Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ١٤٢ - باب: في استحباب تشميت العاطس ٨٨١ - وعنْ أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ الْيَهودُ يَتْعَاطَسَونَ عِنْدَ رُسُولِ اللَّهِ وَ﴿ يَرْجُونَ أَنْ يَقولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكُمْ)) رَواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٨٨٢ - وعنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلى فِيهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ٨٨١ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان اليهود يتعاطسون) الظاهر أن التفاعل فيه للتكلف أي: يظهرون العطاس بالإِتيان بصوت يشبهه، أو يتسببون له بنحو كشف الرأس (عند رسول الله ( * يرجون) جملة حالية من الواو، أي: يؤملون (أن يقول لهم يرحمكم الله) لتعود عليهم بركة دعائه بها، فإنهم كانوا يعلمون باطناً نبوته، ورسالته، وإن أنكروها ظاهراً حسداً وعناداً (فيقول لهم) من مزيد فضله، ولا يحرمهم بركة حضرته، وثمرة الجلوس بين يديه (يهديكم الله) أي: يدلكم على الهدى لتهتدوا ولو أراد يوصلكم إلى الهدى لآمنوا واهتدوا (ويصلح بالكم) أي: ما يهتم به من أمر الدين، وذلك بأن يرشدهم إلى الإِسلام، ویزینه لهم ویوفقهم له (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديثحسن صحيح). ٨٨٢ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل: إذا تثاوب) تقدم أنه عند مسلم بالواو (أحدكم فليمسك بيده على فيه) وفي نسخة فمه بالميم، وذلك كراهية صورة التثاؤب المحبوبة للشيطان (فإن الشيطان يدخل فيه) أي: في الإِنسان عند انفتاح فمه حال التثاؤب، فيمنعه من ذلك بوضع اليد على الفم سداً لطريقه ومبالغة في منعه وتعويقه (رواه مسلم) وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى أن البخاري خرّجه أيضاً، وقد أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: ((فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب)). وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: ((إذا تثاوب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه)). (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كيف يشمت الذمي (الحديث: ٥٠٣٨). · وأخرجه الترمذي في كتاب: الأدب، باب: ما جاء كيف تشميت العاطس (الحديث: ٢٧٣٩). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (الحديث: ٥٨). ٣٦٢ ٥ - كتاب: السلام ١٤٣ - باب: في استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء ٨٨٣ - عنْ أبي الْخَطَّابِ قَتَادَةَ قالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أكانَتِ الْمُصافَحَةُ في أَصْحابٍ رَسُولِ اللَّهِ بَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٨٨٤ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا جاءَ أهْلُ الْيَمَنِ قالَ رسُولُ اللَّهِ مَّ: ((قَدْ جاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، وهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصافَحَةِ)) رواهُ أبو داودَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (٢). باب استحباب المصافحة قال السيوطي : هي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها الإِفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد قال الكرماني: وهو مما يؤكد المحبة (وبشاشة الوجه) قال في النهاية: بشاشة اللقاء الفرح بالمرئي والانبساط إليه والأنس به (عند اللقاء) ظرف تنازعه كل من المصدرين المذكورين قبله (وتقبيل يد الرجل الصالح) إعظاماً له؛ لصلاحه لا لأمر دنيوي قام به (وتقبيل ولده) ولو كبيراً (شفقة) مفعول له، والشفقة هي الحنو والعطف (ومعانقة القادم من سفر) أي: ما لم يكن أمرد جميلاً غير محرم (له وكراهة الانحناء) أي: ثني الرجل قامته عند اللقاء . ٨٨٣ - (عن قتادة) هو ابن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري (قال قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ◌َّ) الظرف مستقر، أي: كانت موجودة فيما بينهم أي: وذلك معيار كونها مشروعة؛ لأن الإِجماع السكوتي حجة (قال: نعم رواه البخاري) في الاستئذان . ٨٨٤ - (وعن أنس رضي الله عنه لما جاء أهل اليمن) لعلهم أصحاب أبي موسى الأشعري (قال رسول الله وَلل: قد) للتخفيف (جاء أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة رواه أبو داود بإسناد صحيح) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد أيضاً؛ لكن قال: أول من أظهر المصافحة ورواه ابن وهب في جامعه. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: المصافحة (٤٦/١١). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في المصافحة، (الحديث: ٥٢١٣). ٣٦٣ ١٤٣ - باب: في استحباب المصافحة ٨٨٥ - وعنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَه: ((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصافَحَانِ إِلّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا)) رواهُ أبو دَاوُدَ(١). ٨٨٦ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَديقَهُ أَيْنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: ((لا)) قالَ: أَفَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: ((لا)) قالَ: فَيَأْخُذُ ٨٨٥ - (وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ومله: ما) يحتمل كونها حجازية دخلت من المزيدة تأكيداً على إسمها، ويحتمل كونها تميمية، وعلى كل، فالجملة الفعلية خبر (من مسلمين يلتقيان فيتصافحان) أي: عقب الملاقاة من غير توان كما تومىء إليه الفاء (إلا غفر) بالبناء لما لم يسم فاعله، ونائب فاعله قوله (لهما) والذي يكفر بالأعمال الصالحة صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله سبحانه (قبل أن يتفرقا) ففيه تأكيد أمر المصافحة، والحث عليها، نعم، يستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية، والأمرد الحسن (رواه أبو داود) في الأدب ورواه أيضاً أحمد والترمذي وصححه(٢) وابن ماجه والضياء كذا في الجامع الصغير زاد في الجامع الكبير، قال الترمذي: حسن غريب، وفي الجامع الكبير من حديث أنس مرفوعاً: ((ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يحضر دعاءهم دعاء هما ولا يفرق أيديهما حتى يغفر لهم)) الحديث وقال: أخرجه أحمد وأبوداود(٣). ٨٨٦ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل) لم أقف على من سماه (يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه) أي: من المؤمنين (أو صديقه) أي: من الأقرباء والمعارف (أينحني له قال: لا) ومن البدع المحرمة الانحناء عند اللقاء بهيئة الركوع، قال ابن الصلاح: يحرم السجود بين يدي المخلوق على وجه التعظيم، وإن قصد بسجوده الله تعالى. وما ذكره الله تعالى من قوله في أخوة يوسف ﴿وخرّوا له سجداً﴾(٤) فذلك شرع من قبلنا، وهو ليس بشرع لنا؛ إلا إن جاء تقريره في شرعنا فيعمل بذلك التقرير (قال) أي: الرجل (أفيلتزمه ويقبله) أي: أيترك ما ذكر من الانحناء، فيلتزمه بالمعانقة ويقبله في بدنه (قال: لا) أي: لا يشرع ذلك، نعم تشرع المعانقة عند ملاقاة غائب من سفر ما لم يكن امرأة أجنبية، أو أمرداً جميلاً (قال) أي: الرجل (فيأخذ بيده) (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في المصافحة (الحديث: ٥٢١٢). (٢) قوله (وصححه) لعله من زيادة النساخ فالحديث مرموز إليه بعلامة الحسن في الجامع الصغير. ع. (٣) في نسخة (وأبو يعلى) بدل وأبو داود. (٤) سورة يوسف، الآية: ١٠٠ . ٣٦٤ ٥ - كتاب: السلام بِيَدِهِ ويُصافِحُهُ؟ قالَ: ((نَعَمْ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٨٨٧ - وعنْ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ يَهُودِيٌّ لِصاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللّهِ وَ فَسأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ بَيِّنَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: فَقَبِّلُوا يَدَهُ ورِجْلَهُ، وقَالا: نَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيُّ . رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بأَسانِيدَ صَحيحةٍ(٢). حذفت همزة الاستفهام؛ لدلالة وجودها في قرينة عليها أي: أيترك ما ذكر من الانحناء والالتزام والتقبيل، فيأخذ بيده، ومفعول يأخذ محذوف أي: يده بيده (ويصافحه) أي : يفضي بصفحة يده إلى صفحة يد صاحبه (قال: نعم رواه الترمذي وقال حديث حسن). ٨٨٧ - (وعن صفوان) بفتح المهملة وسكون الفاء (ابن عسال) بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية، قال في أسد الغابة: هو من بني الريض بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن مراد (رضي الله عنه) سكن الكوفة، وغزا مع النبي ◌ّ اثنتي عشرة غزوة، روى عنه ابن مسعود، وزر بن حبيش في آخرين اهـ. وتقدمت ترجمته في باب التوبة (قال: قال يهودي) لم أقف على من سماه (لصاحبه) أي: ليهودي آخر (اذهب بنا إلى هذا النبي) أي: ليتبينوا بعض معجزاته الدالة على نبوته ورسالته (فأتيا رسول الله ( لا) بقصد السؤال له ولذا قال (فسألاه عن تسع آيات بينات) قال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات، تسع منها مشتركة بينهمٍ وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة وأضمروا ما كان مختصاً بهم، فأجابهم النبي صل﴿ عما سألوه وعما أضروه ليكون أدل على معجزاته (فذكره) أي: الحديث ولفظه عند الترمذي، فقال لهم: ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسخروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة أيها اليهود، ألا تعدوا في السبت)) (إلى قوله) متعلق بمحذوف أي: وانتهى في ذكره إلى قوله (فقبلوا) أي: اليهود والحاضرون مع السائلين(٣) (يده ورجله) كذا في نسخ الرياض بإفراد كل من ((يده ورجله))، ووقفت عليه في أصلٍ مصحح من الترمذي بتثنيتهما والله أعلم. (رواه الترمذي) في الاستئذان والتفسير من جامعه (وغيره) فرواه النسائي: في السير والمحاربة من سننه، ورواه ابن ماجة في الأدب (بأسانيد صحيحة) فرواه الترمذي في (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة، (الحديث: ٢٧٢٨). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في قُبلة اليد والرِّجْل (الحديث: ٢٧٣٣). (٣) في نسخة: والحاضرون من المسلمين. ٣٦٥ ١٤٣ - باب: في استحباب المصافحة ٨٨٨ - وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قِصَّةٌ قَالَ فِيها: فَدَنَوْنا مِنَ النَّبِيِّ نَ فَقَبَّلْنا يَدَهُ. رواهُ أبو داوُدَ(١). ٨٨٩ - وعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ: قَدِمَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ الْمَدينَةَ ورسُولُ اللَّهِ وَ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ الاستئذان عن أبي كريب عن ابن إدريس وأبي أسامة وفي التفسير عن محمود بن غيلان عن أبي داود ويزيد بن هارون وأبي الوليد خمستهم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان، وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه النسائي عن أبي كريب وأبي قدامة كلاهما عن ابن إدريس به وأعاده في المحاربة عن أبي كريب، ورواه ابن ماجه في الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن إدريس وغندر وأبي أسامة ثلاثتهم عن شعبة، وبه يعلم أن مراد المصنف من تعدد الأسانيد باعتبار مبتداه لا باعتبار منتهاه. والله أعلم. ٨٨٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنه قصة) بالنصب على الحكاية(٢) فإن في أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: إن ابن عمر حدثه وذكر قصة، وتلك القصة رواها أبو داود في أواخر کتاب الجهاد، فقال عن ابن أبي لیلی أن ابن عمر حدثه أنه کان في سرية من سرايا رسول الله وَ﴿ قال: فحاص الناس حيصة، فكنت ممن حاص، فلما برزنا قلنا: كيف نصنع، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: ندخل المدينة فننسل منها لنذهب، فلا يرانا أحد، قال: قال: فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله السّير، فإذا كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا قال: فجلسنا لرسول الله وَل قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفارون، فاقبل إلينا فقال: ((بل أنتم الكارون)) وباقيه ما ذكره المصنف بقوله (قال) أي: ابن عمر (فيها فدنونا من النبي وسلم فقبلنا يده) فقال: أنا فئة المسلمين (رواه أبو داود) مختصراً في كتاب الأدب كما ذكره المصنف ومطولاً في الجهاد، ورواه الترمذي في الجهاد بمعناه، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد، ورواه ابن ماجه في الأدب بلفظ قبلنا يد النبي مثله . ٨٨٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ويميل في بيتي) جملة حالية رابطها الواو (فأتاه) الضمير المستكن لزيد، والبارز لرسول الله وَلقر أي: (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في قُبله اليد (الحديث: ٥٢٢٣). (٢) مضبوطة في نسخ المتن التي بأيدينا بالرفع وهو ظاهر. ع. ٣٦٦ ٥ - كتاب: السلام فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َهِ يَجُّ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٨٩٠ - وعنْ أَبي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لي رسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْروفِ شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ)) رَواهُ مُسْلِمٌ(٢). ٨٩١ - وعنْ أَبي هُريْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَبَّلَ النَّبِيُّ ونَ﴿ِ الْحَسَنَ بِنَ عَلِيٍّ قصد زيد النبي ◌َّله، ففيه استحباب قصد القادم أول قدومه من يتبرك به (فقرع الباب) فيه الاستئذان بغير اللفظ، وقد عقد له أبو داود في سننه باباً، فقال: باب الاستئذان بالقرع (فقام إليه النبي ( 18) أي: بعد أن علمه بالوحي، أو بالإِلهام، أو بالفراسة الصادقة، وجملة (يجر ثوبه) في محل الحال، والمراد الإِشارة إلى مزيد الإِسراع كما جرت به عادة المحب إذا شعر بوصول من يحب، فلم يصبر إلى أن يضع ثوبه موضعه من بدنه بل خرج به يجره (فاعتنقه وقبله) فيسن فعل ذلك مع القادم إلا إن كان ممن يخشى من فعل ذلك معه الفتنة، كالأجنبي من امرأة وأمرد جميل (رواه الترمذي) في الاستئذان (وقال حديث حسن). ٨٩٠ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله وَالر: لا تحقرن) بصيغة خطاب الواحد وهو وإن كان كذلك إلا أن الحكم شامل له ولجميع الأمة، لقوله ويلشير: ((حكمي على الواحد من أمتي حكمي على الجماعة)) أو كما قال ومحل ذلك ما لم يقم دليل التخصيص وإلا كأجزاء عناق المعز لأبي بردة في الأضحية وإباحة النياحة لأم عطية، فلا يتعدى محله (من المعروف شيئاً) وإن قل (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) إن ومنصوبها في محل الفاعل (٣) لفعل محذوف على الراجح أي: ولو كان أي: وجد لقاؤك أخاك بوجه طليق، والواو الداخلة على الجملة الوصلية جرى البيضاوي وغيره: أنها واو الحال، والجملة بعدها منصوبة على ذلك، وقيل: عاطفة على مقدر، والحديث سبق مع شرحه في باب استحباب طيب الكلام، وطلاقة الوجه وغيره (رواه مسلم). ٨٩١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبل النبي ( 18 الحسن بن علي) ففيه استحباب (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في المعانقة والقُبلة (الحديث: ٢٧٣٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء (الحديث: ١٤٤). (٣) قوله (في محل الفاعل الخ) الظاهر من كلام النحاة أن ما بعد ((لو)) خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير ((ولو كان ذلك المعروف أن تتقي الخ)» ع. ٣٦٧ ١٤٣ - باب: في استحباب المصافحة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ الْأَقْرَعُ بنُ حابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُم أَحَداً. فَقالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). تقبيل الأطفال شفقة ورحمة (فقال الأقرع بن حابس) بالمهملة وبعد الألف موحدة التميمي (إن لي عشراً) كذا في الأصل بحذف الهاء(٢) ولعله لتأويل الولد بالنفس (من الولد) بفتحتين قال في المصباح: هو كل ما ولده شيء يطلق على الذكر والأنثى، والمثني والمجموع فعل بمعنى مفعول وهو مذكر وجمعه أولاد والولد وزان، فقل لغة فيه وقيس تجعل المضموم جمعاً للمفتوح، كأسد جمع أسد اهـ. (ما قبلت منهم أحداً) وذلك لجفاء الأعراب وسكان البوادي، وفي الحديث من بدا فقد جفا (فقال النبي ◌َّر: من لا يرحم) بالبناء للفاعل وحذف المفعول للتعميم (لا يرحم) بالبناء للمفعول أي: أن انتفاء ذلك دليل على قسوة القلب، وفقد الرحمة منه للخلق ومن انتفت منه رفعت عنه، والجزاء من جنس العمل (متفق عليه) وقد سبق الحديث في باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة والرحمة لهم. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب بنحوه، باب: رحمة الولد وتقبيله (٣٦٠/١٠). . وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: رحمه # الصبيان والعيال ... (الحديث: ٦٥). (٢) في نسخ المتن التي بأيدينا ((عشرة)) بالهاء. ع. ٦ - كتاب: عيادة المريض وتشييع الميت والصلاة عليه وحضور دفنه والمكت عند قبره بعد دفنه ١٤٤ - باب: في عيادة المريض ٨٩٢ - وعن الْبَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَمَرَنا رسُولُ اللّهِ وَلِهِ بِعِيَادَةٍ کتاب عيادة المريض أي: زيارته وهو واوي يقال: عدت المريض أي: زرته فأنا عائد وجمعه عواد، وقلبت الواو ياءً في المصدر؛ لانكسار ما قبلها، فهو كصيام وقيام مصدر صام وقام، وفي الدر النثير للسيوطي : العيادة الزيارة واشتهر في عيادة المريض حتى صار كأنه مختص به (وتشييع) بالمعجمة الساكنة وتحتيتين الأولى مكسورة أي: اتباع (المیت) بالسير مع جنازته إکراماً له، وتوديعاً، كتشييع الضيف، وفي القاموس مات يموت ويمات ويميت فهو ميت، وميت ضد حي أو الميت مخففة الذي مات، والميت والمائت الذي لم يمت بعد جمعه أموات وموتى ومیتون ومیتون ا هـ، وقد جرى على الثاني بعض الفضلاء حيث قال: فهاك صحيح القول إن كنت تعقل تسائلني تفسير ميت وميت وما الميت إلا من إلى القبر ينقل فمن كان ذا روح فذلك ميت (والصلاة عليه) وإطلاق الصلاة عليها استعارة مصرحة أو من إطلاق المشترك وإلا فالصلاة بالمعنى الشرعي المعروف، وهو أقوال وأفعال مبدوءة بالتكبير مختتمة بالتسليم غير منطبق عليها لفقد الأفعال فيها (وحضور دفنه والمكث) بتثليث ميمه ذكره الفيروزبادي: في مثلثه أي: الليث (عند قبره) قال في القاموس: القبر المدفن(١) وجمعه قبور والمقبرة مثلثة الباء، وكمكنسة موضعها يقال: قبره ويقبره ويقبره دفنه وأقبره جعل له قبراً (بعد دفنه) أي: ليسألوا له التثبيت في إجابة السؤال. ٨٩٢ - (عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله وَّة) المراد من الأمر فيه (١) قوله (المدفن) عبارة القاموس (مدفن الإنسان) ع. ٣٦٩ ١٤٤ - باب: في عيادة المريض الْمَريضِ، واتِّبَاع الْجَنَازَةِ، وتَشْميتِ الْعاطِسِ، وإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، ونَصْرِ الْمَظْلُومِ، وإِجابَةِ الدَّاعي، طلب حصول المأمور به الشامل لما كان واجباً، ولما كان مندوباً (بعيادة المريض) وهي سنة كفاية، وقيل فرض كفاية فتسن لأي مرض كان، وفي كل زمان كان، وكراهة العوام لها في مضي الأيام لا أصل لها وعقب العلم بالمرض، وإن لم تطل مدة الانقطاع، ولا فرق في المذكورات بين المعروف له وغيره، وحديث لا تزر من لا يزورك إن صح، فهو محمول على زيارة الأصحاء، فإنها تستعمل فيهم، والعيادة في المرضى أي: فمن رأيت منه الإِعراض فأعرض عنه جزاءً له ومنه قول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: ـك وما وزنك به فزنه زن من وزنك بما وزن ـه أو جفاك فصد عنه(١) من جا إليك فرح إليـ ثم للعيادة آداب أفردت بالتأليف، وممن أفردها ابن حجر الهيثمي فمن أدبها أنه لا يطيل الجلوس إلا إذا علم أنه لا يشق عليه ويأنس به وأن يدنو منه، ويضع يده على جسده، ويسأله عن حاله، وينفس له في الأجل، بأن يقول ما يسر به، ويوصيه بالصبر على مرضه، ويذكر له فضله إن صبر عليه، ويسأل منه الدعاء، فدعاؤه مجاب كما ورد، ومن أراد البسط في هذا المقام فعليه بالإِفادة لابن حجر المذكور (واتباع) بتشديد الفوقية (الجنائز) جمع جنازة بفتح الجيم، وتكسر، الميت على النعش وقيل: بالفتح اسم لذلك وبالكسر النعش، وعليه الميت، وقيل: عكسه، وقيل: غير ذلك من جنزه إذا ستره (وتشميت) بالمعجمة والمهملة كما تقدم (العاطس وإبرار المقسم) بصيغة اسم الفاعل أي: الحالف على حصول أمر لا يقدر على تحصيله منك، فيحصله لتبر قسمه قال التوربشتي: نرويه عن صحيح البخاري إبرار المقسم، وقد روي إبرار القسم أي: بفتحتين وكلاهما صحيح اهـ. وفي قوله: روي بصيغة التمريض مع أنه في الصحيح ما لا يخفى (ونصر المظلوم) بكف الظالم عنه (وإجابة الداعي) إلى وليمة النكاح في اليوم. الأول: وجوباً بشرطه وإلى غيرها سنة ومنه الوليمة . الثانية: في النكاح أما الوليمة . (١) وبعدهما بيتان وجدا بهامش إحدى النسخ: فاغلظ عليه إذاً وهنه من ظن أنك دونه ك فكل ما يأتيك منه واقصد إلى ملك الملو ٣٧٠ ٦ - كتاب: عيادة المريض وإنْشاءِ السلامِ. مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١). ٨٨٣ - وعنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السلامِ، وعِيادَةُ الْمَرِيضِ، واتّباعُ الْجَنائِزِ، وإجابَةٌ الدَّعْوَةِ، وَتَشْميتُ الْعاطِسِ )) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(٢). ٨٩٤ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ الثالثة: فيكره حضورها (وإنشاء السلام) أي: إظهاره ونشره والحديث تقدم مراراً، أقربها في كتاب السلام (متفق عليه). ٨٩٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلّم قال: حق المسلم على المسلم خمس) أي: الأمر المتأكد للمسلم على مثله خمسة أشياء وحذف التاء لحذف المعدود، أو خمس خصال، وجاء في رواية لأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة: ((ست)) وزاد ((وإذا استنصحك فانصح له)) ولا منافاة لأن مفهوم العدد غير حجة (رد السلام) وهو فرض عين إن كان المسلم عليه واحداً بأن يقول: عليك السلام ويرفع صوته بقدر ما يسمع البادىء به، وفرض كفاية إن كان جمعاً (وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة) بفتح الدال في الطعام هو اسم من دعوت الناس إذا طلبتهم ليأكلوا عندك فقال نحن في دعوة فلان ومدعاته بمعنى قال أبو عبيد: وهذا كلام أكثر العرب، كذا في المصباح (وتشميت العاطس) أي: إذا حمد الله لما تقدم في بابه، وقد جاء في حديث أحمد ومسلم ((وإذا عطس فحمد الله فشمته)) كلها واجبة عند الإِمام مالك، والأمر فيها عنده على أصل موضوعه من الدلالة على الوجوب، وعند الشافعي كل من العيادة والتشميت سنة، واتباع الجنائز المتوقف عليه الدفن فرض كفاية، والدعوة تقدم تفصيلها في الحديث قبله (متفق عليه) والحديث قد سبق في باب تعظيم حرمات المسلمين. ٨٩٤ - (وعنه قال: قال رسول الله وَ له: إن الله عز وجل يقول) هذا أحد الكيفيات في رواية (١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: إفشاء السلام (٩٠/٣ و١٥/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ... (الحديث: ٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز والنكاح (٩٠/٣) والأشربة وغيرها. وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: من حق المسلم للمسلم ردّ السلام (الحديث: ٤). ٣٧١ ١٤٤ - باب: في عيادة المريض يَوْمَ الْقِيامَةِ: يا ابنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي! قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعالَمِينَ؟ قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانَاً مَرِضَ فَلَم تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِ عِنْدَهُ؟، يا ابنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْني! قالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ الحديث القدسي، والكيفية الأخرى أن يقال: عن النبي وس : فيما يرويه عن ربه كما تقدم عن المصنف حيث قال في باب المجاهدة عن أبي ذر عن النبي 18 فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى، وتقدم ثمة بعض ما افترق فيه القرآن، والحديث القدسي من الأحكام (يوم القيامة : يا ابن آدم) قيل: إنه اسم عربي بوزن أفعل وألفه منقلبة عن همزة، وقيل: أعجمي وزنه فاعل كخاتم وألفه أصلية (مرضت) أسند ما قام بالعبد إليه تعالى تشريفاً له، كقوله تعالى : ﴿يخادعون الله﴾(١) جعل مخادعتهم للمؤمنين مخادعة لرب العالمين تشريفاً لهم (فلم تعدني) بضم العين من العيادة (قال) أي: ابن آدم المخاطب بهذا الخطاب (يا رب كيف أعودك) استبعاد الإِمكان لحوق المرض له تعالى المرتب عليه العيادة أخذاً بظاهر الخطاب، وبين وجه الاستبعاد بقوله (وأنت رب) أي: مالك (العالمين) ومن كان كذلك لا يطرقه شيء من الإِعراض فكيف يعاد (فقال) أي: الله تعالى يقال: مبيناً أن إسناد المرض إليه تعالى مجاز عقلي؛ لكونه عن إرادته وفيه تشريف ذلك الإِنسان (أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح لتنبيه المخاطب على ما بعده (علمت أن عبدي فلاناً) يحتمل أن يراد منه العبد الكامل كما تومىء إليه الإِضافة إلى الذات العلي، ويحتمل أن يراد منه مطلق العبد، فالإِضافة فيه للعهد؛ بدليل قوله: فلاناً (مرض فلم تعده أما علمت) فصل عما قبله إيماء إلى أنه المقصود بالتنبيه عليه، وما قبله كالوسيلة إليه (أنك لو عدته لوجدتني) أي: وجوداً معنوياً (عنده) قال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ (٢) أي، بالعلم فعلمه شامل لجميع المكونات، والله تعالى مقدس عن المكان والحلول في شيء، أو الاتحاد معه، وفيه إيماء إلى أن المحسن ينبغي له التيقظ لهذا النور الأسني، ليفوز بوافر السناء(٣) وحسن الثناء والله الموفق (يا ابن آدم) فصله عما قبله إيماء إلى أن كلاً مأمور به على حدته موبخ تاركه على تركه (استطعمتك فلم تطعمني) حاله كما تقدم فيما قبله من الإِسناد المجازي العقلي والنكتة فيه (قال) أي: العبد المخاطب، وعبر عنه بالماضي إما؛ لأنه إخبار عما صدر منه عز وجل مع بعض من تقدم (١) سورة البقرة، الآية: ٩. (٢) سورة المجادلة، الآية: ٧. (٣) السناء بالمد الـ فعة والسنى بالقصر الضوء وتكتب ألفه ياء. ع. ٣٧٢ ٦ - كتاب: عيادة المريض وأَنْتَ رَبُّ الْعالَمِينَ؟ قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَما عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجِدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يا ابنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِني! قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وأَنْتَ رَبُّ الْعالَمِينَ؟ قالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). على الإِخبار عنه، أو إنه لما كان محقق الحصول عبر به بما يعبر به عن ذلك كقوله تعالى : ﴿ونفخ في الصور﴾ (٢) (يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين) الواو عاطفة لهذا الاستبعاد على الاستبعاد قبله، وكأن شدة دهش الأحوال الموقف أذهله عن جريان ما ذكره الحق فيما قبله فيه، وفيما بعده فاستغرب ذلك وقال ما قال (فقال: أما علمت أنه) أي: الشأن (استطعمك) طلب منك الطعام (عبدي فلان فلم تطعمه) أي: ومنعك له من ذلك الطالب ظاهراً كأنه؛ منع منك للطالب حقيقة (٣) كما أشار إليه تعالى تلويحاً وتعريضاً في غير ما آية، كقوله: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله﴾ (٤) الآية (إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي) أي: باعتبار ثوابه المضاعف قال تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾(٥) أي: تجدوا ثوابه عنده فلا يضيع عمل عامل. قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ (٦) (يا ابن آدم استسقيتك) أي: طلبت منك السقيا بلسان عبدي (فلم تسقني) أي: تسق عبدي السائل منك ذلك (قال: يا رب كيف أسقيك) لعل الفصل مع وصل ما قبله(٧) إن لم يكن لشدة الذهول من عظيم ما يلقاه من التوبيخ للتفنن في التعبير (وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقیته لوجدت ذلك) أي: ثوابه (عندي) ففيه دليل على أن الحسنات لا تضيع، وأنها عند الله بمكان (رواه مسلم) أواخر صحيحه (٨). (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل عيادة المريض (الحديث: ٤٣). (٢) سورة الكهف، الآية: ٩٩. (٣) الطالب ظاهراً هو العبد والطالب حقيقة هو الله تعالى. ع. (٤) سورة الإِنسان، الآيتان: ٨، ٩. (٥) سورة البقرة، الآية: ١١٠ . (٦) سورة النساء، الآية: ٤٠ . (٧) الفصل ترك العطف بالواو والوصل العطف بها. ع. (٨) أي في باب فضل عيادة المريض من كتاب البر والصلة. ٣٧٣ ١٤٤ - باب: في عيادة المريض ٨٩٥ - وعنْ أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسُولُ اللهِ وَهِ: ((عُودُوا الْمَريضَ، وأطْعِموا الْجَائِعَ، وفُكُوا الْعانيَ)) رواهُ البخاريُّ، ((الْعاني)): الْأَسِيرُ(١). ٨٩٦ - وعنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؟ وما خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ ٨٩٥ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: عودوا المريض) أي: بأي مرض كان كما يؤذن به تعريفه بأل الاستغراقية وفي كل زمان كما يؤذن به إطلاق الأمر عن التقييد بزمان (وأطعموا الجائع) وهو كغيره من القيام بسد خلات المحتاج فرض كفاية على مياسير المسلمين، فإن لم يكن ثمة إلا واحد تعين عليه (وفكوا العاني) أي: المأسور الكفار أو لدين عليه أداؤه (رواه البخاري) في كتاب المرضى ورواه أحمد وابن حبان والبيهقي من حديث أبي سعيد بلفظ: ((عودوا المريض واتبعوا الجنازة تذكركم الآخرة)) ورواه البغوي في مسند عثمان من حديثه بلفظ: ((عودوا المريض واتبعوا الجنائز)) والعيادة غباً أو ربعاً إلا أن يكون مغلوباً، فلا يعاد والتعزية مرة، كذا في الجامع الصغير (العاني) بالمهملة، وبعد الألف نون (الأسير) في المصباح عنا يعنو عنواً من باب قعد خضع وذل وعنا عنواً أيضاً (٢) إذا نشب في الأسار(٣) فهو عان والجمع عناة، وعني الأسير من باب تعب لغة فيه ومنه قيل للمرأة: عانية لأنها محبوسة كالأسير عند الزوج والجمع عوان قلت: وقد تقدم في باب الوصية بالنساء خيراً ((استوصوا بالنساء فإنهن عوان عندكم)). ٨٩٦ - (وعن ثوبان) بفتح المثلثة وبعد الواو موحدة، وبعد الألف نون ابن بجدد بموحدة فجيم فمهملتين قال في القاموس: كقعدد(٤) مولى رسول الله وسلّ تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المجاهدة (عن النبي ◌َ ◌ّ قال: إن المسلم إذا عاد أخاه) أي: في الإِسلام، وإن لم تكن أخوة نسب كما يومىء إليه وصفه بقوله: (المسلم لم يزل في خرفة الجنة) قال في النهاية: الخرفة بضم الخاء المعجمة، وسكون الراء، وبالفاء اسم ما يخترف من النخل حين يدرك (قيل) لم أر من سمى السائل (يا رسول الله وما خرفة الجنة) قال القاضي البيضاوي في التفسير: ((ما)) يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف، فإذا عرف خص العاقل بمن (١) أخرجه البخاري في كتاب: المرض، باب: وجوب عيادة المريض (والطب) (١٠ /٩٧). (٢) قوله (وعنا عنواً أيضاً) في نسخة المصباح التي بأيدينا (وعنى من باب تعب). ع. (٣) نشب بكسر الشين علق والإِسار بكسر الهمزة القد الذي يربط به. (٤) أي بضم أوله وثالثه. ٣٧٤ ٦ - كتاب: عيادة المريض قالَ: ((جَنَاهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٨٩٧ - وعنْ عَليَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ له يقولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعودُ مُسْنِماً غُدْوَةً إِلّ صَلّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وإِنْ عادَهُ عَشِيَّةٌ إلَّ صَلّى عَلَيْهِ سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وكانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) إذا سئل عن تعيينه وإن سئل عن وصفه، قيل: ما زيد أفقيه أم طبيب. وقال في قوله تعالى : ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾(٢) أي: ما حالها، وما صفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي، أو كيف هي لأن؛ ((ما)) يسأل بها عن الجنس غالباً لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته، ولم يروا مثله اهـ. والخرفة وإن كانت معلومة عندهم، إلا أنها لما أضيفت في الحديث إلى الجنة جهلوا المراد منها فسألوا بما ذكر (قال: جناها) بفتح الجيم وبالنون مقصور، قال في النهاية: هو ما يجنى من الثمر وجمعه أجن كعصا واعص قال التوربشتي: المعنى أنه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة، ومخارفها، والعيادة لما كانت مفضية إلى مخارف الجنة سميت بها، وروي كان له خريف في الجنة، وروي في خرافة(٣) وخروف ومخروف ومخارف(٤) الجنة. وروي كان له خريف أي: مخروف (رواه مسلم) في الأدب(٥) من صحيحه ورواه الترمذي في الجنائز من جامعه، وقال: حسن ثم أشار فيه إلى الاختلاف في رواته. ٨٩٧ - (وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وم ﴿ يقول: ما من) صلة لتأكيد عموم الاستغراق (مسلم يعود مسلماً غدوة) بضم المعجمة بالواو وسكون المهملة بينهما قال في المصباح: هي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمعها غدا كمدية ومدى (إلا صلى عليه سبعون ألف ملك) أي: استغفروا له ودعوا له بأنواع الرحمة مستمرين كذلك (حتى) أي: إلى أن (يمسي) أي: يدخل في المساء وهو من زوال الشمس إلى نصف الليل (وإن عاده عشية) هو وقرينه منصوبان على الظرفية، وهي آخر النهار، وقيل ما بين الزوال إلى الغروب. قال ابن الأنباري: العشية مؤنثة أي: تأنيث العشي قال: وربما ذكرتها العرب (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل عيادة المريض (الحديث: ٤١ و٤٢). (٢) سورة البقرة، الآية: ٦٨. (٣) بكسر الخاء اجتناء ثمرها. (٤) جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخل. (٥) بل في باب عيادة المريض .. ع. ٣٧٥ ١٤٤ - باب: في عيادة المريض رَواه التِّرْمِذِيُ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ((الْخَريفُ)): الثَّمَرُ الْمَخْروفُ، أيِ الْمُجْتَنَى(١). ٨٩٨ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ غُلامُ يَهودِيِّ يَخْدُمُ النَّبِيِّ ◌َِ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َ يَعودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ)) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وهُوَ عِنْدَهُ، فقالَ: أَطِعْ أبا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ وهُوَ يقولُ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)) رواهُ الْبُخَارِيُّ(٢). على معنى العشي وقال بعضهم: العشية واحدة وجمعها عشي كذا في المصباح (صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) أي: يدخل في الصباح، وحتى فيه وفيما قبله غاية لمقدر دل عليه السياق كما أشرت إليه، ثم إن كانت إن بمعنى ما لمقابلتها بها فتقدر إلا وحذفت لدلالة مقابلها عليها والواو حينئذ عاطفة أو مستأنفة وإن كانت شرطية فلا تقدير لها والجملة جواب الشرط (وكان له خريف في الجنة) كان يحتمل كونها تامة وخريف فاعلها، والظرف المتقدم حال منه، والمتأخر صفته، ويحتمل كونها ناقصة والمرفوع اسمها وأحد الطرفين خبرها، والثاني حال أو صفة والرابط محذوف أي: بسببه، والخريف بوزن الربيع (رواه الترمذي وقال: حديث حسن. الخريف الثمر، المخروف أي: المجتنى) قال في النهاية: فعيل بمعنى مفعول . ٨٩٨ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي) اسمه عبد القدوس كما قال الجلال البلقيني: في مهمات البخاري (يخدم النبي ◌َّ فمرض فأتاه النبي وَّل يعوده) فيه جواز عيادة الكافر (فقعد عند رأسه فقال له) أي: عقب قعوده وقدمه على السؤال عن حاله؛ لأنه الأهم المقدم، وخشية أن يبغته الموت قبل الإِسلام، فيموت كذلك، ويحتمل أنه بعد السؤال عن ذلك، وكان يسيراً جداً، وتعقيب كل شيء بحسب حاله (أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده) جملة حالية من المجرور بإلى، والرابط كل من الضمير والواو أي: كالمستشير له في طاعة ما أمر به (فقال: أطع أبا القاسم فأسلم) ففيه حلول الأنوار النبوية على نحاسه فانقلب إبريزاً (فخرج النبي وسير وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) ففيه بركة صحبة الصالحين، وظهور ثمرتها دنيا وأخرى (رواه البخاري) في الجنائز من صحيحه. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عيادة المريض (الحديث: ٩٦٩). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه (١٧٦/٣). ٣٧٦ ٦ - كتاب: عيادة المريض ١٤٥ - باب: فيما يدعى به للمريض ٨٩٩ - عنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ بِأُصْبُعِه هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ الرَّاوِي سَبَّابَتَهُ بَالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَها، وقَالَ: ((بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعْضِنا، يُشْفَى بِهِ سَقیمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنا» باب ما يدعی به للمريض أي: بالفعل بصيغة المجهول ليشمل ما يدعو به المريض لنفسه، أو يدعو به له غيره. ٨٩٩ - (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (وَير كان إذا اشتكى) من باب الافتعال من الشكاية، والتاء فيه للمبالغة (الإِنسان الشيء منه) من عضو أو ألم به (أو كانت قرحة) بفتح القاف من القرح، وهو الجرح فقوله: (أو جرح) الظاهر أنه شك من الراوي هل قالت قرحة أو جرح؟ (قال النبي ◌َّرَ بإصبعه) فيه إطلاق القول على الفعل (هكذا) وبين(١) كيفية المشار إليه بقوله: (ووضع سفيان) بتثليث السين من أتباع التابعين (ابن عيينة) بضم المهملة وكسرها (الراوي) أي: لهذا الحديث (سبابته) بتشديد الموحدة الأولى، وتخفيف الثانية بعدها فوقية، وهي المسبحة أي: الإصبع الذي تلي الإِبهام، سميت بذلك؛ لأنها تستعمل حال التسبيح، وسبابة؛ لأن بها يشار إلى الإِنسان حال سبه (بالأرض) متعلق بوضع (ثم رفعها) إن كانت ثم على موضعها من المهلة، ففيه إيماء إلى طلب إطالة بقاء الإصبع بالأرض. والله أعلم بسر ذلك وإلا فهي فيه بمعنى الفاء (وقال) عطف على قال الأول (باسم الله) يكتب بالألف بعد الباء وحذفها في مثله من خطأ الكتاب، نبه عليه المصنف في شرح مسلم لكن حكي الخطاب المالكي في إعراب الألفية عن السين جواز الوجهين، والظرف فيه متعلق بمحذوف دل عليه المقام أي: أداوي باسم الله وقوله (تربة) بضم الفوقية وسكون الراء وفتح الموحدة (أرضنا) أي: ترابها مبتدأ، وقال التوربشتي: خبر مبتدأ محذوف أي: هذه تربة أرضنا والباء في قوله: (بريقة بعضنا) باء المصاحبة أي: ممزوجة معها، وخبر المبتدأ جملة (يشفي) بالبناء للمجهول، ويتعلق به قوله (به)، ونائب فاعله قوله: (سقيمنا) والرابط هو الضمير المجرور، وذكر؛ لأن التربة بمعنى التراب وقوله: (بإذن ربنا) أي: بأمره في محل الحال من الخبر والمعنى أنه يحصل الشفاء بإذن الله تعالى بهذا المذكور. قال (١) أي الراوي عن سفيان. ٣٧٧ ١٤٥ - باب: فيما يدعى به للمريض مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١) ٩٠٠ - وعنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ كَانَ يَعودُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيقولُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ. التوربشتي: أمثال هذه الكلمات عسر الوقوف على معانيها، وقصرت الأفهام عن تقرير التناسب بين ألفاظها ومبانيها؛ لأنها لم توضع للعمل والاستنباط منها، بل وضعت للتلفظ بها تيمناً وتشفياً، وربما وقع شيء من معانيها في القلوب السليمة الواقعة لاستماع كلام النبوة بمرصاد الأدب والحرمة، وقد علمنا من غير هذه الرواية أنه وَ لجر: كان يبل أنملة إبهامه اليمنى بريقه ويضعها على الأرض ليلتزق بها التراب ثم يرفعها ويشير بها إلى السقيم، وذلك معنى قول عائشة بإصبعه ((قلت)) لكن صرحت(٢) في هذه الرواية بأنها السبابة والله أعلم. قال: والذي يسبق إلى الفهم من صنعه ذلك ومن قوله: تربة أرضنا إشارة إلى قطرة أول مقطور من البشر، وريقة بعضنا إشارة إلى النطفة التي خلق الله منها الإِنسان، وكأنه يتضرع بلسان الحال، ويتعرض لفحوى المقال إنك اخترعت الأصل من طين، ثم ابتدعت نسله من سلالة من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته، وتمن بالعافية على من استوى في ملكك موته وحياته ((فإن قيل)) إن صحت المناسبة بين التربة وفطرة الإِنسان فما وجه المناسبة بين الريقة والنطفة ((قلت)): هما من فضلات الإِنسان فعبر بإحداهما عن الأخرى وكانت عادته # الكناية في مثل ذلك، ونظيره ما جاء في حديث بشير بن الخصاصية أنه رَ له ((بصق على كفه ثم وضع عليه إصبعه ثم قال: يقول الله عز وجل : ابن آدم أتعجزني وقد خلقتك من مثل هذا)) وأراد بها النطفة (متفق عليه). ٩٠٠ - (وعنها أن النبي ◌َّير كان يعود بعض أهله) أي: عند مرضه (يمسح) أي: ذلك المعاد(٣) (بيده اليمنى) وبركتها عليه فيستحب فعل ذلك لمن يتبرك به (ويقول: اللهم رب الناس) رب منصوب على أنه منادى ثان، ولا يجوز نصبه عند البصريين على أن يكون صفة لقوله: اللهم أي: يأمر بينهم بالنعم، والمخرج لهم إلى الوجود من العدم (أذهب) بهمزة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: رقية النبي صَل (١٧٦/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنحلة والحمة والنظرة، (الحديث: ٥٤). (٢) قوله (صرحت) لعله (صرح) لأن المصرح هو الراوي عن سفيان حاكياً عن فعل سفيان. ع. (٣) لعله المعو. ع. ٣٧٨ ٦ - كتاب: عيادة المريض الْبَاسَ، أَشْفٍ أَنْتَ الشَّافي، لا شِفاءَ إِلَّ شِفُؤَكَ، شِفَاءً لا يُغادِرُ سَقَمَاً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) ٩٠١ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِثابتٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ألا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةٍ رسُولِ اللّهِ وَ﴿؟ قالَ: بَلَى، قالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، أَشْفِ أنْتَ القطع (الباس) هو في أصله مهموز، وسهل بقلب الهمزة ألفاً لمناسبة ما قبله أي: الشدة في الحرب والعذاب (اشف) بوصل الهمزة (أنت الشافي لا شفاء) بفتح الهمزة (إلا شفاؤك) بالرفع بدل من خبر لا المحذوف أو من ضميره أو من محل لا مع اسمها، وجملة لا شفاء إلا شفاؤك معترضة بين الفعل ومفعوله المطلق؛ كالتعليل لسؤال ذلك (شفاء) مفعول اشف، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أو هذا، وعليه فالجملة قبله مستأنفة (لا يغادر) بالغين المعجمة والدال المهملة والراء أي: لا يترك (سقماً) بفتحتين ويضم فسكون أي: مرضاً، وفائدة التقييد به أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض، فيخلفه مرض آخر متولد منه مثلاً؛ فكأنه يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء (متفق عليه) ورواه النسائي أيضاً. ٩٠١ - (وعن أنس رضي الله عنه أنه قال لثابت) بالمثلثة وبعد الألف موحدة، فمثناة فوقية بوزن فاعل، وهو البناني بضم الموحدة، ونونين بينهما ألف التابعي الجليل وقوله (رحمه الله) جملة خبرية لفظاً دعائية معنى مستأنفة، أتى بها دعاء لثابت (ألا) بفتح الهمزة واللام الخفيفة أداة استفتاح (أرقيك) بفتح الهمزة (برقية) بضم الراء وسكون القاف اسم للمرة من الرقي، وجمعها رقى، كمدية ومدى كذا في المصباح، وفي فتح الباري الرقي بضم الراء وبالقاف مقصور جمع رقية بسكون القاف، يقال: رقى بالفتح في الماضي يرقي بالكسر في المستقبل واسترقى فلان طلب الرقية، والجمع بغير همز، وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة (رسول الله ( 9) أي: بما كان يرقي به قال القرطبي: فيه دليل على جواز الرقية من كل الآلام، وأنه كان أمراً فاشياً معلوماً بينهم. وفي فتح الباري أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه أو بصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى واختلفوا في كون الأخير شرطاً والراجح؛ أنه لا بد من اعتبار الشروط الثلاثة، وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقى فقال: لا بأس إن رقي بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله (١) أخرجه البخاري في كتاب: الطب باب رقية النبي مطل وباب مسح الراقي (١٧٦/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب رقية المريض (الحديث: ٤٦). ١٢ ٣٧٩ ١٤٥ - باب: فيما يدعى به للمريض الشَّافي، لا شَافي إلَّا أَنْتَ، شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٩٠٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّه فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَشْفِ سَعْدَاً، اللَّهُمَّ أَشْفِ سَعْدَاً، اللَّهُمَّ أَشْفِ سَعْداً،)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (٢). ٩٠٣ - وعنْ أَبي عبْدِ اللّهِ عُثْمانَ بْنِ أَبي الْعاصِ ((قلت)): أيرقي أهل الكتاب المسلمين قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله اهـ، ثم أورد نحوه عن مالك(٣). وسئل ابن عبد السلام عن الحروف المقطعة، فمنع منها ما لا يعرف؛ لئلا يكون كفراً اهـ. ملخصاً (قال: بلى قال: اللهم رب الناس مذهب البأس) بقلب الهمزة ألفاً لمناسبة ما قبله، ومذهب يجوز أن يكون منادى أيضاً كما قبله، ويجوز أن يكون نعتاً لرب إما على أن رب صفة مشبهة فإضافته كإضافة مذهب لفظية، وعلى كونه مصدراً فيجعل مذهب بمعنى الدوام والثبوت فتكون إضافته معنوية، ويجوز كونه بدلاً مطابقاً مما قبله (اشف) وقوله: (أنت الشافي لا شافي إلا أنت) معترضة كما تقدم فيما قبله (شفاء لا يغادر سقماً رواه البخاري) في آخر كتاب المرضى ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة. ٩٠٢ - (وعن سعد بن أبي وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف آخره مهملة، كنية مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في الكتاب في باب الإِخلاص (قال: عادني رسول الله صلير فقال: اللهم اشف سعداً ثلاثَ مرات) ظرف لقال أي: كرره ثلاثاً لمزيد الاهتمام والاعتناء، وقد تقدم أن النبي يشار كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً، وفي الحديث ((إن الله يحب الملحين في الدعاء)) رواه الحكيم الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب من حديث عائشة مرفوعاً (رواه مسلم). ٩٠٣ - (وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص) بحذف التحتية في الأصول على حذف ياء المنقوص المعرف حال الوقف عليه (٤) وبه قرىء قوله تعالى: ﴿المتعال﴾(٥) ويجوز (١) أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: رقية النبي ◌َّر والطب (١٧٥/١٠). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث (الحديث: ٨) .. (٣) قال القاضي: واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم وبالجواز قال الشافعي اهـ. شرح مسلم للمصنف. (٤) وكذا حال الوصل وبه قرأ السبعة لفظ (المتعال) إلا ابن كثير. ش. (٥) سورة الرعد، الآية: ٩. ٣٨٠ ٦ - كتاب: عيادة المريض رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ شَكًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ وَجَعاً يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ ثَلاثً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وأُحَاذِرُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١). إثباتها وتقدم زيادة بيان فيه في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان هذا (رضي الله عنه) ثقفي طائفي صحابي شهير استعمله النبي وَّر على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة خرّج عنه مسلم والأربعة كذا في تقريب الحافظ، وزاد المصنف في التهذيب: أن الصديق وعمر أقراه على الطائف وأنه أسلم في وفد ثقيف قال: روي له عن رسول الله وله تسعة أحاديث أخرج له مسلم ثلاثة منها واستعمله عمر على عمان والبحرين، ثم نزل البصرة، قال ابن قتيبة: أقطعه عثمان بن عفان إثني عشر ألف جريب، قال في المصباح بعد كلام قدمه: فحصل من هذا أن الجريب عشرة آلاف ذراع، وعن عبد الله الكاتب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع، وجريب الطعام أربعة أقفزة قاله الأزهري (أنه شكا إلى رسول الله وي طلقه مرضاً يجده) من الوجدان أي: يحسه في جسده (فقال له رسول الله (صلى: ضع يدك) أي: اجعلها موضوعة (على الذي يألم) بفتح التحتية واللام وسكون الهمزة بينهما أي: يوجع (من جسدك) بيان للذي (وقل) أي: مع وضعها، أو عقبه مصاحباً له(٢) كما يومىء إليه السياق، وهو يدفع ما تصدق به الواو من قوله ذلك قبل الوضع أي : بحضور قلب مع الرب ونسيان ما سواه (باسم الله) أي: أستشفي باسمه (ثلاثاً) ظرف لقل(٣) (وقل) عطف على قل الأول (سبع) ظرف لقل الثانية (مرات) أي: تارات (أعوذ) أي: أعتصم وأتحصن (بعزة الله) أي : بغلبته (وقدرته) أي: صفته الأزلية القادر بها على كل ممكن (من شر ما أجد) أي: من الألم (وأحاذر) أي: أحذر، والمغالبة للمبالغة، والإِتيان بالذكر المذكور؛ ليسري أثره في الأعضاء السبعة. قال الطيبي: يتعوذ من مكروه ووجع هو فيه، ومما يتوقع حصوله في المستقبل من حزن وخوف، فإن الحذر الاحتراز عن الخوف (رواه مسلم) والأربعة أيضاً. (١) أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (الحديث: ٦٧). (٢) قوله (مصاحباً له) لعله (متصلاً به). ع. (٣) قوله (ظرف لقل) لعل الصواب أنه نائب عن المفعول المطلق وكذا ما يأتي. ع.