يهديهم فشرح صدورهم للإِسلام، ولم يكن ذلك عن دعوة داع دعاهم، لكنهم لما وفقوا تفكروا ونظروا فاستبان لهم ضلال صاحبهم، ورأوا أن يؤمنوا بالله تعالى. ولا يمكن أن يكون ذلك معجزة لنبي آخر لأنهم أخفوه، حيث قالوا: ﴿ولا يشعرن بكم أحداً﴾(١)، والمعجزة لا يمكن إخفاؤها، ولأنه ليس لذلك النبي ذكر، ولا دليل يدل عليه، وإثبات المعجزة له لا فائدة فيه؛ لأن فائدتها التصديق وتصديق واحد غير معين محال، ولغير ذلك. ومنها التمسك بقصص شتى، كقصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السلام في حمل عرش بلقيس إليه قبل أن يرتد إليه طرفه، على قول أكثر المفسرين بأنه المراد ﴿الذي عنده علم من الكتاب﴾(٢) وما تقدم عن الصحابة وما تواتر عمن بعدهم من الصالحين، وخرج عن حد الحصر ولو أراد المرء استيعابه لما كفته أوساق المال، ولا أوراق أحمال. وما زال الناس في الأزمان السابقة، وهم بحمد الله تعالى إلى الآن في الأزمان اللاحقة، ولكنا نستدل بما كانوا عليه فقد كانوا قبل ما تبع التابعون، وساء الزائغون، يتفاوضون في كرامات الصالحين وينقلون ما جرى من ذلك لعباد بني إسرائيل فمن بعدهم. وكانت الصحابة رضي الله عنهم من أكثر الناس خوضاً في ذلك، ومنها ما أعطاه الله لعلماء هذه الأمة وأوليائها من العلوم حتى صنفوا كتباً كثيرة لا يمكن غيرهم نسخها في مدة عمر، وتصنيفها مع التوفيق لدقائق تخرج عن حد الحصر، واستنباطات تطرب ذوي النهي واستخراجات شتى لمعان من الكتاب والسنة تطبق طبق الأرض، وتحقيق للحق وإبطال للباطل، وما صبروا عليه من المجاهدات والرياضات والدعوة، إلى الحق والصبر على الأذى وعروا أنفسهم من لذات الدنيا، مع كمال عقولهم، وذكائهم وفطنتهم، وما حبب إليهم من الدأب في العلوم، وكد النفس في تحصيلها، بحيث إذا تأمل المتأمل، ما أعطاهم الله منه عرف أنه أعظم من إعطائه بعض عبيده كسرة خبز في أرض منقطعة، وشربة ماء في مفازة ونحوها مما يعد كرامة، وقال: فيها ((قيل)) فإن قلت ما بال الكرامات في زمن الصحابة، وإن كثرت في نفسها قليلة بالنسبة لما يروى عمن بعدهم من الأولياء ((فالجواب)). أولاً: ما أجاب به الإِمام أحمد بن حنبل بقوله: أولئك كان إيمانهم قوياً فما احتاجوا إلى زيادة يقوى بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإِيمان في عصره فاحتاج إلى تقوية بإظهار الكرامة . (١) سورة الكهف، الآية: ١٩. (٢) سورة النمل، الآية: ٤٠ . ٣٣٥ ٢٥٣ - باب: في كرامات الأولياء وفضلهم وثانياً: أن نقل ما يظهر على يدهم ربما استغني عنه، اكتفاء بعظم مقدارهم، ورؤيتهم طلعة المصطفى وَل18، ولزومهم طريق الاستقامة الذي هو أعظم الكرامة، مع ما فتح على أيديهم من الدنيا، ولا اشرأبوا لها ولا جنحوا نحوها، ولا استزلت واحداً، فرضي الله عنهم. كانت الدنيا في أيديهم أضعاف ما هي في أيدي أهل دنيانا، وكان إعراضهم عنها أشد إعراض، وهذا من أعظم الكرامات، ولم يكن شرفهم إلا على كلمة الله، والدعاء إلى جنابه جل وعلا. اهـ ملخصاً. بعونه تعالى تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله كتاب: الأمور المنهي عنها دَليلُ القَاهِين لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين تَأليف العَالِ العَلَّمَة الْمُفْسِرِ، محمّد بنعَلّان الصِّدّيقي الشافعي الأشعري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ طبعَة جَديدة مصحّصَة مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث اعتنى بهًا الشَّيِّخْ خَلِيْلِ مَأْ مُون شْبَحَا الجُزءُ الثّامِن ١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها ٢٥٤ - باب: في الغيبة والأمر بحفظ اللسان قالَ اللَّهُ تعالى(١): ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ كتاب الأمور بضم أوليه جمع أمر بمعنى الحال أما الأمر بمعنى الطلب فجمعه أوامر (المنهي عنها) تحريماً أو تنزيهاً بالمعنى الشامل لخلاف الأولى. (باب تحريم الغيبة) بكسر المعجمة وسكون التحتية (والأمر بحفظ اللسان) أي: عن كل منهي عنه من الكلام ومنه المباح الذي لا يعني. (قال الله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضاً) والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، مع أنه فيه فإن لم يكن فيه فبهتان (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه) تمثيل لما ينال من عرض أخيه على أفحش وجه (ميتاً) حال من اللحم والأخ (فكرهتموه) الفاء فصيحة أي إن عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، فهو تقرير وتحقيق للأول (واتقوا الله إن الله تواب) بليغ في قبول التوبة (رحيم) بالغ الرحمة. وقال تعالى: (ولا تقف) أي: تتبع (ما ليس لك به علم) ما لم يتعلق به علمك من قول وفعل، فيدخل فيه شهادة الزور والكذب والبهتان (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك) أي: السمع والبصر والفؤاد، وأولئك تجيء لغير العقلاء (كان عنه مسؤولاً) من جوز تقديم مفعول ما لم يسم فاعله: لأنه في المعنى مفعول سيما (١) سورة الحجرات، الآية: ١٢. (٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦. ٣٤٠ ١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسانَّهُ عَنْ جَميعِ الْكَلامِ إِلّ كَلامَاً ظَهَرَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الْكَلامُ وتَرْكُهُ فِي الْمَصْلَحَّةِ فَالسُّنَّةُ الإِمْساكُ عَنْهُ؛ لِإِنّهُ قَدْ يَنْجَرُ الْكَلامُ الْمُباحُ إِلَى حَرامٍ أَوْ مَكْروٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْعادَةِ والسَّلامَةُ لا يَعْدِلُها شَيْءٌ. ١٥٠٩ - وعَنْ أبي هُريَرْةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْحَديثُ صَرِيحٌ في إذا كان ظرفاً فعنده إن عنه نائب فاعل مسؤولاً، ومن لم يجوزه فعنده إن في مسؤولاً عنه عن(٢) نفسه، يعني عما يفعل به صاحبه، أو ضمير عنه راجع إلى صاحب كل واحد. وقال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه) أي: القول أو الإِنسان (رقيب) ملك يرقبه (عتيد) قال الديريني في تفسيره مختصر تفسير مكي: أي بعد الكتابة، روى أنس في حديث: ((أن المؤمن إذا مات أقام الملكان عند قبره يعبدان الله تعالى، ويكتب له ثوابهما إلى يوم القيامة)) اهـ. وهل يكتب كل شيء فيثبت في القيامة ما كان فيه من خير أو شر ويلقى سائره، أو لا يكتب إلا الخير والشر؟ فيه خلاف بين السلف. والقرآن يشعر بالأول. ولو قيل المراد من قوله إلا لديه رقيب عتيد ملك يسمعه لا يحفظه ويكتبه، لقلنا رقيبان: لأن السماع لا يختص بواحد (اعلم أنه) أي: الشأن (ينبغي لكل مكلف) أي: بالغ عاقل (أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة) أي: المطلوبة (ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه) قال تعالى: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (لأنه قد ينجز الكلام المباح إلى حرام أو مكروه) ولما كانت قد توهم قلة الانجرار والنادر كالمعدوم، دفعه بقوله (وذلك كثير في العادة) وهي ما غلب أو تكرر (والسلامة) أي: من المأثم (لا يعدلها شيء) من الدنيا ولذاتها. ١٥٠٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: من كان يؤمن) أي: إيماناً كاملاً (بالله واليوم الآخر) أي: يوم القيامة، وخصه بالذكر: لأن الإِيمان به يستلزم التصديق بما فيه (١) سورة قّ، الآية: ١٨. (٢) كذا، والمراد أن نائب الفاعل ضمير يعود على كل ضمير عنه يعود إليه أيضاً أي عن نفسه أي عما يفعل به صاحبه. ع.