Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ ١٦٦ - باب: في استحباب الخروج يوم الخميس رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَخْرُجُ إلّ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ (١). ٩٥٥ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ ودَاعَةَ الْغَامِدِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَِّمَّتِي فِي بُكُورِهَا)) وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةٌ أَوْ جَيْشَاً بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِرَاً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢). إلا يوم الخميس) ساقه المصنف بعد ما قبله؛ لينبه على أن ندب الخروج يوم الخميس مأخوذ من محبته # لذلك وفعله . ٩٥٥ - (وعن صخر) بفتح المهملة وسكون المعجمة (بن وداعة) بفتح الواو وبالدال والعين المهملتين (الغامدي) بالغين المعجمة وكسر الميم قال الأصبهاني في لب اللباب: نسبة إلى غامد بطن من الأزد واسمه عمروبن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد قيل له غامد؛ لأنه كان بين قوم شر فأصلح بينهم وتغمد ما كان من ذلك قال الحافظ: وصخر هذا حجازي سكن الطائف متقن قال أبو الفتح الأزدي وابن السكن: ما روى عنه إلا عمار بن حديد خرج عنه الأربعة اهـ. روي له عن رسول الله اتصلالآن كما في مختصر التلقيح لابن الجوزي حديثان وقال البرقي: له حديث واحد، ولم أقف على من ذكر عام وفاته (رضي الله عنه أن رسول الله ويسير قال: اللهم) أي: يا الله (بارك) المفاعلة للمبالغة أي: أنزل البركة العظيمة الكثيرة (لأمتي في بكورها) بضم الموحدة والكاف في المصباح قال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكوراً، وغدا غدواً هذان من أول النهار، وفي القاموس بكر عليه وإليه وفيه بكوراً، وابتكر وأبكر وباكره أتاه بكرة، وفيه البكرة بالضم الغدوة، وأدرج الراوي في آخر الحديث قوله (وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار وكان صخر تاجراً فكان يبعث) أي: يرسل (تجارته أول النهار) طلباً للبركة الموعود بها فيه (فأثرى) بالمثلثة أي: صار ذا ثروة أي: غنى (وكثر) (ماله) أي: صار كثيراً (رواه أبو داود) في الجهاد (والترمذي) في البيوع (وقال: حديث حسن) ولم يعرف لصخر عن النبي و غير هذا الحديث. قاله الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعقب بأن الطبراني أخرج (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: من أراد غزوة فورى بغيرها (٨٠/٦). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الابتكار في السفر (الحديث: ٢٦٠٦). وأخرجه الترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في التبكير بالتجارة (الحديث: ١٢١٢). ٤٤٢ ٧ - كتاب: آداب السفر ١٦٧ - باب: في استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحداً يطيعونه ٩٥٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ راكِبُ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). له آخر متنه ((لا تسبوا الأموات)) وروى حديث الباب أحمد والنسائي السير وابن ماجة في التجارات وقد رواه الترمذي من حديث ابن عباس كما في الأطراف. باب استحباب طلب الرفقة أي: طلب المسافر رفقة وهو مثلث الراء سموا بذلك للارتفاق بهم (وتأميرهم على أنفسهم واحداً) والأولى أن يكون فقيهاً حازماً عارفاً بأبواب السفر وقوله (يطيعونه) جملة مستأنفة لبيان حكمة التأمير وثمرته، ويجوز جعلها صفة لواحد أي: ينبغي أن يكون المؤمر مطاعاً لهيبته وجلاله . ٩٥٦ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلل: لو أن الناس يعلمون من الوحدة) بفتح الواو وسكون الحاء المهملة. أي: الانفراد في السفر (ما أعلم) أي: الذي أو شيئاً أعلمه أو علمي، ولا يخفى ما في هذه العبارة من الإيماء إلى كثرة حذر الانفراد، وأن ذلك لكثرته فوق أن يبين بالعبارة، وأن مدخولها مؤول بمصدر فاعل فعل الشرط أي: لو ثبت علم الناس؛ ما أعلم من ضرر الوحدة الدنيوي والديني كحرمانه من الصلاة بالجماعة، وعدم من يعينه في حوائجه ولأنه ربما مرض في الطريق فلا يجد من يتولى تمريضه، أو يموت فلا يجد من يتولى أمره وحمل تركته لأهله، وهذا وإن كان يحصل أمره بالثاني لكن كماله إنما يكون بالثلاثة؛ فلذا قال في الحديث بعده: ((والثلاثة ركب)) (ما سار راكب) التعبير به باعتبار أنه شان المسافر، وإلا فالمشي في السفر مثله (بليل) أي: فيه والتقييد بزيادة الضرر الناشىء عن الانفراد، وظلام الليل (وحده) أي: منفرداً. وجرى بعضهم على أن إضافة وحده للضمير لم تكسبه التعريف، لكون المحل للحال، وهو لا يكون إلا نكرة فمنع ذلك كسب الإضافة للتعريف، وعليه فهو معرفة صورة فلا يحتاج للتأويل، وما ذكرته أولاً هو ما عليه الجمهور؛ لأنه معرفة حقيقة بالإِضافة، وأنه أول لكون الحال لا يكون إلا نكرة، ثم أخذ بعضهم بمفهوم قوله بليل فقال: الكراهة في الانفراد ليلاً لا نهاراً (رواه البخاري) قال (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: السير وحده (٩٦/٦) ٤٤٣ ١٦٧ - باب: في استحباب طلب الرفقة ٩٥٧ - وعنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ: قالَ رسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الرَّاكِبُ شَيْطانٌ، والرَّاكِبانِ شَيْطانَانِ، والثَّلاثَةُ رَكْبٌ)). رواهُ أبو داودَ والتِّْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ بِأَسانيدَ صَحيحَةٍ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَيْثٌ حَسَنٌ (١). ٩٥٨ - وعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَآلِه : ((إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ . ابن مثال في شرح المشارق: العلم في الحديث بمعنى المعرفة ورواه أحمد والترمذي وابن ماجة بلفظ: ((لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم)) إلخ. ٩٥٧ - (وعن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو (عن أبيه عن جده) أي: جد أبيه وهو عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم (رضي الله عنه) وقد أخذ شعيب عن جده ابن عمرو كما قدمناه (قال: قال رسول الله مطر: الراكب شيطان والراكبان شيطانان) والتخصيص بالركوب لا مفهوم له لما ذكر فيما قبله، وكذا الذكورة؛ فالمرأة والماشي كذلك قال العراقي إن المعنى: مع الراكب شيطان، أو إن المعنى تشبيهه بالشيطان؛ لأن عادته الانفراد في الأماكن الخالية كالأودية والخشوش. وقال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمل عليه الشيطان ويدعوه إليه فقيل لذلك: إن فاعله شيطان وكذا الاثنان ليس معهما ثالث (والثلاثة ركب) أي: إذا وجد ذلك تعاضدوا وتعاونوا على نوائب السفر ودفع ما فيه من الضرر، وأصل الركب هم أصحاب الإِبل وأصحاب الخيل والبغال والحمير في معنى ذلك (رواه أبو داود) في الجهاد من سننه (والترمذي) في الجهاد أيضاً من جامعه (والنسائي) في السير ورواه الحاكم في المستدرك (بأسانيد صحيحة) التعداد باعتبار أول السند، فرواه أبو داود عن القعنبي، ورواه الترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن، ورواه النسائي عن عتيبة ثلاثتهم عن عمرو بإسناده المذكور (وقال الترمذي: حديث حسن). ٩٥٨ - (وعن أبي سعيد) هو الخدري (وأبي هريرة رضي الله عنهما) قدم أبو سعيد ذلك ذكراً مع أن أبا هريرة أكثر منه مروياً؛ لأنه من الأنصار، وأقدم إسلاماً. (قالا: قال رسول الله : إذا خرج ثلاثة) خرج الاثنان إن اعتبرنا مفهوم العدد وظاهر الحديث اعتباره (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الرجل يسافر وحده (الحديث: ٢٦٠٧). وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده (الحديث: ١٦٧٤)، الموطأ: (٩٧٨/٢) ٤٤٤ ٧ - كتاب: آداب السفر فِي سَفَرٍ فَلْيُؤْمِّرُ وا أَحَدَهُمْ)) حَدِيْثُ حَسَنٌ رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ (١). ٩٥٩ - وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عنِ النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((خَيْرُ الصَّحابَةِ هنا، واستوجهه بعض شراح الجامع الصغير وقال بعضهم: لا يبعد قياسهما على الثلاثة في ذلك ولا ينافيه كونهما شيطانين. (في سفر) ولو مكروهاً كما اقتضاه الإِطلاق (فليؤمّروا) ندباً فيما يتعلق بالسفر من أسبابه وما يعرض فيه. (أحدهم) ولو فاسقاً؛ لأن هذه أمارة منوطة برضا المولين، ويحتمل خلافه، والفاسق مستثنى من أهلية الولاية شرعاً، والمستثنى الشرعي غير داخل في الإِطلاق، ولا ينقض بصحة توليته في بعض الأوقات للضرورة؛ لأن ما جاز للضرورة لا نقض به، والأولى ولاية الأفضل الأجود رأياً فإن تعارضا فالثاني أولى؛ لأن رعاية المصالح السفرية هي المقصودة بالذات؛ لأن التأمير إنما طلب لها وينعزل هذا الأمير بالعزل بجنحة أو بانقطاع السفر وهو وصول المقصد أو بإقامة تمنع الترخص (حديث حسن) هذا من تحسينات المؤلف بل صححه الضياء وأورده في المختارة له (رواه أبو داود بإسناد حسن) وقال في فتح الكبير: إنه إسناد صحيح وما قاله المصنف المقدم. ٩٥٩ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّ قال: خير الصحابة) بفتح الصاد المهملة جمع صاحب قال في المصباح: صحبته أصحبه فأنا صاحب والجمع صحب وأصحاب وصحابة، قال الأزهري: ومن قال صاحب وصحب مثل فاره وفره والأصل في هذا الإِطلاق أنه لمن حصل له مجالسته اهـ. أي: خير الأصحاب قال ابن رسلان: وهو كذلك في غير أبي داود (أربعة) قال الغزالي: الذي ينقدح أن فائدة تخصيص الأربعة أن المسافر .. لا يخلو عن رجل يحتاج إلى حفظه وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها فلو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحداً فيتردد في السفر بلا رفيق، فلا يخلو عن ضيق القلب؛ لفقد أُنس الرفيق ولو تردد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرجل وحده، فلا يخلو عن الخطر ولا عن ضيق القلب فما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما زاد عليها زيادة على الحاجة ومن يستغني عنه لا تصرف الهمة إليه فخير الرفاق الخاصة أربعة قلت ويصح أن تكون للعهد أي : خير أصحاب رسول الله ﴿ أربعة، ويراد بهم الخلف الأربع والأول أقرب ثم رأيت العاقولي قال: هو مطلق فإن حملته على الصحابة فما أنت ببعيد عن الصواب، وهم الأربعة الخلفاء الراشدون وسرت بركتهم إلى كل عدد أربعة فصار خير الأصحاب مطلقاً أربعة والله أعلم (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم (الحديث: ٢٦٠٨). ٤٤٥ ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول أَرْبَعَةٌ، وخَيْرُ السَّرايا أَرْبْعُمِاتَةٍ، وخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، ولَنْ يُغْلَبَ أَثْنَا عَشَرَ أَلْفً مِنْ قِلَّةٍ)) رواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ(١). ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السُّرى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها (وخير السرايا) جمع سرية قال النووي: هي القطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه وقال إبراهيم الحربي: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها فلذا جعلها خير السرايا فقال: خير السرايا (أربعمائة) سميت بذلك؛ لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها فعيلة بمعنى فاعلة يقال: سرى وأسرى إذا ذهب ليلاً وضعف ابن الأثير ذلك وقال: سميت بذلك؛ لأنها خلاصة العسكر من الشيء السري أي: النفيس قال ابن رسلان: والظاهر أنه ليس المراد التحديد بالأربعمائة ألا ترى إلى خير السرايا وهي عدة أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وكذا عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاوز معه إلا مؤمن، فعليه خير السرايا ما بين ثلثمائة إلى أربعمائة ومن أربعمائة إلى خمسمائة اهـ. وفيه بعد؛ لأن المراد به بيان أحسن مراتب عدد السرية وأقل من هذا العدد لا يجري مجراه وما فوقه زيادة على الحاجة وفضل ما ذكر لأمر خارجي لا ينافي التحديد في الحديث (وخير الجيوش) بكسر الجيم وضمها (أربعة آلاف) خصت الأربعة آلاف نظير الأربعة في الأحاد ولعله لما ذكر آنفاً فيما قبله من الأجزاء به دون ما دونه (ولن يغلب اثنا عشر ألفاً) من الجيش (من) تعليل أي: لأجل (قلة) أي: قلة عدد بل لسبب آخر من عجب بكثرة، أو تزيين الشيطان لهم أمراً نشأ عنه خذلهم، أو نحو ذلك وقد زاد العسكري في روايته وخير الطلائع أربعون (رواه أبو داود) في الجهاد (والترمذي) فيه أيضاً (وقال: حديث حسن) ورواه الحاكم في المستدرك. باب آداب السير والنزول في منازل السفر والمبيت مصدر ميمي أي: البيات (والنوم في السفر) الظرف حال من الجميع بأن يقدر متعلقه (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، (الحديث: ٢٦١١). وأخرجه الترمذي في كتاب: السير، باب: ما جاء في السرايا (الحديث: ١٥٥٥). ٤٤٦ ٧ - كتاب: آداب السفر ٩٦٠ - عنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ في الْخِصْبِ فَأَعْطوا الإِبِلَ حَظّها مِنْ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْجَدْبِ فَأَسْرِعوا عَلَيْها السَّيْرَ، وبادِروا بِها نِقْيَها، وإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَريقَ؛ فَإِنَّها طُرُقُ الدَّوابِّ وَمَأْوى الْهَوامِّ بِاللَّيْلِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ. مَعْنى ((أَعْطوا الإِبلَ حَّها مِنَ الْأَرْضِ)): أيْ ارْفُقُوا بِها عاماً مجموعاً أي: كائنات فيه (واستحباب السري) بضم فكسر فتشديد ياء(١) أي: السير ليلاً (والرفق بالدواب) بأن لا تحمل فوق الطاقة ولا تجد في الإِسراع فوق القدرة (ومراعاة مصلحتها) أي: ما يصلحها (وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها) وجوباً إن قصر في واجب منه وندباً إن قصر في مندوب (وجواز الإِرداف) بل طلبه عند الحاجة إليه لوجه الله تعالى (على الدابة إذا كانت تطيق ذلك) عبر فيه بإذا إيماءً إلى أن شرط جوازه تحقق ذلك، فإن تردد في إطاقتها حرم إردافها . ٩٦٠ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ورسوله: إذا سافرتم في الخصب) بكسر الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة هو خلاف الجدب وهو اسم مصدر من أخصب المكان بالألف، وفي لغة خصب المكان من باب تعب إذا نبت فيه العشب والكلأ (فأعطوا الإِبل) بكسر أوليه ويسكن الثاني تخفيفاً اسم جنس (حظها) وعند أبي داود حقها بالقاف بدل الظاء قال ابن رسلان: ومعناهما متقارب (من الأرض) قال البيضاوي: يعني دعوها ساعة فساعة ترعى (وإذا سافرتم في الجدب) قال في المصباح: هو المحل وزناً ومعنىِّ وهو انقطاع المطر ويبس الأرض يقال: جدب البلد بضم الدال جدوبة (فأسرعوا عليها السير) وعطف على ذلك الباعث على الإِسراع بقوله: (وبادروا بها) بالموحدة (نقبها وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق) أي: النزول بها بل اعدلوا وأعرضوا عنها وعلل ذلك بقوله (فإنها طرق) بضمتين ويسكن الثاني تخفيفاً جمع طريق أي: محل (ممر الدواب) لسهولتها فربما تضر بالنازل بها (ومأوى الهوام بالليل) أي: محل إيوائها وذلك أنها تقصد ذلك بالإِلهام؛ لكونه ممراً فيسقط به شيء من المأكول ونحوه وعادى إليه بالتماس ذلك(٢) (رواه مسلم) ورواه أبو داود أيضاً والترمذي (معنى أعطوا الإِبل حظها) بفتح المهملة وإعجام الظاء المشددة وهو النصيب (من الأرض) متعلق بأعطوا، ويجوز تعلقه بحظ وإعرابه حالاً من المفعول (أي: ارفقوا بها في السير) بترك الإِسراع لئلا يكون مانعاً لها من الرعي بل ارفقوا (لترعى) في حال (١) الذي في كتب اللغة السرى بضم ففتح مقصوراً (٢) هكذا ببعض النسخ ولعلها فتعدو إليه لالتماس ذلك ولم توجد هذه العبارة في بعض النسخ. ع. ٤٤٧ ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول في السَّيْرِ لِتَرْعى في حالٍ سَيْرِها. وقَوْلُه ((نِقْيَها)) بِكسرِ النُّونِ وإسْكانِ الْقَافِ وبالياء الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وهُوَ: الْمُخُّ. مَعْناهُ: أَسْرِعوا بِها حَتَّى تَصِلُوا الْمَقْصِدَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُخُها مِنْ ضَنْكِ السَّيْرِ. و((التَّعْرِيسُ)) النُّزولُ فِي اللَّيْلِ (١). ٩٦١ - وعَنْ أَبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلِ اضْطَجَعَ عَلى يَمِينِهِ، وإِذَا عَرَّسَ قُبْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِراعَهُ وَوَضَعَ رأسَهُ عَلى كَفِّهِ. رواهُ مُسلمٌ. قالَ الْعُلَماءُ: إِنَّمَا نَصَبَ ذِراعَهُ لِئَلَّا يَسْتَغْرِقَ فِي النَّوْمِ فَتَفوتَ صَلاةُ الصُّبْحِ عَنْ سيرها فتجمع بين استيفاء ما عليها من السير، وما لها من تناول ذلك (وقوله نقيها) هو بكسر النون (وإسكان القاف وبالياء المثناة من تحت وهو المخ) هو بيان للمراد من الحديث أي : أريد بالنقي المخ مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المحل على الحال كإطلاق الغائط على الخارج، ففي القاموس والمصباح: النقو والنقي كل عظم ذي مخ. لكن مقتضى قول النهاية: النقي المخ يقال: نقيت العظم ونقوته ونقيته اهـ. إنه لذلك المعنى وإنه من المعاني التي ذكرها أصحاب كتب الغرائب دون ما في كتب اللغة (معناه) أي: معنى قوله وإذا سافرتم في الجدب إلى قوله نقيها ( أسرعوا بها حتى تصلوا المقصد قبل أن يذهب مخها من ضنك) أي: جهد (السير والتعريس) قال الخليل بن أحمد والأكثرون: هو النزول بالليل للنوم أو للاستراحة. وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت کان من ليل أو نهار. ٩٦١ - (وعن أبي قتادة) تقدم الخلاف في اسمه والراجح أن اسمه الحارث بن النعمان (رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿ إذا كان في سفر فعرس بليل) ذكره مع أن التعريس لا يكون إلا ليلاً ليفيد بقاء جانب من الليل له وقع (اضطجع على يمينه)؛ لأن النفس تستوفي حقها من النوم لبقاء ما بقي من الليل والنوم على اليمين أشرف جهته ولئلا يستغرق في النوم لكون القلب يكون حينئذ معلقاً فلا ينغمر في النوم (وإذا عرس قبل الصبح) أي: في أواخر الليل والباقي منه لا يقوم حظ البدن من المنام (نصب ذراعه) أي: اليمين؛ لأنها الأشرف (ووضع رأسه على كفه) المنصوب ذراعها (رواه مسلم) في الصلاة، ورواه الترمذي في شمائله (قال العلماء: إنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم) لو نام مضطجعاً (فتفوت صلاة الصبح) بأن يستمر نائماً إلى طلوع الشمس كما في قصة نومه و # بالوادي (عن 50 0X02 (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: مراعاة مصلحة الدواب في السير ... (الحديث: ١٧٨). ٤٤٨ ٧ - كتاب : آداب السفر وَقْتِها أَوْ عَنْ أَوَّلٍ وَقْتِها (١). ٩٦٢ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ)) رواهُ أبو داوُدَ بإِسْنادٍ حَسَنٍ. ((الدُّلْجَةُ)): السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ (٢). وقتها(٣) أو عن أول وقتها) بأن يستيقظ قبل طلوعها بعد الإِسفار مثلاً والنوم قبل دخول وقت الصلاة جائز وإن علم تفويتها به وبعد دخوله لا يجوز إلا إن غلبه بحيث أذهب إحساسه، أو کان یعلم قيامه قبل خروج الوقت بوجود من يوقظه، أو يعلم ذلك من عادته . ٩٦٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: عليكم بالدلجة) بضم فسكون وبفتحتين وهو سير الليل سحراً كان أو غيره بدليل قوله (فإن الأرض تطوى) بضم الفوقية مبني للمفعول (بالليل) أي: فيه أو بسببه والطي قيل على حقيقته، وأنها ينزوي فيه بعضها إلى بعض ويدخل فيه وقد ورد: ((عليكم بالدلجة فإن لله ملائكة يطوون الأرض للمسافر كما نطوي القراطيس)) رواه الطبراني وغيره، وقيل: إنه مجاز عن قطع الدواب فيه من المسافة ما لا يقطعه منها في النهار لنشاطها ببرود الليل خصوصاً آخره الذي ما فعل فيه شيء من العبادات والمباحات إلا كان فيه البركة الكثيرة؛ لأنه وقت التجلي، وقال تعالى: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ (٤) أي: سر في سواد الليل أي: إذا بقي منه قطعة وقال ابن رواحة: وتنجلي عنهم غيابات الكرى عند الصباح يحمد القوم السري ثم قد ورد النهي عن السير أول الليل قال ◌َ له: ((لا ترسلوا مواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء)) وهو في الصحيح وقد كره البيهقي السير أول الليل لذلك وتعقبه المصنف في المجموع بأنه لا يقتضي إطلاق الكراهة قال: والمختار أنه لا يكره قال الشيخ عبد الرؤوف المكي الواعظ: كراهة إرسال المواشي حينئذ محمولة على إرسالها من غير حافظ لها (رواه أبو داود بإسناد حسن) ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي (الدلجة) بالوجهين السابقين في ضبطه (السير في الليل) أي جزء منه أولاً كان أو آخراً قال (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة ... (الحديث: ٣١٣). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: [في الدّلجة](الحديث: ٢٥٧١). (٣) في نسخة عن وقته ولعله تحريف. ع. (٤) سورة هود، الآية: ٨١. ٤٤٩ ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول ٩٦٣ _ وعَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلوا مَنْزِلاً تَفَرَّقوا في الشِّعابِ والْأَوْدِيةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعابِ والْأَوْدِيةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطانِ!)) فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلَا إلَّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ . رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ(١). ابن رسلان: الدلجة بالضم فالسكون سير آخر الليل فيه البركة. ٩٦٣ - (وعن أبي ثعلبة) بفتح المثلثة وسكون المهملة بينهما (الخشني) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية بعدها نون قال في التقريب: مشهور بكنيته قيل: اسمه جرثوم أو جرثومة أو جرثم أو جرهم أو لاشر بمعجمة مكسورة بعدها راء أو لاش بغير راء أو لاسومة أو ناسب أو ياسر أو عروق أو سواء أو زيد أو الأسود واختلف في اسم أبيه أيضاً مات (رضي الله عنه) سنة خمس وسبعين وقيل: بل قبل ذلك بكثير في أول خلافة معاوية بعد الأربعين خرّج له الستة اهـ. وروي له عن النبي ( أربعون حديثاً أخرج له في الصحيحين أربعة اتفقا على ثلاثة منها وانفرد مسلم بواحد (قال: كان الناس إذا نزلوا) بالبناء للفاعل (منزلاً) أي: في مكان من منازل سفرهم (تفرقوا في الشعاب) بكسر الشين المعجمة جمع شعب بالكسر وهو الطريق في الجبل كذا في المصباح (والأودية) جمع واد وتقدم أنه كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذاً لسيل (فقال رسول الله وَ له: إن تفرقكم في هذه الشعاب) ظرف لغو متعلق بالمصدر قبله أو مستقر في محل الحال أو الصفة أي: تفرقكم حال كونه كائناً أو الكائن، لأن الإِضافة فيه للتعريف الجنسي (والأودية إنما ذلكم) توكيد لما قبله لطول الفصل بالظرف بعد اسمها فهو نظير قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون﴾(٢)، والمشار إليه التفرق وجمع كاف الخطاب لجمع المخاطبين، وهي في اللغة الفصيحة تختلف باختلاف حالته إفراداً وتذكيراً وضديهما والخبر قوله (من الشيطان) أي: ناشىء من وسواسه وإغوائه، وذلك أن المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر من عدم ركوبه والإعانة على نوائب السفر، والتفرق مانع منه (فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً) أي: في منزل (إلا انضم بعضهم إلى بعض) امتثالاً لإِشارة المصطفى، وتحرجا من العمل الداعي إلى الشيطان كما نطق به الخبر وتلبساً بالأمر الداعي إليه الرحمن كما دل عليه مفهوم الخبر (رواه أبو داود بإسناد حسن) (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يؤمر من انضمام العسكر [ومتعته](الحديث: ٢٦٢٨) (٢) سورة المؤمنون، الآية: ٣٥ ٤٥٠ ٧ - كتاب: آداب السفر ٩٦٤ - وعَنْ سَهْلِ بنِ عَمْرِو. وقِيلَ: سَهْلِ بنِ الرَّبيعِ بنِ عَمْرٍو، الْأَنْصارِيِّ الْمَعْروفِ بابنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، وهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فقالَ: ((اتَّقوا اللَّهَ في هَذِهِ الْبَهائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبوها صالِحَةً . ٩٦٤ - (وعن سهل) بفتح فسكون (ابن عمرو وقيل: سهل بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة (ابن عمرو) بن عدي بن زيد (الأنصاري) الأوسي من بني حارثة (المعروف بابن الحنظلية) بفتح المهملة والظاء المشالة وسكون النون بينهما. اسم أمه أو من أمهاته، وعلى وصفه بهذا اللفظ اقتصر في أسد الغابة في باب ما يعرف بابن فلانة فقال ابن الحنظلية: ولم يسق الخلاف المذكور في اسم أبيه (وهو من أهل بيعة الرضوان) التي كانت بالحديبية تحت الشجرة قال في أسد الغابة في الأسماء: وكان معتزلاً عن الناس كثير الصلاة والذكر كان لا يزال يصلي مهما هو بالمسجد فإذا انصرف لا يزال ذاكراً من تسبيح وتهليل حتى يأتي أهله وسكن دمشق ومات بها أول خلافة معاوية ولا عقب له (رضي الله عنه) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر: اسم أبيه الربيع وقيل: عبيد وقيل: عقيب بن عمرو وقيل: عمرو بن عدي وهو الأشهر وعدي هو ابن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي قال ابن أبي خيثمة: والحنظلية أمه وقيل: جدته وقيل: أم جده قال ابن سعد: الحنظلية: أم عمرو بن عدي واسمها أم إياس بن دارم التميمية فمن كان من ولد عمرو قيل له ابن الحنظلية قال البخاري. له صحبة وكان عقيماً وقال غيره: شهد المشاهد كلها إلا بدراً اهـ. وقال المزي في الأطراف قيل له ابن الحنظلية؛ لأن أم أبيه من بني حنظلة من تميم، وذكر له في الأطراف خمسة أحاديث، ولا شيء له في الصحيحين وذكره ابن الجوزي في مختصر التلقيح فيمن روي له في مسند تقي بن مخلد تسعة أحاديث بتقديم الفوقية والله أعلم. (قال مر رسول الله وَّل بيعير) قال في المصباح هو مثل الإِنسان يقع على الذكر والأنثى، والجمل بمنزلة الرجل يختص بالذكر والناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى (قد لحق) وفي لفظ السنن بالصاد بدل الحاء (ظهره ببطنه) أي: من الجوع والجهد (فقال: اتقوا الله) وتقواه واجبة مطلقاً، ويتأكد الوجوب بأسباب بالنسبة لحال المخاطبين، ووقائع الأحوال منها قوله هنا (في هذه البهائم) الممتن عليكم شرعاً بركوبها ونحوه (المعجمة) صفة نص عليها للاستعطاف عليها ومزيد الشفقة بها والمعجمة بصيغة المفعول والعجماء بمعنى، وسميت به البهيمة؛ لأنها لا تتكلم ومن لا يفصح بكلامه يقال فيه أعجم ومعجم ومستعجم قال الدميري: وسميت البهيمة بهيمة؛ لأنها لا تتكلم (فاركبوها) أمر إباحي (صالحة) أي: للركوب أي: حيث كانت تطيقه ٤٥١ ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول وَكُلُوهَا صَالِحَةً)) رواهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (١) ٩٦٥ - وعَنْ أَبي جَعْفَرِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قالَ: أَرْدَفَني رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ وأَسَرَّ إِليَّ حَديثَاً لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ ، وكانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهْ لِحَاجَتِهِ هَدَفُ وهو حال من المفعول (وكلوها) أمر كالذي قبله (صالحة) للأكل بأن ذكيت ذكاة شرعية، وقد يقال: في وصفها بالصلاح ايماء إلى الأمر بأسباب صلاحيتها وخرج بصالحة ما لا تصلح للأكل كالهدي الواجب بنذر أو غيره فلا يصلح للمهدي الأكل منها والاقتصار على الركوب، والأكل؛ لأنهما أظهر منافعها أو للتنصيص على أن الوصف بالصلاحية فيهما أهم منه في غيرهما (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. ٩٦٥ - (وعن أبي جعفر عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب القرشي الهاشمي (رضي الله عنهما) أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، وقدم مع أبيه المدينة من الحديبية وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن علي بن أبي طالب لأمهما وروي له عن رسول الله و خمسة وعشرون حديثاً اتفقا على حديثين منها توفي رسول الله وَّر وله عشر سنين قال الحافظ في التقريب: مات سنة ثمانين وهو ابن ثمانين سنة (قال: أردفني رسول الله (*) أي: حملني خلفه على ظهر الدابة (ذات يوم) قال الحافظ في مقدمة فتح الباري: تكرر قوله ذات يوم وذات ليلة وذات بينكم، وكله كناية عن نفس الشيء وحقيقته وتطلق على الخلق والصفة وأصلها اسم إشارة للمؤنث وقد تجعل ذات اسماً مستقلاً فيقال: ذات الشيء وقوله (خلفه) تأكيد لمفهوم قوله: أردفني أو جرد الإِرداف عن كونه خلف الراكب، وأريد به مطلق الحمل معه على الدابة وهو بالنصب ظرف مكان (وأسر) أي: أخفى (إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس) جملة النفي محتملة؛ لكونها صفة حديث أي: حديثا شأنه ألا أبديه لأحد ولكونها مستأنفة وأتي بها لئلا يطلب منه بيانه (وكان أحب) بالنصب خبر كان مقدم ويجوز الرفع اسمها والأول أولى؛ لكونها وصفا وهو بالأخبار أليق، ويؤيده اتفاق الأصول على رفع هدف (ما استتر به رسول الله (18) أي: من الأعين عند قضاء حاجة الإنسان كما في نسخة لحاجة (هدف) بفتح أوليه قال في المصباح: هو كل شيء عظيم مرتفع قاله ابن فارس مثل الجبل، وكثيب الرمل والبناء والجمع أهداف كسبب وأسباب (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم (الحديث ٢٥٤٨) . ٤٥٢ ٧ - كتاب: آداب السفر أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ (يَعْنِي حَائِطَ نَخْلٍ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) هَكَذَا مُخْتَصَراً، وَزَادَ فِيهِ الْبَرْقَانِيُّ بِإِسْنَادٍ مِثْلَ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ حَائِشَ نَخْلٍ: فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى الجَمَلُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ جُرْجَرَ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َ فَمَسَحَ سَراتَهُ : - أَيْ سِنَامَهُ - وذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: ((مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لمنْ هذا الجملُ؟)) فَجاءَ فَتَّىِّ مِنَ (أو حائش) بالمهملة وبعد الألف همزة فشين معجمة (نخل) وقال عبد الله بن أسماء الضبعي - أحد شيخي مسلم -: فيه كما صرح به مسلم بقوله قال ابن أسماء (يعني) أي : ابن جعفر بقوله حائش نخل بالشين المعجمة (حائط نخل) بالطاء المهملة والحائط هو البستان وجمعه حوائط وسمي حائطاً؛ لأنه يحوط ما فيه من الأشجار وغيرها (رواه مسلم) في الطهارة هكذا مختصراً، ورواه أيضاً في الفضائل، وليس فيه قوله وكان أحب الخ (وزاد فيه) الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن أحمد بن غالب (البرقاني) بفتح الموحدة والقاف وسكون الراء بينهما الخوارزمي نسبة إلى قرية من قرى كانت بنواحي خوارزم خربت قاله الأصبهاني في لب اللباب. قال الفقيه المحدث الأديب الصالح (بإسناد مثل هذا بعد قوله حائش نخل فدخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا) فجائية (فيه جمل) أي: عند الباب كما في رواية (فلما رأى) أي: ابصر (الحمل النبي ◌َّفه جرجر) أي: صوت والجرجرة بجيمين وراءين صوت يردده البعير في حلقه وعند أبي داود حن بالمهملة والنون المشددة (وذرفت) وبالمعجمة فتح الراء (عيناه) أي: سال منهما الدمع حين رآه وفي رواية حتى ابتل ما حوله من الدموع، وهذا من معجزاته الدالة على صدق نبوته وَ طير (فأتاه النبي (وَلطاقة) تواضعاً منه (فمسح سراته) بفتح أوليه المهملين، وبعد الألف فوقية فسره بقوله (أي سنامه وذفراه) وفي النهاية سراة كل شيء ظهره وأعلاه، ومنه الحديث ((فمسح سراة البعير وذفراه)) ثم هذا التفسير يحتمل أن يكون من بعض الرواة أدرجه وأن يكون من المصنف رحمه الله تعالى، وعند أبي داود فمسح ذفريه بالياء بدل الألف قال ابن رسلان: قلبت الألف فيه ياء وهي ألف التأنيث قلت الظاهر أنها حينئذ ألف المثنى وإلا فألف التأنيث لا تقلب ياء في مثله والله أعلم. ويأتي ضبطه ومعناه وفعله به ذلك من كمال شفقته ومزيد رحمته (فسكن) أي: ما به من ذلك الصوت (فقال: من رب هذا الجمل) أي: صاحبه وفيه دليل لإطلاق الرب مضافاً على غير الله تعالى أما المعرف (١) أخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: ما يستتر به لقضاء الحاجة (الحديث: ٧٩). وأخرجه أيضاً في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما (الحديث: ٦٨). ٤٥٣ ١٦٨ - باب: في آداب السير والنزول الْأَنْصَارِ فَقالَ: هَذَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا! فَإِنَّهُ يَشْكُو إليَّ أَنَّكَ تُجِعُهُ وَتُدْبِتُهُ)) ورَوَاهُ أبو دَاودَ(١) كَرِوَايَةِ الْبَرْقَانِيِّ. قَوْلَهُ: ((ذِفْرَاهُ)) هُوَ بِكَسرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وإِسْكانِ الْفَاءِ، وهُوَ لَفْظُ مفرَدٌ مُؤنَّثُ. قالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الذِّفْرَى: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْرَقُ مِنَ الْبَعِيرِ خَلْفَ الْأُذُنِ. وَقَوْلُه «تُدْئِبُهُ)): أْ تُتْعِبُهُ(١). باللام فلا يطلق على غير الله تعالى (لمن هذا الجمل) لعله كرر السؤال عن مالكه؛ لشدة اعتنائه بمعرفته، وكثرة شفقته على الجمل (فجاء فتى من الأنصار) لم أقف على من سماه، وفي رواية لأحمد فقال النبي صل: ((انظر لمن هذا الجمل قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته له فقال: ما شأن جملك هذا فقال: ما شأنه لا أدري والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال: فلا تفعل)). قال ابن رسلان في هذه الرواية: منع نحر الجمل إذا أزمن وعجز عن العمل إلا إن أريد أكل لحمه وقد صرح به أصحابنا اهـ. ولم أر من نقله عن أصحابنا والله أعلم (فقال: هذا لي يا رسول الله قال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة) أي: أتهمل أمرها فلا تتقي الله في أمرها قال الأزهري: البهيمة في اللغة معناها المبهمة عن العقل والتمييز والمعنى ألا تتقي الله فيما لا لسان لها، فتشكو ما بها من جوع وعطش ومشقة فهو أبلغ في الأمر بالتقوى فيها من نحو اتق الله (التي ملكك الله) أظهر في مقام الإِضمار لزيادة الحض والحث على التقوى فيها (إياها) أي: أنعم بها عليك فلا تقابل نعمته بمعصيته بل بالشكر والإِحسان ليدوم لك الامتنان، ثم ذكر الداعي إلى تحريضه على إصلاح شأنها بقوله (فإنه) التذكير باعتبار أنه جمل أي: فإن الجمل وفيه تفنن في التعبير (يشكو إلي) لا مانع من إجرائه على حقيقته، وعرف النبي ◌ّ ر ذلك باطلاع الله تعالى له عليه، فهو من جملة معجزاته أو فهم ذلك من أحواله (أنك تجيعه) بضم أوله (وتدئبه) بضم التاء الفوقية أيضاً مضارع من الأفعال من الدأب بمهملة ثم همزة ثم موحدة أي: تكده وتتعبه في العمل وفي رواية لأحمد شاكياً كثرة العمل وقلة العلف (ورواه أبو داود) في الجهاد (كرواية البرقاني) بتفاوت يسير منه على بعضه (قوله ذفراه هو بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاء وهو لفظ مفرد مؤنث قال أهل اللغة الذفرى الموضع الذي يعرق من الإِبل خلف الأذن وقوله تدئبه) بالضبط المذكور فيه (أي تتعبه) بضم الفوقية أفعال من التعب. (١) أخرجه أبوداود في كتاب: الجهاد، باب: ما يؤمربه من القيام على الدواب والبهائم (الحديث: ٢٥٤٩) ٤٥٤ ٧ - كتاب: آداب السفر ٩٦٦ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلْ الرِّحالَ. رَوَاهُ أَبُو داودَ(١) بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَوْلُهُ: ((لا نُسْبِّحُ)): أْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومَعْناهُ: أَنَّا مَعَ حِرْصِنا عَلى الصَّلاةِ لا نُقَدِّمُها عَلى حَطّ الرِّحالِ وإراحَةٍ الدَّواب. ٩٦٦ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كنا) أي: معشر الصحابة (إذا نزلنا منزلاً) أي: في منزل من منازل السفر (لا نصبح حتى نحل) بضم المهملة (الرحال) أي: نضعها عن ظهور الجمال، والرحل بكسر الراء وبالمهملة جمع رحال بفتح فسكون هو كل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن، ويجمع في القلة على أرحل كبحر وأبحر كذا في المصباح (رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم) فرواه في الجهاد عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر عن شعبة عن حمزة الضبي عن أنس (وقوله لا نسبح أي: لا نصلي النافلة) وأطلق على الصلاة بطريق المجاز المرسل من تسمية الكل باسم الجزء ففيه مجاز مرسل تبعي (ومعناه: إنا مع حرصنا) بكسر الحاء المهملة وسكون الراء (على الصلاة) واهتمامنا بها (لا نقدمها على حط الرحال إراحة للدواب) وإن كان فيه مبادرة للطاعة ومسارعة بالعبادة لكن يقدم عليها إراحتها شفقة ورحمة. وفي حواشي سنن أبي داود للمنذري وقد قال: إن لفظ ((لا)) سهو وإن الصواب ((كنا إذا نزلنا منزلاً نسبح حتى نحل الرحال)) رواه غير واحد من الثقات فرواه ابن السيني بلفظ كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحل الرحال فقيل: معناه نشتغل بالصلاة تحية المنزل والتنفل ونحوه حتى يطأ أصحاب الرحال رحالهم، ثم نجتمع ونشتغل ببعض ما يشتغل به المسافر إذا حل من تهيئة الطعام لكن الذي رأيناه في النسخ المعتمدة لا نسبح بزيادة لا النافية وهو أقرب إلى المعنى، فإن تأخر سبحة النافلة له فوائد منها إراحة البهائم التي لم تصل إلى المنزل إلا وقد حصل لها التعب الكثير، فاشتغالهم بالصلاة فيه تأخير بالحط عنها بخلاف، ما إذا اشتغل الجميع بالحط؛ ولأن حط أصحاب الرحال رحالهم يشغل خاطر المصلي وفي الخبر استحباب التنفل بالسفر كالحضر وقد حكى المصنف اتفاق الفقهاء على استحباب النفل المطلق في السفر والخلاف في الراتبة ثم استدلال المصنف بهذا مبني على القول بأن قول الصحابي: كنا نفعل كذا مرفوع حكماً سواء أضافه إلى زمن النبي ◌ّر، أو لا وهو ما عليه الإِمام والحاكم والإِمام فخر الدين الرازي، وقد قال ابن الصباغ في العدة أنه الظاهر وقد أطلق الحاكم ما ذكر الإِمام والسيف (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في نزول المنازل (الحديث: ٢٥٥١) ١٦٩ - باب: في إعانة الرفيق ٤٥٥ ١٦٩ - باب: في إعانة الرفيق في الْبابِ أحاديثُ كَثِيرَةٌ، تَقَدَّمَتْ كَحَديثِ: ((واللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ)) (١) وحَدِيثِ: ((كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ(٢)) وأَشْباهِهِما ٩٦٧ - وعَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرِ إذْ جاءَ رِجُلٌ عَلى راحِلَةٍ لَه فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينَاً وشِمالاً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((مَنْ كَانَ مِعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، ومَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ الآمدي، ولم يقيداه بالتقييد بالعهد النبوي قال في المجموع: وبه قال كثير من الفقهاء، وهو قوي من حيث المعنى والذي عليه ابن الصلاح أنه حيث لم يقيد بالعهد النبوي موقوف لفظاً وحكماً. باب إعانة بالمهملة والنون (الرفيق) يحتمل أن يكون المصدر مضافاً لفاعله أي: إعانة الرفيق من معه ويحتمل أنه مضاف للمفعول أي: إعانة المسافر الرفيق أي: المرافق في السفر. (في الباب) أي: مطلق الإعانة (أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: والله في عون العبد) أي: الإِنسان (ما كان) مدة كون العبد (في عون) أي: إعانة (أخيه) مصدر مضاف للمفعول (وحديث كل معروف) أي: يطلب ويعرف شرعاً (صدقة) ودخل ما ترجم له الباب في عموم كل منهما (وأشباههما) أي: أحاديث تشبه ما ذكر من الحديثين في طلب نفع الغير، وقد جمع من ذلك الحافظ المنذري أربعين حديثاً، وأوردناها في إيقاظ النائم من سنة نومه ببعض فوائد قوله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾(٣) ٩٦٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر) أي: مع النبي * (إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف) بفتح وكسر ثالثه أي: يقلب (بصره يميناً وشمالاً) ينظر من يتوسم فيه الإعانة (فقال رسول الله مثلة: من) أي: الذي (كان معه فضل ظهر) مركوب فاضل عن حاجته إليه (فليعد) بفتح التحتية أي: من الفائدة بمعنى الصلة (به) الباء للتعدية (على من لا ظهر له) أي: يواسي من عنده ذلك المحتاج بإركابه (١) انظر الحديث رقم (٢٤٥). (٢) انظر الحديث رقم (١٣٤) (٣) سورة البقرة، الآية : ٤٥٦ ٧ - كتاب: آداب السفر عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ)) فَذَكَرَ مِنْ أَصْنافِ الْمالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنا أَنَّهُ لا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنا في فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٩٦٨ - وعَنْ جابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : ﴿ أَنَّهُ أرادَ أَنْ يَغْزُوَ فَقالَ: (يا مَعْشَر الْمُهاجِرِينَ والْأَنْصَارِ، إِنَّ مِنْ إخْوانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مالٌ ولا عَشِيرَةٌ فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ، فَمَا لِأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إلّ عُقْبَةَ أَحَدِهِمْ)) قالَ: فَضَمَمْتُ إليَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً ما لِي إِلّ عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ مِن جَمَلِي. رَوَاهُ على الظهر وحمله ابن مالك على العود بمعنى الرجوع فقال: وهذا أي: العود بالظهر قد يحصل بلا عود وإنما عبر عنه بالعود؛ لأن الغالب في من لا مركب له التأخر عن الرفقاء ومواساته إنما تحصل بالعود (ومن كان له فضل زاد) أي: زاد فاضل عن حاجته (فليعد به على من لا زاد له) أراد به كما قبله الإِحسان، وقال ابن مالك عبر عنه بالعود لما ذكرنا، أو للمشاكلة (فذكر) أي: النبي ◌ّ (أنواعاً من أصناف المال) وإن من عنده الفضل منها عاد به على من لا شيء له منها، وقوله (حتى) غاية لذكر الأصناف أي: ما زال يستقرىء أصناف المال ويأمر بالتصدق بفضولها إلى أن (رأينا) أي: علمنا أو ظننا (أنه لا حق) أي: استحقاق (لأحد منا في فضل) أي: فاضلها منها وأنه يجب دفعها للمحتاج إليه (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى وابن حبان كلهم عن أبي سعيد كما في الجامع الكبير. ٩٦٨ - (وعن جابر رضي الله عنه: عن رسول الله وسلم أنه إذا أراد أن يغزو قال: يا معشر) وفي المصباح المعشر والقوم والرهط والنفر والجماعة الرجال دون النساء وجمعه معاشر (المهاجرين والأنصار) قدم الأولين لأفضليتهم بالسبق (إن من إخوانكم قوماً ليس لهم مال ولا عشيرة) هي القبيلة، ولا واحد لها من لفظها والجمع عشيرات وعشائر (فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة) أي: أحدكم يضم الاثنين وأحدكم يضم ثلاثة على حسب الحال من اليسار والإِعسار (فما لأحدنا) أي: الأغنياء الواجدين (من ظهر يحمله إلا عقبة) بضم فسكون منصوب على المصدر (أحدهم) يعني كعقبة أحدهم والمعنى يتساوون في تناوب ركوب الظهر فيركب المالك عقبة وذلك المسكين كذلك (قال: فضممت إلى اثنين أو) شك من الراوي (ثلاثة) بالنصب (وما لي إلا عقبة أحدهم) جملة حالية من فاعل ضممت (من (١) أخرجه مسلم في كتاب: اللقطة، باب: استحباب المواساة بفضول المال (الحديث: ١٨). ٤٥٧ ١٧٠ - باب: فيما يقوله إذا ركب دابته أبو داوُدَ(١). ٩٦٩ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَتَخَلَّفُ في الْمَسيرِ فَيُزْجِي الضَّعيفَ ويُرْدِفُ ويَدْعُولَهُ. رواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ (٢). ١٧٠ - باب: فيما يقوله إذا ركب دابّته للسفر قال اللَّهُ تعالى(٣): ﴿وَجَعَل لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ والْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا على ظُهورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقولوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا جملي) بفتح أوليه أي: من ركوبه (رواه أبو داود). ٩٦٩ - (وعنه قال: كان رسول الله وَ لا يتخلف في المسير) مصدر ميمي أي: في السير في السفر فيكون في آخر الناس (فيزجي) بالزاي والجيم من الإِزجاء أي يسوق (الضعيف) في القاموس زجاه ساقه ودفعه كزجاء وإزجاء (ويردف) أي: يركب على دابة (ويدعو له) فيعان ببركة دعوته ويصل لمطلبه (رواه أبو داود بإسناد حسن) ورواه الحاكم في المستدرك. باب ما يقوله أي: الراكب (إذا ركب دابته) أي: عند ركوبها (للسفر) ظاهر عمومه ولو كان غير مباح كالسفر لنحو قطع طريق، ولا بعد فيه؛ لأن الجهة منفكة وظاهر عبارته أنه لا يأتي به وقت ركوبها في غير السفر وظاهر الآية طلب الذكر حينئذ وهو الأقرب وذكر السفر جرى على الغالب قال الله تعالى: (وجعل) أي: خلق (لكم من الفلك) أي) السفن (والأنعام) جمع نعم وهي الإِبلِ والبقر والغنم والمراد منه هنا الإِبل (ما تركبون) أي: الذين تركبونه بحذف العائد اختصاراً (لتستووا على ظهوره) ذكر الضمير وجمع الظهر نظراً للفظ ما ومعاها (ثم تذكروا نعمة ربكم) أي: إنعامه عليكم (إذا استويتم عليه) أي: وقت استوائكم عليه فهو ظرف لتذكروا (وتقولوا) أي: عند الركوب (سبحان الذي سخر لنا هذا) أي: أنه مقدس عما (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: الرجل يتحمل بمال غيره يغزو (الحديث: ٢٥٣٤). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: ما يؤمر به في القيام على الدواب والبهائم، (الحديث: ٢٥٤٩). (٣) سورة الزخرف، الآيات: ١٢ - ١٤. ٤٥٨ ٧ - كتاب: آداب السفر ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ٩٧٠ - وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ كانَ إِذا اسْتَوَى عَلى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثاً ثُمَّ قالَ: ((سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنّا نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ والتَّقْوى، ومنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وأْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمْ أَنْتَ الصَّاحِبُ لا يليق به منزه عن سائر سمات الحوادث من الركوب على مركوب، أو الاستقرار على شيء (وما كنا له) أي: لتسخيره المدلول عليه بقوله: سخرلنا هذا أوله أي: المشار إليه (مقرنين) أي: مطيقين (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ذكر لتنبيه القائل للموت الذي قد ينشأ عن الركوب من تعثر الدابة وسقوطه عنها فيحمله ذلك على الاستكانة لله سبحانه والتوبة عن سائر المخالفات. ٩٧٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وسلم كان إذا استوى على بعيره) ليس ذكره لتقييد طلب الذكر به بل يطلب عند ركوبه كل مركوب (خارجاً إلى السفر) أي سفر كان (كبر) أي: قال الله أكبر (ثلاثاً) ظرف لقال (ثم: قال سبحان الذي سخر لنا هذا) أي: ذلله فتسخر قال الله تعالى: ﴿وذللناها لهم﴾(١) (وما كنا له مقرنين) جملة حالية من مجرور اللام (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) جملة حالية أيضاً من ((الذي)) قبله أو من اسم كان أو من ضمير خبره فعلى الأول حال مترادفة وعلى الآخرين حال متداخلة (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) أي: بخصوصه (البر) بكسر الموحدة أي: الخير والفضل أو عمل الطاعة وعليه فعطف قوله (والتقوى) من عطف العام على الخاص إن أريد بها الكف عن المخالفة، وفعل الطاعة وإن أريد بها الكف عن المعصية فهو من عطف المغاير وسؤاله فيه؛ لأن السفر مظنة ترك البر والتقوى إلا بتأييد من الله سبحانه (ومن العمل ما ترضى) أي: ما تحبه وتقبله والعائد محذوف (اللهم هون علينا سفرنا) أي: مشقته أو المشقة فيه ووصفه بقوله (هذا) لما تقدم (واطو) بوصل الهمزة(٢) أي: أزل أو ادفع (عنا بعده) أي: حقيقة أو حكماً (اللهم أنت الصاحب) قال في الفائق أي: الملازم وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ من الحوادث والنوازل في السفر قال الشيخ أحمد بن حجر الهيثمي: إطلاق الصاحب بقيد (في (١) سورة يَس، الآية: ٧٢. (٢) وفي نسخة: واطو بقطع الهمزة. ٤٥٩ ١٧٠ - باب: فيما يقوله إذا ركب دابته فِي السَّفَرِ، والْخَليفَةُ في الْأَهْلِ، اللّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكَابَةٍ الْمَنْظَرِ، وسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ والْأُهْلِ)) وإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبونَ تَائِبُونَ عَابِدونَ لِرَبِّنَا حَامِدونَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مَعنَى (مُقْرِنِينَ)): مُطيقينَ و((ألْوَعْشَاءُ)) بِفَتْحِ الْوارِ وإِسْكانِ الْعَيْنِ المهملةِ وبالثَّاءِ المثلّثةِ وبالمدُّ وهِيَ: الشِّدَّةُ. و((الْكَآبَةُ)) السفر) جائز لا غير مقيد به؛ لأن أسماءه تعالى توفيقية وكذا كل ما ورد مقيداً كقوله (والخليفة) أي: المعتمد عليه والمفوض إليه حضوراً وغيبة (في الأهل) ولا يطلق عليه كل من الصاحب والخليفة من غير قيداهـ. ملخصاً قال التوربشتي: الخليفة هو الذي ينوب عن المستخلف عنه والمعنى أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن يلم شعثهم ويداوي سقيمهم ويحفظ عليهم دينهم وأمانتهم (اللهم إني أعوذ) أي: اعتصم (بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر) بفتح الميم والظاء قيل: المراد الاستعاذة من كل منظر يعقب النظر إليه الكآبة فهو من قبيل إضافة المسبب إلى السبب (وسوء المنقلب) بصيغة المفعول مصدر ميمي أي: الانقلاب من السفر والعود إلى الوطن بمعنى استعاذ من أن يعود لوطنه فيرى ما يسوءه (في المال والأهل) المراد بالأهل أهل البيت من الزوجة والخدم والحشم قال ميرك: استعاذ من أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكتئب به من سوء إصابه في سفره، أو ما يقدم عليه كأن يرجع غير مقضي الحوائج، أو يصيب ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى، أو يفقد بعضهم قال في الحرز أو يرى بعضهم على المعصية (وإذا رجع) أي: لابس الرجوع بالشروع فيه (قالهن) أي: الكلمات المذكورة (وزاد فيهن) أي: عليهن وهل في آخرهن أو أولهن كل محتمل (آئبون) بكسر الهمزة بعد الألف أي: راجعون وهي خير المحذوف أي: نحن معشر الرفقاء آثبون (تائبون) أي: من المعاصي وقيل: الأولى أن يقال. آئبون عن الغفلة فإن الأواب صفة الأنبياء، ومنه قوله تعالى: ﴿إنه أواب﴾(١) ونعت الأنبياء بقوله تعالى: ﴿إنه كان للأوابين غفورا﴾(٢) (عابدون لربنا حامدون) الظرف متعلق بما قبله من العوامل ويحتمل أن يكون متعلقاً بما بعده، وليس هو حينئذ من باب التنازع وإن وهم فيه صاحب الحرز؛ لأن شرط التنازع بالنظر للعوامل قبله (رواه مسلم) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي (معنى مقرنين مطيقين والوعثاء بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد وهي الشدة) والمشقة (والكآبة) بالمد مع فتح الكاف قبل الهمزة الممدودة (١) سورة ص، الآية: ٤٤ (٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٥. ٤٦٠ ٧ - كتاب: آداب السفر بالْمَدِّ وهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ ونَحْوِهِ. و ((الْمُنْقَلَبِ)): الْمَرْجِعُ(١) ٩٧١ - وعنْ عبْدِ اللَّهِ بنِ سَرْجِسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَل إِذا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، والْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، ودَعْوةٍ الْمَظْلومِ، وسُوءِ الْمَنْظَرِ في الْأَهْلِ والْمالِ. رواهُ مُسْلِمٌ هكذا هو في صَحيحِ مُسْلِمٍ: ((الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ)» بالنُّونِ، وكذا رواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (تغير النفس من حزن) بضم فسكون وبفتحتين (ونحوه) أي: غم وهم وفي المصباح: الكآبة أشد الحزن (والمنقلب) بضم الميم وفتح اللام مصدر ميمي كما تقدم، وكذا فسره المصنف بقوله (المرجع) بفتح الميم والجيم. ٩٧٢ - (وعن عبد الله بن سرجس) بسين مهملة أوله وآخره، وبعد الأولى راء فجيم بوزن نرجس، ويجوز صرفه ومنعه، وهو صحابي سكن البصرة وخرّج حديثه الأئمة الستة. (المزني) بضم الميم وفتح الزاي بعدها نون نسبة لمزينة قال الحافظ في التقريب، وهو حليف بني مخزوم (رضي الله عنه) روي له عن رسول الله وه ير فيما قاله ابن حزم في سيرته وابن الجوزي في مختصر التلقيح سبعة عشر حديثاً بتقديم المهملة وانفرد به مسلم عن البخاري فروي له ثلاثة أحاديث. (قال: كان رسول الله ◌َ ﴿ إذا سافر) يحتمل أن يكون على حقيقته أي: إذا لابس السفر بأن شرع في السير أو أنه مجاز عن إرادة ذلك، ويجوز أن يراد كلاهما (يتعوذ) أي: كان يقول أعوذ بالله (من وعثاء السفر وكآبة المنقلب) أي: الانقلاب (والحور) بالمهملتين المفتوحة أولاهما بينهما واو ساكنة. (بعد السكون) بوزن ما قبله أي : من الهبوط بعد الرفعة. والاستعاذة منه حينئذ؛ لأن السفر مظنة التفريط فيما يطلب فعله وهو أيضاً حكمة قوله (ودعوة المظلوم)؛ لأن ذلك قد ينشأ عنه من ظلم الدابة بتحميلها فوق طاقتها، أو تكليفها من الجهد في المشي فوق قدرتها أو منع الجمال ونحوه من الأتباع والعملة عن أجرهم أو نقصه أو؛ لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى إعانة ولا إغاثة أقرب إلى الإِجابة. (وسوء المنظر)؛ أي: وأن أنظر ما يسوءني (في الأهل) من مرض أو موت أو اشتغال بمخالفة أمر الله تعالى. (والمال رواه مسلم) والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم من حديث عبد الله بن سرجس (وهكذا هو في صحيح مسلم) وبين المشار إليه بقوله : (الحور بعد الكون) بالنون وكذا أي: كما ذكر من كون الكون بالنون (رواه الترمذي (١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (الحديث: ٤٢٥).