Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. ((الْعَرَضُ)) بِفَتْحِ العَينِ والرَّاءِ هُوَ: الْمَالُ(١)
استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب. وقال
القرطبي: وإنما كان الممدوح غنى النفس؛ لأنها حينئذ تكف عن المطامع فتعز وتعظم،
ويحصل لها من الحظوة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله مع كونه فقير النفس
لحرصه، فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله وحرصه، فيكثر
من يذمه من الناس فيصغر قدره عندهم فيصير أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما قسم الله له لا يحرص على الازدياد لغير
حاجة ولا يلح في الطلب، بل يرضى بما قسم له، فكأنه واجد أبداً، والمتصف بفقر النفس
على الضد منه، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علماً
بأن الذي عنده سبحانه خير وأبقى، فهو يعرض عن الحرص والطلب. وقال الطيبي: يمكن
أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلية، قال الشاعر:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر
أي: ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي وهو تحصيل الكمالات لا في جمع
المال فإنه لا يزداد به إلا فقراً اهـ. قيل: وهذا وإن أمكن إلا أن ما قبله أظهر في المراد.
قلت: وعليه فيمكن أن يحمل قوله: ليس الغنى على الدوام أي: ليس الغنى الدائم عن كثرة
المال فإنه عرضة للزوال إنما هو بالكمال النفساني، وما أحسن ما قيل:
لنا علم وللأعداء مال
رضينا قسمة الجبار فينا
وإن العلم كنز لا يزال
فإن المال يفنى عن قريب
وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب بأن يفتقر إلى ربه في جميع أمره، فيتحقق أنه
المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكر على نعمائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى النفس
عن غير ربه، والغنى الوارد في قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾(٢) ينزل على غنى
النفس فإن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه و له قبل أن يفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال
(متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه كذا في الجامع الصغير (العرض بفتح العين
والراء) المهملتين والضاد المعجمة (هو المال) في المصباح: هو متاع الدنيا، قال: وهو في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الغنى غنى النفس (٢٣١/١١، ٢٣٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: ليس الغنى عن كثرة العرض (الحديث: ١٢٠).
(٢) سورة الضحى، الآية: ٨.

٥٠٢
كتاب: دليل الفالحين
٥٢٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: ((قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٥٢٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَله
اصطلاح المتكلمين ما لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في محل يقوم به، وهو خلاف الجوهر.
والعرض بالسكون: المتاع، قالوا: والدراهم والدنانير عين وما سواهما عرض، وجمعه
عروض كفلس وفلوس. وقال أبو عبيدة: العرض أي: بالسكون: الأمتعة التي لا يدخلها كيل
ولا وزن ولا يكون حيواناً ولا عقاراًا هـ. وقال ابن فارس العرض بالسكون: كل ما كان من المال غير
نقد .
٥٢٢ - (وعن عبد الله بن عمرو) بن العاص (رضي الله عنهما أن رسول الله وَ الفجر قال: قد)
للتحقيق (أفلح) أي: فاز وظفر (من أسلم) لنجاته من النار ودخوله الجنة قال تعالى: ﴿فمن
زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾(٢) (ورزق كفافاً) في الزكاة من الترغيب والترهيب
للحافظ المنذري: الكفاف ما كف عن السؤال مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة، وفيه في
الزهد: الكفاف الذي ليس فيه فضل عن الكفاية. روى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب
عن سعيد بن عبد العزيز أنه سئل: ما الكفاف من الرزق؟ فقال: شبع يوم وجوع يوم اهـ.
وقال القرطبي: هو ما يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات والفاقات ولا يلحق بأهل
الترفهات اهـ. وإنما كان ذلك فلاحاً لكونه حاز كفايته وظفر بإقامته وسلم من تبعة الغنى وذل
سؤال الشيء، ثم على ما ذكره في الزكاة من الترغيب يكون قوله: (وقنعه الله بما آتاه) من
باب التصريح بما اندرج فيما قبله اهتماماً واحتفالاً بشأنه أو تجرد الكفاية(٣) عن اعتبار
القناعة في مفهومه (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه كلهم عن ابن عمرو كذا
في الجامع الصغير، وتقدم في الباب قبله حديث بمعناه عن فضالة بن عبيد. وفيه شرف هذه
الحال على حالي الفقر المدقع والغنى، لما في الأول من كدح الحاجة والثاني من بطر
الغنى. والحديث قد تقدم الكلام عليه في الباب قبله.
٥٢٣ - (وعن حكيم) بفتح الحاء المهملة (ابن حزام) بكسر الحاء المهملة وبالزاي ابن
خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي القرشي المكي (رضي الله عنه) ولد قبل عام الفيل
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الكفاف والقناعة (الحديث: ١٢٥).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥ .
(٣) كذا، ولعله (أو يجرد الكفاف). ع

٥٠٣
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعطاني، ثُمَّ قَال: ((يَا حَكِيمُ
إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ
أَخَذَهُ بِإِشْرافٍ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ؛ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرُ
بثلاث عشرة سنة بجوف الكعبة ولا يعرف هذا لغيره. وما روي أن علياً ولد فيها فضعيف عند
العلماء، عاش ستين سنة في الجاهلية، وأسلم عام فتح مكة، وعاش في الإِسلام ستين سنة
على ما تقدم فيه، ولم يشاركه في هذا إلا حسان بن ثابت. والمراد بقولهم وستين في
الإسلام أي: من حين ظهوره مظهراً فاشياً، وكان من أشراف قريش ووجوهها جاهلية
وإسلاماً ولم يصنع في الجاهلية من المعروف شيئاً إلا صنع في الإِسلام مثله، وتقدمت
ترجمته أيضاً في باب الصدق (قال: سألت رسول الله ( 18) أي: من الدنيا (فأعطاني ثم
سألته) أي: مستكثراً منها (فأعطاني ثم قال:) كأن حكمة تأخير هذا القول عن الإِعطاء دفع
توهم أن ذلك لبخل في المسؤول (يا حكيم) فيه نداء الرجل باسمه، وفيه تنبيه وإيماء إلى أن
هذا الاسم يؤذن بقيامه بالحكمة وهي المعرفة، فكأنه قال: يا موصوفاً بالحكمة الداعية إلى
الزهادة في الدنيا والإقبال على الآخرة (إن هذا المال خضر) بفتح أوله وكسر ثانيه المعجمين
أي: كالخضر في ميل النظر إليه وإلف النفس به (حلو) بكسر المهملة (١) وسكون اللام، قال
الحافظ: معناه أن صورة المال كذلك، والعرب تسمي كل مشرق نضراً خضراً. قال ابن
الأعرابي: ليس هذا صفة المال وإنما هو للتشبيه فكأنه قال: المال كالبقل الخضر الحلو،
أو على معنى فائدة المال أي: أن الحياة به أو العيشة به، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا؛
لأنه من زينتها قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾(٢) (فمن أخذه بسخاوة) بفتح
السين المهملة وبالخاء المعجمة (نفس) أي: بغير شره ولا إلحاح أي: أخذه بغير سؤال،
هذا بالنسبة للآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة للمعطي أي: بسخاوة نفس المعطي أي:
بانشراحه فيما بذله (بورك له فيه) فوقع منه القليل من المال بالبركة موقع الكثير منه مع فقدها
(ومن أخذه بإشراف) بالشين المعجمة (نفس) أي: انتظارها له وحرصها عليه كما يأتي
بنحوه في الأصل (لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع) أي: الذي يسمى جوعه
كذاباً؛ لأنه من علة به وسقم، فكلما أكل ازداد سقماً ولم يجد شبعاً. وفي الحديث وجوه من
التشبيهات بديعة: تشبيه المال وثمره(٣) بالنبات وظهوره، وتشبيه آخذه بغير حق بمن يأكل ولا
(١) كذا، ولعل الصواب (بضم المهملة) كما في القاموس وغيره.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٦.
(٣) في نسخة (ونحوه) . ع
0

٥٠٤
كتاب: دليل الفالحين
مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)) قَالَ حَكِيمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَداً
بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيماً لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ
فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي
الْفَيْءٍ فَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ حَتَّى تُوُفِّيَ .
يشبع. وقال ابن أبي جمرة: في الحديث فوائد: منها أنه قد يقع الزهد مع الأخذ. فإن
سخاوة النفس هو زهدها، تقول: سخت بكذا أي: جادت به، وسخت عن كذا أي: لم
تلتفت إليه. ومنها أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق، فتبين
أن الزهد يحصل خيري الدارين، وفيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن
الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فتبين بالمثال المذكور أن البركة
خلق من خلق الله، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم
يشبع كان غياً في حقه بغير فائدة في عينه إنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عند
المرء من غير تحصيل منفعته كان وجوده كالعدم (واليد العليا خير من اليد السفلى) في
صحيح البخاري: فاليد العليا هي النفقة والسفلى هي السائلة. قال في فتح الباري: عند
النسائي من حديث طارق بن المخارق قال: قدمنا المدينة فوجدنا النبي صل قائماً على المنبر
يخطب الناس وهو يقول يد المعطي العليا. ولابن أبي شيبة والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم
مثله. وقال في الفتح بعد إيراد أحاديث: فهذه متظافرة على أن اليد السفلى هي السائلة
والعليا هي المعطية، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور ثم ذكر مقابل ذلك أقوالاً بسط بيانها
في الفتح (قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزا أحداً بعدك شيئاً
حتى أفارق الدنيا) هو غاية في ألا يرزأ أحداً؛ لأن من المعلوم أنه بعد مفارقته الدنيا لا يحتاج
المال، وإنما هو كناية عن دوام الانكفاف عن الغير أبداً (فكان أبو بكر رضي الله عنه) أي:
لما صار خليفة (يدعو حكيماً ليعطيه) أي: ما يستحقه من المغنم (فيأبى أن يقبل منه شيئاً،
ثم إن عمر رضي الله عنه) لما صار إليه الأمر بعد الصديق رضي الله عنه (دعاه ليعطيه فأبى أن
يقبله) أي: ولا شيئاً منه كما يدل عليه ما قبله (فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم
أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله) العائد فيه ضمير منصوب محذوف (له في الفيء فيأبى
أن يأخذه) قال في المصباح: المعشر والقوم والرهط والنفر: الجماعة من الرجال دون النساء
والجمع معاشر وفي فتح الباري: إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه؛ لأنه خشي
أن يقبل من أحد شيئاً فيعتاد الأخذ فيتجاوز به إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك، وترك ما لا

٥٠٥
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (يَرْزَأ) بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ ثُمَّ مَمْزَةٍ: أَيْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً. وَأَصْلُ الرَّزْءِ:
النُّقْصانُ: أَيْ لَمْ يَنْقُصْ أَحَداً شَيْئاً بِالْأَخْذِ مِنْهُ. و((إشْرافُ النّفْسِ)): تَطَلُّعُها وَطَمَعُها
بِالشَّيْءِ. و((سَخَاوَةُ النّفْسِ)) هِيَ: عَدَمُ الإِشرافِ إِلَى الشَّيءِ وَالطَّمَعِ فِيهِ وَالْمُبالاةِ بِهِ
والشَّرَهِ(١).
يريبه خوف ما يريبه. وإنما أشهد عليه عمر؛ لأنه أراد ألا ينسه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع
حكيم من حقه (فلم يرزا حكيم أحداً من الناس بعد النبي # حتى توفي) قال الحافظ في
الفتح زاد إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق عبد الله بن عمرو مرسلاً أنه ما أخذ من أبي
بكر ولا عمر ولا عثمان ولا معاوية ديوناً ولا غيرها حتى توفي لعشر سنين من إمارة معاوية.
قال السيوطي في التوشيح: وفيه أن سبب سؤاله العطاء أن النبي ◌َّر أعطاه دون ما أعطى
أصحابه فقال: يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصرني دون أحد من الناس، فزاده ثم استزاده
حتى رضي فذكر نحو الحديث ا هـ. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الوصايا وفي الخمس
وفي الرقاق. قلت وفي الزكاة، وأخرجه مسلم في الزكاة إلى قوله واليد العليا خير من اليد
السفلى. ورواه الترمذي في الزهد وقال: صحيح، والنسائي في الزكاة والرقاق اهـ.
ملخصاً من الأطراف (يرزأ براء ثم زاي ثم همزة) بوزن يسأل (أي: لم يأخذ من أحد شيئاً)
أي: مجاناً كما يدل عليه قوله: (وأصل الرزء النقصان) وما بذل عوضاً لا نقص على باذله، وفي
النهاية وأصله النقص، وكأن الشيخ رحمه الله نبه بزيادة النون على اعتبار المبالغة في
مفهومه، وقوله: (أي: لم ينقص أحداً شيئاً بالأخذ منه) تفسيره لقوله آخر الحديث: ((فلم
يرزأ حكيم أحداً من الناس)) (وإشراف النفس) بالمعجمة (تطلعها وطمعها بالشيء) وأصله
أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من
الشرف وهو العلو كأنه ينظر إليه من موضع عال (وسخاوة النفس) في المصباح السخاء
بالمد: الجود والكرم، وفي الفعل ثلاث لغات سخا من باب علا فهو ساخ، والثانية سخى
يسخي من باب علم والفاعل سخ منقوص، والثالثة سخو يسخو كقرب يقرب سخاوة فهو
سخي بتشديد الياء اهـ. فيؤخذ منه أن سخاوتها كرمها وجودها، وقول المصنف: (هي عدم
الإِشراف والطمع فيه والمبالاة به والشره) أخذه من مقابلتها بالإِشراف المفسر بضد ذلك وهو
نتيجة ما قلنا، فإن النفس الكريمة هذا شأنها في الدنيا غير محتفلة بجمعها ولا مشتغلة
بحفظها ومنعها.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا والزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة والرقاق والخمس،
(٢٦٥/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا ... (الحديث: ٩٤).

٥٠٦
كتاب: دليل الفالحين
٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجْنا
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ،
فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنا، وَنَقِبَتْ قَدَمي، وَسَقَطَتْ أَظْفاري، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ،
فَسُمِّيَتْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرَّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ. قَالَ أَبُوبُرْدَةً:
٥٢٤ - (وعن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء بعدها دال مهملة، وهي كنية لصحابي
اسمه على الصحيح من أقوال ثلاثة هانىء بن نيار بلوي مدني وتابعي وهو ابن أبي موسى
الأشعري وهذا هو المراد، إذ هو المعروف بالرواية عن أبيه، ولذا لم يقيده المصنف كعادته
في أمثاله من المشتبهات، واسمه عامر على الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور تابعي
كوفي. ولي قضاء الكوفة فعزله الحجاج وجعل أخاه أبا بكر مكانه، اتفقوا على توثيقه
وجلالته، وهو جد أبي الحسن الأشعري الإِمام في علم الكلام. توفي بالكوفة سنة ثلاث
وقيل: أربع ومائة كذا لخص من التهذيب للمصنف. وحكمة ذكر التابعي في هذا الحديث
قوله بعد روايته فحدث أبو موسى (عن أبي موسى الأشعري) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه)
في باب الإِخلاص (قال: خرجنا مع رسول الله ﴿ في غزاة) بفتح أوليه، قال في النهاية:
غزى يغزو غزواً، والغزوة المرة من الغزو والاسم الغزاه أي بفتحها، قلت: ولو قيل
بأنه للمرة وأصله غزوة بسكون الزاي فنقلت فتحة الواو إليها ثم أعلت إعلال إقوام لم
يبعد والله أعلم (ونحن ستة نفر) جملة حالية من فاعل خرج، قال الحافظ: ولم أقف على
أسمائهم وأظنهم من الأشعريين، وقوله: (بيننا بعير نعتقبه) جملة حالية متداخلة من التي
قبلها. في المصباح: البعير مثل الإِنسان يقع على الذكر والأنثى، والجمل مثل الرجل
يختص بالذكر، والناقة مثل المرأة تختص بالأنثى، والبكر والبكرة كالفتى والفتاة، والقلوص
كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت والأزهري وابن جني، ثم قال الأزهري:
هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة اهـ. وقوله: نعتقبه أي:
نتعاقبه في الرکوب واحداً بعد واحد، يقال: دارت عقبة فلان أي جاءت نوبته ووقت ركوبه
كذا في النهاية (فنقبت) بفتح النون وكسر القاف بعدها موحدة أي: وقت (قدمي) بكسر
الميم إذ لو كان مثنى لكان بالألف والمراد به الجنس، وفي نسخة أقدامنا بصيغة الجمع
المكسر (وسقطت أظفاري) جمع ظفر وفيه لغات: ضم أوليه أفصح من ضم أوله وسكون
ثانيه، ومن فتح أوليه ومن كسرهما ويقال: أظفور كأسبوع، وربما يجمع الظفر على أظفر
أيضاً كركن وأركن. وقول الجوهري: إنه يجمع على أظفور سبق قلم، كأنه أراد أظفر
فطغى القلم بزيادة واو اهـ. ملخصاً من المصباح أي: أظفار أصابع قدمي (فكنا نلف على

٥٠٧
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ! قَالَ:
كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
أرجلنا الخرق) بكسر أوله المعجم وفتح ثانية (فسميت غزوة ذات الرقاع) بنصب الغزوة
ثاني المفعولين، والأول أقيم مقام فاعل سميت يعود على الغزاة (لما كنا نعصب) أي:
نربط، وما موصولة أي: الذي كنا نربطه (على أرجلنا من الخرق) قال الحافظ: وقال ابن
هشام وغيره: سميت به؛ لأنهم رفعوا راياتهم، وقيل: لشجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات
الرقاع، وقيل: بل الأرض التي نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم
كان بها سواد وبياض قاله أبو حيان. وقال الواقدي: سميت بجبل هناك كان فيه بقع، وهذا
لعله مستند أبي حيان ويكون قد تصحف خيل بجبل، ورجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو
موسى وكذا النووي ثم قال: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع اهـ. واختلف متى
كانت؟ فجنح البخاري إلى أنها بعد خيبر، وذهب أهل السير إلى أنها قبل خيبر، واختلفوا
في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقيل الخندق سنة أربع، وعند ابن سعد
وابن حيان أنها في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد قريظة. والخندق،
وتردد موسى بن عقبة في وقتها فقال: لا ندري أكانت قبل بدر أم بعدها؟ قال الحافظ: وهذا
التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها كانت بعد غزوة بني قريطة. ثم حكى
الحافظ خلافاً؛ هل هي غزوة محارب أو هي غيرها؟ فالجمهور أنها هي جزم به ابن إسحاق
وغيره، وعند الواقدي أنهما ثنتان وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة اهـ. ملخصاً من
الفتح (قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث) ناشراً للسنة إذ منها أيامه وأحواله (ثم
كره ذلك) لما فيه أنه ابتلي فصبر، وذلك من المعاملة بين العبد وربه، وكلما كانت أخفى
کانت بالبر أحفى (وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره) أي: ما أصنع بذكره ذلك ففيه زيادة كان
مع اسمها وهو نادر، والأكثر زيادتها وحدها في مواطن، وقوله: (كأنه كره أن يكون شيئاً)
خبر كان واسمها ضمير مستتر أي: ما ذكر من عمله شيئاً، ويجوز أن يعرب مفعولاً لفعل
محذوف هو مع فاعله والجملة خبر يكون أي: يكون أفشى شيئاً (من عمله) وقوله: (أفشاه)
جملة مفسرة على الثاني، وعلى الأول فهو صفة شيئاً والظرف متعلق به، ويحتمل كون
الظرف صفة وجملة أفشاه حالاً من الخبر لتخصيصه بالوصف، وعلى الثاني هو صفة
للمفعول (متفق عليه) أخرجاه في المغازي من صحيحيهما.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع (٣٢٥/٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذات الرقاع (الحديث: ١٤٩)

٥٠٨
كتاب: دليل الفالحين
٥٢٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ بِفَتْحِ النَّاءِ المُثَّةِ فَوَقُ وَإِسْكَانِ الغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرٍ
اللَّمِ)) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَه ◌ُنِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ
رِجَالاً، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ
إِنِّي لُأعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، والَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطي، وَلَكِنِّي
٥٢٥ - (وعن عمرو بن تغلب بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام)
اسم غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، وهو العبدي من عبد القيس، وقيل: غير ذلك،
وجميع ما قيل في نسبه يرجع إلى أسد بن ربيعة، فهو ربعي بالاتفاق. وقال الحافظ في
الفتح: وهو النمري بضم النون والميم (رضي الله عنه) صحب النبي ◌َّر، ثم سكن البصرة،
روى عن النبي ◌َّر حديثين رواهما عنه البخاري، لم يرو عنه غير الحسن البصري اهـ.
ملخصاً من التهذيب للمصنف (أن رسول الله ( لي أتي بمال أو) شك من الراوي (سبي)
بمهملة فموحدة وعند الكشميهني أحد رواة البخاري: أو شيء بالمعجمة، وهو أشمل في
النهاية: السبي النهب، وأخذ الناس عبيداً وإماء (فقسماه) بتخفيف المهملة ويجوز تشديدها
نظراً لتعدد المقسوم (فأعطى رجالاً وترك رجالاً) أي: منه (فبلغه أن الذين ترك) العائد
المنصوب محذوف أي: تركهم (عتبوا) في المصباح: عتب عليه من بابي ضرب وقتل لأمه
في تسخط اهـ. وفي النهاية العتاب مخاطبة الإِذلال ومذاكرة المؤاخذة اهـ. وهذا المراد
هنا لا التسخط من أفعاله و ﴿، فإن ذلك ينافي الإِيمان المشهود لهم به في الخبر (فحمد الله
تعالى) بأوصاف الجمال. (ثم أثنى عليه) أي: بأوصاف الجلال وقيل: إنهما بمعنى، وعليه
فهو من عطف الرديف. أتى به لبيان المراد من الحمد وأنه لغوي أي: الثناء اللساني الذي
هو شعبة من المعنى العرفي (ثم قال: أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل) أل فيه للجنس،
والمراد التمثيل، وإلا فما أفاده الحديث جار في النساء أيضاً، ففي الحديث عند مسلم عن
هند امرأة أبي سفيان أنها قالت: ((يا رسول الله ما كان أهل بيت أبغض إلي من أهل بيتك،
والآن والله ما أهل بيت أحب إلي من أهل بيتك، فقال: وأيضاً)) الحديث وأكد بالقسم وبأن
واللام لعله لما بدا من شدة عتاب المتروكين في ذلك وتوهمهم أنه عن خلل فيهم ديني أو عن
نقص حب منه (وأدع) أي: وأترك وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه (والذي ادع)
أي: اترك إعطاءه (أحب إلي من الذي أعطي) وجه حبه لذلك المعطي مع ضعف إيمانه أنه
دخل في سواد أهل الإِيمان، وانتظم في سلكهم وجملتهم، وهم المحبون له وَّر، فقال:
ذلك المندرج فيهم نصيبه منها، فلذا أتى بأفعل، ويحتمل كونه فيه بمعنى أصل الفعل نظراً
إلى عدم كمال إيمان ذلك حتى يعتد به (ولكني أعطي أقواماً لما) أي: للذي (أرى) أي:

٥٠٩
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
أُعْطِي أَقْوَاماً لِمَا أَرَى فِي قُلوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ ، وَأَكِلُ أَقْواماً إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ في
قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالْخَيْرِ. مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ)) قَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ
أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ حُمْرَ النَّعَمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ((الْهَلَعُ)) هُوَ: أَشَدُّ
الْجَزَعِ . وَقِيلَ: الضَّجَرُ(١).
٥٢٦ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ لَهِ قَالَ: ((اليَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ
أعلمه (في قلوبهم) والعائد مفعول أول والظرف مفعول ثان (من الجزع) بالجيم والزاي
والعين المهملة، قال في النهاية هو الحزن والخوف. وقال في المصباح: جزع الرجل جزءاً
من باب تعب تعباً: إذا ضعفت بنيته عن حمل ما نزل به ولم يجد صبراً، ومن بيانية لما
(والهلع) هكذا في نسخ الرياض تبعاً لبعض نسخ البخاري وسيأتي معناه، وفي نسخة أخرى
منه ((الضلع)) بالضاد المعجمة أي: الميل والاعوجاج، وفي أخرى بالظاء المثالة المفتوحة
مع ما يليها أي: مرض القلب وضعف اليقين (وأكل) أفوض (أقواماً إلى ما جعل الله في
قلوبهم من الغناء) بفتح الغين المعجمة ثم نون ومد وهو الكفاية، وفي رواية الكشميهني
بكسر أوله والقصر: ضد الفقر (والخير منهم عمرو بن تغلب) هذا آخر الخبر المرفوع؛
وقوله: (فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلي حمر النعم) الباء للبدلية، والمراد من
الكلمة: معناها اللغوي وما قاله فيه أي: بدل ما قاله فيه من إدخاله إياه في أهل الخير
والغنى. وقيل: المراد التي قالها: في حق غيره، فالمعنى : لا أحب أن يكون لي حمر النعم
بدلاً من الكلمة المذكورة التي لي، أو أن يكون لي ذلك وقال: تلك الكلمة في حقي. وفي
المصباح: وحمر النعم بضم المهملة وسكون الميم: كرائمها وهو مثل في كل نفيس،
ويقال: إنه جمع أحمر وإن أحمر من أسماء الجنس (رواه البخاري) في مواضع من صحيحه
منها في الجهاد والتوحيد وانفرد به عن باقي الستة (الهلع هو أشد الجزع) بمعناه قوله: في
الصحاح أفحش الجزع، ومقتضى كلام المصباح عدم اعتبار الأفضلية فيه (وقيل: الضجر)
وفي المشارق للقاضي عياض: الجزع والهلع هما بمعنى، وقيل الهلع: قلة الصبر، وقيل:
الحرص، يقال: رجل هلع وهلوع وهلواع وهلواعة: جزوع حريص اهـ. فلعل المصنف
أراد يكتب قيل: الحرص فسبق القلم فكتب ما ذكر، والله أعلم.
٥٢٦ - (وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي ◌َّر قال: اليد العليا خير من اليد
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد وفي الجهاد والتوحيد
وغيرهما (٣٣٤/٢).

٥١٠
كتاب : دليل الفالحين
الْيَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ،
وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَخْصَرُ(١).
السفلى) تقدم الكلام على هذه الجملة في الباب (وابدأ) في الإِنفاق (بمن تعول) من زوجة
أو أصل أو فرع أو مملوك، من عال أهله: إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت أو كسوة، وهذه
الجملة الطلية رواها فقط الطبراني من حديث حكيم بن حزام، ورواه البخاري وأبو داود
والنسائي من حديث أبي هريرة بلفظ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول؛ لأن
حقهم واجب، وغيرهم تطوع، والأول مقدم على الثاني (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)
أي: أفضلها ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه أو لمن تلزمه نفقته، ولفظ الظهر
مزيد في مثله إشباعاً للكلام قاله الخطابي ونقله في النهاية، وزاد قوله وتمكيناً كأن صدقته
مستندة إلى ظهر قوي من الماء، والمعنى: أفضلها ما أخرجه الإِنسان من ماله بعد استبقائه
منه قدر الكفاية. وقال البغوي: المراد غنى يستظهر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه
قولهم: ركب متن السلامة، والتنكير في غنى للتعظيم هذا هو المعتمد في معنى الحديث،
وقيل: خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسئلة. وقيل: عن السببية والظهر زائد
أي: خير الصدقة ما كان سببه غنى المتصدق. قال القرطبي: يرد على تأويل الخطابي ما
جاء في فضل الإِيثار على النفس من الكتاب والسنة، ومنها حديث أبي ذر أفضل الصدقة
جهد من مقل والمختار أن معنى الحديث: أفضلها ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال
بحيث لا يصير المتصدق محتاجاً بعد صدقته إلى أحد. فمعنى الغنى في الحديث: حصول
ما يدفع به الحاجة الضرورية كأكل عند جوع مشوش لا صبر عليه، فالحاجة إلى ما يدفع به
الأذى عن نفسه، لا يجوز الإِيثار به بل يحرم؛ لأن الإِيثار به يؤدي إلى هلاك النفس والإِضرار
بها، أو إلى ما يستر به العورة، فمراعاة نفسه أولى، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإِيثار
وكانت صدقته أفضل لأجل ما يتحمله من مضض الفقر وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض
اهـ. ملخصاً. من الفتح (ومن يستعفف) أي: عن مسئلة الناس (يعفه الله) بضم التحتية
وضم الفاء المشددة وهو مجزوم جواب الشرط وضمه إتباع لضمة هاء الضمير قاله الدماميني
عن الزركشي أي: يرزقه العفة عن ذلك (ومن يستغن) أي: يظهر الغنى (يغنه الله) أي:
يصيره غنياً (هذا لفظ البخاري) في كتاب الزكاة من صحيحه (ولفظ مسلم) في كتاب الزكاة
أيضاً من صحيحه (أخصر) ولفظه قال: ((أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (٢٣٤/٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير ... (الحديث: ٩٥).

٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
0
٥١١
٥٢٧ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ
عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ
شَيْئاً فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَتُهُ مِنِّي شَيْئاً وَأَنَا لَهُ كَارِهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول)) وقد تقدم الكلام على الحديث من حديث أبي
هريرة في باب الوصية بالنساء.
٥٢٧ - (وعن أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر) عطف بيان لأبي سفيان أو بدل
منه بفتح المهملة وسكون المعجمة (ابن حرب) بفتح المهملة(٢) بلفظ السلم بن أمية بن
عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أسلم هو وأبوه وأخوه یزید وأمه هند يوم
فتح مكة فلذا قال المصنف: (رضي الله عنهما) وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ثم حسن
إسلامهما وكان أحد الكتاب لرسول الله و *، روي له عن رسول الله وَ له مائة وثلاثة وستون
حديثاً، اتفق الشيخان على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة، روى عن
عدد كثير من الصحابة، ومناقبه كثيرة، وفضائله شهيرة وقد أفردت بالتأليف، توفي بالشام يوم
الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصفه سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين وهو ابن
اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: ست، ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن
في قميص كان رسول الله وسي كساه إياه، وأن يجعل مما يلي جسده، وكان عنده قلامة أظفار
رسول الله ﴿ فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه وقال: افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين
أرحم الراحمين (قال: قال رسول الله مر: لا تلحفوا) بضم الفوقية وكسر المهملة من
الإلحاف الإلحاح أي: لا تلحوا (في المسألة) قال المصنف: كذا هو في بعض الأصول
بالفاء، وفي بعضها بالباء الموحدة وكلاهما صحيح (فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج)
بالنصب في جواب النفي (له مسألته مني شيئاً) ونسبة الإِخراج إليها مجاز لكونها السبب أي:
يجد مني ما سأله بسبب إلحاحه وإشراف نفسه وحرصه على حصول مطلوبه (وأنا كاره)
لدفعه ولكن دفعته له لنحو اتقاء فحشه (فيبارك) بالنصب عطف على المنصوب قبله، أي:
يكثر ويدوم (له فيما أعطيته) ومن ثم قال الفقهاء: من أخذ شيئاً على أمر أظهره وهو غير متصف
به باطناً بملك(٣) ذلك المأخوذ وتصرفه فيه باطل، ومن هنا غلبت الفاقة على كثير
لاستشرافهم الأحوال وإخراجهم بالإلحاح في السؤال فلا يبارك لهم فيها بوجه (رواه مسلم)
في كتاب الزكاة من صحيحه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: النهي عن المسألة (الحديث: ٩٩).
(٣) قوله (بملك) لعله (لا يملك). ع
(٢) كذا. ع

٥١٢
كتاب: دليل الفالحين
٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأشْجَعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا
عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ)) وَكُنَّا
حَدِيْثَ عَهْدٍ بِبْعَةٍ، فَقُلْنا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعونَ رَسُولَ اللَّهِ؟))
فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنا وَقُلْنَا: قَدْ بَا يَعْناكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدوا اللَّهُ
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، والصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا) وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً: ((وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ
٥٢٨ - (وعن أبي عبد الرحمن) وقيل: أبو عمرو وبدأ به في الأطراف، وقيل: أبو عبد الله
وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو حاتم (عوف) عطف بيان لما قبله أو بدل منه وهو بالمهملة
آخره فاء بوزن فور (ابن مالك) بن أبي عوف (الأشجعي) الغطفاني (رضي الله عنه) أول
مشاهده الفتح، وكان حامل راية قوة، سكن دمشق وكان داره بها سنة ثلاث وتسعين، وأما
قول الشيخ أبي إسحاق في مهذبه: إن عوف بن مالك رجع عليه بسيفه يوم خيبر فقتله فغلط
صريح، إنما ذلك عامر بن الأكوع نبه عليه المصنف في التهذيب، روي له عن
رسول الله وَ﴿ سبعة وستون حديثاً منها عند الشيخين ستة، انفرد البخاري بواحد منها ومسلم
بباقيها، وخرج له الأربعة، وروى عنه جبير بن نضير والشعبي وآخرون (قال: كنا جلوساً)
جمع جالس خبر كان، ويحتمل أنها تامة، وجلوساً مصدر منصوب على الحال وأفرد لكونه
مصدراً والأول أولى (عند رسول الله (18) يحتمل أن يكون لغواً متعلقاً بالفعل لا بالجلوس؛
لأن الفعل أقوى منه في ذلك، وأن يكون مستقراً خبراً بعد خبر، أو حال من اسم كان (تسعة)
بتقديم الفوقية (أو ثمانية أو سبعة) شك من الراوي في عددهم (فقال: ألا تبايعون
رسول الله ( *) وقوله: (وكنا حديث عهد ببيعة) جملة في محل الحال من فاعل تبايعون
والبيعة أصلها من البيع؛ لأنهم إذا بايعوا وعقدوا عهداً حلفوا لمن بايعهم جعلوا يدهم في يده
توكيداً كما يفعل البائع والمشتري. وكانت هذه البيعة ليلة العقبة قبل بيعة الهجرة وبيعة
الجهاد والصبر علیه (فقلنا: قد بایعناك یا رسول الله، ثم قال:) أي بعد قوله الأول، والإِتیان بثم
للفصل بين القولين بجوابهم وما معه (ألا تبايعون رسول الله) زاد أبو داود في روايته بعد
قولهم قد بايعناك حتى قالها ثلاثاً (فبسطنا أيدينا) أي: نشرناها للمبايعة (وقلنا قد بايعناك يا
رسول الله) أولاً (فعلام نبايعك) أي: فعلى أي شيء نبايعك ثانياً وما هي الاستفهامية
حذفت ألفها لدخول الجار عليها، ويجوز زيادة هاء السكت عوضاً عن الألف المحذوفة
فيقال: علامه، كما في رواية مسلم، قاله ابن رسلان، وبه يعلم أن حذف الهاء من نسخ
الرياض من علام من تحريف الكتاب؛ لأن الذي فيه رواية مسلم (قال: أن تعبدوا الله) أي:
أبايعكم على عبادة الله (وحده) أي: منفرداً وهو حال من الجلالة (ولا تشركوا به شيئاً) أي:

٥١٣
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
شَيْئًا)) فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَداً يُنَاوِلُهُ إِيَّهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمُ (١).
٥٢٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ
بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْمُزْعَةُ)) بِضَمِّ
الميمِ وَإِسْكَانِ الزاي وَبِالعينِ المُهْمَلَةِ: الْقِطْعَةُ(٢)
من الشرك أو من المعبودات، فهو مفعول مطلق أو مفعول به كما تقدم (والصلوات الخمس)
أي: وتصلوا الصلوات كما صرح به أبو داود (وتسمعوا وتطيعوا) أي: لولي الأمر ومن
أوجب الله طاعته في غير معصيته (وأسر كلمة خفية) إنما أسر هذه الكلمة دون ما قبلها؛ لأن
ما قبلها وصية عامة وهذه الجملة مختصة ببعضهم والمراد بالكلمة المعنى اللغوي وهي
الجملة المبينة بقوله: (ولا تسألوا الناس شيئاً) قال القرطبي: هذا حمل منه على مكارم
الأخلاق والترفع عن تحمل منن الخلق وتعظيم الصبر على مضض الحاجات والاستغناء عن
الناس وعزة النفس (فلقد رأيت بعض أولئك النفر) بالجر نعت أو عطف بيان لاسم الإِشارة
على الخلاف في أمثاله بين ابن الحاجب وابن مالك، وقال ابن رسلان: هو بدل منه (يسقط
سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه) فيه التمسك بالعموم، لأنهم نهوا عن السؤال،
والمراد منه سؤال الناس أموالهم فحملوه على عمومه، وفيه التنزه عن جميع ما يسمى
سؤالاً وإن كان حقيراً، وروى الإِمام أحمد عن أبي ذر لا تسألن أحداً شيئاً وإن سقط
سوطك، ولا نقبض أمانة (رواه مسلم) في الزكاة من صحيحه منفرداً به عن البخاري ورواه
أبو داود فيها والنسائي في الصلاة وابن ماجه في الجهاد.
٥٢٩ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌ّ قال: لا تزال المسألة) أي: طلب
العطاء من السوي (بأحدکم) أي: بالواحد منکم أي: إن طبع الإِنسان الاستكثار من الدنيا
فلا يزال في الدنيا يسأل مالهم تكثراً (حتى يلقى الله) كناية عن الموت والحشر، ويؤيد الثاني
أن في بعض رواياته ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة
رواه مسلم (وليس في وجهه مزعة لحم) جملة حالية من فاعل يلقى (متفق عليه) رواه
البخاري ومسلم في الزكاة من صحيحيهما، ورواه النسائي في الزكاة أيضاً (المزعة بضم
الميم وسكون الزاي وبالعين المهملة القطعة) قال المصنف قال القاضي: قيل: معنى
00
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس (الحديث: ١٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: من سأل الناس تكثراً (٢٦٨/٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس (الحديث: ١٠٣)

٥١٤
كتاب: دليل الفالحين
٥٣٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ
الصَّدَقَةَ وَالتَّعَقُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ: ((الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّغْلَى. وَالَيَدُ الْعُلْيَا هِيَ
الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٥٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ سَأَلَ
الحديث: يأتي يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره فيحشر
وجهه لا لحم عليه عقوبة له وعلامة له بذنبه حين سأل وطلب بوجهه كما جاءت الأحاديث
الأخر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالاً
منهياً عنه وكثر منه كما أشرنا إليه كما يدل عليه رواية ((من يسأل الناس أموالهم تكثراً)
الحديث.
٥٣٠ - (وعنه) يعني ابن عمر (أن رسول الله وَ لتر قال: وهو على المنبر) جملة حالية أيضاً
من فاعل قال، وقوله: (وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة) جملة حالية أيضاً من فاعل
قال، فتكون مترادفة أو من الجملة الحالية الأولى فتكون متداخلة، وقوله: يذكر الصدقة أي:
يذكر ما في فضلها أو فضل التعفف (اليد العليا خير من اليد السفلى) هذا مقول القول، ولما
كان في ذلك نوع إجمال فلذا اختلف فيه على أقوال كما تقدم عن الفتح، رفعه بقوله :
(واليد العليا هي المنفقة) بالنون والفاء والقاف. وعند أبي داود في بعض طرقه بدلها
المتعففة قال: وقال أكثرهم: المنفقة (والسفلى هي السائلة) قال القرطبي: هذا أي: حديث
مسلم نص يدفع تعسف من تعسف في تأويله، غير أنه وقع عند أبي داود إلى آخر ما تقدم،
وقال المصنف: ورجح الخطابي رواية المتعففة بأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها.
قال المصنف: والصحيح الرواية الأولى ويحتمل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلا من السائلة
والمتعففة أعلا منها، والمراد بالعلو علو الفضل والمجد (متفق عليه) روياه في الزكاة من
صحيحيهما ورواه أبو داود والنسائي فيها من سننهما.
٥٣١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله و طاهر: من سأل) كذا في الرياض
بصيغة الماضي وفي أصل مصحح من مسلم بصيغة المضارع المجزوم بسكون مقدر
للتخلص من التقاء الساكنين (الناس تكثراً) أي: ليكثر ماله مما يجتمع عنده بسبب السؤال
(فإنما يسأل جمراً) قال القاضي: إنه يعاقب بالنار، قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره فإن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (٣/ ٢٣٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا ... (الحديث: ٩٤)

٥١٥
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
النَّاسَ تَكَثُّراً فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْراً، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ فَلْيَسْتَكْثِرْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٥٣٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
الْمَسْأَلَةَ كَذِّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَاناً، أَوْ فِي أَمْرِ لاَ بُدَّ مِنْهُ))
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ((الْكَدُّ)): الْخَدْشُ وَنَحْوُهُ(٢).
الذي يأخذه يصير جمراً يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة (فليستقل أو فليستكثر) اللام فيه
ساكنة للأمر والفاء فيه للتفريع وأو فيه للتخيير أي: فهو مخير إذ عرف مآل ذلك بين الاستكثار
والاستقلال فيكثر عذابه أو يقل (رواه مسلم) في الزكاة، ورواه ابن ماجه فيها أيضاً.
٥٣٢ - (وعن سمرة) بضم الميم (ابن جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال آخره
موحدة تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب توقير العلماء (قال: قال رسول الله وَله: إن
المسألة) مفعلة من السؤال أي: سؤال الناس من دنياهم (كد) بفتح الكاف وتشديد الدال
المهملة، قال في النهاية: هو الإِتعاب، يقال: كد في عمله يكد: إذا استعجل، ونحوه ما في
المصباح من أنه الشدة في العمل. وفي المشارق: هو الجهد في الطلب. وسيأتي في الأصل
أنه الخدش (يكد) بضم الكاف أي: يتعب (بها الرجل) الباء فيه للسببية والرجل مثال فالمرأة
مثله في ذلك (وجهه) قال في النهاية أي: ماؤه ورونقه. والحديث في سنن أبي داود بلفظ
((المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن
يسأل)) إلى آخر الحديث. وقد لمح إلى هذا المعنى من قال:
كفتك القناعة شبعاً وريا
إذا أظمأتك أكف اللئام
وهامة همته في الثريا
فكن رجلاً رجله في الثراء
دون إراقة ماء المحيا
فإن إراقة ماء الحياة
(إلا أن يسأل الرجل سلطاناً) أي: يطلب منه ما أوجب الله من زكاة أو خمس أو في
بيت المال ونحوه (أو في أمر لا بد) بضم أوله وتشديد المهملة: لا فراق (منه) فلا يستطيع
تركه فتحل له المسألة فيما دعت إليه الضرورة (رواه الترمذي) في الزكاة من جامعه (وقال:
حديث حسن صحيح) ورواه أبو داود كما ذكرناه والنسائي كلاهما في الزكاة من سننهما
(الكد: الخدش ونحوه) لعله تفسير باللازم.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس (الحديث: ١٠٥).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة (الحديث: ٦٨١).

٥١٦
كتاب: دليل الفالحين
٥٣٣ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ
فَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ!
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ. ((يُوشِكُ)) بِكَسْرِ الشينِ: أَيْ يُسْرَعُ(١).
٥٣٤ - وَعَنْ ثوبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ
لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟)) فَقُلْتُ: أَنَا. فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَداًّ شَيْئاً. رَوَاهُ
٥٣٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: من أصابته فاقة) قال في
المصباح أي: حاجة (فأنزلها بالناس) طالباً رفعها عنه بإعانتهم راكناً في ذلك إليهم (لم تسد)
بالبناء للمجهول للعلم بالفاعل (فاقته) أي: بل يؤدي ذلك إلى غضب الله تعالى ودوام فاقته إذ
أنزل حاجته إلى عاجز مثله وترك اللجأ إليه سبحانه وهو القادر على قضاء حوائج الخلق كلهم
من غير أن ينقص من ملكه شيء. قال وهب بن منبه لرجل يأتي الملوك: ويحك تأتي من
يغلق عنك بابه ويواري عنك غناه وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار ويظهر
لك غناه، فالعبد عاجر عن جلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على ذلك إلا الله
سبحانه (ومن أنزلها) فالهمزة فيه وفيما قبله للتعدية، قال في المصباح: نزل نزولاً. ويتعدى
بالهمز والحرف والتضعيف، يقال: نزلت به وأنزلته ونزلته أي: فمن جعل فاقته نازلة (بالله)
أي: مستعيناً به في رفعها (فيوشك) أي: فهو يوشك بضم التحتية (الله له برزق عاجل) في
رفع لأواه (وآجل) بالمد أي: لدفع بلواه قال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له
إلا هو﴾(٢) وقال تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾(٣) وفي الترمذي من لم يسأل الله يغضب
علیه (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال في الجامع ورواه من حديث ابن
مسعود أحمد والحاكم في مستدركه. (يوشك بكسر الشين) أي: المعجمة وفتح أوله (أي:
يسرع).
٥٣٤ - (وعن ثوبان) بالمثلثة والموحدة آخره نون بوزن غضبان وهو مولى رسول الله وله
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ( *: من تكفل) بفتح الفوقية وتشديد الفاء أي: ضمن،
ورواه النسائي بلفظ من ضمن لي واحدة وله الجنة (لي ألا يسأل الناس شيئاً) أي: مما لا
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: في الاستعفاف (الحديث: ١٦٤٥).
راحرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الهم في الدنيا وحبها (الحديث: ٢٣٢٦)
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ٣٢.

٥١٧
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ (١).
٥٣٥ - وَعَنْ أَبِي بِشْرٍ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةٌ
فَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ أَسْأَلُّهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَأْمُرُ لَكَ بِهَا)) ثُمَّ قَالَ:
((يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّ لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ
حتى يُصيبها
ضرورة به إليه (وأتكفل) برفع اللام جملة حالية لضمير المجرور أي: من يضمن لي عدم
السؤال حال كوني ملتزماً (له) على كرم الله عز وجل (بالجنة فقلت: أنا) عبارة السنن فقال
ثوبان: أنا وزاد ابن ماجه فقال: لا يسأل الناس شيئاً (فكان لا يسأل أحداً شيئاً) ظاهره نفي
سؤاله لكل شيء، وعند ابن ماجه فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولينه
حتی ینزل فيأخذه (رواه أبو داود) في كتاب الزكاة من سننه (بإسناد صحيح) ورجاله رجال
الصحيح .
٥٣٥ - (وعن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (قبيصة) بفتح القاف وكسر
الموحدة وسكون التحتية بعدها مهملة (ابن المخارق) بضم الميم بعدها خاء معجمة ابن
عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة العامري الهلالي البصري
الصحابي (رضي الله عنه) قال المصنف: وفد على رسول الله زيّ فأسلم، وروي له عن
النبي وَل ستة أحاديث. روى مسلم أحدها وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: سكن
البصرة، خرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي (قال: تحملت) في الإِتيان به من باب التفعل
إيماء إلى كلفة الأمر والدخول فيه (حمالة فأتيت رسول الله ويتر أسأله فيها) جملة أسأل في
محل الحال من فاعل أتيت، وفي يحتمل كونها للظرفية المجازية ويحتمل كونها سببية نحو
حديث عذبت امرأة في هرة أي: أسأله لسبب الحمالة (فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة) يعني
الزكاة، فأل فيه عهدية والمعهود قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾(٢) (فنأمر) بالنصب ويجوز
على بعد الرفع على الاستئناف (لك بها) أي: بمسألتك (ثم قال:) إرشاداً إلى أنه لا ينبغي
السؤال إلا عن حاجة حافة أو لأمر مهم كما هنا (يا قبيصة إن المسألة) أي: السؤال للصدقة
المعهودة وهي الزكاة كما في فتح الإِلّه (لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له
المسألة) أي: أن يسأل الإِمام وأهل الزكاة في أوقاتها (حتى) إلى أن (يصيبها) أني. حتى
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: كراهية المسألة (الحديث: ١٦٤٣).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠

٥١٨
كتاب : دليل الفالحين
ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى
يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ، أَو قَالَ: سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ
مِنْ ذَوي الْحِجا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَاناً فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِواماً
مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ؛ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُها
يقضي دينه الذي تحمله لأجلها (ثم) بعد قضائها (يمسك) عن المسألة إلا لضرورة أو حاجة
أخرى (ورجل أصابته جائحة) بالجيم والحاء المهملة بينهما ألف فهمزة (اجتاحت) أي:
استأصلت (ماله) کزرعه وثمره (فحلت له المسألة) أي: أن يسأل الناس في سد خلته (حتى
يصيب قواماً من عيش) أي: ما يقوم بحوائجه الضرورية. والحاجية وهو بيان للقوام (أو)
شك في أي اللفظين المترادفين نطق به (قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة) أي:
فقر شديد اشتهر بين قومه (حتى يقول) بالنصب غاية لمقدر أي: وظهرت فلم تخف على
قومه إلى أن يقول (ثلاثة من ذوي الحجى) بكسر المهملة وبعدها جيم مقصور أي: العقل
الكامل (من قومه)؛ لأن مثل هذا العدد الذي هو أقل الكثير مع إنصافهم بكمال العقل،
وكونه من قومهم العارفين بحاله الظاهرة والباطنة والمطلعين منها على ما لا يطلع عليه أحد
غيرهم منها يقبله ويصدقه كل أحد فيما يخبر به عن أحوال ذلك الرجل، قائلين إخباراً للناس
بحاله ليتصدقوا عليه مع التأكيد بلام القسم (لقد أصابت فلاناً فاقة) وما شرحنا عليه يقول:
باللام هو ما وقفت عليه من نسخ الرياض وهو كذلك، في رواية أبي داود. والذي في
صحيح مسلم حتى يقوم بالميم بدل اللام، قال المصنف: وهو صحيح، والمعنى أي:
يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابته إلخ وقدره ابن حجر في فتح الإِلَّه حتى يقوم على
رءوس الأشهاد ثلاثة من ذوي الحجى قائلين: لقد أصابته إلخ قال: وبما تقرر في معنى يقوم
أنه باق على ظاهره وأن ((لقد أصابت إلخ)) مقول قول محذوف حال من فاعل يقوم محذوفه
لدلالة مقولها عليها لعدم صلاحية تعلقه بيقوم، على أن حذف القول وابقاء مقوله سائغ
فصيح وإن الباعث على هذا مزيد التحري لمزيد السؤال والكف عنه حتى يظهر فقره،
واضطراره للناس بإخبار العدد الكثير الجامعين مع وصف الكثرة لوصف العقل، وكونهم من
أقاربه المحيطين بحاله غالباً يعلم اندفاع قول الصغاني يقوم وقع في كتاب مسلم والصواب
يقول كما في رواية أبي داود وقول غيره يقوم بمعنى يقول، وهو وإن صح إلا أن المراد
المبالغة في الكف عن المسألة حتى يظهر صدقه وهو غالباً إنما يظهر بثلاثة من قومه، فذكر
لذلك مبالغة لا لتوقف الحل عليه، (فحلت له المسألة) بسبب تلك القرائن الدالة على
صدقه في سؤاله (حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش) وفي تعبيره بالحاجة

٥١٩
٥٧ - باب: في القناعة والعفاف والاقتصاد
صَاحِبُها سُحْتً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الْحَمَالَةَ)) بِفَتْحِ الْحَاءِ: أَنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنَحْوُهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ
فَيُصْلِحُ إِنْسَانٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَالٍ يَتْحَمَّلْهُ وَيَلْتَزِمُهُ عَلَى نَفْسِهِ. و((الْجَائِحَةُ)): الآفَةُ تُصِيبُ
مَالَ الإِنْسَانِ. و((الْقِوامُ)) بِكَسْرِ القَافِ وَفَتْحِهَا هُوَ: مَا يَقُومُ بِهِ أَمْرُ الإِنْسانِ مِنْ مَالٍ
في الثاني والفاقة في الثالث حتى يشهد من ذكر غاية المبالغة في الكف عن المسألة إلا بعد
الوصول لحالة الاحتياج الشديد، بل الاضطرار الملحق بأكل الميتة وفي قوله: قواماً أو
سداداً أنه بعد أن حلت له المسألة لا يكثر منها، بل يقتصر على ما يقتصر عليه المضطر من
سد الرمق لا أن يحتاج إلى سد الرمق به في المستقبل بأن كان ذلك المحل يكثر فيه الناس
زمناً ويقلون في آخر فله السؤال في أيام كثرتهم ما يقوم بحاجته أيام قلتهم (فما سواهن)
أي: هذه الأقسام الثلاثة (من المسألة) للزكاة أو وصدقة النفل (يا قبيصة سحت) أي: حرام
لا يحل فعله؛ لأنه يسحت البركة أي: يذهبها ويهلكها، وأصل السحت: الإِهلاك، ثم هو
مرفوع هكذا في نسخ الرياض فيما وقفت عليه، قال المصنف في شرح مسلم: فما سواهن
من انمسألة يا قبيصة سحتاً هكذا هو في جميع النسخ سحتاً بالنصب، ورواه غير مسلم(١)
وهو واضح، ورواية مسلم صحيحة وفيه إضمار أي: اعتقده سحتاً أو يؤكل سحتاً. اهـ.
ومنه يعلم أن إبدال الميم في يقوم باللام والنصب بالرفع إن لم يكن من سبق قلم المصنف
سهواً من رواية مسلم إلى رواية غيره فهو من تحريف الكتاب وقوله: (يأكلها) صفة لسحت
والتأنيث باعتبار كونه خبر ما، المراد منها الصدقة (صاحبها) حال كونها (سحتاً) أي: حراماً
خالصاً لا شبهة في أكلها ولا تأويل (رواه مسلم) في الزكاة من صحيحه، ورواه أبو داود
والنسائي في الزكاة من سننهما (الحمالة بفتح الحاء) المهملة وتخفيف الميم واللام بينهما
ألف (أن يقع قتال ونحوه بين فريقين) أو يوجد قتيل بين قريتين أنكره أهل كل منهما وأدى
الأمر إلى التقاتل (فيصلح إنسان بينهم على مال يتحمله ويلتزمه على نفسه) دفعاً لتلك
المفسدة، والتعبير بالتفعل والافتعال لما تقدم في قوله تحملت. قال ابن حجر في فتح
الإِلَه: فيعطي من الزكاة ما يسد به دينه لذلك وإن كان غنياً (والجائحة الآفة) بالمد (تصيب
مال الإِنسان) قال في فتح الإِلَه: أصل وضع الجائحة مختص بالآفة السماوية والمراد في
الحديث ما يشمل الأرضية أيضاً؛ لأن المرا: فقره وحاجته. وفي النهاية: الجائحة هي الآفة
التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة وفتنة منفرة جائحة اهـ. وفي
المصباح: الجائحة الآفة اهـ. وهما مطلقان كما قال المنصف: والذي أشار إليه ابن حجر
.0
(١) كذا، ولعله (ورواه غير مسلم بالرفع الخ). ع
0

٥٢٠
كتاب : دليل الفالحين
وَنَحْوِهِ. و((السِّدَادُ) بِكَسْرِ السِّينِ: مَا يَسُدُّ حَاجَةَ الْمُعْوِزِ وَيَكْفِيهِ. و((الْفَاقَةُ)): الْفَقْرُ.
و ((الحِجا)): الْعَقْلُ(١).
٥٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ
الَّذي تَرُدُّهُ اللّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّی
في فتح الإِلَّه هو قول الشافعي: الجائحة ما أذهبت الثمر بأمر سماوي اهـ. وحينئذ فلعل فيه
لأهل اللغة قولين: الإِطلاق والتقييد (والقوام بكسر القاف) واقتصر عليه المصنف في شرح
مسلم وابن حجر في فتح الإِلَّه (وفتحها) وهما مع تخفيف الواو، واللغتان نقلهما في
المصباح فقال: يقال: هذا قوامه بالفتح والكسر وتقلب الواو ياء جوازاً مع الكسرة أي:
عماده الذي يقوم به، ومنهم من يقتصر على الكسر، والقوام بالكسر ما يقيم الإِنسان من
القوت، والقوام بالفتح العدل والاعتدال اهـ. فلعل من اقتصر على الكسر فسره بماء يقيم
من القوت ومن ذكر الفتح معه فسره بقوله: (وهو ما يقوم به أمر الإِنسان من مال ونحوه) ولا
يضر في هذا الجمع كونه قال في شرح مسلم: القوام والسداد بكسر أولهما ما يغني من
الشيء ويسد به الحاجة؛ اقتصر على الكسر إما لأن مراده ما يغني ويسد من خصوص القوت،
أو اقتصر عليه؛ لأنه الأفصح (والسداد بكسر السين) المهملة (ما يسد حاجة المعوز) بضم
فسكون فكسر، من أعوز الرجل: افتقر (ويكفيه) أي: من مال ونحوه كما قدمه المصنف في
قرینه الذي شك فيه الراوي هل هو أو ذاك، زاد في شرح مسلم: وكل شيء سددت به شيئاً
فهو سداد بالكسر، ومنه سداد الثغر وسداد القارورة، وقولهم: سداد من عوز (والفاقة) بالفاء
والقاف بينهما ألف (الفقر) أي: الحاجة كما في المصباح، يقال أفتاق الرجل: احتاج، وهو
ذو فاقة أي: حاجة (والحجى) بالضبط السابق فيه (العقل).
٥٣٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ليس المسكين) أي: الكامل
المسكنة الممدوحها لا لنفي أصل المسكنة (الذي ترده اللقمة واللقمتان) زاد مسلم في رواية
له: ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان (والتمرة
والتمرتان ولكن) عطف على ما قبله، ولكن لاستدراك ثبوت ما توهم نفيه من سابقه، إذ
المعهود في المسكين عند الناس هو الطواف، وقد نفي عنه المسكنة فربما يتوهم نفيه مطلقاً
فرفع ذلك بقوله ولكن (المسكين الذي لا يجد غنّى) بكسر أوله المعجم وبالقصر ضد الفقر
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: من تحل له المسألة (الحديث: ١٠٩).