Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٢٢٩ - باب: في استحباب صوم الاثنين
٢٢٩ - باب: في استحباب صوم الاثنين والخميس
١٢٥٣ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ ﴿ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاثْنْيْنِ
فَقَالَ: ((ذَلِكَ يَوْمُ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمُ بُعِثْتُ أَوْ أَنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١).
١٢٥٤ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مَ﴿ قَالَ: ((تُعْرَضُ
الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ والْخَميسِ فَأُحِبُّ أَنْ
في الجامع الصغير، وفيه من صام رمضان وشوالاً والأربعاء والخميس، دخل الجنة. رواه
أحمد عن رجل، وفي الجامع الكبير رواه البغوي والبيهقي في الشعب عن عكرمة بن خالد
عن عريف من عرفاء قريش عن أبيه .
باب استحباب صوم الاثنين والخميس
سميا بذلك بناءً على أن أول الأسبوع الأحد.
١٢٥٣ - (عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله وسلّر سئل عن صوم يوم الاثنين) أي:
عن حكمة إيثاره بالصوم عن باقي الأيام (فقال ذلك) عبّر عنه بذلك تنويهاً بشأنه، كما في
قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾(٢) والتنوين في قوله: (يوم) للتعظيم، كما يشير إليه وصفه بقوله
(ولدت فيه ویوم بعثت) أي: فيه، أفاد به أن شرفه بما ظهر فيه من ولادته وبعثته (أو) شك
من الراوي هل قال: بعثت فيه أو قال: (أنزل علي فيه)؟ أي: الوحي فنائب الفاعل مستتر،
أو هو الظرف أي: وجد الإِنزال عليّ فيه (رواه مسلم) في الصوم، وإنما لم يطلب في يوم
مولده * من الأعمال ما طلب في يوم الجمعة؛ لزيادة شرفه و ﴿ فخفف عن أمته ببركته.
١٢٥٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ومسير قال: تعرض الأعمال) أي:
تعرضها الملائكة الحفظة، أو غيرهم (يوم الاثنين والخميس) يحتمل عرض مجموع عمل
الأسبوع في الآخر منهما، بعد عرض عمل ما قبل الاثنين مع عمله فيه، ويحتمل أن
المعروض في الثاني ما عمل بعد الأول، وما قبل ذلك ففي الأول فقط منهما (فأحب أن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ... (الحديث:
١٩٧ ).
(٢) سورة، البقرة الآية: ٢ .

٦٢
٧ - كتاب: الفضائل
يُعْرَضِ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌّ، ورواهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ
ذِكْرِ الصَّوْمِ(١).
١٢٥٥ - وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَتَحَرَّى صَوْمَ
الاثْنَيْنِ والْخَمِيسِ . رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢).
٢٣٠ - باب: في استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
والأَفْضَلُ صَوْمُها فِي أَيَّامِ الْبِضِ. وهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ والرَّابِعَ عَشَرَ والْخَامِسَ عَشَرَ.
يعرض عملي وأنا صائم) جملة في محل الحال من المضاف إليه، لكون المضاف كبعض
المضاف إليه، فهو كقوله تعالى ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾(٣) (رواه الترمذي وقال:
حديث حسن ورواه مسلم بغير ذكر الصوم) ولفظه ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة
مرتين، ويوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن، إلّ عبداً بينه وبين أخيه شحناء
فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا)) ورواه الطبراني عن أسامة بن زيد مرفوعاً بلفظ، ((تعرض
الأعمال على الله تعالى يوم الاثنين والخميس فيغفر الله إلّ ما كان من متشاحنين أو قاطع
رحم)) ورواه الحاكم عن والد عبد العزيز، ((بلفظ تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على
الله، وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، وتزداد
وجوههم بياضاً وإشراقاً، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم)).
١٢٥٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله مَ لل يتحرى) أي: يتوخى (صوم
الاثنين والخميس) أي: لعظم فضلهما (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه النسائي.
باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
سواء كانت البيض، أو السود أو غيرها (والأفضل صومها في أيام البيض) بكسر
الموحدة، وسكون التحتية، من إضافة الموصوف لصفته؛ وسميت بذلك لبياض نهارها
بالشمس وليلها بالقمر (وهي الثالث عشر) ببناء الجزأين، كما قاله الدماميني، وكذا
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، (الحديث: ٧٤٧).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، (الحديث: ٧٤٥)
(٣) سورة النحل، الآية: ١٢٣.

٦٣
٢٣٠ - باب: في استحباب صوم ثلاثة أيام
وقِيلَ: الثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ والرَّابِعَ عَشَرَ، والصَّحِيحُ الْمَشْهورُ هُوَ الأَوَّلُ.
١٢٥٦ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصانِي خَليلي وََّ بِثَلاثٍ: صِيامِ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحى، وأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١).
١٢٥٧ - وعَنْ أَبي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصانِي حَبِيِبينَهَ بَثَلاثٍ لَنْ
أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ:
المركبات بعده (والرابع عشر والخامس عشر) يستثنى من ذلك ذو الحجة، فصوم الثالث
عشر منه حرام. قال الناشري في الإِيضاح: وهل يعوض عنه السادس عشر أو يوم من التسعة
الأول؟ فيه احتمالان: ((قلت)) في العباب عن ابن عبد السلام: يصوم السادس عشر عوضاً
عن الثالث عشر (وقيل: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والصحيح المشهور هو
الأول) وفي الروضة أن الثاني وجه غريب، حكاه الصيمري الماوردي والبغوي وصاحب
البيان فالاحتياط صومهما. اهـ.
١٢٥٦ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي ◌ِّ 18) الخلة من أبي هريرة فلا
ينافي لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً. الحديث (بثلاث) أي: من
الخصال (صيام ثلاثة أيام من كل شهر) أي: سواء كانت البيض، أو السود أو غيرها أو ذلك؛
ليحصل مثل ثواب الشهر كله (وركعتي الضحى) هما أقل صلاة الضحى. وتقدم أن أكملها
وهو أكثرها على الصحيح ثمان (وأن أوتر قبل أن أنام) احتياطاً؛ لئلا يغلبه النوم فيفوت عليه
الوتر، وهو محمول على من لم يعتد الاستيقاظ آخر الليل، وإلا فالتأخير إليه أفضل لحديث
((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) (متفق عليه) وقد سبق مشروحاً في باب فضل صلاة
الضحى لكن بلفظ ((أرقد)) بدل ((أنام)).
١٢٥٧ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني حبيبي) في تعبير أبي هريرة
بالخلة، إيماء إلى شدة ملازمته ومرابطته، وهذا دونه فيها (* بثلاث لن أدعهن) أي:
أتركهن (ما عشت) أي: مدة عيشي، أي: حياتي وهو كناية عن المداومة على ذلك وعدم
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى (٤٧/٣)، وفي الصوم، باب: صيام
البيض، (الحديث: ١٩٨١) بنحوه.
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى ... (الحديث:
٨٥).

٦٤
٧ - كتاب: الفضائل
بِصِيامٍ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحى، وبِأنْ لا أنامَ حَتَّى أُوتِرَ. رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
١٢٥٨ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((صَوْمُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرِ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
١٢٥٩ - وعَنْ مُعاذَةَ الْعَدَوِيَّةَ أَنَّها سَأَلتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَكانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ
كانَ يَصومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ يَصومُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٣).
ترك السنة؛ لأنه إذا تمت الحياة خرج عن تكليف الأعمال، وأبدل من ثلاث بإعادة حرف
الجر، قوله (بصيام ثلاثة أيام من كل شهر) وأفضلها البيض، كما سبق آنفاً (وصلاة الضحى)
هو شامل لأقلها ولأكثرها (وبألا أنام حتى أوتر رواه مسلم).
١٢٥٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صل صوم
ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر) تشبيه بليغ أي؛ كصومه (كلّه) لأن الحسنة بعشر أمثالها
(متفق عليه) ورواه أحمد ومسلم أيضاً عن أبي هريرة بزيادة، ولفظه ((صوم شهر الصبر وثلاثة
أيام من كل شهر وصوم الدهر)).
١٢٥٩ - (وعن معاذة) بنت عبد الله (العدوية) قال في التقريب: تكنى أم الصهباء بصرية،
ثقة من أوساط التابعين، خرّج حدثها أصحاب الستة (إنها) بكسر الهمزة على إضمار
القول، وبفتحها بدل من معاذة بدل اشتمال (سألت عائشة رضي الله عنها: أكان
رسول الله (85* يصوم من) أي: بعض أو في (كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت: من
أي الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي الشهر يصوم) كناية عن عدم التخصيص
لثلاث مخصوصة منه، ففيه إيماء إلى أن المراد حصول مثل ثواب صوم الشهر، باعتبار
تضاعف الحسنة عشراً وذلك حاصل بأي ثلاثة كانت (رواه مسلم) في الصوم، ورواه فيه أبو
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى ... (الحديث:
٨٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: صوم داود عليه السلام (١٩٢/٤)، وكتاب الأنبياء.
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر ... (الحديث: ١٨١).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام ... (الحديث: ١٩٤).

5
٦٥
٢٣٠ - باب: في استحباب صوم ثلاثة أيام
١٢٦٠ - وعَنْ أَبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ: ((إِذَا صُمْتَ مِنْ
الشَّهْرِ ثَلاثَاً فَصُمْ ثَلاثَ عَشَرَةَ، وأَرْبَعَ عَشَرَةً وخَمْسَ عَشَرَةَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَدِيثٌ حَسَنٌ(١)
١٢٦١ - وعَنْ قَتَادَةَ بنِ مِلْحَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَأْمُرُنَا
بِصِيامٍ أَيَّام الْبِيضِ: ثَلاثَ عَشَرَةً وَأَرْبَعَ عَشَرَةً وخَمْسَ عَشَرَةَ. رواهُ أبو دَاوُدَ(٢).
١٢٦٢ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لا يُفْطِرُ
أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ ولا سَفَرٍ.
-00
داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه
١٢٦٠ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: إذا صمت من الشهر ثلاثاً)
أي: إذا أردت صوم ثلاثة منها، وحذف التاء؛ لحذف المعدود وفي الإتيان بإذا إيماء؛ لشدة
حرص المخاطب على ذلك وملازمته إياه (فصم ثالث عشره ورابع عشره وخامس عشره)
وأورده في الجامع الصغير، بلفظ ((ثلاث عشره وأربع عشره وخمس عشره)) وكذا هو في
بعض نسخ الرياض، والجزءان مبنيان على الفتح على كلا الروايتين (رواه الترمذي وقال:
حديث حسن) ورواه أحمد والنسائي وابن حبان كما في الجامع الصغير.
١٢٦١ - (وعن قتادة بن ملحان) بكسر الميم وسكون اللام بعدها مهملة، القيسي بالقاف
المفتوحة، فالتحتية الساكنة، فالمهملة ابن قيس بن ثعلبة، مسح رسول الله وله رأسه ووجهه
قاله في أسد الغابة. روي له (رضي الله عنه) عن رسول الله ولا حديثان، كما ذكره ابن
الأحزم في سيرته وغيره. (قال: كان رسول الله # يأمرنا بصيام أيام البيض) أبدل منها بدل
مفصل من مجمل قوله (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ببناء الجزأين لفظاً وجرهما
محلًا (رواه أبو داود) في الصوم ورواه فيه النسائي وابن ماجه، وبه يعلم شذوذ أقوال تسعة
أو عشرة، حكاها الغزالي في تعيين أيام البيض، في غير ما ذكر، فلا يعوّل على شيء منها
١٢٦٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وعليه لا يفطر أيام البيض في
حضر ولا سفر) أي: أنه لازم عليها فيهما فصومها سنة مؤكدة، وحكمته أن في هذه الأيام
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر، (الحديث: ٧٦١)
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الصوم، باب: في صوم الثلاث من كل شهر، (الحديث: ٢٤٤٩).

٦٦
٧ - كتاب: الفضائل
رَوَاهُ النِّسَائِيُّ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ(١).
٢٣١ _ باب: في فضل من فطر صائماً وفضل الصائم الذي يؤكل
عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
١٢٦٣ - عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((مَنْ فَطَّرَ
صَائماً كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ،
وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢).
تناهي القمر، وهو يؤثر زيادة الرطوبة، فأمر بالصوم فيه ولازمه؛ لحصول ذهاب أثر تلك
الرطوبة المضرة. وقيل: الحكمة في صومها أنه لما عم النور لياليها ناسب أن تعم العبادة
نهارها، وقيل: الحكمة فيها أن الكسوف يكون فيها غالباً لا في غيرها، وقد أمرنا بالتقرب
إلى الله تعالى بأعمال البر عند الكسوف والله أعلم (رواه النسائي بإسناد حسن).
باب فضل من فطر صائماً
أي: ولو بالماء (وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل) بصيغة اسم الفاعل
أي: ولو غير صائم (للمأكول عنده) أي: لصاحب الطعام، ويحتمل أن يكون المراد: دعاء
الأكل عند الصائم للصائم، والأول أنسب بالحديث آخر الباب.
١٢٦٣ - (عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، نسبة إلى جهينة القبيلة
المعروفة، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب التعاون على البر والتقوى (عن النبي وقليل
قال: من فطر صائماً كان له مثل أجره) بالرفع اسم كان والظرف خبر مقدم، ويجوز أن يكون
بالنصب خبرها، واسمها ضمير يعود على التفطير المفهوم من فطر على حد قوله تعالى :
﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾(٣)، والظرف حال (غير أنه لا ينقص من أجر الصائم) شيء
استدراك لما قد يتوهم من أن إثابته كذلك تنقص ثواب الصائم، وإنما لم تنقص إثابته بذلك
إثابة الصائم؛ لاختلاف جهة ثوابهما، كما لا ينقص ثواب الدال على الهدى ثواب فاعله،
كما تقدم أول الكتاب (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال المنذري في
(١) أخرجه النسائي في كتاب: الصيام، باب: صوم النبي لة ... (الحديث: ٢٣٤٤).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في فضل من فطر صائماً، الحديث: ٨٠٧)
(٣) سورة، المائدة الآية: ٨.

٦٧
٢٣١ - باب: في فضل من فطر صائماً
١٢٦٤ - وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الأَنْصَارِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ نَِّدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً
فَقَالَ: ((كُلِي))، فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّ الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ
الْمَلَائِكَةُ .
الترغيب والترهيب: ورواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظ
ابن خزيمة والنسائي ((من جهز غازياً أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله أو فطر صائماً كان له مثل
أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) وقال في حديث سلمان الذي رواه ابن خزيمة
في صحيحه ((ومن فطّر فيه صائماً) يعني في رمضان ((كان مغفرة الذنوبه، وعتق رقبته من
النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء)) قالوا: ليس كلنا يجد ما يُفطّر به
الصائم فقال رسول الله ومية: يعطي الله تعالى هذا الثواب، من فطّر صائماً على تمرة، أو
شربة ماء، أو مزقة لبن؛ الحديث.
١٢٦٤ - (وعن أم عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم (الأنصارية رضي الله عنها) المكنى
بهذه الكنية، اثنتان من الأنصار.
إحداهما: نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مندول بن عمرو بن مازن بن النجار
الأنصارية المازنية .
والثانية: غير مسماة كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة، وقال المزيّ: وهي جدة
حبيب بن زيد ويقال: اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو، وذكر النسب إلى النجار وقد ذكر
الترمذي نسبتها فقال: عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية؛ ومقتضاه أنها الأولى كما صرح به
المزي، وقد وقع في كلام بن عبد البر ما يقتضي أنها واحدة، وحكاه عن ابن الأثير، وقال:
إن ابن منده وأبا نعيم جعلاهما اثنتين وذكرا لكل ترجمة، وفي التقريب للحافظ أنهما
واحدة، كما في كلام ابن عبد البر ومثله في الأطراف للمزي، وهو ظاهر صنيع المؤلف، إذ
لو كان يرى تعددهما لأتى بما يميز الراوية عن الثانية، وقد صرّح الدميري بأنها نسيبة،
وقال: شهدت العقبة مع السبعين وشهدت أحداً، وأبليت يومئذ بلاءً حسناً، هي وولدها
عبد الله بن زيد وزوجها زيد بن عاصم وشهدت بيعة الرضوان وشهدت اليمامة، وجرحت
يومئذ أحد عشر جرحاً وقطعت يدها. روى لها أصحاب السنن ثلاثة أحاديث، هذا أحدها.
اهـ والله أعلم. (أن النبي (وَ لّ دخل عليها) أي: زائراً ففيه زيارة أهل الفضل أتباعهم
(فقدمت إليه طعاماً) فيه إكرام الضيف بإحضار الطعام (فقال: كلي) فيه إيماء إلى استحباب
بدء رب المنزل بالأكل قبل الضيف لينشط لذلك (فقالت: إني صائمة فقال رسول الله مولته
إن الصائم) أي: لأي صوم كان، من فرض بأنواعه، أو نفل (تصلي عليه الملائكة) أي :

٦٨
٧ - كتاب: الفضائل
إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا)) وَرُبَّمَا قَالَ: ((حَتَّى يَشْبَعُوا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
حَديثٌ حَسَنٌ(١).
١٢٦٥ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَ جاءَ إلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ فَجَاءَ بِخُبْزِ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((افْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ،
وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ)) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (٢).
تستغفر له (إذا أكل عنده حتى يفرغوا) أي: الآكلون، المدلول على تعددهم بالجملة
الشرطية (وربما قال:) حتى (يشبعوا) وضمير قال: الأقرب عوده إلى النبي بَله، ويؤيده أنه
أورده في المشكاة بهذا اللفظ مقتصراً عليه، والمراد منه الإشارة إلى اختلاف ألفاظه وَّلَت ،
ويحتمل على بعد عوده إلى أحد الرواة، وهذه الجملة مسوقة للشك في اللفظ النبوي على
هذا. وعلى الأول لبيان صدور كل منهما منه بصّر. الأول كثيراً والثاني قليلاً (رواه الترمذي
وقال: حديث حسن) ورواه أحمد وابن ماجه والدارمي وانتهى حديث ابن ماجه إلى تصلي
عليه الملائكة، ورواه النسائي أيضاً، كما في الأطراف للمزيّ
١٢٦٥ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبيّ وَليّ جاء إلى سعد بن عبادة) سيد الخزرج
رضي الله عنه (فجاء بخبز وزيت) فيه إحضار ما سهل وأنه لا ينافي الجود فقد جاء سعد كأبيه
من أجواد العرب (فأكل) أي: النبي ◌َّ (ثم قال النبي ◌َّة) أي: بعد تمام الأكل (أفطر
عندكم الصائمون) أي: أثابكم الله إثابة من فطر صائماً، فهي خبرية لفظاً دعائية معنى
كجملة (وأكل طعامكم الأبرار) جمع بر، وهو التقي (وصلت عليكم الملائكة) أي:
استغفرت لكم (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والبيهقي في السنن وابن السني
من حديث أنس، ورواه ابن ماجه وابن حبان والطبراني. من حديث ابن الزبير، ولفظ ابن
السني ((كان ﴿ إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال: أفطر عندكم)) إلخ وروى ابن ماجه عن ابن
الزبير ((قال: أفطر * عند سعد بن معاذ فقال: أفطر عندكم إلى آخره)) ورواه ابن ماجه في
صحيحه عنه لكن قال: ابن عبادة بدل ابن معاذ. قال القارىء في الحرز: ويمكن الجمع
بتعدد القضة .
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في فصل الصائم إذا أكل عنده، (الحديث: ٧٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: [ما جاء] في الدعاء لرب الطعام [إذا أكل عنده]،
(الحديث: ٣٨٥٤)

٨ - كتاب: الاعتكاف
٢٣٢ - باب: في فضل الاعتكاف
١٢٦٦ - عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ
الأَواخِرَ مِنْ رمَضانَ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ(١).
١٢٦٧ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ وَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَواخِرَ
مِنْ رمَضانَ حَتَّى تَوَقَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
كتاب الاعتكاف
هو لغة: لزوم الشيء ولو شراً، وشرعاً: مكث مخصوص على وجه مخصوص،
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. وهو من الشرائع القديمة، وسكت المصنف عن ذكر
ما يتعلق به من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين﴾(٣) الآية نسياناً.
١٢٦٦ -(عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وسلم يعتكف العشر الأواخر من
رمضان) بالنصب على الظرفية أي: يوقعه فيها (متفق عليه).
١٢٦٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي # كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان)
اسم لما بعد العشرين منه ولو كان ناقصاً، فإطلاق العشر عليه تغليب (حتى توفاه الله) غاية
لما دلت عليه كان من الدوام، قيل: لغة، وقيل: عرفاً (ثم اعتكف أزواجه بعده) أي: في
العشر المذكور (متفق عليه)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر (٢٣٥/٤ و٢٣٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، (الحديث: ١)
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، (٢٣٥/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، (الحديث: ٥)
(٣) سورة الحج، الآية: ٢٦

٧٠
٨ - كتاب: الاعتكاف
١٢٦٨ - وعَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ
رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
١٢٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة
أيام) وكان أولاً يعتكف العشر الأوسط طلباً لليلة القدر، ثم علم أنها في العشر الأخير فصار
يعتكف كما يومىء إليه حديث سعيد المذكور في باب الاعتكاف من البخاري (فلما كان
العام) بالنصب على الظرفية خبراً لكان، وبالرفع على أنها تامة (الذي قبض فيه اعتكف
عشرين يوماً) زيادة اجتهاد في الطاعة؛ لدنو الأجل ولعله أخلذه، أي: دنو الأجل كما صرّح
به في خطابه لبنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، من مدارسته جبريل معه ذلك العام القرآن
مرتين، ففي الحديث الحض على الاجتهاد في التعبد، والإعراض عن الأعراض الدنيوية
عند خواتم العمر وسن الكبر (رواه البخاري) وما أومأ إليه أحاديث الباب من كون المعتكف
صائماً والمدة متطاولة هو الأفضل، وإلّ فأقله عند إمامنا الشافعي ما يسمى لبئاً إذا اقترن
بالنية ولا يشترط فيه صوم خلافاً لبعض الأئمة.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان،
(٤ / ٢٤٥).

٩ - كتاب: الحج
٢٣٣ - باب: في فضل الحج
قالَ اللَّهُ تعالى (١): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيِّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾(١).
كتاب الحج
هو بفتح الحاء وكسرها لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم، وشرعاً: قصد الكعبة
لأداء أعمال مخصوصة، والأصل فيه الكتاب والسنة والإِجماع، وهو من الشرائع القديمة.
روي أن آدم عليه الصلاة والسلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً وأن جبريل قال له: إن
الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة. وقال ابن إسحاق: لم يبعث الله
نبياً بعد إبراهيم إلّ حج، والذي صرّح به غيره أن ما من نبي إلّ حج. خلافاً لمن استثنى
هوداً وصالحاً صلى الله على نبينا وعليهم وسلم. وفي وجوبه على من قبلنا خلاف. قيل:
الصحيح، إنه لم يجب إلّ علينا واستغرب، والصحيح أنه من أفضل العبادات، خلافاً
للقاضي حسين في قوله: إنه أفضلها لاشتماله على المال والبدن (قال الله تعالى: ولله على
الناس) قيل: دخل فيه الجني بناء على أنه من نوس إذا تحرك، وبه صرّح في عباب اللغة،
فيجب الحج على مستطيعه وبه صرّح التقي السبكي (حج البيت) علم بالغلبة على الكعبة
(من استطاع إليه سبيلاً) بأن وجد الزاد والراحلة، كما ثبت تفسيره بذلك مرفوعاً في حديث
رواه الحاكم في المستدرك، ومن فيه فاعل المصدر المضاف لمفعوله. أي: ولله على الناس.
أن يحج البيت المستطيع منهم، فإن لم يحج المستطيع أثم الناس أجمع، أو بدل بعض من
الناس، والرابط مقدر، أي: منهم وعليه اقتصر المحقق البيضاوي، أو في موضع رفع
بالابتداء على أنها موصولة ضمنت معنى الشرط، أو شرطية، وحذف الخبر والجواب أي:
من استطاع فليحج، ويؤيد الابتداء قوله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال
(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.

٧١
٩ - كتاب: الحج
١٢٦٩ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((بُنِيَ الإِسْلامُ
عَلى خَمْسٍ : شَهادَةٍ أَنْ لا إلَهَ إِلّ اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِبتاءٍ
الزَّكَاةِ، وحَجِّ الْبَيْتِ، وصَوْمٍ رَمضانَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
البيضاوي: وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تاركه، ولذلك قال
النبي ◌َّلة: ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً)) وقد أكد أمر الحج في هذه
الآية من وجوه الدلالة على وجوبه، بصيغة الخبر وإبرازه في الصورة الاسمية، وإيراده على
وجه يفيد أنه حق واجب لله في رقاب الناس، وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانياً، فإنه
كإيضاح بعد إبهام، وتنبيه وتكرير للمراد. وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة،
وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان، وقوله (عن العالمين)
بدل عنه؛ لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان، والإِشعار بعظيم
السخط؛ لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس، وإتعاب البدن، وصرف المال والتجرد
عن الشهوات، والإِقبال على الله عز وجل. روي أنه لما نزل صدر الآية ((جمع
رسول الله - أرباب الملل فخطبهم وقال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة
واحدة وكفرت به خمس الملل (٢): فنزل ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾(٣)).
١٢٦٩ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي) وفي نسخة رسول الله (صير قال بني
الإسلام على خمس شهادة) بالجر على الأوجه، كما تقدم بيانه في شرح هذا الحديث
المتكرر غير مرة، في أبواب كالزكاة والصيام (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة) أل فيها وفيما قبلها للعهد. أي: المفروض منها (وحج البيت) أي: من
استطاع إليه سبيلاً، كما جاء كذلك في أحاديث أخر، والمطلق يحمل على المقيد (وصوم
رمضان متفق عليه)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم (٤٦/١، ٤٧)
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، (الحديث: ٢٠)، وقد
تقدم برقم (١٠٧٥) و (١٢٠٦).
(٢) في نسخه جميع الملل وعلى الأولى قيل: هم اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا
ع
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٩٧

٧٣
٢٣٣ - باب: في فضل الحج
١٢٧٠ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((يَا أَيُّها
النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُوا)) فَقالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثَاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ))
ثُمَّ قَالَ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ
١٢٧٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا) يتعدى بنفسه وبعلى كما في
المصباح (رسول الله ﴿ فقال:) عطف تفسير (يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج
فحجوا) أي: ادوا ذلك الواجب (فقال رجل) قال ابن حجر الهيثمي: هو الأقرع ابن حابس
انتهى. وقد جاء تعيينه في حديث رواه أحمد والنسائي والدارمي، وسنده حسن (أكل عام)
بالنصب ظرف لفرض مقدراً (يا رسول الله فسكت) وَلزل عن جوابه (حتى قالها) أي: المقالة
المذكورة (ثلاثاً) منصوب على المصدرية، وسكوته عنه، لينزجر عن سؤاله الواقع في غير
محله؛ لوجوه منها: أن مدلول الأمر مدة وما زاد عليها لا بد له من دليل خارجي، ومع
ملاحظة ذلك فلا وجه لسؤاله، فكان فيه نوع تعنت وسؤال عما لا يحتاج إليه، ومنها: أنه مثلة
أرسل لتبليغ الأحكام بغاية الإِيضاح والبيان، فلو وجب التكرار لأفاده صريحاً وإن لم يسأل
عنه فالسؤال حينئذ ضائع، ولما علم له من تكريره له أنه لا ينزجر بذلك ولا يقنع إلا بجواب
صريح أجابه بما فيه نوع توبيخ له (فقال رسول الله رسالة: لو قلت نعم) أي: فرض عليكم كل
عام (لوجبت) أي: الحجة كذلك (ولما استطعتم) ذلك: لأن فيه من المشقة ما لا يطاق
تحمله فأفادت (لو) الدالة على انتفاء الثاني لانتفاء المقدم الذي لم يخلفه غيره، أنه لا يجب
كل عام أي: باعتبار الأصل، فلا يرد وجوبه بنحو قضاء أو نذر، وأفاد ثانيها أن الأمر للوجوب
إذ لا يجب الحج كل سنة، بقوله: حجوا كل سنة إلّ إذا كان الأمر للوجوب، وما بعده أنه
إنما لم يتكرر لما فيه من الحرج الذي لا يطاق، وإن الأمر على السهولة واليسر لا على
الصعوبة والعسر كما توهمه السائل، وإن العاقل لا ينبغي له أن يستقبل الكلف الخارجة عن
وسعه وأن لا يسأل عما يسوءه لو أبدى قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم
تسؤكم﴾(١) (ثم قال) زجراً لذلك السائل أيضاً (ذروني ما تركتكم) أي: لأني لا أنطق إلّ بما
شرعه الله لكم، ولا أحتاج إلى تنبيه؛ لأني لا أخل بشيء مما يحتاج إلى البيان عند الحاجة
إليه (فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم) أي: من غير حاجة بل لقصد التعنت المؤدي
للإيذاء أو التكذيب (واختلافهم على أنبيائهم) فيتقولون عليهم ما لم يقولوه، ويحرفون ما
K
(١) سورة المائدة، الآية: ١٠١

٧٤
٩ - كتاب: الحج
عَلَى أَنْبِيائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ
فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٢٧١ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
(إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِه)) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: ((الْجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟
قالوه إيثاراً لما ينالهم من ضعفائهم واتباعهم على رضا الله تعالى واتباع أنبيائه ورسله (فإذا
أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) كالعاجز عن بعض أعمال الطهارة، أو الصلاة من ركن
أو شرط يأتي بالمستطاع له، دون ما عجز عنه (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) وفيه أن الأوامر
مقيدة بالاستطاعة دون النواهي؛ لأن الأولى: من باب جلب المصالح، والثانية: من باب
درء المفاسد، ودرؤها مقدم على جلب تلك، فلذا سومح في هذه ما لم يسامح في تلك
(رواه مسلم) وهذا الحديث من أجل قواعد الإِسلام، ومن جوامع الكلم لأنه يدخل فيه من
الأحكام ما لا يحصى، والحديث من قوله: ذروني إلى آخره، تقدم في باب الأمر بالمحافظة
على السنة.
١٢٧١ - (وعنه قال: سئل النبي ◌َّة) السائل أبو ذر، كما في التوشيح (أي العمل أفضل)
أي: أكثر ثواباً عند الله تعالى (قال: إيمان بالله ورسوله) هو عمل القلب؛ لأنه التصديق بكل
ما علم مجيء الرسول به ضرورة، والإِقرار للساني بذلك شرط لإِجراء الأحكام (قيل: ثم
ماذا؟ قال الجهاد: في سبيل الله) قال السيوطي في التوشيح: في مسند بن أبي أسامة:
جهاد، وهو موافق لقوله: إيمان، ولقوله قال: حج. قال الحافظ: فالتعريف في رواية
الصحيح من تصرف الرواة. اهـ ثم لعل هذا بالنسبة لحال المتكلم بذلك؛ لقوة تسلط الكفار
حينئذ، فكأن القيام به لما فيه من تأسيس الإِسلام أفضل، حتى من الصلاة فلا ينافي حديث
((خير أعمالكم الصلاة)) ولا حديث ابن مسعود «سألت رسول اللّه ◌َليل أي العمل أفضل؟ قال:
الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي: قال: ثم بر الوالدين قلت: ثم أي: قال: الجهاد في
سبيل الله)) الحديث رواه الشيخان، وقال المصنف: ذكر هنا بعد الإِيمان الجهاد والحج،
وفي حديث أبي ذر، بدل الحج العتق، وفي حديث أبي موسى: السلامة من اليد
واللسان، وفي حديث ابن مسعود: الصلاة ثم البر ثم الجهاد، وقال العلماء: واختلاف
الأجوبة لاختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لا يعلمه السائل وترك ما علمه (قيل :
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، (الحديث: ٤١٢).

٧٥
٢٣٣ - باب: في فضل الحج
قَالَ: ((حَجِّ مَبْرُورٌ)) مُتَّفْقٌ عَلَيْهِ. ((الْمَبْرورُ)) هُوَ: الَّذي لا يَرْتَكِبُ صَاحِبُهُ
فِيهِ مَعْصِيَةً(١).
١٢٧٢ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ يَقولُ: ((مَنْ حَجَّ
فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
١٢٧٣ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ
لِمَا بَيْنَهُمَا، والْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إِلَّ الْجَنَّةَ))
ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الإِيمان، وكذا رواه فيه
النسائي (المبرور) اسم مفعول من البر وهو الطاعة (هو الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية)
ولو صغيرة وإن تاب منها من إحرامه به إلى تحلله الثاني، هذا أحد القولين فيه. وقيل: هو
المقبول وعلامة القبول أن يرجع خيراً مما كان عليه بأن يصير عابداً بعد أن كان غافلاً.
١٢٧٢ - (وعنه قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: من حج) أي: أتى بالحج (فلم يرفث)
بضم الفاء معطوف على جملة حج أي: لم يلغ (ولم يفسق) أي: بارتكاب كبيرة أو إصرار
على صغيرة (رجع) أي: انقلب من نسكه معرى عن الذنب بالعفو (كيوم ولدته أمه) بفتح
يوم؛ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبني، والمراد يكفر بالحج عنه صغائر الذنوب، المتعلقة
بحق الله تعالى كما قدمنا التنبيه عليه (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعند
الترمذي بلفظ ((غفر له ما تقدم من ذنبه)).
١٢٧٣ - (وعنه أن رسول الله وَلير قال: العمرة) بضم فإسكان، وبضمتين وبفتح فإسكان
لغات، أفصحها أولها (إلى العمرة كفارة) أي: مكفرتان، وأفرد؛ لأنه مصدر (لما بينهما) من
صغائر الذنوب المتعلقة باللّه تعالى، وعليه يحمل قوله في رواية: من الذنوب والخطايا
(والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) يحتمل أن يكون من جزائه إلهام صاحبه التوبة من
كل ذنب، وتوفيقه لذلك وحفظه من المخالفة باقي عمره فيدخل الجنة مع الفائزين، والله
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: من قال إن الإِيمان هو العمل (٣٠٢/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (الحديث:
١٣٥) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور، (٣٠٢/٣، ٣٠٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، (الحديث: ٤٣٨).

٧٦
٩ - كتاب: الحج
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١).
١٢٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ
أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: ((لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجِّ مَبْرُورٌ)) رَوَاهُ
البخارِيُّ(٢).
١٢٧٥ - وعَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ
أعلم. (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد والأربعة، كذا في الجامع الصغير.
١٢٧٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله نرى) أي: نعتقد (الجهاد
أفضل العمل أفلا نجاهد) لحوز ثوابه (فقال: لكن) باللام الجارة لضمير خطاب النسوة، وهو
حال (أفضل الجهاد حج مبرور) وأفضل مبتدأ خبره حج، وقال الدماميني في المصابيح :
معترضاً الزركشي في إعرابه أفضل مبتدأ، خبره حج، بأنه على ظن أن لكن ظرف لغو،
متعلق بأفضل والمانع موجود، فالصواب أن الخبر قوله لكن، وحج بدل أو خبر لمحذوف،
تقديره هو حج مبرور، والضمير عائد إلى أفضل الجهاد. اهـ ثم هذا الضبط هو الذي عند
أبي ذر، وعند غيره، لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها وبتسكين النون، فعليها أفضل
مبتدأ خبره حج مبرور، وبتشديدها فأفضل اسمها وحج خبرها، ولا بد عليها من تقدير
مستدرك عليه، وظرف بعد الاستدراك، دل عليه المقام أي: ليس لكن الجهاد أفضل، ولكن
أفضل منه لكن حج مبرور. قال المهلب: وهذا بين على أن قوله تعالى؛ ﴿وقرن في
بيوتكن﴾(٣) ليس على الفرض الملازمة البيوت (رواه البخاري) في الحج والجهاد، وفي
رواية لهما عنها ((قلت: استأذنت النبي ﴿ في الجهاد فقال: جهادكن الحج)) ورواه النسائي
وابن ماجه ولفظ النسائي ((قلت: يا رسول الله أفلا نخرج فنجاهد معك)). وفي التعبير عنه
بالجهاد إيماء إلى عظيم فضله وحض عليه النساء فكيف بالرجال
00X4
١٢٧٥ - (وعنها أن رسول الله وسلم قال: ما من) صلة لتأكيد استغراق النفي في قوله: (يوم
أكثر) بالنصب خبر ما الحجازية (من أن يعتق الله فيه عبداً من النار) متعلق بيعتق (من يوم
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العمرة، باب: وجوب العمرة وفضلها، (٤٧٦/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، (الحديث: ٤٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور (٣٠٢/٣)
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣

٧٧
٢٣٣ - باب: في فضل الحج
يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدَاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١)
١٢٧٦ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النّبِيِّ بَهَ قَالَ: ((عُمْرَةٌ فى رَمضانَ
تَعْدِلُ حَجَّةٍ أَوْ حَجَّةً مَعي)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)
عرفة) متعلق بأكثر وهذا صدر حديث آخره ((وإنه ليدنو ثم ويباهي الملائكة فيقول ما أراد
هؤلاء)) (رواه مسلم)
١٢٧٦ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وسلم قال: عمرة في رمضان) أي: بأن
يتبع تحرمها في جزء منه وإن أتى بأعمالها في شوال (تعدل) أي: تماثل (حجة أو) شك من
الراوي أي: هل اقتصر على ذلك؟ أو قال: (حجة معي. متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود
وابن ماجه من حديث ابن عباس، ورواه من حديث جابر، أحمد والبخاري وأبو داود، ورواه
أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أم معقل، وابن ماجه عن وهب ابن حنيس، والطبراني في
الكبير، عن ابن الزبير، وميمونة عن أنس بلفظ ((عمرة في رمضان كحجة معي))، كذا في
الجامع الصغير وظاهره أنه لا فرق بين من أحرم بها من ذي الحليفة ومن أحرم بها من التنعيم
مثلاً؛ ولا تخصيص بكونه وارداً في امرأة تخلفت عن الحج معه وث فقال لها: اعتمري إن
عمرة إلخ، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والظاهر أن المراد بالعدل
هنا ما لقوه في نحو خبر: إن قراءة الإِخلاص تعدل ثلث القرآن، من أن في القليل مثل ثواب
الكثير من غير مضاعفة، لئلا يلزم تساوي القليل والكثير، فيكون حاملاً للناس على
الإعراض عن الكثير، وهذا أولى من قول الطيبي أنه من باب المبالغة، وإلحاق الناقص
بالكامل ترغيباً، وحثاً عليه. اهـ وذلك؛ لأن الله امتن على ضعفاء عباده العاجزين عن الإتيان
بذلك الكثير، بأن جعل لهم ما يصلون به إلى مراتب الأقوياء القادرين على الكثير، ولا يلزم
منه الرغبة عن الكثير، لما تقرر من الفرق بينهما. وفي الحديث ((إن ثواب العمل القليل يزيد
بزيادة شرف الوقت)) كما يزيد ثواب الكثير بمزيد الحضور ودوام الشهود اللذين يبلغ
الشخص بهما مبلغاً لا يحصل له بدون ذلك، وما اقتضاه الحديث من أفضليتها في رمضان
عليها ولو في ذي القعدة هو مذهبنا، وأجابوا عن تكرير عمرته # في ذي القعدة دونه بأنه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، (الحديث: ٤٣٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: العمرة، باب: عمرة في رمضان (٤٨٠/٣، ٤٨١)
وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: فضل العمرة في رمضان، (الحديث: ٢٢٢)

٧٨
٩ - كتاب: الحج
١٢٧٧ - وعَنْه رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً قَالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى
عِبادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبي شَيْخاً كبيراً لا يَثْبُتُ عَلى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟ قَالَ:
(نَعَمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٢٧٨ - وعَنْ لَقِيط بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَقالَ: إِنَّ أَبي
كان لمصلحة، هي رد ما كان عليه الجاهلية من اعتقاد أنها في أشهر الحج من أفجر
الفجور، فكررها وير فيه مبالغة في إخراج ما رسخ في قلوبهم من ذلك، وعدم إيقاعه لها في
رمضان في عام الفتح يحتمل أن يكون لكثرة اشتغاله بمصالح أهل مكة، ثم بتجهيز تلك
الجيوش لحنين والطائف على أن ظاهر سبب حديث الباب أنه لم ينطق وَ لّ به إلّ بعد حجة
الوداع، فيحتمل أنه وسير لم يبلغه ذلك إلا حينئذ.
١٢٧٧ - (وعنه أن امرأة) هي من خشعم، كما في الحديث نفسه في الصحيح (قالت: يا
رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي) فيه مجاز عقلي من الإِسناد
للسبب، وهو قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾(٢) الآية (شيخاً كبيراً لا يثبت على
الراحلة) جملة في محل الصفة، أو الحال، والمراد: لا يثبت عليها ولو في نحو محارة، كما
يومىء إليه إطلاقها (أفأحج عنه) أي: أيجب عليه فأحج عنه نيابة (قال: نعم) ففيه الحج عن
المعضوب (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي المغازي وفي الاستئذان، ومسلم في
الحج، ورواه فيه أبو داود والنسائي في سننهما، كذا في الأطراف، وتعقب بأن حديث
النسائي بطرقه حديث آخر لا يطابق هذا الحديث لا لفظاً ولا معنى، وسياقه هكذا ((أن امرأة
سألت سيدنا رسول الله وَّ ر عن أمها ماتت ولم تحج قال: حجي عن أمك)) قال أحد الرواة:
عن النسائي هذا حديث غريب، تفرد به علي بن حكيم. اهـ ورواه البزاز عن ابن عباس عن
أخيه الفضل، ورواه أيضاً عن سلمان ابن يسار الراوي عن ابن عباس عن الفضل من غير
واسطة عبد الله. اهـ وعلى الأول فهو مرسل صحابي. والله أعلم.
١٢٧٨ - (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية، ثم طاء مهملة (ابن عامر)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: وجوب الحج وفضله (٣٠٠/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوهما أو للموت، (الحديث:
٤٠٧).
٠
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.

٧٩
٢٣٣ - باب: في فضل الحج
شَيْخُ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الْحَجِّ ولا الْعُمْرَةَ ولا الطَّعْنَ؟ قَالَ: ((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ
وَأَعْتَمِرْ) رواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
١٢٧٩ - وعَنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ابن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة أبو رزين
العقيلي (رضي الله عنه) له صحبة ووفادة على رسول الله وهل ويقال له: لقيط بن صبرة، قاله
ابن مندة. وقال أبو عمر: ولقيط بن عامر العقيلي كنيته أبو رزين، وهو ممن غلبت عليه
كنيته، ويقال: لقيط بن صبرة، ويقال له أيضاً: لقيط بن المنتفق، فمن قال ابن صبرة نسب
إلى جده صبرة بن عبد الله بن المنتفق، وهو وافد بني المنتفق، إلى رسول الله وَلقر، وقد
قيل: إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة وليس بشيء، وروى عنه ابنه عاصم بن لقيط وابن
أخيه وكيع بن عدس وعمرو بن أوس وغيرهم، وقال الترمذي في العلل: سمعت محمد بن
إسماعيل يقول: أبو رزين العقيلي هو لقيط بن عامر، وهو عندي لقيط بن صبرة. قلت: أبو
رزين هو لقيط بن صبرة قال: نعم. قال الترمذي: وأكثر أهل الحديث، أن ابن صبرة، هو
ابن عامر، وسألت عن ذلك عبد الله بن عبد الرحمن يعني الدارمي، فأنكر كون ابن صبرة بن
عامر، وجعلهما مسلم بن حجاج في الطبقات اثنين. اهـ منقولاً بتلخيص من أسد الغابة،
وجرى المزي في الأطراف على أنهما اثنان وجعل لكل ترجمة، ولقيط بن صبرة تقدمت
ترجمته رضي الله عنه في باب مسائل من الصوم (أنه أتى النبي ◌َّ فقال: إن أبي شيخ كبير
لا يستطيع الحج ولا العمرة) أي: مباشرتهما بالمشي (ولا الظعن) بفتح المهملة والمعجمة
أي الارتحال لهما أي: إنه لا يقدر على السير لهما على قدميه، ولا على الركوب لأدائهما
(قال: حج) وفي شرح أبي داود بخط الشارح ابن رسلان احجج (عن أبيك واعتمر) فيه
دليل على جواز النيابة عن المعضوب فيهما، لكن لا يناب عنه إلّ في النسك المفروض
(ر واه أبو داود والترمذي) والنسائي کلهم في كتاب الحج (وقال) أي الترمذي (حديث حسن
صحیح).
١٢٧٩ - (وعن السائب) بالهمزة بعد الألف فموحدة (ابن يزيد) بفتح التحتية، منقول من
مضارع الزيادة، هو ابن أخت نمر الكندي، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: الرجل يُهلُّ بالحج ثم يجعلها عمرة، (الحديث: ١٨١٠).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الحج، وهو عن أبي رزين العقيلي، باب: ٨٧، (الحديث: ٩٣٠)

٨٠
٩ - كتاب: الحج
قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهب فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَا ابْنُ سَبْعٍ سِنِينَ. رَوَاهُ
البُخَارِيُّ(١).
١٢٨٠ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: ((مَنِ
الْقَوْمُ؟» قالوا: الْمُسْلِمُونَ. قَالوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((رسُولُ اللَّهِ) فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً
فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجِّ؟ قَالَ: (نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ»
استحباب جعل النوافل في البيت (قال: حج) بالبناء للمفعول ونائب فاعله (بي) كذا في
الأصول المصححة من الرياض، وكذا هو في البخاري. عند الترمذي قال: حج بي أبي
بالبناء للفاعل، وبيان أنه أبوه (مع رسول الله وَّل في حجة الوداع) بكسر الواو مصدر وادع
لوداعته فيها الناس، وبفتحها اسم مصدر منه (وأنا ابن سبع سنين) ففيه جواز إحجاج الصبي
قبل البلوغ، أو مباشرته النسك أي: إذا كان مميزاً وذلك ليتمرن على العبادة فيألفها بعد
البلوغ (رواه البخاري) والترمذي وفي روايته زيادة قوله: في حجة الوداع، وليست عند
البخاري، فقوله رواه البخاري أي أصل الحديث لا بجميع الألفاظ المذكورة. والله أعلم.
١٢٨٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي _ لقي ركباً) جمع راكب أو اسم
جمعه كصحب وصاحب ويجمع راكب على ركبان أيضاً (بالروحاء) ظرف لغو متعلق بلقي،
والروحاء قال في التهذيب: هي بفتح الواو والحاء المهملة وسكون الواو بينهما ممدودة،
موضع من عمل الفرع بضم فسكون، بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلاً، كما روى ذلك
مسلم في صحيحه في الأذان عن أبي سفيان، وحكى صاحب المطالع أن بينهما أربعين
ميلاً، وأن في كتاب ابن أبي شيبة بينهما ثلاثون ميلاً. اهـ ملخصاً (فقال: من القوم؟
فقالوا: المسلمون) أي: نحن المسلمون (فقالوا: من أنت؟ قال) وعند أبي داود ((قالوا:
من أنتم قالوا: (رسول الله، فرفعت امرأة صبياً) عند أبي داود ((ففزعت امرأة فأخذت بعضد
صبي وأخرجته من محفتها)) (فقالت: يا رسول الله ألهذا حج) أي: أيصح الإِحرام عنه
بالحج ويثاب عليه وإن كان غير مميز، كما يدل لذلك أخذها له بعضده وإخراجه كذلك من
المحفة، إذ من كان كذلك لا تمييز له (قال: نعم ولك أجر) أي: بسبب الحمل وتجنيبه ما
يحرم على المحرم، أو بسبب إحرامها عنه إن كانت وصيته من جهة الأب أو أذن لها
الوصي، إذ لا يصح الإِحرام به إلا لولي المال من أب أو جد أو مأذونه. قال أصحابنا: يكتب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج الصبيان، (٦١/٤)