Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٨١ - باب: في النهي عن سؤال الإمارة
وَنَدَامَةٌ، إِلَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّكُمْ
سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
المولي لذلك المولى على رعيته، فمن لم يفرط في حقها ولم يخن فيها برىء من عهدتها
وضده بضده (وإنها يوم القيامة) ظرف لقوله: (خزي) أي: فضيحة قبيحة وذلك لمن لم يؤد
في الأمانة حقها ولا قام للرعية بمستحقها (وندامة) على تقلده لذلك مع تفريطه فيها، فالذم
محمول على الأهل للولاية إذا لم يعدل فيها أو على غير الأهل. أما الأهل لها إذا وليها وعدل
فيها فله فضل عظيم وأجر جسيم، وهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
ظله. قال القرطبي: وهو من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وإلى الجانب الأخير أشار ◌َليل بقوله: (إلا من أخذها) أي:
الإِمارة (بحقها) أي: بأن كان متأهلاً لها (وأدى الذي عليه فيها) من نشر ألوية العدل وبسط
بساط الإِنصاف والرفق وعدم الاعتساف. ثم قال العاقولي: الاستثناء منقطع، أي: هي
خزي وندامة لكن من أخذها بحقها لم تكن خزياً عليه. ((قلت)) ولا يتعين انقطاعه فيجوز
كونه متصلاً، أي: أن الإِمارة كذلك إلّ إذا كانت مأخوذة بالحق مقاماً فيها بالعدل. قال
المصنف: ومع فضل العدل لكن خطر الولاية كثير فلذا حذره وَلّ منها، وكذا حذر العلماء
وامتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا. وقال العاقولي: الحديث
أصل عظيم في اجتناب الولاية فإنه لا يفي الوصل بالصد (رواه مسلم) في المغازي.
٦٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ومسير قال) من جملة معجزاته من الإِخبار
عن المغيب قبل وقوعه فوقع كما أخبر (إنكم ستحرصون) بكسر الراء ويجوز فتحها. أكد
باسمية الجملة وتصديرها بأن وتقدير القسم قبلها والإِتيان بحرف الاستقبال؛ كأنه لما يومىء
إليه حال زهدهم حينئذ في الدنيا وإعراضهم عنها من استبعاد طلبهم لها فضلاً عن الحرص
عليها فعوملوا معاملة المنكر (على الإِمارة) بطلبها. وهو شامل للإمارة الكبرى والصغرى
وهي الولاية على بعض البلاد (وستكون ندامة يوم القيامة) أي: لمن لم يكن من أهلها ولم
يقم بحقها، إذ المطلق محمول على المقيد؛ وكأنه حذف ذلك هذا تنفيراً عنها وتبعيداً منها
لما تقدم فيما قبله (رواه البخاري) في الأحكام، ورواه النسائي في القضاء وفي البيعة وفي
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: كراهية الإِمام بغير ضرورة، (الحديث: ١٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: ما يكره من الحرص على الامارة (١١١/١٣)، وأحمد:
(٤٤٨/٢ و٤٧٦).

١٤٢
كتاب: دليل الفالحين
٨٢ - باب: في حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور
على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿الْأَخِلَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبِعْضٍ عَدُوٌ إِلَّ الْمُتَّقِينَ﴾.
٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ قَالَ: ((مَا بَعَثَ
اللَّهُ مِنْ نَبِّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ
عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ
التفسير.
باب حث
بفتح المهملة وتشديد المثلثة، أي: تحريض (السلطان) أي: ذي السلطنة سواء فيه
الإِمام ومن دونه (والقاضي) أي: من يقضي بين الناس بالأحكام الشرعية (وغيرهما من ولاة
الأمور) من الشرطيين وولاة الأخبار. وقوله: (على اتخاذ وزير صالح) متعلق بحث، والوزير
مأخوذ من الوزر الثقل، لأنه يحمل عن الملك ثقل التدبير وجمعه وزراء، والمراد بصلاحه
إقامة العدل وإعانته عليه (وتحذيرهم من قرناء السوء) وذلك لأن المرء على دين خليله كما
جاء في الحديث (و) تحذيرهم من (القبول منهم) وذلك لأن قبول إشاراتهم تحرضهم على
السعي في الفساد. (قال الله تعالى: الأخلاء) جمع خليل كنبي وأنبياء (يومئذ) أي: يوم
القيامة، وهو ظرف لقوله (بعضهم لبعض عدو) أي: معاد. والفصل بالمبتدأ غير مانع،
والجملة خبر قوله الأخلاء (إلا المتقين) فإن محبتهم تبقى يومئذ ولا تزول.
٦٧٧ - (وعن أبي سعيد) الخدري (وأبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وصل قال: ما
بعث الله من نبي) من مزيدة لتأكيد العموم المستفاد من النكرة في سياق النفي (ولا استخلف
من خليفة إلا كانت) أي: وجدت (له بطانتان) بكسر الموحدة خلاف الظهارة وبطانة الرجل
صاحب سره، والمراد بها هنا الداعي. قال المحب الطبري: البطانة الأولياء والأصفياء. وهو
مصدر وضع موضع الاسم يصدق على الواحد والمذكر وفروعهما (بطانة تأمره بالمعروف)
أي: ما عرف واستحسن شرعاً من نشر ألوية العدل وبسط الإِنصاف وإقامة الشرائع في رعاياه
(وتحضه) بفتح الفوقية وضم المهملة وتشديد الضاد المعجمة، أي: تحمله (عليه وبطانة
(١) سورة الزخرف، الآية: ٦٧ .

١٤٣
٨٢ - باب: في حث السلطان والقاضي
تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٦٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إذا أَرَادَ اللَّهُ
بِالْأَمِيرِ خَيْرَاً جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ:
تأمره بالشر) أي: تدعوه إليه (وتحضه) أي: تحرضه (عليه والمعصوم من عصم الله) قال
الشيخ أكمل الدين: أراد به نفسه؛ لأنه بين في حديث آخر أن كل واحد وكل به قرينة من
الجنة وقرينه من الملائكة، إلا أن الله تعالى أعان نبينا وَّ فأسلم قرينه من الجن ولم يبق له
داع إلى الشراهـ. ((أقول)) إن أريد من العصمة منع الوقوع في الذنب مع استحالته فهو كما
قال من قصر الأمر عليه وَّ ر، إذ لا عصمة لأحد من الأمة، وإن أريد منها الحفظ من الذنب
مع جواز الوقوع فيه فلا اختصاص به. والمراد من قوله والمعصوم من عصم الله؛ إما المنع
من الوسواس ابتداءً بمنع قريناً من ذلك وإن كان باقياً على كفره والله على كل شيء قدير، أو
عدم قراره في نفسه، ومثله غير مؤاخذ بذلك الحديث: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به
أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل)) أو صرف نفسه عن العمل بقضية ذلك الوسواس والله أعلم.
وقريب منه على الوجه الثاني حديث عائشة الآتي بعده. وهذا بناءً على أن المراد بالبطانة
القرين والملك وقد بيّن. قال ابن التين: ويحتمل أن يكون المراد بهما ذلك، ويحتمل أن
يكون الوزيرين. وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بهما النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة
المحرضة على الخير؛ إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية اهـ. قال في فتح الباري :
والحمل على الجميع أولى إلا أنه جائز ألا يكون لبعضهم إلا البعض (رواه البخاري) في
كتاب القدر والأحكام من صحيحه، ورواه النسائي في البيعة وفي السير من سننه.
٦٧٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَير: إذا أراد الله بالأمير خيراً)
أورده في فتح الباري بلفظ: ((من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيراً)) والباقي سواء. وأورده
في الجامع الصغير كما أورده المصنف. وتنكير خيراً للتعظيم فيشمل الخاص والعام؛ وذلك
لأن من أعطي ذلك وفق لخير الدارين وفسر الخير بالجنة (وجعل له وزير صدق) في القول
والفعل والظاهر والباطن. وأضافه إلى الصدق لأنه الأساس في الصحبة وغيرها. وقال
الطيبي : أصله وزير صادق ثم وزير صدق على الوصف به ذهاباً إلى أن نفس الصدق مخبراً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: القدر، باب: المعصوم من عصم الله، وفي الأحكام باب: بطانة الإِمام
وأهل مشورته (١٣ /١١١).

١٤٤
كتاب: دليل الفالحين
إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعانَهُ، وَإِذا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ: إِنْ نَسِيَ
لَمْ يُذَكَّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنادٍ جَيِّدٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (١).
٨٣ - باب: في النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات
لمن سألها أو حرص عليها فعرّض بها
عنه به، ثم أضيف لمزيد الاختصاص. والمراد من الوزير فيه الصاحب المؤازر (إن نسي) ما
يحتاج إليه أو ضل عنه من حكم شرعي أو قضية مظلوم أو مصالح لرعية (ذكره) وهداه (وإن
ذكر) ذلك (أعانه) عليه بالرأي والقول والفعل، وأدب الوزارة وما يتأكد عليه فعله مذكور في
كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وفي كتاب سراج الملوك للطرطوشي وغيرهما من كتب
السياسة (وإذا أراد به غير ذلك) الخير، بأن أراد به شراً وعبر عنه بما ذكر إيماءً إلى
التحريض على اجتناب الشر؛ لأنه إذا اجتنب ذكر اسمه لبشاعته وشناعته، فلأن يجتنب
المسمى به أولى، والإِتيان فيه باسم الإشارة الموضوع للبعيد تعظيماً للخبر، وإعلاء لرتبته
تحضيضاً على طلبه والسعي في تحصيله (جعل له وزير سوء) بضم السين المهملة وفتحها.
والمراد: وزير سوء في القول والفعل نظير ما سبق في ضده (إن نسي) أي: ترك مالا بد منه
(لم يذكره) به لأنه ليس عنده من النور القلبي ما يحمله على ذلك (وإن ذكر لم يعنه) بل
يسعى في صرفه عنه لشرارة طبعه وسوء صنعه (رواه أبو داود بإسناد جيد) ورواه البيهقي
أيضاً. قال السيوطي في شرح التقريب نقلاً عن الحافظ ابن حجر في أثناء كلام: وهذا يدل
على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح. وكذا قال البلقيني: بعد أن نقل
ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة. وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح
عندهم، إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكسة، كأن يرتقي الحديث
عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحة، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف
بصحيح، قال: وكذا القوي اهـ. فلذا قال المصنف في السند إنه (على شرط مسلم) أي:
برجال روي عنهم مسلم في صحيحه، وإلا فالصحيحان ليس لهما شرط ولا لأحدهما شرط
مصرح به في شيء من كتابيهما.
باب النهي عن تولية الإِمارة
بكسر الهمزة الولاية على العباد بإمارة(١) (والقضاء وغيرهما من الولايات) كأن يكون
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والإِمارة والفيء، باب: في اتخاذ الوزير، (الحديث: ٢٩٣٢).
(٢) (بإمارة) كذا بالأصول.ع.

١٤٥
٨٣ - باب: في النهي عن تولية الإمارة
٦٧٩ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَ أَنّا
وَرَجُلَانٍ مِنْ بَنِي عَمِّي فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ، وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: ((إِنَّ وَاللَّهِ لَ نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أَحَدَاً سَأَلَهُ، أَوْ
أَحَدَاً حَرَصَ عَلَيْهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
شرطياً أو مقدم جيش أو عاملاً على عمل. وقوله: (لمن سألها) أي: التولية وإن لم يحرص
عليها متعلق بتولية (أو حرص عليها) أي: وإن لم يسألها، أي: إذا علم الإِمام ذلك من شأنه
أو مقاله كما قال (فعرض) بالتشديد، أي: حرص عليها بالتعريض (بها) وذلك كأن يمدح
الولايات ويتمنى الأعمال.
٦٧٩ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي ◌َّ أنا ورجلان من
بني عمي) أي: من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي (فقال أحدهما: يا
رسول الله أمرنا) بتشديد الميم، أي: صيرنا أمراء (على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال
الآخرِ مثل ذلك) أي: كلفظ صاحبه، فكنى عنه بما ذكر اختصاصاً (فقال) أي: النبي ◌ِّ
مؤكداً لامتناعه لهما ولمثلهما (إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص) من
باب ضرب (عليه) وذلك لأن سؤاله لذلك وحرصه عليه يشعر؛ أنه لم يسع في ذلك لنفع
الإِسلام والمسلمين، وإنما سعى لنفع نفسه لجمع الدنيا وتكثيرها له، وفي ذلك إفساد لأمر
الناس دنياً وأخرى وإهلاك له (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين وفي
كتاب الأحكام من صحيحه، ومسلم في المغازي.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: ما يكره من الحرص على الامارة وغيره، وكتاب استتابة
المرتدين، باب: حكم المرتد والمرتدة (١١٢/١٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي عن طلب الإِمارة والحرص عليها، (الحديث: ١٤).

١ - كتاب: الأدب
٨٤ - باب: في الحياء وفضله والحث على التخلق به
٦٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ
الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنْ
الإيمَانِ))
كتاب الأدب
تقدم تعريفه أول الكتاب؛ بأنه استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً. قال الحافظ: وعبر عنه
بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق. وقيل: الوقوف مع المستحسنات. وقيل: تعظيم من
فوقك والرفق بمن دونك. ويقال إنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام سمي بذلك؛
لأنه يدعى إليه. وقد أفرده بالتأليف الحافظ البخاري وهو كما قال الحافظ كتاب كثير الفائدة .
:
باب الحياء
بالمهلمة والتحتية وبالمد كما سيأتي تعريفه آخر الباب (وفضله والحث) أي:
التحريض (على التخلق به) أي: وإن كان فيه كلفة ومشقة، كما يدل عليه صيغة التفعل.
٦٨٠ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله مَّل مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ
أخاه في الحياء) أي: يذكر له ما يترتب على ملازمته من الفساد وفي تعليلية. وقد جاء عند
البخاري في أبواب الأدب يقول: ((إنك تستحي حتى كأنه قد أضر بك)) قال الحافظ ابن
حجر: ولم أقف على اسم الرجل ولا اسم أخيه (فقال رسول الله وَير: دعه) أي: على فعل
الحياء وكف عن نهيه عنه. قال المصنف: ووقعت لفظة دعه عند البخاري ولم تقع في مسلم
(فإن الحياء من الإِيمان) أي: من شعبه، كما سيأتي في حديث أبي هريرة. والحياء شعبة

١٤٧
١ - كتاب: الأدب
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
٦٨١ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ:
((الْحَياءُ لَا يَأْتِي إِلَّ بِخَيْرٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)) أَوْ
قَالَ: ((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ))(٢).
من الإِيمان. قال المصنف وإنما جعل من الإِيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقاً
واكتساباً كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى
اكتساب ونية وعلم، فهو من الإِيمان لهذا ولكونه باعثاً على أفعال البر مانعاً من المعصية
(متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الإِيمان والأدب من صحيحه، ورواه مسلم في كتاب
الإِيمان.
٦٨١ - (وعن عمران بن حصين) بضم المهملة الأولى مصغراً رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله وَس: الحياء) بالمد، أي: الإستحياء (لا يأتي إلا بخير) فإنه يمنع لكونه مؤدياً
لحياة القلب بنور الإِيمان عن مزاولة المخالفة ومحاولة العصيان. قال الواحدي: الاستحياء
من الحياة، واستحياء الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع العيب، قال: والحياء من
قوة الحس ولطفه وقوة الحياة (متفق عليه) رواه البخاري في الأدب من صحيحه، ومسلم في
الإِيمان (وفي رواية لمسلم) في كتاب الإِيمان من حديث عمران المذكور (الحياء خير كله
أو) شك من الراوي (الحياء كله خير) والشك في تأخير خير عن التأكيد لفظاً، وإلا فخير خبر
الحياء في الروايتين وكل تأكيد الحياء على المختار من منع تأكيد النكرة كما قال البصريون،
وعلى ما أجاز الكوفيون من تأكيدها فتكون الروايتان مختلفتين في ذلك فعلى الأولى هو تأكيد
الخير ويكون كقول الشاعر:
وعلى الثانى تأكيد الحياة
يا ليت عدة حول كله رجب
قال المصنف: كونه خيراً أو لا يأتي إلا بخير يشكل على بعض الناس من حيث أن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: الحياء من الإِيمان، وكتاب: الأدب، باب: الحياء (٦٩/١،
١٠ / ٤٣٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان عدد شعب الإِيمان ... (الحديث: ٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الحياء (٤٣٣/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان ... (الحديث: ٦٠).

١٤٨
٨٤ - باب: في الحياء وفضله
٦٨٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعْ
وَسَبْعونَ، أَوْ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِماطَةُ الَأَذَى
عَنِ الطَّريقِ، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْبِضْعُ)) بِكسرِ الباءِ وَيَجُوزُ
صاحب الحياء قد يمتنع عن أن يواجه بالحق من يستحي منه؛ فيترك إنكار المنكر عليه وأمره
بالمعروف، وقد يحمله الحياء على الإِخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في
العادة، والجواب ما أجاب به ابن الصلاح وغيره؛ من أن ذلك المانع ليس حياء حقيقياً بلّ
صورياً، وإنما هو عجز وخور ومهانة، وتسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه
مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي. وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من
التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا، ويدل عليه ما ذكرنا عن الجنيد، أي: مما يأتي اهـ.
٦٨٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لي قال: الإِيمان بضع وسبعون أو)
شك من الراوي وهو سهل، كذا قاله البيهقي نقله عنه المصنف (بضع وستون شعبة) أي :
جزءاً وخصلة، وتقدم بيانها في باب الدلالة على كثرة طرق الخيرات حينما ذكر المصنف
هذا الحديث (فأفضلها) الفاء فيه للتفصيل أو فصيحة، أي: إذا عرفت ذلك وأردت معرفة
تفاوت رتبها (فأفضلها) أي: أكثرها ثواباً وأعلاها عند الله سبحانه مكانة (قول لا إله إلا الله)
يحتمل أن يراد مع قرينتها وهي: محمد رسول الله، فذلك كناية عن مجموع الشهادتين، كما
يدل عليه قول المصنف الآتي نقلاً عن عياض في توجيه أفضليتها بقوله الذي لا يصح شيء
من الشعب إلا بعده، ويحتمل أن يراد هي فقط لشرفها وعظم مفادها من الدلالة على توحيد
الباري الذي هو حكمة إرسال الرسل (وأدناها) أي: أقلها ثواباً أو أنزلها مرتبة (إماطة) بكسر
الهمزة وبالطاء المهملة، أي: إزالة (الأذى) ما يؤذي المارة من حجر أو شوك أو عظم أو نحو
ذلك، كما سيأتي في كلامه (عن الطريق) وذلك لما فيه من نفع المارة ودفع ضررهم ودفع ما
يؤذيهم (والحياء شعبة) أي: خصلة (من الإِيمان) ثم الإِيمان شرعاً هو التصديق القلبي بكل
ما علم بالضرورة مجيء الرسول به مع النطق اللساني للقادر عليه وظواهر الشرع، كهذا
الحديث يطلقه(١) على الأعمال، والمراد أنها من كمال الإِيمان وتمامه، فإنه بالطاعات يتم
ويكمل التصديق فالتزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق، ودلائل عليه، وإنها
خلق أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الإِيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه وصل على
أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد الذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته،
(١) (يطلقه) لعله (إنه يطلق). ع.

١٤٩
١ - كتاب: الأدب
بفتحها وَهُوَ: مِنَ الثَّلاثَةِ إِلَى العَشَرَةِ. و((الشُّعْبَةُ)) القِطْعَةُ والْخَصْلَةُ. و((الإِمَاطَةُ)):
الإِزالَةُ. و((الْأُذَى)): مَا يُؤْذِي كَحَجَرٍ وَشَوكٍ وَطِينٍ وَرَمَادٍ وَقَذَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ(١).
٦٨٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ
العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإِذا رَأَى شَيْئًاً يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مَتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ
وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين
أعداد لو تكلف المجتهد في تحصيلها بغلبة الظن لأمكنه وقد فعل ذلك من تقدم، وفي
الحكم بأن مراد(٢) النبي ◌َّر صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في
الإِيمان إذ أصول الإِيمان محققة والإِيمان بأن هذا العدد واجب في الجملة. هذا كلام
القاضي ونقله عنه المصنف (متفق عليه. البضع بكسر الباء) الموحدة (ويجوز بفتحها)
وبسكون الضاد المعجمة، وبالعين المهملة (وهو من الثلاثة إلى العشرة) وقيل: ما بينهما
وصدر به في شرح مسلم. وقال الخليل: البضع سبع، وقيل: ما بين اثنين إلى عشرة،
وقيل: ما بين اثني عشر إلى عشرين. ولا يقال في اثني عشر. قلت: وهذا هو القول الأشهر
(والشعبة) بضم المعجمة وسكون المهملة بعدها موحدة (القطعة والخصلة) بفتح الحاء
المعجمة من عطف الرديف (والإِماطة) بكسر الهمزة وبالطاء (الإِزالة) وهما مصدرا أماط
وأزال (والأذى) بفتح أوليه وبالقصر (ما يؤذي كحجر) فإنه يدق قدم الماشي وقد يدميه
(وشوك) اسم جنس واحدة شوكة. والمراد: ما قطع شجرة عن طريق المارة أو أزالة ما يوجد
من أعواده وأجزائه في الطريق، فإنه ربما مع قوة المشي ينغرز في الرجل إلى حيث يصعب
إخراجه (وطين) لأنه يلوث الرجل. وقد جعل الفقهاء من أعذار صلاة الجماعة الوحل
بالمهملة لذلك (ورماد) لأنه لنعومته تعمل فيه الريح فيدخل في الخياشيم ويحصل به التأذّي
(وقذر) بفتح أوّليه، أي: ما يستقذر طاهراً كان كالقمائم والأوساخ الطاهرة الملقاة بالطرق
وضررها يضيق الطريق، أو النجسة كالعذرة وضررها ظاهر (ونحو ذلك) من سائر المؤذيات،
ولا حاجة إليه بعد تصدير المثل بالكاف المؤذنة بعدم الانحصار.
٦٨٣ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َلاير أشد حياء) منصوب
على التمييز (من العذراء) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء ثم ألف
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: أمور الإِيمان (٤٨/١، ٤٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان ... (الحديث: ٥٨).
(٢) (بأن مراد) لعله (بأن ذلك مراد). ع.

١٥٠
٨٤ - باب: في الحياء وفضله
العُلَمَاءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ النَّقْصِيرِ فِي حَقِّ
ذِي الحَقِّ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي القَاسِمِ الجُنْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: الحَيَاءُ رُؤْيَةُ الآلَاءِ:
أَيِ النِّعَمِ، وَرُؤْيَةُ الْتَقْصِيرِ فِيَتَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالةٌ
ممدودة البكر، سميت به لبقاء عذرنها أي: جلدة بكارتها (في خدرها) بكسر الخاء المعجمة
وسكون الدال المهملة. ستر تجعله البكر في جنب البيت، أي: أشد حياءً من البكر حال
اختلائها بالزوج الذي لم تعرفه قبل واستحيائها منه، وليس المراد حال انفرادها في الخدر
فإنها حينئذ لا حياء عندها ئمة إذ ليس ثمة من تستحي منه، وهذا آخر الحديث عند البخاري
في الأدب من صحيحه، وزاد مسلم حيث أورده في باب فضائل النبي وَّ (فإذا رأى شيئاً)
التنكير فيه للتعميم ليشمل القليل والكثير والجليل والحقير (يكرهه) أي: طبعاً (عرفناه في
وجهه) أي: عرفنا الكراهية له في وجهه، أي : أنه لا يتكلم لحيائه بل يتغير وجهه فنفهم نحن
كراهته لذلك (متفق عليه. قال العلماء حقيقة الحياء) أي: تعريفه (خلق) بضمتين وتسكين
ثانيه تخفيفاً (يبعث) الإِسناد مجازي من باب الإِسناد للسبب، أي: يبعث الله أي: يحمل به
(على ترك القبيح) من الأقوال والأفعال والأخلاق. وحذف المعمول إرادة للتعميم (ويمنع)
صاحبه (من التقصير) أل فيه بدل من الضمير، أي: من تقصيره (في حق ذي) أي : صاحب
(الحق) وذلك أنه ملكة راسخة للنفس توزعها على إيفاء الحقوق، وترك القطيعة والعقوق.
(وروينا) بفتح أوليه مع تخفيف ثانيه أشهر من ضم أوله وكسر ثانيه مشدداً ومخففاً وإن اقتصر
على الأخير الكازروني في شرح الأربعين وجعله من باب الحذف والإِيصال قال: أي: روى
لنا سماعاً أو قراءةً إلى آخر أنواع التحمل. وعلى التشديد فالمعنى: صيرونا أشياخاً بما رووه
لنا (عن الإِمام) هو في الأصل كل من يقتدى به ولو في الشر، ثم غلب على المقتدى به في
الخير فقط (أبي القاسم الجنيد) بضم الجيم وفتح النون وسكون التحتية. ابن محمد الزجاج
كان أبوه يبيع الزجاج فلذا يقال له القواريري، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق،
وكان فقيهاً يفتي على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي وراوي مذهبه القديم، وكان من كبار
أئمة القوم وساداتهم وكلامه مقبول على جميع الألسنة، مات رحمه الله تعالى يوم السبت سنة
سبعة وتسعين ومائتين وقبره ببغداد ظاهر يزوره الخاص والعام (قال الحياء رؤية الآلاء) بالمد
جمع إلا بكسر الهمزة والقصر، وقد فسر المصنف إلالاء بقوله: (أي: النعماء) أي: رؤية
العبد نعماء مولاه السابغة عليه بمحض فضله مع استغنائه عنه وعن سائر الخليقة (ورؤية
التقصير) أي: مع ما يراه من تقصيره في أداء خدمة مولاه وإعراضه عن حضرته مع كمال
فاقته وفقره إليه (فيتولد) أي: يتحصل (بينهما) أي: النظرين المذكورين (حالة) الأولى
٢٠

١٥١
١ - كتاب: الأدب
تُسَمَّى حَيَاءً، واللَّهُ أَعْلَمُ(١).
٨٥ - باب: في حِفظ السرّ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾.
٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخِدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنَّدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ وَتُقْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ
يَنْشُرُ سِرَّهَا»
حال؛ لأن الأفصح تذكير لفظها وتأنيث معناها فحال حسنة أفصح من حال حسن وحالة حسنة
(تسمى حياء) ولكون ما ذكر تفسيراً للحياء المذكور في الحديث أورده المصنف، وإلا فكتابه
هذا مجرد لذكر الآيات والأحاديث ومنبع يسير في تفسير غريب الأحاديث (والله الموفق).
باب حفظ السر
بكسر السين المهملة، أي: ما يسر ويخفى من الأمور (قال الله تعالى: وأوفوا بالعهد
إن العهد كان مسئولاً) أي: عنه فيكون من باب الحذف والإِيصال، أو من المجاز في
الإِسناد، أو مسئولاً هو هل وفى به أم لا فيكون كقوله تعالى: ﴿وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب
قتلت﴾(٣) تبكيتاً لصاحب الذنب وفاعله، وذكرت الآية في هذه الترجمة؛ لأنه مما يعتاد
التعاهد على كتمانه إما لفظاً، أو بقرينة الحال.
٦٨٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل: إن من أشر الناس
عند الله) حال من قوله: (منزلة) وكان في الأصل صفة له فلما تقدم أعرب حالاً. وقوله: (يوم
القيامة) ظرف للأشرية المدلول عليها (الرجل) أل فيه للجنس (يفضي) بضم التحتية من
الإِفضاء، وهو مباشرة البشرة بالبشرة، وهو هنا كناية عن الجماع (إلى المرأة وتفضي إليه ثم
ينشر سرها) بذكر تفاصيل ما يقع حال الجماع وقبله من مقدماته. والحديث يقتضي كون
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب، وباب: الحياء وفي الأنبياء
باب: صفة النبي ◌َ﴾ (٤٣٤/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: كثرة حيائه ◌َّر، (الحديث: ٦٧).
(٢) سورة الإِسراء، الآية: ٣٤.
-- (٣) سورة التكوير، الآيتان: ٨، ٩.

١٥٢
٨٥ - باب: في حفظ السر
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٦٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ
تَأَيَّمَتْ بِنْهُ حَفْصَةُ قَالَ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ
شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ خَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي
فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. فَلَقِيتُ أَبابَكْرِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فعل ذلك كبيرة للوعيد المذكور فيه (رواه مسلم) في النكاح من صحيحه.
٦٨٥ - (وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه حين) ظرف لقال الآتي
بعد، أي: قال وقت (تأيمت بنته حفصة) أي: من خنيس ابن خذافة السهمي، وكان من
أصحاب النبي وي﴿ فتوفي بالمدينة، وهذا كله عند البخاري في حديث الباب حذفه المصنف
لعدم تعلق غرض الترجمة به فعلم أن تأيمها منه كان بموته وكان ذلك من جراحة أصابته
بأحد، وذكر الدارقطني أنه كان طلقها نقله عنه ابن النحوي، ولكونه مات من جراحة أصابته
بأحد يحمل قول من قال تزوج حفصة بعد ثلاثين شهراً من الهجرة، وعلى الأول يحمل
رواية من روى أنه تزوج بها بعد سنتين عقب بدر. وخنيس بضم المعجمة وفتح النون
وسكون التحتية آخره سين مهملة، وكان معمر بن راشد يصحفه فيقوله بالمهملة فالموحدة
فالمعجمة آخره ابن حذافة بمهملة فمعجمة ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن
عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي وهو أخو عبدالله بن حذافة كان من
السابقين إلى الإِسلام وهاجر إلى أرض الحبشة (قال: لقيت عثمان بن عفان) أي: بعد موت
زوجته رقية بنت سيدنا رسول الله وَّ ر (فعرضت عليه حفصة) ففيه عرض الإِنسان بنته على
أهل الخير كما ترجم به البخاري (فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر) ففيه التفات
على رأي السكاكي، وأني به حضاً على القبول، أي: بنت عمر. وأنت تعلم شأنه وحسن
خلطته (فقال: سأنظر في أمري) أي: أفكر في شأني هل أتزوج الآن أو أؤخر ذلك (فلبثت)
بكسر الموحدة، أي: أقمت منتظراً له (ليالي) بالنصب على الظرفية (ثم لقيني فقال: قد بدا)
بالألف اللينة، أي: ظهر (لي أن أتزوج يومي هذا) أراد به مطلق الزمن، أي: في زمني
هذا، وأتى به لدفع توهم إرادته التبتل والانقطاع عن التزوج المنهي عنه (فلقيت أبا بكر
الصديق رضي الله عنه فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت) هو لكونه ترك
(١) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: تحريم إفشاء سر المرأة، (الحديث: ١٢٣).

١٥٣
١ - كتاب: الأدب
فَقُلْتُ: إِنْ شَئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَصَمَتَ أَبُوبَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ
يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئاً! فَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا
النَّبِيُّ ◌َ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَليَّ حِينَ عَرَضْتَ
عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئاً؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ
إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّ أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿َ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لَأَفْشِيَ
◌ِرَّ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبِيُّ ◌َ لَقَبِلْتُهَا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ((تَأَيَّمَتْ)): أَيْ
الكلام عن قصد أو لداع له أخص من السكوت (أبو بكر فلم يرجع) بفتح التحتية مضارع
رجع المتعدي، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾(٤( أي: لم يردد (إلى شيئاً) من القبول
والإِعراض بالصريح أو التعريض أو غيرهما (فكنت عليه أوجد) أي: أشد موجدة، أي:
غضباً (مني على عثمان) وذلك لأن عثمان حصل منه الجواب. وأما الصديق فتركه أصلاً
(فلبثت ليالي ثم خطبها النبي ◌َّ فأنكحتها إياه) هذه الجملة هي الباعثة لذكر خلف وابن
عساكر الحديث في مسند عمر نبه عليه ابن النحوي في شرح البخاري (فلقيني أبو بكر)
أي: بعد تمام التزويج (فقال لعلك) هي فيه للإِشفاق وأتي بها اعتماداً على حسن خلق
عمر، وأنه لا يغضب لذلك، ولكن جواز الغضب منه بحسب الطبع فقال له ذلك (وجدت)
أي: غضبت (على) بتشديد الياء (حين) بالفتح المحتمل لكونه حركة إعراب، إذ هي
منصوبة على الظرفية ولكونه حركة بناء لأنه ظرف مضاف لجملة صدرها مبني وهي:
(عرضت علي حفصة فلم أرجع) بفتح الهمزة (إليك شيئاً فقلت نعم) إخباراً بالواقع، وعملًا
بالصدق، وإعراضاً عن المواربة (قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا
أني كنت علمت أن النبي ◌َّل# ذكرها) أي: مريداً التزوج بها ولعله كان بحضرة الصديق دون
غيره فرأى أن ذلك من السر الذي لا يباح فلذا قال (فلم أكن لأفشي) بضم الهمزة أي: أظهر
(سر رسول الله ( *) أي: ما أسره إلي وذكره لي (ولو تركها النبي ◌َّل بالإِعراض عنها
(لقبلتها) بكسر الموحدة، فيه أنه يحرم خطبة من ذكرها النبي ◌ُّر) على من علم به، وكتم
السر والمبالغة في إخفائه وعدم التكلم فيما قد يخشى منه أن يجر إلى شيء منه، وإن من
ذكرها ور ثم أعرض عنها لا يحرم التزوج بها إذ ليست من أزواجه، وهذه الجملة
المذكورة عن الصديق عن النبي ◌ّ﴿ ذكر الحميدي وأبو مسعود الحديث في مسند أبي بكر.
ولما أخرجه الطبراني في مسند أبي بكر قال: قد أخرجت الأئمة من عهد أحمد بن حنبل إلى
زمننا هذا الحديث في مسند الصدّيق أنه ذكرها (رواه البخاري) في المغازي والنكاح من

١٥٤
٨٥ - باب: في حفظ السر
صَارَتْ بِلَا زَوْجٍ . وَكَانَ زَوْجُهَا تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ((وَجَدْتَ)): غَضِبْتَ(١).
٦٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَ عِنْدَهُ فَأَقْبَلَتْ
فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَمْشِي مَا تُخْطِىءُ مِشْيَتَهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ شَيْئاً، فَلَمَّا
رَآهَا رَحَّبَ بِهَا وَقَالَ: ((مَرْحَباً بِابْنَتِي)) ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ،
صحيحه (تأيمت) بفتح الفوقية والهمزة، وتشديد التحتية والتفعل فيه للصيرورة كما أشار إليه
المصنف بقوله: (أي: صارت بلا زوج) الأنسب لبيان الاشتقاق، أي: صارت أيماً، أي:
بلا زوج وما أفهمه، قوله: ((صارت من)) أن الأيم خاص بمن فورقت عن الزوج غير مراد،
ففي المصباح الأيم العزب رجلاً كان أو امرأة. قال الصنعاني: سواء تزوج من قبل أم لا
(وكان زوجها) خنيس (توفي رضي الله عنه) في التاريخ السابق (ووجدت) بفتح أوليه معناه
(غضبت) بفتح فكسر ومصدره موجدة، وهذا الفعل تختلف مصادره باختلاف المراد منه
فيقال: وجده وجداناً بالكسر ووجوداً، وفي لغة لبني عامر: يجده بضم الجيم ولا نظير له في
المثال، والضمة عارضة فلذا لم تعد الواو المحذوفة لوقوعها بين حرف مضارعة مفتوح
وحرف مكسور، ووجدت الضالة أجدها وجداناً أيضاً، ووجدت في المال وجداً بالضم
والكسر لغةً، وجدة أيضاً ووجدت به في الحزن وجداً بالفتح اهـ. ملخصاً من المصباح(١).
٦٨٦ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كن) بضم الكاف وتشديد النون حرف أتى به
لجماعة النسوة والفاعل (أزواج النبي ( 1) فهو على لغة أكلوني البراغيث (عنده فأقبلت
فاطمة رضي الله عنها تمشي) جملة حالية (ما تخطىء مشيتها من مشية رسول الله (وَير شيئاً)
يجوز أن تعرب الجملة حالاً من ضمير تمشي فتكون متداخلة، أو من فاعل أقبلت فتكون
مترادفة، ويجوز أن تكون جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال كيفية مشيها. والمشية
بكسر الميم في الموضعين لبيان الهيئة. وشيئاً منصوب على المفعول المطلق، أي: شيئاً من
المشية أو المفعول به، أي: من الأحوال (فلما رآها) أي: أبصرها (رحب) بتشديد المهملة
بها، أي: بادرها بالترحيب وفسر ذلك بقوله: (قال: مرحباً بابنتي) وعدى بالباء، لأنه قدر
اشتقاقه من رحبت بك الدار بضم العين. ومعنى مرحباً بك: نزلت مكاناً رحباً واسعاً بها (ثم
أجلسها عن يمينه) أو شك من الرواي (عن شماله) بكسر الشين، وأتى بثم لتراخي الإِجلاس
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدراً والنكاح، باب: عرض الإِنسان ابنته أو
أخته على أهل الخير وغيره (١٥٢/٩، ١٥٣).
(٢) صححت تحريفات في العبارة المذكورة بمراجعة المصباح. ع.

١٥٥
١ - كتاب: الأدب
ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدَاً، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَها سَارَّهَا الثَّانِيَّةَ فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا:
خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَسَأَلْتُهَا:
مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ بِهَ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ لُأَفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ سِرَّهُ. فَلَمَّا
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ
عن ابتداء وقوع النظر عليها حال إقبالها، أو أنه استعيرت ثم مكان الفاء (ثم سارها) لعل ما
أومت إليه ((ثم)) من التراخي نظراً إلى أنه سي#مقدم قبل ذلك مؤانستها بأنواع من الإِكرام
وشريف الكلام لئلا يتلقاها بذلك أول ما قدمت عليه وتشرفت بجلوسها بين يديه والمفاعلة
يحتمل أن تكون على بابها ويحتمل أن تكون للمبالغة، أي: أخفى الأمر لها مبالغاً في
إخفائه عن سواها ويؤيده كتمها له عن عائشة لما استفسرتها عنه (فبكت بكاءً شديداً) لما في
ذلك من عظم المصاب وشدة الهول، وفيه قالت آخراً:
صبت على مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا
رضي الله عنها وعنا بها (فلما رأى) أي: أبصر (جزعها) بفتح أوليه. مصدر جزع
الرجل من باب تعب إذا ضعف متنه عن حمل ما نزل به ولم يجد صبراً كذا في المصباح
(سارها) المسارة (الثانية) فهو مفعول مطلق، ويجوز إعرابه ظرفاً خبراً لما لحقها وجرياً على
ما يبدو من ألطاف المولى سبحانه وتعالى من تعقيب الكسر بالجبر، والحزن بالفرح، والعسر
باليسر (فضحكت فقلت لها) لتسألها عما رأته من آثار الجزع (خصك رسول الله و طل من بين
نسائه بالسرار) بكسر أوله مضارع فاعل أيضاً (ثم أنت تبكين) أي: ما في ذلك من التكرير
والتخصيص يقتضي الشغل به عن سائر مقتضيات البكاء، وهذا من السيدة عائشة رضي الله
عنها لكونها لم تعلم ما أسر به إليها، وإلا فلو علمت ذلك لاسعفتها بالبكاء، كما أسعف
الصاحبان أم أيمن لما زارها فذكرتهما بأيام المصطفى # (فلما قام رسول الله (وَلّة) أي:
من ذلك المجلس (سألتها ما قال لك رسول الله ( #) يحتمل أن يكون المسئول عنه جميع ما
سارها به ◌ّ أولاً وآخراً، ويحتمل أن يكون المسئول عنه الأول ويومىء إلى الأول عموم
قول فاطمة رضي الله عنها (قالت: ما كنت لأفشي) بكسر اللام وهي لام الجحود، والإِفشاء
الإظهار (على رسول الله (* سره) فإن المفرد المضاف من صيغ العموم (فلما توفي
رسول الله (*) وهو بعد ذلك بزمن (قلت: عزمت عليك بمالي) الباء للقسم الاستعطافي،
ويحتمل كونها للسببية (عليك من الحق) إذ هي من أمهات المؤمنين، وزوج المصطفى

١٥٦
٨٥ - باب: في حفظ السر
لَكِ رَسُولُ اللّهِ وَهِ؟ فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى
فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ
مَرَّتَيْنِ ((وَإِنِّي لَ أُرَى الْأَجَلَ إِلَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا
لَكِ)) فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ
أَمَا .
وحبه، ولأجل عين ألف عين تكرم، وقولها عزمت عليك استعارة للقسم، أي: أقسمت
عليك (لما حدثتني بما قال لك رسول الله وَ ل#) اللام مؤذنة بالقسم وما مزيدة للتأكيد (فقالت
أما الآن) منصوب محلاً بمحذوف، أي: أما أن سألتني الآن، وفتحه الآن فتحة بناء كما قرر
في محله (فنعم أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (حين سارني في المرة الأولى فأخبرني)
الظرف منصوب بمقدر، أي: بكاءي وقت مسارته لي أولاً، وعمل مع حذفه؛ لأنهم
يتوسعون في الظرف ما لا يتوسعون في غيره (إن جبريل) اسم سرياني معناه: عبدالله،
وقيل: عبدالرحمن (كان يعارضه للقرآن في كل سنة مرة) قيل: أنه كان يقرأ النبي وَلّ من
القرآن فيعيده بعينه جبريل، ولعل ذلك ليجمع بين مرتين العرض والأخذ من فم المبلغ،
والمراد بالقرآن ما اجتمع منه إلى حين تدارسهما، فإنه لم يكمل إلا قبيل وفاته بنحو عشرين
يوماً أوشك من الراوي (مرتين) ومرة ومرتين مما ناب فيه المصدر عن اسم العدد نحو
﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾(١) فهو مفعول مطلق. وقوله (وأنه) أي: جبريل (عارضه) أي:
النبي ◌َّ﴾ (الآن مرتين) هذا يبين أن المعول عليه أن المعارضة في كل عام كانت مرة ولذا لما
تكررت أخذ منه وَل قوله: (وإني لا أرى) بضم الهمزة، أي: أظن (الأجل) آخر مدة الحياة
(إلا قد اقترب) أي: قرب والتاء فيه للمبالغة (فاتقي الله) عند حلول ذلك بأن لا تفعلي محرماً
من نياحة وشق جيب أو غير ذلك مما يشعر بعدم الرضى والاعتراض على الأقدار (واصبري)
إني به مع تناول ما قبله له اهتماماً بشأنه، فإنه واسطة عقد المأمور به حينئذ، وذلك لغلبة
داعية الطبع، إلى ما يترتب على الجزع غالباً من التبرم والتضجر، وقوله: (فإنه نعم السلف
أنا لك) جملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها، أي: فإن ما يترتب على ذلك من شرف السلف
لك يعدل ما قد يبدوا من جزع الفراق (فبكيت بكائي الذي رأيت) أي: بكاء سالماً من
الإِثم، ومثله لا منع منه وإلا لنهاها عنه المصطفى وَله؛ لأنه لا يقر على محرم (فلما رأى)
أي: أبصر (جزعي) أي: أثره من البكاء (سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما) أداة استفتاح أتى
(١) سورة النور، الآية: ٤.

١٥٧
١ - كتاب: الأدب
تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟)) فَضَحِكْتُ
ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ(١).
٦٨٧ - وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ وَأَنَا ◌َلْعَبُ
مَعَ الْغِلْمَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ:
بها لتنبيه المخاطب على ما بعدها لعظم موقعه (ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة)
وهذا مثل ثان لها عن عظيم ألم توقع فراقها لسيد الأحباب فلما كان ذلك المصاب أعظم
مصاب ناسب أن يجازي الصابرون عليه بأعظم الثواب من فضل الوهاب، وهي أفضل الأمم
فتكون أفضل نساء أهل الجنة كما جاء كذلك في رواية أخرى (فضحكت ضحكي الذي
رأيت) أي: الخالي عن الأشر والبطر، وذلك أنه لكمال شرفها وطيب أصلها لم يغير توقع
فقدها لسيد الأحباب استسلاماً لربها، وإنما دمعت عيناها رجزع قلبها مع الصبر على مراد
مولاها سبحانه فهو نظير ما ورد من قوله وَيل يوم مات إبراهيم: ((العين تدمع والقلب يحزن
ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))، ولا لحقها أشر ولا بطر، إذ
بشرت بما بشرت به لكمال يقينها ومزيد تمكينها، بل كان لسان حالها كلسان حاله والفر: أنا
أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، الحديث (متفق عليه) أخرجه البخاري في
باب علامات النبوة (وهذا) أي: اللفظ المسرود (لفظ مسلم) في أبواب الفضائل، ورواه
النسائي في الوفاة، وابن ماجه في الجنائز.
٦٨٧ - (وعن ثابت) بالثلثة وبعد الألف موحدة فمثناة، وهو البناني بضم الموحدة فنونين
خفيفتين بينهما ألف تابعي مكثر للرواية عن أنس، وقد بسطت ترجمته في كتاب رجال
الشمايل (عن أنس رضي الله عنه قال: أتى) أي: جاء (على رسول الله وَليل وأنا ألعب مع
الغلمان) جملة حالية من مجرور على، والغلمان بكسر المعجمة وسكون اللام جمع غلام.
ففيه جواز اللعب المباح للمراهق (فسلم علينا) من حسن خلقه ومزيد لطفه (فبعثني) أي :
أرسلني. قال في المصباح: كل شيء ينبعث بنفسه فالفعل يتعدى إليه بنفسه، يقال: بعثته.
وكل شيء لا ينبعث بنفسه كالكتاب والهدية فالفعل يتعدى إليه بالباء كبعثت به. وأوجز
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإِسلام وفي الاستئذان باب: من ناجى
الناس (٤٦٢/٦، ١٠٣/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام،
(الحديث: ٩٨).

١٥٨
٨٦ - باب: في الوفاء بالعهد
مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ لِحَاجَةٍ، فَقَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا
سِرُّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِرِّ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ أَحَداً، قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْحَدَّثْتُ بِهِ
أَحَداً لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ مُخْتَصَراً (١).
٨٦ - باب: في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾.
الفارابي فقال: بعثه أي: أهبه وبعث به وجهه (في حاجة) التنوين فيه يحتمل كونه للتعظم أو
للتحقير. ففيه على الأول مزيد نباهة أنس إذأهل للإِرسال لذلك (فأبطأت) أي: طالت مدة
غيبتي (على أمي فلما جئت قالت ما حبسك) من باب ضرب، أي: منعك (قلت بعثني
رسول الله وَ﴿ لحاجة) أي: لأجلها وتجمع على حوائج وهو جمع على غير القياس. وذكر
الأصمعي أنه مولد، وحق جمعه حاجات وحاج، وقال أبو عبيد الهروي: قيل أصل حاجه
حايجه فيصح جمعه على حوائج كذا في الفتح (فقالت ما حاجته) سؤال عن تعينها (قلت إنها
سر) في المصباح: السر هو ما يكتم وهو خلاف الإِعلان، أي: فلا يظهر للغير (قالت لا
تخبرن) بتشديد النون مبالغة في تأكيد النهي عن إفشائه، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة
المعنى (بسر رسول الله ( # أحداً) من ألفاظ العموم لكون في سياق النفي (قال أنس) منبهاً
الثابت على مكانته عنده ومحبته له (والله لو حدثت به أحداً) كائناً من كان كما يشعر به سوقه
في حيز الشرط (لحدثتك به يا ثابت) ففيه عظيم لطف أنس. وصدق أمانته ووفائه بالعهد
(رواه مسلم) في الفضائل (وروى البخاري بعضه مختصراً) أي: في باب الأدب من
صحيحه من غير طريق ثابت بلفظ: ((أسر النبي ◌َّليل سراً فما أخبرت به أحداً بعده ولقد سألتني أم
أم سليم فما أخبرتها به)).
باب الوفاء بالعهد
أي: إذا عاهد على أمر (وإنجاز الوعد قال الله تعالى: واوفوا بالعهد) الذي تعاهدون
عليه الناس، والعقود التي تعاطونهم أو بما عهد الله من تكاليفه (إن العهد كان مسؤلاً) أي:
(١) أخرجه مسلم من كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أنس بن مالك رضي الله عنه، (الحديث:
١٤٥).
وأخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: حفظ السر (٦٩/١١).
(٢) سورة الإِسراء، الآية: ٣٤.
010

١٥٩
١ - كتاب: الأدب
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ
تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ!﴾ .
٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ في
عنه أو مطلوباً يطلب من المعاهد ألا يضيعه (وقال الله تعالى: وأوفوا بعهد الله) أي: بما عهد
إليكم من التكاليف أو بما عاهدتموه به من التزام الإِقرار بتوحيده والقيام بعبوديته (إذا
عاهدتم). وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أي: بالعهود وهو ما عهد في
القرآن كله وعمومه متناول لسائر العقود (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا
تفعلون كبر مقتاً عند الله) هو أشد البغض، ونصبه على التمييز، وفاعله (أن تقولوا مالا
تفعلون) في هذا الأسلوب من الكلام من المبالغة مالا يخفى. والآية نزلت في جماعة قالوا:
لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أنه الجهاد فلما فرض نكل
منه بعضهم وكرهوا فنزلت، أو نزلت لما التمسوا الجهاد وابتلوا به فولوا يوم أحد مدبرين، أو
في المنافقين يعدون نصر المؤمنين ولا يفون وعلى أي ففيه وعيد شديد لمخلف الوعد
والعهد .
٦٨٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لتر قال: آية) بالهمزة بعدها ألف لينة
فتحتية خفيفة. أي: علامة (المنافق) استشكل بأنها قد تكون في المؤمن، وأجيب بأن المراد
أن هذه خصال المنافق وصاحبها شبيه بالمنافق المطلق إلا أن هذا نفاقه خاص في حق من
حدثه ووعده وائتمنه لا في الإِسلام بإبطان الكفر، وقيل: أن المراد به المنافقون الذين كانوا
في زمنه مَّا فحدثوا بإيمانهم وكذبوا ووعدوا بنصر الدين فأخلفوا وائتمنوا في دينهم فخانوا.
وقال الخطابي: المراد نفاق العمل لا نفاق الإِيمان. قال البرماوي في اللامع الفصيح على
الجامع الصحيح: وأحسن من هذا أن النفاق شرعي وهو إبطان الكفر وإظهار الإِيمان،
وعرفي وهو كون سره بخلاف علانيته وهو المراد هنا، وفي الحديث أجوبة أخرى (ثلاث)
أخبر به عن آية باعتبار إرادة الجنس، أي: كل واحد منها آية أو مجموع الثلاث هو الآية (إذا
(١) سورة النحل، الآية: ٩١
(٢) سورة المائدة، الآية: ١.
(٣) سورة الصف، الآيتان: ٣،٢.

١٦٠
٨٦ - باب: في الوفاء بالعهد
رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ))(١).
٦٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ:
(أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقَا خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ
مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا أؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، .
حدث كذب) أي: أخبر بخلاف الواقع. وجعل الجملة الشرطية خبراً بعد خبر، أو بدلاً مما
قبله يقتضي أنه محمول عليه لكن على معنى عند تحديثه (وإذا وعد) أي: أخبر بخبر في
المستقبل. وعطف على ما قبله مع أنه من أفراده، قيل: لأن الخلف قد يكون بالفعل وهو
غير الكذب فتغاير، أو جعل حقيقة أخرى خارجة عن التحديث ادعاء كما في عطف جبريل
على الملائكة بادعاء أنه نوع آخر لزيادة (٢) قال الشاعر:
فإن المسك بعض دم الغزال
فإن تفق الأنام وأنت منهم
وكذا كل خاص يعطف على عام قاله البرماوي (أخلف) أي: جعل الوعد خلافاً وذلك
بأن لا يفي به (وإذا اؤتمن) أي: جعل أميناً وفي رواية ائتمن بتشديد التاء وذلك بقلب الهمزة
الثانية منه واواً وإبدال الواو تاء وإدغام التاء في التاء (خان) أي: تصرف على خلاف الشرع.
وخص هذه الثلاثة بالذكر لاشتمالها على المخالفة التي هي مبنى النفاق من مخالفة السر
العلن (متفق عليه) والحديث قد تقدم مع شرحه في باب الأمر بأداء الأمانة (زاد في رواية
مسلم وإن) هي وصلية (صام وصلى وزعم) أي: قال محققاً بحسب ما عنده (أنه مسلم)
أي: فهذه خصال المنافق .
٦٨٩ - (وعن عبدالله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء اكتفاءً بدلالة الكسر عليها، أو أنه
من العيص فيكون أجوف كما تقدم بسطه (رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال أربع) سوغِ
الابتداء مع نكارته تقدير إضافته، أي: أربع خصال وجملة (من كن فيه كان منافقاً خالصاً)
قال ابن بطال: أي: في الخصال المذكورة (ومن كانت فيه خصلة) أي: خلة بفتح أولهما
(منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) يحتمل أن يكون خبر المبتدأ وأن تكون صفة
والخبر قوله: (إذا ائتمن خان) بتوجيهه السابق قاله البرماوي، والاحتمال الثاني فيه ركاكة
(وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر) أي: تواثق مع إنسان على أمر غدر به وفعل خلاف ما
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: علامات المنافق (٨٣/١، ٨٤)، سبق تخريجه.
ورواه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان خصال المنافق، (الحديث: ١٠٧، ١٠٨).
(٢) (لزيادة) لعله لزيادة التأكيد. ع.