Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
١٧٠ - باب: فيما يقوله إذا ركب دابته
ويُرْوى ((الْكَوْر)) بالرَّاءِ، وكِلاهُما لَهُ وجْهُ. قالَ العلمَاءُ: معْناه بالنُّونِ والرَّاءِ جميعاً:
الرُّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ أَوِ الزِّيادَةِ إِلَى النَّقْصِ، قَالُوا: ورِوايَةُ الرَّاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَكْوير
الْعِمَامَةِ وهُوَ لَفُّها وجَمْعُها. ورِوايةُ النُّونِ مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ كانَ يَكونُ كَوْناً إذَا وُجِدَ
واسْتَقَرَّ(١).
٩٧٢ - وَعَنْ عَلَيِّ بْنِ رَبِيعَةً قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ
والنسائي) وقوله إنه كذلك في صحيح مسلم هو باعتبار أكثر أصوله والمشهور منها كما في
الأذكار (قال الترمذي) في جامعه (ويروى الكور) بالجر على الحكاية (بالراء) بدل النون
(وكلاهما) أي: كلا الروايتين (له وجه) من جهة المعنى (قال العلماء) بغريب الحديث
ومعانيه (معناه بالنون والراء جميعاً الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص)(٢) أي:
أعوذ بك من الحور وهو النقص بعد الوجود والثبات الذي هو معنى الكون فإن في الفائق:
الحور: الرجوع بعد الكون بالنون أي: الحصول على حالة جميلة يريد الرجوع بعد الإقبال
إذ الكون وهي الرفعة لازمة لمعنى الكور الذي أشار إليه بقوله (وقالوا ورواية الراء مأخوذة
من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها) وحينئذ فتكون الاستعاذة من النقض بعد الإِبرام أو من
النقض بعد الزيادة وقيل: الاستعاذة حينئذ من الشذوذ عن الجماعة، أو من الفساد بعد
الصلاح، أو من القلة بعد الكثرة أو من الإِيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية أو من
الحضور إلى الغفلة وذلك؛ لأن من كار عمامته اجتمعت على رأسه ومن نقضها تفرقت
وتعقب التوربشتي من قال: معنى الحور بعد الكور الرجوع عن الجماعة بعد أن كان منهم
بأن استعمال الكور إنما هو في جماعة الإِبل خاصة وربما استعمل في البقر قال صاحب
الحرز: والجواب أن باب الاستعارة غير مسدود فالعطن مختص بالإِبل ويكنى بضيقه عن
ضيق الخلق (ورواية النون من الكون مصدر كان يكون كوناً إذا وجد) بالبناء للمفعول
(واستقر) يعني مصدر كان التامة وقال في الفائق: معنى الحور بعد الكون الرجوع عن حالة
جميلة بعد أن كان عليها يريد التراجع بعد الإقبال.
٩٧٢ - (وعن علي بن ربيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها مهملة
وربيعة ابن نضلة بالنون فالضاد المعجمة الوالبي بكسر اللام بعدها موحدة أبو المغيرة
الكوفي ثقة من كبار التابعين (قال: شهدت) أي: حضرت (علي بن أبي طالب رضي الله
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (الحديث: ٤٢٦).
(٢) من هنا إلى كلام المصنف مضروب عليه في إحدى النسخ . ع.

٤٦٢
٧ - كتاب: آداب السفر
بِدَأبَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَّمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى
ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُفْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا
لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
قَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ، ثُمَّ
عنه) حال كونه (أتي بدابته) وعند الترمذي بدابة بالتنوين والدابة في أصل اللغة ما يدب على
وجه الأرض ثم خصها العرف بذات الأربع قال في المصباح وتخصيص الفرس والبغل
بالدابة عند الإطلاق عرف طارىء (ليركبها فلما وضع رجله في الركاب) بكسر الراء (قال:
باسم الله) أي: أركب (فلما استوى) أي: استقر (على ظهرها قال) شكراً لله (الحمد لله)
أي: على هذه النعمة العظيمة وهي تذليل الوحش النافر وإطاعته لنا على ركوبه محفوظين
من شره كما صرح به بقوله (الذي سخر) أي: ذلل (لنا) أي: لأجلنا (هذا) المركوب (وما
كنا له) أي: لتسخيره (مقرنين) أي: مطيقين (وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال) أي: بعد حمده
المقيد بالثناء بما أنعم عليه (الحمد لله) حمداً غير مقيد بشيء إيماءً إلى أن التقييد فيما قبله
بقوله الذي سخر لنا هذا إلخ ليس لقصر طلب الحمد على وجود النعمة بل هو سبحانه
واجب الحمد لذاته ولتأكيد هذا المعنى كرره (ثلاث مرات) وفي التكرير إشعار بعظم
جلال الله سبحانه وأن العبد لا يقدر الله حق قدره وهو مأمور بالدأب في طاعته حسب
استطاعته وقيل في حكمة التكرير ثلاثاً أن: الأول لحصول النعمة والثاني لدفع النقمة
والثالث لعموم المنحة (ثم قال) تنزيهاً لله وتقديساً له عن سمات المحدثين من الركوب
والاستقرار في حيز (الله أكبر ثلاث مرات) والتكرير للمبالغة في ذلك، أو الأول إيماء إلى
الكبرياء والعظمة في الذات والثاني الكبرياء والعظمة في الصفات والثالث إشعار بتنزيهه عن
الاستواء المكاني وقوله الرحمن على العرش استوى ظاهره غير مراد إجماعاً ثم هل نفوض
معناه إلى الله تعالى، ولا نتكلم في تعيينه أو نتكلم فيه قال بالأول السلف وبالثاني الخلف
وهو أحكم (ثم قال: سبحانك) بالنصب على المفعولية المطلقة بعامل لا يظهر وجوباً أي:
أقدسك تقديساً مطلقاً؛ لأن كل ما لا يليق به تعالى فهو مقدس عنه وذلك سائر سمات
الحوادث (إني ظلمت نفسي) بعدم القيام بحقك لشهود التقصير في شكر هذه النعمة
العظمى ولو بغفلة، أو خطرة أو نظرة (فاغفر لي) أي: استر ذنوبي بعدم المؤاخذة بالعقاب
عليها (إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) إستئناف بياني كالتعليل لسؤال الغفران، وفيه إشارة
بالاعتراف بتقصيره مع إنعام الله وتكثيره (ثم ضحك فقيل) وعند الترمذي في الشمائل
0%0

٤٦٣
١٧٠ - باب: فيما يقوله إذا ركب دابته
ضَحِكَ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ النّبِيِّ ◌ِّ
فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: ((إِنَّ
رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لي ذُنُوبِي؛ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي))
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنُ. وَفِي بَعْضِ النَّسَخِ: حَسَنْ
صَحِيحٌ. وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ(١).
فقال - أي: ابن ربيعة - وفي نسخة مصححة من الشمائل فقلت بضمير المتكلم (يا أمير
المؤمنين من أي شيء ضحكت) لما لم يظهر ما يتعجب منه مما ينشأ عنه الضحك استفهمه
عن سببه وقدم نداءه على سؤاله كما هو الأدب في الخطاب، وفي رواية للترمذي في شمائله
فقلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين، المسئول عنه وتقديم على ندائه؛ لأنه أهم
حينئذ، لأن النداء لأجله وفي قوله: يا أمير المؤمنين إيماء إلى أن القصة جرت منه أيام خلافته
(قال: رأيت) أي: أبصرت (النبي يل صنع كما صنعت) من الركوب والذكر في أماكنه (ثم
ضحك فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت) وعند الترمذي كسياق الذي قبله (قال:
إن ربك سبحانه يعجب) عند الترمذي ليعجب أي: يرضى إذ عجبه تعالى لاستحالة قيام
حقيقته به وهي استعظام الشيء مراد منه غايته من الرضا وهي مستلزمة للثواب، ولهذا الرضا
المقتضي لفرح رسول الله * بمزيد المنة ضحك ولما تذكر علي رضي الله عنه ذلك أوجب
مزيد شكره وبشره فضحك لا أن ضحكه مجرد تقليد فإنه غير اختياري وإن كان قد يتكلف له
(من عبده) إضافة تشريف (إذا قال: اغفر لي ذنوبي يعلم) جملة حالية من فاعل قال: أي:
قال ذلك عالماً غير غافل (أنه لا يغفر الذنوب غيري) وفي بعض نسخ شمائل الترمذي غيره
بضمير الغائب واستظهر بأن الكلام من الرسول # لا كلام الله تعالى وأجيب بإمكان جعل
قوله يعلم بدلاً من يعجب أو حالاً لازمة من ضميره الراجع إلى الرب (٢) (رواه أبو داود) في
الجهاد (والترمذي) في الدعوات من جامعه وفي باب الضحك من شمائله ورواه النسائي في
السير (وقال: حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح) وعزاه إليه كذلك الحافظ
المزي في الأطراف (وهذا لفظ أبي داود) وقد أشرنا إلى بعض ما خالف فيه رواية الترمذي
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا ركب (الحديث: ٢٦٠٢).
وأخرجه الترمذي فى كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا ركب الناقة (الحديث: ٣٤٤٦)
(٢) هذان الجوابان لا يجديان نفعاً إلا على حذف يقول فتكون جملة يعلم مقولة ليقول وجملة يقول بدلاً
أو حالاً. ع
00

٤٦٤
٧ - كتاب: آداب السفر
١٧١ - باب: في تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط
الأودية
ونحوها، والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
٩٧٣ - عنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنا، وإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) .
٩٧٤ _ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ وجُيوشُهُ إِذَا عَلَوا
الثَّنايا كَبَّروا، وإِذَا هَبَطوا .
باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا
جمع ثينة والمراد منها العقبات (وشبهها) من الربوات والفدافد وذلك للتذكر بالعلو
الحسي عظمة الله تبارك وتعالى، وعلوه المعنوي وتنزيهه عما لا يليق به (وتسبيحه) أي: قول
سبحان الله (إذا هبط) بفتح أوليه أي: نزل (الأودية) تنزيهاً لله عما لا يليق به (ونحوها) من
الأغوار والمنازل النازلة (والنهي عن المبالغة برفع الصوت) الباء للتعدية أو ظرفية أي: فيه
(بالتكبير ونحوه) من سائر الأذكار المأتي بها أما أصل الجهر بالذكر فمطلوب إن أمن الرياء
وإيذاء نحو نائم أو مصل.
٩٧٣ - (عن جابر رضي الله عنه قال: كنا إذا صعدنا) بكسر المهملة الثانية (الثنايا) جميع
ثنية (كبرنا) أي: قلنا: الله أكبر أو شهدنا كبرياء الله وعظمته انتقالاً من العلو الحسي إلى
شهود العلو المعنوي (وإذا نزلنا سبحنا) أي: قلنا: سبحان الله أو شهدنا تقديسه عما لا يليق
به وتقدم حكم مروي هذه الصبغة من الرفع حكماً في حديث أنس في الباب قبله (رواه
البخاري) في الجهاد ورواه النسائي في السير وفي اليوم والليلة وليس عنده ذكر الثنايا.
٩٧٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي ◌َّر وجيوشه) بضم الجيم وكسرها
جمع جيش (إذا علوا) بفتح اللام التي هي عين الكلمة ولامها واو محذوفة بعد انقلابها ألفاً
لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم ملاقاتها للساكن بعدها وهو الواو وضمها هنا عارض لالتقائها
ساكنة مع الساكن في أول (الثنايا) وليس من محل جواز التقاء الساكنين وحذفها غير ممكن؛
لأنها فاعل ولا دليل عليها فحركت بحركة تجانسها (كبروا وإذا هبطوا) أي: منها أو مطلقاً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: التسبيح إذا هبط وادياً (٩٤/٦).

٤٦٥
١٧١ - باب: في تكبير المسافر
سَبَّحوا. رَوَاهُ أَبو داوُدَ بِإِسنادٍ صَحِيحِ(١).
٩٧٥ _ وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ
كُلَّمَا أَوْفِى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثاً ثُمَّ قَالَ: لا إلَهَ إِلّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، آيِبونَ تَائِبونَ، عَابِدونَ سَاجِدونَ،
لِرَبِّنا حَامِدونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الْأَحْزابَ وحْدَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(سبحوا رواه أبو داود بإسناد صحيح) أي: فالحديث صحيح لما تقرر في محله من علم
الحديث أن الحافظ الضابط إذا أطلق الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد ولم يعقبه في
الحكم على المتن بما ينافيه حكم بحكم الإِسناد للمتن.
٩٧٥ - (وعنه قال: كان النبي ◌َّ إذا قفل) بالقاف كرجع وزناً ومعنى (من الحج أو)
يحتمل إنها للشك في أن الرجوع المقول ما يأتي فيه هو الرجوع من الحج أو (العمرة)
ويحتمل أنها للتنويع أي: فيقوله في رجوعه من كل منهما ويؤيد الأول قول البخاري عن
الراوي، ولا أعلمه قال: إلا الغزو، وكذا كان يقوله في سائر رجوعاته كما يدل عليه حديث
مسلم (كلما) بالنصب على الظرف لقوله كبر وما عطف عليه (أوفى) أي: أشرف فارتقى
(على ثنية) قال في المغرب: الثنية العقبة؛ لأنها تتقدم الطريق وتعرض أو؛ لأنها تثني سالكها
وتصرفه (أو فدفد كبر) أي: قال: الله أكبر (ثلاثاً ثم قال: لا إله إلا الله وحده) وقوله:
لا إله إلا الله توحيد الذات وقوله وحده توحيد الصفات وقوله (لا شريك له) جملة حالية
توحيد الأفعال(٢) أي: ليس له مشارك في إيجاد شيء من مصنوعاته (له الملك وله الحمد)
أي: هو المنفرد بهما كما يؤذن به تقديم ما حقه التأخير (وهو على كل شيء) من الممكنات
(قدير) إذ القدرة لا تتعلق بواجب ولا مستحيل (آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا) تنازعه
العوامل الأربعة قبله والتنازع يكون بين عاملين وأكثر ومنه حديث: ((تسبحون وتحمدون
وتكبرون الله ثلاثاً وثلاثين)) الحديث ويجوز أن يكون الظرف متعلقاً بقوله (حامدون) وحذف
متعلق تلك الصفات لدلالته عليه وعلى تعلق الظرف بما قبله، فحذف متعلق حامدون كما
عدا المتعلق به مما قبله لدلالة ذلك عليه (صدق الله وعده) حذف المفعول الأول لتعلق
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا سافر، (الحديث: ٢٥٩٩) ((وهو جزء من
الحديث)).
(٢) الظاهر أن الجملة بتمامها لتوحيد الذي أن بمعنى نفي الكم المنفصل ويلزم منها توحيد الصفات بمعنى
نفي الكم المنفصل أيضاً وتوحید الأفعال کذلك. ع

٤٦٦
٧ - كتاب: آداب السفر
وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ : إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيوشِ أَوِ السَّرايا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ. قولُهُ
((أَوْفِى)): أَيِ ارْتَفَعَ. وقولُهُ: ((فَدْفَدٍ)) هو بفتحِ الْفَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا دالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ
وآخِرُهُ دالٌ أُخْرى وهو: الْغَلِيظُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ (١).
٩٧٦ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أُسافِرَ فَأَوْصِني. قالَ: ((عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، والتَّكْبِيرِ عَلى كلِّ شَرَفٍ)) فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلَ
الغرض بالمفعول الثاني أي: صدق الله من وعده من نبيهم لل والمؤمنين به وعده أي: ما
وعدهم به فهو مصدر مضاف لفاعله (ونصر عبده) الإِضافة فيه تنصرف للفرد الكامل وهو
النبي ◌َّ﴾ أي: نصره من غير وجود ما يرتبط به النصر عادة من كثرة العدد والعددكما في غزوة
بدر وغزوة الخندق (وهزم الأحزاب وحده) أي: الذين تحزبوا عليه من كفار قريش
وأحابيشها، فرد كيدهم في نحرهم بألطف الأشياء وهي ريح الصبا ولم يكن لأحد من الخلق
دخل في ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد بهذا اللفظ، وقد غفل المزي
في كتاب الأطراف عن ذكره في ترجمته الإِسناد الذي رواه به البخاري وهو صالح بن كيسان
عن سالم عن ابن عمر (وفي رواية لمسلم إذا قفل من الجيوش والسرايا) أي: من الغزوات
ذوات الجيش أو ذوات العدد اليسير منه ففي الحديث مضاف (أو الحج والعمرة) وتقدم أنه
يستحب هذا الذكر لكل قادم من سفر أي سفر كان (قوله: أوفى أي: ارتفع) هو بمعنى قول
القاموس أوفى عليه أشرف (وقوله فدفد) بالجر على الحكاية (هو بفتح الفاءين بينهم دال
مهملة ساكنة وآخره دال أخرى) وهو وزان جعفر (وهو الغليظ المرتفع من الأرض) هو تفسير
للمراد في الحديث وإلا ففي القاموس الفدفد الفلاة والمكان الصلب الغليظ والمرتفع
والأرض المستوية اهـ. ومنه يعلم أن اعتبار الغلظ في تفسير الفدفد المذكور في الحديث
غير لازم بل المراد أنه كلما ارتفع على نشر وربوة من الأرض رملاً كانت أو غليظة
٩٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر
فأوصني) فيه استحباب مجيء المسافر عند إرادة السفر لمن يتبرك به وعرض ذلك عليه ليشير
بما رآه لائقاً بالوقت، وطلب الوصية منه (قال: عليك بتقوى الله) أي: إلزمها والباء زائدة في
المفعول وفيه تنبيه على أن تقوى الله الحصن النافع حضراً وسفراً (والتكبير على كل شرف)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد (١٦٠/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره (الحديث: ٤٢٨).

٤٦٧
١٧١ - باب: في تكبير المسافر
قالَ: ((اللّهُمَّ اطْولَهُ الْبُعْدَ، وهَوَّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ)) رواهُ التّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ(١).
٩٧٧ - وعَنْ أَبي مُوسَى الْأُشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَكُنَّا إِذَا أَشْرِفْنَا عَلى وادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارْتَفَعَتْ أَصْواتُنا، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َ﴿: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إنَّهُ
مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ وهذا لفظ البخاري. ((أرْبَعُوا)) بفتحِ الباءِ
المُوَحَّدَةِ: أيِ ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ (٢)
بفتح المعجمة والراء وبالفاء أي: كل علو ومرتفع وسكوته في الخبر عند التسبيح عن كل
انهباط إما لكونه كان أعلم بذلك قبل، أو لعله أراد ذكره له فعرض ما اشتغل به عن ذلك،
أو ذكره وتركه الراوي نسياناً (فلما ولى) بتشديد اللام أي: قفا (الرجل قال اللهم) أي: يا الله
(اطوله البعيد) إما طياً حسياً بانزواء مسافة الأرض بانضمام بعضها إلى بعض ومنه ما تقدم
في حديث ((إن الأرض تطوى بالليل)) أو معنوياً بأن يتيسر له من النشاط وحسن الدواب
ما يصل به مستريحاً سالماً من وعثاء السفر، ويناسبه قوله (وهون عليه السفر) أي: سهل
عليه بدفع مؤذيات السفر، وحزونه عنه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه النسائي
وابن ماجة من حديث أبي هريرة.
٩٧٧ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا نسير مع رسول الله والقر فكنا إذا
أشرفنا) أي: ارتفعنا (على واد هللنا وكبرنا) أي: أتينا بالذكر منهما لتشهد له البقاع،
والجملة الشرطية وجوابها خبر كان وقوله (ارتفعت أصواتنا) جملة حالية من فاعل هللنا
أو استثنائية أو جواب إذا أو هللنا بدل من جملة الشرط أو حال (فقال النبي ومثل : يا أيها الناس
أربعوا على أنفسكم) أي: في المبالغة برفع الصوت وعلل ذلك بقوله (فإنكم لا تدعون أصم
ولا غائباً) المحوج نداء كل منهما إلى المبالغة في رفع الصوت بل المذكور سبحانه أقرب
إلى أحدكم من حبل الوريد وهو السميع البصير كما قال معلالاً لذلك بالجملة المستأنفة
(إنه) بكسر الهمزة ويجوز فتحها بتقدير لام العلة قبلها فنخرج عن كونها مع مدخولها جملة
(معكم سميع قريب) قرباً معنوياً (متفق عليه، أربعوا) بوصل الهمزة و (بفتح الباء الموحدة)
وبالعين المهملة (أي: ارفقوا بأنفسكم) فلا تبالغوا في رفع الصوت؛ لأنه مع إضراره بكم
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ٤٦ (الحديث: ٣٤٤٥)
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: مايكره من رفع الصوت في التكبير (الحديث: ٢٩٩٢).

٤٦٨
٧ - كتاب: آداب السفر
١٧٢ - باب: في استحباب الدّعاء في السَّفر
٩٧٨ - عَنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿ِ: («ثَلاثُ دَعواتٍ
مُسْتَجاباتُ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوةُ الْمَظْلومِ، ودَعْوةُ المُسافِرِ ودَعْوةُ الوالِدِ عَلى وَلَدِهِ))
رَوَاهُ أَبو دَاودَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولَّيْسَ في روايةٍ أبي داودَ
((عَلى ولَدِهِ)(١).
لا حاجة بكم إليه .
باب استحباب الدعاء في السفر
٩٧٨ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ الر: ثلاث دعوات مستجابات
لا شك فيهن) أي: في استجابتهن (دعوة) بفتح الدال المهملة أي: دعاء (المظلوم) والإِتيان
بالوحدة(٢) تنبيه على أن جميع دعواته بجنس ما ظلم به مستجابة لا لقصر الحكم بالإِجابة
عليها دون ما فوقها، على أن المفرد المضاف يفيد العموم، وتستمر إجابة دعائه حتى ينتصر
كما جاء عند البزار (ودعوة المسافر) أي سفراً مباحاً مطلوباً، ولو مندوباً وكان ذلك جبراً
لمقاساته وعناء السفر ويستمر ذلك حتى يرجع كما عند البزار (ودعوة الوالد على ولده) أي :
إذا ظلمه، ولو بعقوقه وحينئذ فهو من جنس الأول، وعطفه عليه من عطف الخاص على العام
اهتماماً به (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن وليس في رواية أبي داود على ولده)
أي: وهو المراد كما يومىء إليه قوله الوالد والمراد من ولده ما يشمل الفرع وإن سفل، وقد
جاء حذف دعوة الوالد اكتفاء بدخوله في دعوة المظلوم عند البزار من حديث أبي هريرة
وأبدله بقوله: ((والصائم حتى يفطر)) وأخرجه ابن ماجة بلفظ: ((دعوة الوالد لولده)) وعليه
فعطفه على ما قبله من عطف المغاير والدعوات المجابة باعتبار وصف المجيب، أو باعتبار
زمن الدعاء. جمعها الحافظ السيوطي في جزء سماه ((سهام الإصابة في الدعوات المجابة)).
= وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر،
(الحدیث: ٤٤).
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء بظهر الغيب (الحديث: ١٥٣٦).
وأخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في دعوة الوالدين (الحديث: ١٩٠٥).
(٢) أي الإِتيان بقوله (دعوة) الدال على الوحدة. ع

٤٦٩
١٧٤ - باب: فيما يقول إذا نزل منزلاً
١٧٣ - باب: فيما يدعو به إذا خاف ناساً أو غيرهم
٩٧٩ - عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ مَّهِ كَانَ إِذَا خَافَ
قَومَاً قالَ: ((اللّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ في نُحورِهِمْ ونَعوذُ بِكَ مِنْ شُرورِهِمْ)) رواهُ أبو داوُدَ
والنَّسائيُّ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ(١).
١٧٤ - باب: فيما يقول إذا نزل منزلاً
٩٨٠ - عَنْ خَولَةً بِنْتِ حکِیمٍ
باب ما يدعو به إذا خاف ناساً أو غيرهم
من سبع أو نحوه والتنصيص على الناس للنص عليهم في الحديث وغيرهم مقيس
عليهم وهذا شامل للمسافر وغيره، وذكره المصنف في السفر؛ لأنه مظنة الخوف غالباً.
٩٧٩ - (عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله وسي كان إذا خاف قوماً) والخوف أمر
طبعي للبشر لا قدح فيه أصلاً قال تعالى عن موسى وهرون: ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط
علينا أو أن يطغى﴾(١) (قال: اللهم إنا نجعلك) أي: نجعل وقايتك (في نحورهم) فتدفع عنا
كيدهم في نحورهم (ونعوذ) نلجأ ونعتصم (بك من شرورهم) فيه السجع في الدعاء،
ولا منع منه إلا إن كان يؤدي إلى التكلف أو تفويت الخشوع وفيه إيماء إلى دواء من وقع في
كيد الأعادي وترياق من أصابته سموم أفاعي الحساد البواغي، وذلك الاعتصام بحبل الله
سبحانه والركون بالقلب إلى الرب (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح) .
باب ما يقول إذا نزل منزلاً
أي: في مكان من الأمكنة حضراً أو سفراً، وذكره؛ لأن السفر مظنة التحول إلى
المنازل.
٩٨٠ - (عن خولة) بفتح المعجمة واللام وسكون الواو (بنت حكيم) بن أمية السلمية زوج
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا أخاف قوماً (الحديث: ١٥٣٧).
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كما نسبه له المنذري .
(٢) سورة طه، الآية: ٤٥.

٤٧٠
٧ - كتاب: آداب السفر
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ النَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذلِكَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ(١).
٩٨١ - وعن ابنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ
الَّيْلُ قالَ: ((يا أَرْضُ رَبِّي ورَبُّكِ اللَّهُ، أعوذُ باللّهِ مِنْ شَرَّكِ وشَرِّ ما فِيكِ، وشَرِّ
ما خُلِقَ فِيكِ، وشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، وأَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ أَسَدٍ أَسْوَدَ، ومِنَ الْحَيَّةِ
عثمان بن مظعون، ويقال لها: أم شريك، ويقال: خويلة بالتصغير، ويقال: هي التي وهبت
نفسها للنبي ◌َّر. خرّج مسلم لخولة (رضي الله عنها) هذا الحديث وخرج عنها الأربعة،
روي لها عن رسول الله وَله خمسة عشر حديثاً وانفرد بها مسلم عن البخاري، فروى عنها
حديث الباب (قالت: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: نزل منزلاً) أي منزل كان، فالتنوين
للتنكير والشيوع (ثم قال) ظاهره وإن لم يقل عقب النزول (أعوذ بكلمات الله) أي: بصفته
الأزلية القائمة به، وهي لا تعدد فيها وجمعت باعتبار تعدد المتعلق (التامات) من تطرق نقص
بشيء من الحوادث إليها (من شر ما خلق) أي: مما هو ذو شر وإلا فالملائكة والأنبياء لا شر
فيهم البتة فما عام مخصوص (لم يضره) بضم الراء على الأفصح كما تقدم في باب حسن
الخلق لما اتصل به الضمير (شيء) دخل فيه سائر المضرات من الداخل، وهو النفس
والهوى، ومن الخارج(٢) وهو الشيطان وغيره من المؤذيات (حتى يرتحل من منزله ذلك رواه
مسلم) وفي الجامع الكبير للسيوطي، ورواه أحمد والترمذي عن خولة
٩٨١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا سافر) وتلبس بالسفر
(فأقبل الليل قال: يا أرض) يحتمل نداؤه لها أن يكون من تنزيلها منزلة العقلاء وأن يكون
بعد أن جعل الله لها إدراكاً تعقل به النداء تشريفاً له * وفي الحرز فيه إشعار بأن الله جعل
لها إدراكاً لكلام الداعي قلت وهو محتمل (ربي وربك الله) أي: وما كان كذلك لا يضر كل
منا صاحبه وذكر ذلك قبل الاستعاذة من شرها؛ لأنه كالوسيلة في حفظه من ذلك أو هو إذعان
لربوبية من يستعيذ به (أعوذ بالله من شرك) هو صادق بالشر المتصل بها بأن يكون من نفسها؛
لسقوطه في وهدة وتعثره بمرتفع منها (وشر ما فيك) أي: من المؤذيات (وشر ما خلق فيك)
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: في التعوذ من سوء القضاء ... (الحديث: ٥٤).
(٢) في النسخ (الجوارح) بدل (الخارج) وهو تحريف. ع

١٧٤ - باب: فيما يقول إذا نزل منزلاً
٤٧١
والْعَقْرَبِ، ومِن سَاكِنِ الْبَلَدِ، ومِنْ والِدٍ وَمَا وَلَدَ)) رواه أبو داودَ. و ((الْأُسْودُ))
الشَّخْصُ. قالَ الْخَطَّابيُّ: ((وسَاكِنُ الْبَلَدِ)): هُمُ الجِنُّ الَّذِينِ هُمْ سكانُ الْأَرْضِ
قالَ: وَلْبَلَدُ من الْأَرضِ: ما كانَ مَأْوِى الْحَيَوانِ وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِناءٌ ومَنازِلُ. قالَ
ويَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرادَ ((بِالْوالِدِ)): إِبْلِيسُ ((ومَا وَلَدَ)) الشّياطِينُ (١).
بالبناء للمفعول ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل أي: ما خلق أي: الرب فيك من فدفد
وربوة، أو حجر أو شجر بأن يصطدم به (وشر ما يدب) بكسر الدال المهملة وتشديد الموحدة
أي: يتحرك (عليك) من الحشرات قال ابن الجوزي: أي: يمشي عليك وكل ما يمشي
عليها دابة وديب (وأعوذ بك) فيه التفات من لفظ الغائب وهو لفظ الجلالة إلى ضمير خطابه
وفي نسخة من الرياض، وأعوذ بربك ففيه تفنن في عبارات الاستعاذة وفي أخرى أعوذ بالله
وإنما أعاد الاستعاذة؛ لعظم شر ما بعدها بالنسبة لما قبلها (من شر أسد) بفتحتين الحيوان
المعروف (وأسود) بالصرف؛ لأنه اسم جنس وليس صفة إذ ليس فيه شيء من الوصفية كما
هو معتبر في الصفات الغالب عليها الاسمية في منع الصرف، وقد جمع على أساود لكن في
الحرز عن بعضهم المسموع من أفواه المشايخ والمضبوط في أكثر النسخ أسود بالفتحة،
وعن بعضهم الوجه منع صرفه لأصالته ووصفيته فلا يضر عروض اسميته (ومن الحية
والعقرب) استعاذ بهما مع دخولهما في عموم ما في كل من قوله: ما خلق فيك وقوله:
ما يدب عليك لعظم خبثهما (ومن ساكن البلد) كذا هو في أصول الرياض وفي الحصن: من
شر ساكن البلد بزيادة شر وفى أصل الجلال: من الحصن: ساكنى بصيغة الجمع وحذفت
الياء لفظاً لالتقاء الساكنين واكتفاء بدلالة الكسرة عليها، وأريد به على حذفها الجنس (ومن
والد وما ولد رواه أبو داود والنسائى) والحاكم في مستدركه كما فى الحصن (والأسود
الشخص) وقيل: هو العظيم من الحيات وخص بالذكر لخبثه وقال التوربشتي : الأسود الحية
العظيمة التي فيها سواد، وهي أخبث الحيات وذكر من شأنها أنها تعارض الركب وتتبع
الصوت فلذا خصها بالذكر وجعلها كجيش مستقل وعطف عليها الحية (قال) أبو سليمان
(الخطابي) بفتح المعجمة وتشديد المهملة وبعد الألف موحدة (وساكن البلد هو الجن الذين
هم سكان الأرض قال: والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء
ومنازل) ومثله في النهاية (قال) أي: الخطابي (ويحتمل أن المراد بالوالد إبليس ) والمراد بـ
(ما ولد الشياطين) ويحتمل أن يراد بذلك جميع ما فيه التوالد من سائر الحيوانات أصلاً
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا نزل المنزل (الحديث: ٢٦٠٣).

٤٧٢
٧ - كتاب: آداب السفر
١٧٥ - باب: في استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته
٩٨٢ - وعنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ
الْعَذابِ: يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعامَهُ وشَرابَهُ ونَوْمَهُ، فإذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ
فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِه)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((نَهْمَتَهُ)): مَقْصودَهُ(١).
وفرعاً، وقيل: المراد به آدم وأولاده، وما ذكره الخطابي فيه إيماء إلى أن إبليس له أولاد وهم
الشياطين، وفي ذلك بسط بينته في باب ما يقول إذا دخل منزله من شرح الأذكار.
باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله
التقييد به باعتبار الغالب من وجود الأهل وإلا فالمراد رجوعه لوطنه سواء كان ذا أهل به
أو بغيره، أو لا أهل له (إذا قضى حاجته) التي سافر لها .
٩٨٢ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ومث* قال: السفر قطعة من العذاب)
يحتمل أن يكون من التشبيه البليغ وأن يكون حقيقة لما فيه من إيلام الجسد وإتعاب النفس،
ومن لطيف ما يحكى أن إمام الحرمين سئل أول جلوسه بعد موت أبيه، لم كان السفر قطعة
من العذاب! فقال: لما فيه من فراق الأحباب، ثم علل كونه قطعة من العذاب على سبيل
الاستئناف بقوله (يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه) قال المنصف: أي: يمنعه كما لها
ولذاتها لما فيه من المشقة والتعب ومقاساة الحر والبرد ومفارقة الأهل والوطن وخشونة العيش
(فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل) قال ابن ملك بفتح الجيم وفي نسخ من الرياض
بتشديد الجيم (إلى أهله) قال المصنف المقصود من الحديث الحث على استحباب الرجوع
للأهل بعد قضاء الوطر، وألا يتأخر بما ليس منهم (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد وابن ماجة
كما في الجامع الصغير (نهمته) بفتح النون وسكون الهاء (مقصوده) من وجهه الذي توجه
إليه .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب (٤٩٥/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب ... (الحديث: ١٧٩).

٤٧٣
١٧٦ - باب: في استحباب القدوم على أهله نهاراً
١٧٦ _ باب: في استحباب القدوم على أهله نهاراً وكراهته في الليل لغير حاجة
٩٨٣ - عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ
فَلا يَظْرُقَنَّ أَهْلَهُ لَيْلاً)) وفي روايةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلَ أَهْلَهُ لَيْلًا.
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١).
٩٨٤ _ وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً،
وكانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الطُّروقُ)): الْمَجيءُ في اللَّيْلِ (٢).
باب استحباب القدوم على أهله
أي: زوجته أو حليلته (نهاراً وكراهته في الليل) أي: إن لم يعلم علم أهله بقدومه؛
وإلا فلو أرسل إلى أهله نهاراً بوصوله ليلاً فلا كراهة (لغير حاجة) فإن احتاج للدخول ليلاً
لخوف من عدوه أو لدفع ضرر فلا بأس .
٩٨٣ - (عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله وَّل قال: إذا أطال أحدكم الغيبة) مقتضاه
عدم كراهة الطروق ليلاً مع قصر السفر ومقتضى الحديثين بعده التعميم ويمكن الجمع بأنه
إن كان بحيث لا يتعب الزوجة وتتوقع امرأته إتيانه مدة غيبته لقصرها فلا بأس بالطروق ليلاً
وإلا فهو كالطويل (فلا يطرقن) أي: يأتين (أهله ليلاً) التنكير للتعميم، فيشمل أول الليل
وأثناءه وآخره بل ينبغي الإتيان نهاراً لتمتشط الزوجة وتتأهب له (وفي رواية) أي: لهما (أن
رسول الله * نهى أن يطرق) أي: يأتي (الرجل أهله ليلاً متفق عليه) والحديث الأول رواه
أحمد .
٩٨٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَ ل﴿ لا يطرق) بضم الراء أي: يأتي
(أهله) إذا آب من السفر (ليلاً وكان يأتيهم غدوة) أول النهار (أو عشية) آخره (متفق عليه
الطروق المجيء في الليل) وفي المصباح: كل من يأتي ليلاً فقد طرق وهو طارق اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العمرة، باب: لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة (٢٩٦/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: كراهة الطروق وهو الدخول ليلاً ... (الحديث: ١٨٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: العمرة، باب: الدخول بالعشي (٤٩٣/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: كراهة الطروق وهو الدخول ليلاً لمن ورد من سفر
(الحديث: ١٨٠).

٤٧٤
٧ - كتاب: آداب السفر
١٧٧ - باب: فيما يقوله إذا رجع وإذا رأى بلدته
فِيهِ حَديثُ ابنِ عُمَرَ السابقُ في بابِ تكبيرِ المسافِرِ إِذَا صَعِدَ الثَّنايا.
٩٨٥ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرٍ
الْمَدِينَةِ قالَ: ((آيِبونَ تَائِبونَ عَابِدونَ، لِرَبِّنَا حَامِدونَ)) فَلَمْ يَزَلْ يَقولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنا
الْمَدينَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
١٧٨ - باب: في استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه
ركعتين
٩٨٦ - عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِ
وحينئذ فذكر ليلاً بعده في الحديث إما بعد تجريد مفهوم الطروق عن قيد الليل، وأنه بمعنى
مطلق الإتيان أو التقييد به لتعميم كراهة المجيء فيه في سائر أجزائه ويدل للثاني تنكيره في
الأحاديث.
باب ما يقول إذا رجع
أي: من مسيره وإن لم ير البلد (وإذا رأی بلدته فيه حديث ابن عمر السابق في باب
تكبير المسافر إذا صعد الثنايا) هو الحديث الثاني من أحاديث فيه ..
٩٨٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: أقبلنا مع النبي (وَ لا) أي: في خيبر (حتى إذا كنا
بظهر المدينة) أي: بمحل تظهر فيه، وهو علم بالغلبة على طيبة على مشرفها أفضل الصلاة
والسلام (قال: آثيون تائبون عابدون لربنا حامدون) ففيه مقابلة النعم الإلهية بالحزم على
قدر الطاقة، والبداءة بالتوبة من المخالفة؛ لأنها كالتخلية بالمعجمة والإِنابة إلى الله سبحانه
ثم التوجه إلى صالح العمل، ثم حمد الله على التوفيق له وتيسيره ولولا فضل الله عليكم
ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً (فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة) هذا دليل الشطر
الأخير من الترجمة وحديث ابن عمر دليل شطرها الأول (رواه مسلم)
باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره
قبل دخوله منزله والجوار بكسر الجيم مصدر جاور (وصلاته فيه) أي: ما شاء وأقله
ركعتان .
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره (الحديث: ٤٢٩).

٤٧٥
١٧٩ - باب: في تحريم سفر المرأة وحدها
بَدَأَ بِالمَسْجِدٍ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١)
١٧٩ - باب: في تحريم سفر المرأة وحدها
٩٨٧ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ
تُؤمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ تُسافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْها)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢)
٩٨٦ - (عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله ولو كان إذا قدم) بكسر الدال (من
سفر) أي سفر كان (بدأ بالمسجد)؛ لأنه أشرف البقاع (فركع فيه ركعتين) بنية التحية (متفق
عليه) وتقدم الكلام فيه في باب التوبة في جملة حديث كعب بطوله.
باب تحريم سفر المرأة وحدها
أي وإن كان السفر قصيراً كالسفر إلى ميل أو فرسخ، ومحل تحريمه في غير سفر
الفرض أما سفر الحج والعمرة المفروضين عليها فلا حرمة عليها وكأن خشيت على نفسها
الفتنة في الدين إن أقامت بمحلها.
٩٨٧ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل: ولا يحل) بكسر المهملة
أي: لا يجوز وإيراد المصنف العاطف تنبيهاً على أنه طرف حديث (لا مرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر) التقييد بالإِيمان؛ لأن المؤمنة المتقيدة بأحكام الشرائع المنقادة لها وإلا فالأصح أن
الكافر مخاطب بفروع الشريعة أي ما أجمع عليه منها (تسافر مسيرة يوم وليلة) بتقدير أن
المصدرية قبله، أو تنزيل الفعل منزلة المصدر نحو: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي :
لا يحل لها مسافرة مسافتهما، والتقييد بذلك جرى على الغالب إذ غالب السفر القصير
لا يكون أقل منه، وإلا فمسمى السفر حرام عليها إلا مع ذي محرم عليها ومثله الزوج وألحق
به عبدها الأمين إذا كانت أمينة، ولا فرق في جوازه مع المحرم بين كونه صالحاً، أو فاسقاً؛
لأن الوازع الطبيعي يحمل على الذب عن وصول السوء للمحارم ولو من الفاسق (متفق
عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الصلاة إذا قدم من سفر (٨٩/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (الحديث: ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: تقصير الصلاة (٤٦٨/٢)
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، (الحديث: ٤٢١).
KOXOXOF

٤٧٦
٧ - كتاب: آداب السفر
٩٨٨ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَهِ يَقولُ: ((لا يَخْلُوَنَّ
رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّ ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ ، ولا تُسافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ )) فَقَالَ رَجُلٌ:
يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرجَتْ حَاجَّةٌ وإِنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قالَ:
((انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩٨٨ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سمع النبي وسلم يقول: لا يخلون رجل
بامرأة)؛ لأن ذلك مظنة الريبة ووسيلة إليها (إلا ومعها ذو محرم) جملة حالية مستثناة من أعم
الأحوال وهو في الحقيقة تأكيد لما تضمنه ما قبله من حرمة الخلوة بالأجنبية مطلقاً إذ مع
حضور المحرم لم تحصل الخلوة بالأجنبية (ولا تسافر المرأة) أي: مسمى سفر،
ولا يخصص باليوم والليلة المذكورين فيما قبله لما تقدم فيه؛ ولأن ذكر بعض أفراد العام
لا يخصصه (إلا مع ذي محرم) أي: أو زوج أو عبد أمين وهي أمينة (فقال رجل) لم أقف
على من سماه (يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة) أي: خرجت للتلبس به (وإني اكتتبت
في غزوة كذا وكذا) أي: عينت في أسماء من عين لتلك الغزاة قال في فتح الباري: لم أقف
على اسم الرجل ولا امرأته ولا تعيين الغزوة، وقال ابن المنير: الظاهر أن ذلك كان في حجة
الوداع (قال: انطلق فحج مع امرأتك) أي: إعانة لها على تحصيل الحج والظاهر أن النسك
كان مفروضاً، أو كان معها محرم وإلا لكان يلزمها بالتأخير إلى وجود ذلك، وأنها لم تخرج
حينئذ من غير نحو محرم وإلا لبين لها حرمة ذلك فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
(متفق عليه) وأفادت أحاديث الباب وما في معناها حرمة سفر المرأة بما يسمى سفراً من غير
محرم ونحوه لأي سفر كان من حج أو زيارة النبي ◌َّير، أو سفر بتجارة. نعم لها الخروج
كذلك للسفر الواجب إن أمنت فيه على نفسها ومالها والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم (٦٤/٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، (الحديث: ٤٢٤).

٨ - كتاب: الفضائل
١٨٠ - باب: في فضل قراءة القرآن
٩٨٩ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقولُ: ((آقْرُؤُوا
الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيامَةِ شَفيعاً لْأُصْحَابِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٩٩٠ - وعنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وِّل
كتاب الفضائل
جمع فضيلة وهي الخير والفضل خلاف النقيصة وفي فتح الأله: الفضائل جمع فضيلة
بمعنى فاضلة وهي صفة والأغلب أن تكون محمودة تميز من قامت به. وفي القاموس:
الفضل ضد النقص جمعه فضول، ثم قال: والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل والاسم منه
الفاضلة، ثم قال والفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة اهـ.
باب فضل قراءة القرآن
أي: (باب فضل قراءة) تلاوة (القرآن).
٩٨٩ - (عن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين كنية صدي بن عجلان (رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: اقرءوا) الخطاب للحاضرين إذ ذاك من الصحابة
رضي الله عنهم وهو سار على جميع الأمة (القرآن فإنه) أي: القرآن (يأتي يوم القيامة) قال
العلقمي: قال شيخنا: قيل يصور القرآن بصورة يجيء يوم القيامة بحيث تراه الناس كما
يجعل الله لأعمال العباد خيرها وشرها صورة ووزناً يوضع في الميزان (شفيعاً) أي: شافعاً
(لأصحابه) أي: القارئين له المشتغلين به المتمسكين بهديه المتمسكين بأمره ونهيه (رواه
مسلم) هو طرف حديث في آخر فضل الزاهدين والحديث بجملته كذلك رواه أحمد.
٩٩٠ - (وعن النواس) بتشديد النون المفتوحة والواو آخره مهملة (بن سمعان) بفتح
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (الحديث:
٢٥٢) .

٤٧٨
٨ - كتاب: الفضائل
يَقولُ: ((يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيامَةِ بِالقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تَقْدُمُهُ سُورَةٌ
اَلْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرانَ، تُحاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٩٩١ - وعنْ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَه: ((خَيْرُكُمْ
مَنْ تَعَلّم الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
المهملة الأولى وكسرها (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: يؤتى) بالبناء
للمفعول (يوم القيامة) بالنصب على الظرف (بالقرآن) نائب فاعله (وأهله) ووصفهم وصفاً
بيانياً بقوله (الذين كانوا يعملون به في الدنيا) فيأتمرون بما أمر وينزجرون عما زجر عنه
(تقدمه) بفتح الفوقية وضم المهملة أي: تتقدمه (سورة البقرة) فيه رد لمن قال: لا يقال
سورة البقرة بل السورة التي يذكر فيها البقرة (وآل عمران) يحتمل أن يكون التقدير وسورة آل
عمران فحذف لدلالة ما قبله عليه ويحتمل أنه من باب قطعت رأس الكبشين أفرد المضاف
لكراهة ثقل تثنية المضاف في مثله (تحاجان) بضم الفوقية وتشديد الجيم من المحاجة،
وهي المجادلة (عن صاحبهما) أي: التالي لهما المتدبر لما اشتملتا عليه، العامل بما أمرتا به
أن يعمل، والتارك ما نهتا عنه(رواه مسلم)
٩٩١ - (وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله وسلم: خيركم) يا معشر
القراء (من تعلم القرآن) هو يطلق على بعضه وعلى كله، ويصح إرادة البعض هنا باعتبار أن
من وجد منه ما يأتي ولو كان في آية خير ممن لم يكن كذلك (وعلمه) مخلصاً في كلا
الأمرين مبتغياً به وجه الله تعالى، عاملاً بما فيه من الأخلاق والآداب والأحكام، ووجه
أخيريته ما جاء في الصحيح من حديث: ((من قرأ القرآن فقد استخرج النبوة بين جنبيه غير
أنه لا يوحى إليه)) وغيره من الأحاديث فإذا حاز خير الكلام، وتسبب مع ذلك أن يكون غيره
مثله فقد ألحق ببعض درجات الأنبياء وكان من جملة الصديقين القائمين بحقوق الله تعالى
وحقوق عباده على أقصى الطاعة وأكمل الاتباع، واستفيد من ربط التعلم والتعليم بالقرآن أن
المراد به كلام الله لا المعنى النفسي القائم بالذات بل اللفظ المتعبد بتلاوته المنزل على
محمد * للإعجاز بأقصر سورة منه (رواه البخاري) في الجامع الصغير أن حديث: ((خيركم
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (الحديث:
٢٥٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٦٦/٩).

٤٧٩
١٨٠ - باب: في فضل قراءة القرآن
٩٩٢ - وعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ مَلِ: ((الَّذي يَقْرَأْ
الْقُرْآنَ وهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ
وهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانٍ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ (١)
٩٩٣ - وعَنْ أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
(مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ
من تعلم القرآن وعلمه)) رواه البخاري والترمذي عن على، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي
وابن ماجه عن عثمان وهو من سبق قلم الناسخ، فحديث عثمان عند البخاري في كتاب
فضائل القرآن باللفظ المذكور وبلفظ ((أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)) وليس عنده فيه عن
علي شيء
٩٩٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وسلم: الذي يقرأ القرآن وهو ماهر
به) جملة حالية أي: مجيد لفظه على ما ينبغي بحيث لا يتشابه ولا يقف في قراءته (مع)
الملائكة (السفرة) أي: الرسل؛ لأنهم يسفرون إلى الرسل برسالات ربهم أو الكتبة؛ لأنهم
بكتابتهم سفرة بين الله وخلقه، وفي القاموس: السفرة الكتبة جمع سافر، والملائكة يحصون
الأعمال (الكرام) لعصمتهم عن دنس الآثام (البررة) بفتح أوليه أي: المطيعين من البر وهو
الطاعة والإِحسان أي: معهم في منازلهم في الآخرة؛ لأنهم مثلهم في حمل كتاب الله
تعالى، أو نفع المسلمين بإسماعهم القرآن وهدايتهم إلى ما فيه كما أنهم معهم بالحفظ
والبركة (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه) أي: يتردد عليه في قراءته (وهو عليه شاق) بثقله
على لسانه لضعف حفظه (له أجران) أجر لقراءته وأجر لتعتعته ومع ذلك فالأول أكمل كما
دلت عليه تلك المعية لمزيد اعتنائه بالقرآن وكثرة دراسته له وإتقانه لحروفه حتى مهر فيه
(متفق عليه) رواه أبو داود وابن ماجه
٩٩٣ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله والر: مثل المؤمن
الذي يقرأ القرآن) أي: صفته العجيبة ذات الشأن من حيث طيب قلبه لثبات الإِيمان،
واستراحته بقراءة القرآن واستراحة الناس بصوته وثوابهم بالاستماع إليه والتعلم منه وعبر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد (٥٣٢/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع به
(الحديث: ٢٤٤).

٤٨٠
٨ - كتاب: الفضائل
مَثَلُ الْأَتْرُجَّةِ رِيحُها طَيِّبٌ، وطَعْمُها طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلٍ
الَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَها وطَعْمُها حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُها
طَيِّبٌ وَطَعْمُها مُرُّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ
وطَعْمُها مُرِّ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٩٩٤ _ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ
بقوله: يقرأ لإِفادة تكريره ومداومته عليها حتى صارت دأبه وعادته كفلان يقرىء الضيف (مثل
الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب) فيستلذ الناس بطعمها ويستريحون بريحها قيل:
خصت؛ لأنها أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان أي: التي يقصد بها الريح من
الفواكه لا مطلقاً وإلا فالتمر والعنب أفضل وفي أفضلهما خلاف، مع ما اشتملت عليه من
الخواص الموجودة فيها مع حسن المنظر، وطيب الطعم ولين الملمس وأخذها الأبصار
صبغة ولوناً فاقع لونها تسر الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول ويستفيد المتناول لها بعد
الالتذاذ بها طيب النكهة ودباغ المعدة وقوة الهضم فاشتركت الحواس الأربع في الاحتظاظ
بها الشم والبصر والذوق واللمس، وهي في أجزائها تنقسم على طبائع فقشرها حار يابس
ولحمها حار رطب وحميضها بارد يابس وبررها حار مجفف، وفيها من المنافع ما هو مذكور
في الكتب الطبيات (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن) من حيث طيب باطنه لثبات الإِيمان
فيه وعدم استراحته بشيء يظهر منه، والمراد نفي قراءته ما عدا الواجب منه كالفاتحة (كمثل
التمرة لا ريح لها وطعمها حلو) فاشتماله على الإِيمان كاشتمال التمرة على الحلاوة بجامع
أن كلاً أمر باطني وعدم ظهور ريح لها يستريح الناس لشمه؛ لعدم ظهور قراءة منه يستريح
الناس بسماعها (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن) من حيث تعطل باطنه عن الإِيمان
واستراحة الناس بقراءته (مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) فريحها الطيب أشبه قراءته
وطعمها المر أشبه كفره (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن) من حيث تعطل باطنه عن
الإِيمان وظاهره عن سائر المنافع وتلبسه بالمضار (كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)
فسلب ريحها أشبه سلب ريحه، لعدم قراءته وسلب طعمها الحلو أشبه سلب إيمانه (متفق
عليه) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.
٩٩٤ - (وعن عمر رضي الله عنه: أن النبي وَّر قال: إن الله يرفع) رفعة معنوية (بهذا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة وفضائل القرآن، (٥٨/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضيلة حافظ القرآن (الحديث: ٢٤٣).