Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٣٠ - باب: في الشفاعة ٣٠ - باب: في الشفاعة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ السخاوي في تخريجها: هذا حديث صحيح أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، ومسلم في الدعوات من صحيحه، وأبو داود وابن ماجه في سننيهما، وأبو عوانة في مستخرجه، ومداره عندهم على أبي معاوية، وهو محمد بن حازم، بمعجمتين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وله طرق كثيرة عن الأعمش في بعضها عنه، قال: حدثت عن أبي صالح، فأثبت بينهما واسطة، والأعمش مدلس؛ ولذلك قال الترمذي كأنه يعني بإثبات الواسطة أصح، وجعل ذلك عذراً له عن عدم تصحيحه، بل اقتصر على تحسينه لشواهده، ويحتمل أن يكون توقف البخاري عن تخريجه لذلك، ولكن إنما صححه مسلم، وكذا ابن حبان والحاكم من حديث الأعمش بلا واسطة لوقوعه في رواية مسلم، وغيره بالتصريح الذي يؤمن معه من تدليسه كما بينت ذلك واضحاً فيما علقته من تكملة شرح الترمذي اهـ. كلام السخاوي، والحديث عظيم جليل جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب والفضائل والفوائد والأحكام، وفيه إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة، منها حديث: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)). باب الشفاعة قال الرازي: هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة. وأصلها من الشفع ضد الوتر، كأنّ صاحب الحاجة كان فرداً فصار صاحب الشفع له شفعاً، أي: صارا زوجاً اهـ. وفي النهاية هي السؤال في التجاوز عن الذنب والجرائم اهـ. وقيل هي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه، وللغزالي في معنى الشفاعة وسببها كلام نفيس أودعته باب الأذان من شرح الأذكار فراجعه. (قال تعالى) علو مكانة وعظمة لا علو مكان. (من يشفع شفاعة حسنة) بأن يجلب بها المسلم نفعاً، أو دفع عنه سوء ابتغاء لوجه الله تعالى، ومن ذلك الدعاء للمؤمن بظهر الغيب، ومن ثم ورد عنه ◌َيلر: ((من دعى لأخيه بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك مثل ذلك)). (يكن له نصيب منها) هو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير. (١) سورة النساء، الآية: ٨٥. ٤٢ كتاب: دليل الفالحين ٢٤٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسائِهِ، فَقَالَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانٍ نَبِّهِ مَا أَحَبَّ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَا شَاءَ)(١). ٢٤٧ - (وعن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي ◌َّة) من مزيد عنايته بصحابته، ودلالته على الخير لأمته (إذا أتاه طالب حاجة) دينية أو دنيوية، (أقبل على جلسائه) جمع جليس، كشريف وشرفاء، (فقال اشفعوا تؤجروا) أي: إن تشفعوا تؤجروا، أي: يحصل لكم الأجر بشفاعتكم، سواء أقضيت الحاجة أم لا. فتؤجروا جواب الشرط المقدر، ففيه الحض على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة الضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول للرئيس والتمكن منه ليوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه، ويستثنى ما لا تجوز الشفاعة فيه، وذلك الحدود التي لله (ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)، أي: ما أراد مما سبق في علمه الأزلي، من وقوع الأمر وحصوله أو عدمه، فالمطلوب الشفاعة والثواب، مرتب عليها سواء حصل المشفوع به بأن كان مقدراً في العلم الأزلي حصوله بها أم لا، بأن كان له فيه سبب آخر لم يحصل، أو قام مانع من حصوله. (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الزكاة وفي باب الأدب وباب التوحيد، ومسلم في باب الأدب وفي باب السنة، ورواه أبو داود في الأدب أيضاً، ورواه الترمذي في العلم وقال حسن صحيح، والنسائي في الزكاة، قال المزي: وکونه عند أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم، ومدار الحديث عند من ذكر على أبي الأسود الدؤلي عن أبي مرسي اهـ. ملخصاً. (وفي رواية) للبخاري رواها هكذا في كتاب الأدب من صحيحه (ما شاء) أي: وهو اعتبار خصوص كونه جارياً على لسان نبيه و ما أحب، فالاختلاف بين الروايتين مبنى لا معنى، وإن كان بالنسبة إلى غيره المراد، والمشيء أعم من المحبوب والمرضي فجميع ما في الكون من الكفر والعصيان بمشيئة مولاه وإرادته، وليس ذلك بمحبته ورضاه. قال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٢) (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة. (٢٣٨/٣) وفي التوحيد والأدب. وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام، (الحديث: ١٤٥). (٢) سورة الزمر، الآية: ٧. ٤٣ ٣٠ - باب: في الشفاعة ٢٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قِصَّةٍ بَرِيرَةً وَزَوْجِها، قَالَ: قَالَ لَها النّبِيُّ ◌ِ: ((لَوْ رَاجَعْتِهِ؟)) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَشْفَعُ)) قَالَتْ: لَ حَاجَةً لِي فِيهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٢٤٨ - (وعن) عبد الله (ابن عباس رضي الله عنهما) من جملة حديثه (في قصة بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء وإسكان التحتية؛ مولاة عائشة أم المؤمنين، وحديثها مشتمل على فوائد عديدة أفردت بالتأليف (وزوجها) مغيث، وهو كما في التوشيح للسيوطي، بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية وبعدها مثلثة، ووقع عند العسكري بفتح المهملة وتشديد المثناة ثم الباء الموحدة اهـ. ومغيث عبد أسود، وما روي عن عائشة من أنه حر فمعارض أو محمول على ما بعد كما سيجيء في الاستيعاب، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان مولى لبعض بني مطيع، ((قلت)): في البخاري عبداً لبني فلان، قال السيوطي: في الترمذي عبداً لبني المغيرة، وفي المعرفة لابن منده مولى أبي أحمد بن جحش اهـ. أعتقت تحته بريرة فخيرها رسول الله وَّر فاختارت نفسها، وكان مغيث حين عتقها واختيارها عبداً فيما يقول الحجازيون، وقال الكوفيون: كان يومئذ حرا والأول أصح اهـ. (قال) أي: ابن عباس: (قال لها النبي والر: لو راجعتيه) الرواية بإثبات الياء لإشباع الكسرة، قاله الهروي في المرقاة، ويخالفه قول السيوطي في التوشيح بعد أن أورد لفظ رواية البخاري: لو راجعته من غير ياء، ثم قال: ولابن ماجه لو راجعتيه بزيادة الياء، وهي لغة ضعيفة، وزاد: فإنه أبو ولدك اهـ. ولو للتمني، أو للشرط، والجواب محذوف أي لكان أحسن أو لك فيه ثواب، وفيه معنى الأمر، فلذا (قالت يا رسول الله تأمرني) بتقدير الهمزة قبله أي: أتأمرني بمراجعته أي: على سبيل الوجوب فيجب على (قال إنما أشفع) أي: آمرك استحباباً (قالت: لا حاجة) أي: لا غرض ولا صلاح (لي فيه) أي: في ارتجاعه، وفيه إيماء إلى عذرها في عدم قبول شفاعته * حيث قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾(٢) وأنها فهمت من شفاعته في ذلك تخييرها، وإطلاق الشفاعة على التخيير مجاز بجامع عدم إيجاب كليهما، وقد بسطت الكلام في ذلك في شرح الأذكار. (رواه البخاري) وروى الترمذي في النكاح نحوه وقال الترمذي : حسن صحيح (١) أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: شفاعة النبي ولد في زوج بريرة (٣٥٩/٩، ٣٦٠). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨ ٤٤ كتاب: دليل الفالحين ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿لَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى(٤): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ باب الإصلاح بين الناس إذا حصل بينهم خصام وشنآن؛ لأن المؤمنين إخوان، والناس اسم جنس جمعي، قيل: مأخوذ من الانس ضد الوحشة، ففيه قلب، وقيل: من نوس إذا تحرك، وعلى هذا فيدخل فيه الجن وتقدم بسطه مراراً. (قال الله تعالى: لا خير في كثير من نجواهم) أي: الناس، أي: ما يتناجون به ويتحدثون به (إلا) نجوى (من أمر بصدقة أو معروف) عمل بر (أو إصلاح بين الناس) فالاستثناء متصل، ويجوز أن يكون منقطعاً، لكن نجوى من كان كذلك خير، قال الواحدي في تفسيره الوسيط: هذا مما حث عليه رسول الله وهلهو فقال لأبي أيوب الأنصاري: ((ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: تصلح بين الناس إذا فسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا)) وروت أم حبيبة أن النبي - * قال: ((كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله تعالى)). وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث! قال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾(٥) فهو هذا بعينه اهـ. (وقال تعالى والصلح خير) من الفرقة والنشوز والإِعراض، أي: لما فيه من الالتئام المطلوب من الزوجين. (وقال تعالى: وأصلحوا ذات بينكم) أي: حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع (وقال تعالى: إنما المؤمنون إخوة) أي: في الدين (فأصلحوا بين أخويكم) إذا تنازعا، وقرىء إخوتكم بالفوقية (١) سورة النساء، الآية: ١١٤ (٢) سورة النساء، الآية: ١٢٨ (٣) سورة الأنفال، الآية: ١ (٤) سورة الحجرات، الآية: ١٠ . (٥) سورة النساء، الآية: ١١٤. ٤٥ ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس ٢٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((كُلُّ سُلامى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعَينُ ٢٤٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: كل) بالرفع مبتدأ، خبره عليه صدقة (سلامى) بضم السين وتخفيف اللام، هو العضو، وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء اهـ. وفي النهاية السلامى جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: جمعه ومفرده واحد، ويجمع على سلاميات اهـ. وقول الأذكار يميل إلى غير آخر بقيل، وفي المشارق للقاضي عياض: أصل السلامى عظام الأصابع والأكارع، وفي النهاية: هي التي بين مفصلين من أصابع الإِنسان، وقيل: كل عظم مجوف من صغار العظام، المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. وقيل: إن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف السلامى والعين اهـ. وظاهر أن المراد من السلامى هنا ما هو أعم من العضو، وهو كما في القاموس: كل لحم وافر بعظم وغيره، فقولي في الأذكار: أو هو العضو، إما باعتبار معناه لغة على بعض الأقوال، وإما أنه تجوز به عن مطلق الجزء، قال في شرح مسلم: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن ومفاصله اهـ. قال العراقي في شرح التقريب: وهو المراد في الحديث. ((قلت)): وأيده المصنف بخبر مسلم: ((خلق الإنسان على ستين وثلثمائة مفصل)) وقوله: (من الناس) في محل الصفة لسلامى (عليه) أي: على ذلك الجنس ونظيره حديث: ((خير نساء ركبن الإِبل وأحناه على زوج نساء قريش)) قال السهيلي في الروض: الضمير فيه عائد على الجنس، أو الضمير عائد على السلامى، وذكره باعتبار أنه عضو، أو مفصل، عليه. (صدقة كل يوم) بالنصب على الظرفية الزمانية، وأجاز الحافظ في الفتح رفعه مبتدأ أولاً، وتعدل مبتدأ ثانياً، وصدقة خبر الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، والرابط مقدر، أي: كل يوم تطلع فيه الشمس العدل فيه صدقة. (تطلع) بضم اللام كما مر (فيه الشمس) جملة صفة يوم، وهو صفة توضيحية فيها بيان تجديد هذه الصدقات على الإنسان صبيحة كل يوم فى مقابلة ما أنعم الله تعالى به عليه في خلق تلك السلاميات من باهر النعم، ودوامها التي هي نعمة أخرى، ومما يزيد العبد تيقظاً لنعمة الدوام عليه أنه تعالى قادر على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل آن، وهو في ذلك عادل في حكمه، فعفوه عن ذلك إدامة نعمة العافية عليه صدقة توجب الشكر بدوامها، فيتعين على العبد الشكر لهذه النعم بالصدقة بما يأتي في الحديث، وغيره مقابلة لتلك النعم بقدر الطاقة مع ما ورد من أن الصدقة تدفع البلاء، فبوجودها عن أعضائه يرجى اندفاع البلاء عنها، وظاهر قوله: ((عليه صدقة كل يوم)) وجوب الشكر بهذه الصدقة كل يوم، ٤٦ كتاب: دليل الفالحين الرَّجُلَ فِي دابَتِهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الَِّّةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيها إِلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ)) مُتَّفَقٌ لكن في حديث الصحيحين ((فإن لم يفعل فليمسك عن الشر فإنه له صدقة)) وهو يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئاً من الشر، ويلزم من ذلك القيام بجميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، وهذا هو الشكر الواجب، وهو كاف في شكر هذه النعم وغيرها، أما الشكر المستحب فهو: أن يزيد على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالأذكار، والمتعدية كالإعانة والعدل، وهذا هو المراد من هذا الحديث وأمثاله، مع أن فيه ذكر بعض الطاعات. (يعدل) أي: يصلح، وهو بتقدير أن، قبله في تأويل مصدر مبتدأ، خبره صدقة، أو أوقع الفعل فيه موقع المصدر، أي: مع قطع النظر عن أن، وهذا الإِعراب جار في قوله وتعين وما بعده كما سبق في باب بيان كثرة طرق الخير، أي: عدله (بين الاثنين) المتهاجرين، أو المتخاصمين، أو المتحاكمين بأن يحملهما لكونه حاكماً أو محكماً أو مصلحاً بالعدل، والإِنصاف والإِحسان بالقول أو الفعل على الصلح الجائز، وأشار ويله إلى أنه الذي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً. (صدقة) عليها لوقايتهما مما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال، ومن ثم عظم فضل الصلح كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿أو اصلاح بين الناس﴾(١) وقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾(٢) أي: العدل ﴿شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما﴾(٣) وجاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة بين المؤمنين. (وتعين الرجل في دابته ليحمل عليها) نفسه أو غيره بإمساكها لذلك. (أو يضع) وأورده المصنف في الأربعين: أو يرفع. (عليها متاعه) وهو كل ما ينتفع به من عرض الدنيا، قليلاً كان أو كثيراً. (والكلمة الطيبة) وهي كل ذكر أو دعاء للنفس أو للغير وسلام عليه ورد وثناء بحق، ونحو ذلك مما فيه سرور، واجتماع القلوب وتألفها وكذا سائر ما فيه معاملة الناس بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ومنه قوله ويسافر: ((ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)) وقد سبق مع حديث أبي هريرة هذا في باب بيان طرق الخير. (صدقة وبكل خطوة) هو بفتح الخاء المعجمة للمرة الواحدة، وضمها لما بين القدمين. (يمشيها إلى الصلاة) وكذا إلى سائر الطاعات، كطلب العلم، وصلة الأرحام، وزيارة الإِخوان. (صدقة وتميط) بضم أوله، أي: تزيل (الأذى) هو ما يؤذي المارة من حجر، أو شوك، أو نحوهما (عن الطريق) مذكر ومؤنث (صدقة) وأخرت هذه لأنها دون ما قبلها كما يشير إليه خبر: (١) سورة النساء، الآية: ١١٤. (٢) سورة النساء، الآية: ١٣٥. (٣) سورة النساء، الآية: ١٣٥ ٤٧ ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ((تَعْدِلُ بَيْنَهُمَا)): تُصْلِحُ بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ (١) ٢٥٠ - وَعَنْ أُمَّ كُلْتُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). (متفق عليه) وتقدم زيادة عليها من مخرجيه في الباب المشار إليه. (معنى يعدل بينهما) كنى عن الاثنين المذكورين في الخبر بضميره، (يصلح بينهما بالعدل). ٢٥٠ - (وعن أم كلثوم) بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة آخره ميم، (بنت عقبة) بضم المهملة وسكون القاف بعدها موحدة فهاء (ابن أبي معيط) بضم الميم وفتح المهملة الأولى بعدها تحتية ساكنة، واسمه أبان بن أبي عمرو، واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت (رضي الله عنها) بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة، ثم هاجرت وبايعت، فهي من المهاجرات المبايعات قيل: وهي أول من هاجر من النساء، كانت هجرتها في سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله صل ﴿ وبين المشركين من قريش، وكانوا صالحوا رسول الله وفر على أن يرد إليهم من جاء مؤمناً، وفيها نزلت: ﴿إِذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾(٢) الآية وذلك أنها لما هاجرت لحقها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة، حتى قدما على رسول الله ﴿ يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل، وقال نأبى ذلك، قال عمر بن عبد العزيز: يقولون إنهامشت على قدمها من مكة إلى المدينة، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً ومحمداً وإسماعيل، ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وروى عنها ابنها حميد بن عبد الرحمن وغيره، روى لها عن رسول الله والفر عشرة أحاديث فيما ذكر ابن حزم آخر سيرته، وابن الجوزي في مختصر التلقيح، إلا أنهما قالا في ترجمة من روي له عشرة أحاديث، (أم كلثوم) ولم ينسبوها، ثم رأيت ابن ملك قال في شرح المشارق: أنها روي لها كذلك، ولها في الصحيحين هذا الحديث الواحد اهـ. (قالت: سمعت رسول الله وله (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: من أخذ بالركاب (٢٢٦/٥ و٩٣/٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب بيان اسم الصدقة يقع ... (الحديث: ٥٦). (٢) سورة الممتحنة، الآية: ١٠. ٤٨ كتاب: دليل الفالحين رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِِ، فَيَنْمِي خَيْرَاً أَوْ يَقُولُ خَيْرَاً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِّمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّ فِي ثَلاثٍ: تَعْنِي الْحَرْبَ، وَالإِصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثَ المَرْأَةِ زَوْجَها(١). يقول: ليس الكذاب) أي: إثم الكذب من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، أو معناه ليس بكثير الكذب (الذي يصلح بين الناس) أي: يكذب للإصلاح بين المتباغضين؛ لأن هذا الكذب يؤدي إلى الخير وهو قليل أيضاً (فينمي خيراً) بفتح التحتية، أي: يبلغ خبراً فيه خير، يقال: نمى الحديث إذا بلغه على وجه الإصلاح، ونماه بالتشديد إذا بلغه على وجه الإِفساد. (أو) شك من الراوي، أي: شك هل قال: فينمي خيراً؟ أو قال: (يقول خيراً متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الصلح، ومسلم في الأدب، وكذا رواه فيه أبو داود والترمذي في البر، وقال: حسن صحيح، والنسائي في السير. (وفي رواية مسلم) لهذا الحديث، أي: في بعض طرقه زيادة على الرواية المتفق عليها، فالرواية المذكورة آنفاً فيه أيضاً من طريق معمر، قال فيه إلى قوله وينمي خيراً ولم يذكر ما بعده، أي: من الزيادة، وتلك الزيادة هي قوله (قالت) أي: أم كلثوم، كذا في طريق عند مسلم، وفي طريق أخرى عنده قال ابن شهاب الزهري: ولم أسمع ((يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث)) ... الحديث. فجعل مسلم في تلك الطريق هذه الزيادة من قول الزهري، وفي الطريق التي أشار إليها المصنف قول أم كلثوم، فقال: قالت (ولم أسمعه) أي: النبي ◌َّ (يرخص) بتشديد الخاء المعجمة وبعدها مهملة، من الترخيص ضد الحظر (في شيء مما يقول الناس) أي: أنه كذب كما هو كذلك في قول الزهري، وحذف قولها: كذب، هو كذا عند مسلم (إلا في ثلاث) أي: من الخصال (تعني) أي: أم كلثوم بتلك الثلاث (الحرب) كأن يقول لأعداء الدين مات كبيركم، أو لنا جيش كبير يأتينا، أو نحو ذلك مما فيه مصلحة عامة للمسلمين، فيجوز ارتكاب الكذب لعظم النفع. (والإصلاح بين الناس) بأن يقول لزيد مثلاً: رأيت عمراً يعني عدوه يحبك، ويثني عليك خيراً، مما لم يكن ليصلح بينهما ويذهب الشان. (وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) كأن يقول أحدهما للآخر: لا أحد (١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس. (٢٢٠/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه، (الحديث: ١٠١) ٤٩ ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس ٢٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ صَوْتَ خُصُوم. بالبابِ عَالِيَةٍ أَصْواتُهُما، وَإِذَا أَحَدُهُما يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، أحبّ إليّ منك، فهذا الكذب جائز؛ لعظم المصلحة المترتب عليه على محظور الأخبار بخلاف الواقع، وكذا يجوز الكذب لتخليص محترم، بل يجب على من سئل عن محترم قصد سائله عنه إهلاكه أن يخفيه ولو باليمين، وليس في الحديث ما يدل على الحصر، وقال قوم: لا يجوز ذلك إلا بطريق التورية وهي: أن يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره، كأن يقول فعل فلان كذا، وينوي إن قدر ويقول في الحرب مات كبيركم ويريد بعض المتقدمين منهم. قال الدماميني في حاشية البخاري: وليس في الحديث ما يقتضي جواز الكذب، فإنه قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس)) وسلب الكذب عن المصلح لا يستلزم كون ما يقوله كذباً؛ لجواز أن يكون صدقاً بطريق التصريح أو التعريض اهـ. ٢٥١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله بغير صوت خصوم بالباب) أفرد صوت المضاف مع تعدده في نفس الأمر؛ لتعدد المضاف إليه؛ لكونه لمح فيه كونه مصدراً في الأصل، قال في الصحاح: قد صات الشيء يصوت صوتاً اهـ. فيكون هذا نظير إفراد السمع في قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم﴾(١) على أحد الوجوه في الآية، أو لاختلاط أصواتهم وعدم تمايزها، فصارت كالصوت الواحد لإِدراك حاسة السمع لها رفعة. (عالية) بالجر على أنه صفة خصوم، وبالنصب على أنه حال من أصواتهما، كذا في نسخة مكتوب على ضمير التثنية رمز صح. وفي رواية للبخاري، أصواتهم بصيغة الجمع. قال في فتح الباري: كأنه جمع باعتبار من حضر، وثنى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من الجانبين بين جماعتين، فجمع باعتبار ذلك، وثنى باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جوز إرادة صيغة الجمع بالاثنين كما زعم الشراح. ((قلت)) يعني به الكرماني، (وإذا أحدهما يستوضع الآخر) أي: يطلب منه الوضيعة، أي: الحطيطة من الدين (ويسترفقه) أي: يطلب منه الرفق (في شيء) قال الحافظ في فتح الباري: وقع في رواية ابن حبان بيان ذلك الشيء، قال في أول الحديث: ((دخلت امرأة على النبي ◌َّ فقالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً فأحصيناه لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكيناً وجئنا نستوضعه ما نقصنا)) الحديث. قال الحافظ: ولم أقف على اسم أحد من المتبايعين، وهي غير قصة كعب بن (١) سورة البقرة، الآية: ٧. ٠ 00 كتاب: دليل الفالحين ٥٠ وَهُوَ يَقُولُ: واللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَفْعَلَ المَعْرُوفَ؟!)) فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَهُ أَيُّ ذُلِكَ أَحَبَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَعْنَى ((يَسْتَوْضِعُهُ)) يَسْأَلُهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ دَيْنِهِ، و((يَسْتَرْفِقُهُ)) يَسْأَلُهُ الرِّفْقَ. مالك وعبد الله بن حدرد التي في البخاري، عقب هذا الحديث كما بينه في فتح الباري. (وهو) أي: الثاني (يقول والله لا أفعل) أي: لا أضع شيئاً، وفي رواية ابن حبان: فقال: آلى أن لا يضع خيراً ثلاث مرات (فخرج رسول الله ﴿ ﴿﴿) ليصلح بينهما (فقال: أين المتألي؟) بضم الميم وفتح الفوقية والهمزة وتشديد اللام، أي: الحالف المبالغ في اليمين (على الله أن لا يفعل المعروف) من الوضع والرفق بأخيه، (فقال: أنا يا رسول الله فله) أي : ذلك المذكور من الوضع والرفق (أي ذلك أحب) وفي رواية لابن حبان: ((إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا)). قال في فتح الباري: وهذا يشعر بأن المراد بالوضع الحط، وبالرفق الاقتصار عليه وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح، أنه يريد بالرفق الأميال، وفي أواخر الصلح من الفتح بعد أن ساق عن ابن حبان بيان ما سألوا فيه الرفق من أنهم أخذوا بخلاص صاحبه، ثم سألوا منه ذلك بها، قال الحافظ: فالمراد أنهم يستوضعونه بترك الزيادة على رأس المال، والاسترفاق بترك طلب الربح. (متفق عليه) فأخرجه البخاري في كتاب الصلح عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، وهو أبو بكر، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمرة عن عائشة، ورواه مسلم في الشركة من البيوع، ثنا غير واحد من أصحابنا قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي أويس اهـ. ذكره الحافظ المزي في الأطراف، قال الحافظ ابن حجر في نكته عليها قال أبو نعيم في المستخرج: يقال إن مسلماً حمل هذا الحديث عن البخاري ١ هـ. وكلام أبو نعيم يقتضي أنه حدث به أيضاً غيره، وقد رويناه في الأول من أعالي المحاملي، رواية الأصبهانيين عنه، قال: ثنا عبد الله بن شھیب، ثنا إسماعيل فذكره ا هـ. وفي فتح الباري في باب أواخر الصلح بعد أن ذكر أنه أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس محمد بن يحيى الذهلي وذكر ما في المحامليات، قال: فيحتمل أن يفسر من أبهمه مسلم بهؤلاء وبعضهم اهـ. ثم في الحديث الحض على الرفق بالغریم، والإِحسان إليه بالوضع والزجر على الحلف على ترك الخير، وفيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط، ورفع الصوت عند الحاكم. (معنى يستوضعه يسأله أن يضع عنه بعض دينه ويسترفقه يسأله الرفق) بكسر الراء، ضد العنف، وذلك بأن لا يزيد عليه ما نقص ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس و ((المُتَلِّي)) الْخَالِفُ(١). ٢٥٢ - وَعَنْ أَبِي العَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِوبْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرِّ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحْبِسَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَدْ حُبِسَ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤْمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، عليه. (والمتألي الحالف) تقدم في كلام الحافظ، أنه الحالف المبالغ في اليمين، وهو الذي تقتضيه الصيغة. ٢٥٢ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة آخره مهملة (سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير. (أن رسول الله والخ بلغه أن بني عمرو بن عوف) أي: ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس، فيه عدة أحياء، كانت منازلهم بقباء (كان بينهم شر) السبب فيه كما في الفتح ما في رواية ((وقع بين حيين من الأنصار كلام)) وعند البخاري في كتاب الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم: ((أن أهل قبا اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله بذلك، فقالوا: اذهب بنا نصلح بينهم)) (فخرج رسول الله ( * يصلح بينهم في أناس) هذا هو الأصل كما تقدم، وتعوض الهمزة ال (من أصحابه) وفي نسخة معه بدل من أصحابه، سمى الطبراني منهم من طريق موسى بن محمد، عن أبي حازم أبيّ بن كعب وسهيل بن بيضاء، وللبخاري في الأحكام أن توجهه كان بعد أن صلّى الظهر. (فحبس) بضم المهملة الأولى وكسر الموحدة، أي: قام. (رسول الله ولي ليصلح بينهم وحانت الصلاة) أي: دخل حين الصلاة، وهي صلاة العصر كما صرح به البخاري في روايته في الأحكام، ولفظه: ((فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم)). (وجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر إن رسول الله ﴿ قد حبس وحانت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس قال نعم إن شئت) عند أحمد وأبي داود وابن حبان، أن ذلك كان بأمر النبي وَله، ولفظه: ((فقال لبلال: إن حضرت (١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: هل يشير الإِمام بالصلح. (٢٢٥/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين (الحديث: ١٩). ٥١ كتاب : دليل الفالحين فَأَقَامَ بِلَالٌ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبِّرَ وَكَبِّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَه يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَلْتَفِتُ فى صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتْ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَسِ، فَأَشَارَ إِليْهِ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرِ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت)) ... الحديث. ونحوه للطبراني، ولا يخالف هذا قوله لأبي بكر: ((هل لك أن تؤم الناس» لأنه يحمل على أنه استفهمه، هل تبادر أول الوقت أو تنتظر مجيء النبي ◌َ ي19؟ ورجح عند أبي بكر المبادرة؛ لأنها فضيلة محققة، فلا تترك لفضيلة متوهمة (فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر) وفي رواية للبخاري : فاستفتح أبو بكر الصلاة. قال في فتح الباري: وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إماماً، وحيث استمر في مرض موته وق له حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عقبة في المغازي، وكأنه لما مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف، حيث صلّى النبي ـ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمر إماماً لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم (وكبر الناس وجاء رسول الله يَلل يمشي في الصفوف) زاد البخاري في رواية: يشقها شقاً (حتى قام في الصف) أي: الأول، كما في رواية له أيضاً ولمسلم: ((فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم)) (فأخذ الناس في التصفيق) قيل: إنه مرادف للتصفيح، وقيل: لا، وهو الراجح. (وكان أبو بكر رضي الله عنه) لعلمه بالنهي عن الالتفات في الصلاة، وأنه خلسة من الشيطان يختلسها من صلاة العبد، كما جاء ذلك في الخبر المرفوع. (لا يلتفت في صلاته فلما أكثر الناس) أي: من التصفيق كما في رواية للبخاري، وفي رواية أخرى: فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه. (التفت فإذا رسول الله وَ لتر) أي: حاضراً، فالخبر محذوف (فأشار إليه رسول الله (ص ) أي: بالمكث في مقامه، وفي رواية للبخاري في كتاب الإمامة: ((فأشار إليه أن امكث مكانك)). قال الحافظ في الفتح: وفي رواية عمر بن علي: فدفع في صدره ليتقدم فأبى. (فرفع أبو بكر يده) في البخاري من باب الإمامة: يديه بالتثنية (فحمد الله) ظاهره أنه تلفظ بالحمد، لكن في رواية الحميدي عن سفيان: ((فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكراً لله ورجع القهقرى)) وادعى ابن الجوزي أنه أشار بالحمد والشكر بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون تلفظ، ويقوي ذلك ما عند الإِمام أحمد عن أبي حازم: ((يا أبا بكر لم رفعت يديك وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك)). ٥٣ ٣١ - باب: في الإصلاح بين الناس الْقَهْقَرِى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَصَلّى لِلنَّاسِ، فَلَّمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيءٌ فِي الصَّلاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا النَّصْفيقُ لِلْنِساءِ، مَنْ نَابَهُ شَيءٌ في صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّ الْتَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلَّ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟)) فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بین یدَيْ (ورجع القهقرى) أي: يمشي إلى خلفه، فقوله (وراءه) بالنصب على الحال تأكيد؛ وفعل ذلك لئلا يستدير القبلة فتبطل صلاته، وهو محمول على أنه لم تتوال منه حركات مبطلة. (حتى قام) أي: تأخر إلى موقف المأموم فقام (في الصف) ولم يقف منفرداً عنه؛ لكراهته المفوتة لفضل الجماعة (فتقدم رسول الله وسلم فصلى) إماماً (للناس فلما فرع أقبل بوجهه على الناس فقال يا أيها الناس ما لكم) جملة مركبة من مبتدأ وخبر، أي: أيّ شيء لكم؟ (حين نابكم) أي: أصابكم (شيء في الصلاة) هو في تلك القصة تنبيه الصديق على مجيء النبي ◌َّ﴾. (أخذتم) أي: شرعتم (في التصفيق) جملة حالية بتقدير قد، وحين ظرف، والمعنى: أيّ شيء بكم وقد صفقتم حين أصابكم شيء في الصلاة؟ (إنما التصفيق للنساء) وفي رواية للبخاري: (إنما التصفيح للنساء)) زاد الحميدي: ((والتسبيح للرجال)) وقد روى البخاري هذه الجملة الأخيرة مقتصراً عليها في حديث آخر، وفي البخاري: ((قال سهل أي : ابن سعد الساعدي هل تدرون ما التصفيح هو التصفيق)) قال في الفتح: وهذا حجة من قال أنهما بمعنى، وبه صرح الخطابي، وأبو علي القالي، والجوهري، وغيرهم. وادعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه القاضي عياض في الإكمال أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى، وقيل: بالحاء الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بجميعها للهو أو اللعب اهـ. (من نابه) أي: أصابه (شيء في صلاته فليقل سبحان الله) لينبه على أنه في الصلاة، ويقصد به الذكر وحده أو مع الإعلام. (فإنه) أي: المصلي (لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت) بالبناء للفاعل (يا أبا بكر ما منعك) من (أن تصلي) إماماً (للناس حين أشرت إليك) أي: بملازمة ما شرعت فيه من إمامتك بالقوم، وكانت الإشارة منه وسير قبل أن يحرم بالصلاة، كما في باب الإِشارة في الصلاة من فتح الباري. (فقال أبو بكر: ما كان) زائدة (ينبغي) أي: لا يصح (لابن أبي قحافة) كنية أبيه، واسمه: عثمان رضي الله عنهما (أن يصلي) إماماً (بين يدي ٥٤ كتاب: دليل الفالحين رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. مَعْنَى ((حُبِسَ)): أَمْسَكُوهُ لِيُضَيِّفُوهُ(١). رسول الله ( 18) أي: ليس هذا من باب الأدب المأمور به العباد معه وَّر، فما فعله من سلوك الأدب وتقديمه على الأمر الذي ليس على سبيل الإِيجاب والتحتم، وسيأتي في ترجمة ابن عوف في باب فضل البكاء، بيان أنه ◌ّ صلّى في مرض موته وراء أبي بكر أيضاً واستمر أبو بكر إلى أن أتم الصلاة إماماً بالقوم، كما تقدم قريباً، قال في فتح الباري: وفي الحديث من الفوائد الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإِمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر، وفيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة، واستدل به جمع من الشراح ومن الفقهاء كالروياني، على أن أبا بكر عند الصحابة كان أفضلهم، لكونه اختاره دون غيره، وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة؛ لأنه من ذكر الله، ولو كان مراد المسبح إعلام الغير بما صدر منه، أي: مع قصد الذكر بذلك، وإلا أبطل الصلاة عند الشافعية، وفيه جواز الالتفات للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة، وأنها تقوم مقام النطق لمعاتبة النبي ويسهر على مخالفته إشارته، وفيه الحمد والشكر على الوجاهة في الدين، وأن من أكرم بكرامة تخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهته اللزوم، وكأن القرينة التي بينت لأبي بكر ذلك كونه * شق الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فهم من ذلك أن قصده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإِمامة من باب الإِكرام له، والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتواضع، ورجح ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حالة الصلاة؛ لتغير حكم من أحكامها، وكأنه لا لأجل هذا لم يتعقب اعتذاره برد عليه، وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك، وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية، واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر لفظ الغيبة مكان الحضور، وإلا فكان الكلام أن يقول أبو بكر (ما كان لي) فعدل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة، لأنه أدل على التواضع من الأول، وفيه غير ذلك اهـ. ملخصاً (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة، وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام، وأبو داود والنسائي في الصلاة اهـ. ملخصاً من الأطراف للمزي (معنى حبس) في قوله: ((وحبس رسول الله وَّ)) وهو مبني للمفعول. (أمسكوه ليضيفوه) بضم التحتية وكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، ففيه إضافة الرئيس إذا أوفد على القوم، وفيه مزيد تواضعه وجلوسه جبراً لخواطرهم لحضور ضيافتهم (١) أخرجه البخاري في كتاب: أحكام السهو (باب الإِشارة في الصلاة) ورد مختصراً في باب العمل في الصلاة والآذان (١٣٩/٢، ١٤٠ و٦١/٣، ٧٠، ٨٦، ٢١٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم ... (الحديث: ١٠٢). ٥٥ ٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين ٣٢ - باب: في فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ (وجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ باب فضل ضعفة بفتحات، جمع ضعيف، قال ابن هشام في التوضيح: فعلة بفتحتين، وهو شائع في وصف المذكر العاقل الصحيح اللام نحو: كامل وكمله وساحر وسحره اهـ. ففيه إيماء إلى ندور ما نحن فيه من جمع ضعيف على ضعفة، وقد بين وجه جمعه عليه في المصباح فقال: هو ضعيف، والجمع ضعفاء وضعاف أيضاً، وجاء أيضاً ضعفة وضعفى، قال: ولوحظ في ضعيف معنى فاعل فجمع على ضعاف وضعفة، مثل: كافر وكفرة اهـ. وفي شرح أبيات الجمل لابن السيد: وجازأن يكسر فعيل على فعلة من حيث إن فعيل وفاعل يشتركان في المعنى الواحد فيقال عليم وعالم وقدير وقادر فاشتركا في جمعهما كما اشتركا في مفردهما وكما قالوا عالم وعلماء وشاعر وشعراء وباب فعلا في الجمع إنما هو لفعيل نحو حكيم وحكماء وبصير وبصراء اهـ. أي: فضل ضعفاء (المسلمين و) فضل (الفقراء) من الدنيا (والخاملين) لذكر فيها وإن لم يكونوا فقراء (قال الله تعالى واصبر نفسك) احبسها وثبتها (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) أي: في مجامع أوقاتهم، أو في طرفي النهار، وقرىء بالغدوة، وفيه أن غدوة علم في الأكثر، فاللام فيه على تأويل التنكير، وأصل غداة بالفتح غدوة بوزن ضربة، فنقلت حركة الواو إلى الدال، واعتلت كإعلال أقام. (يريدون وجهه) أي: رضى الله وطاعته، وسيأتي بسط في معنى الآية في أثناء الكلام على حديث سعد في الباب بعده عن القرطبي (ولا تعد عيناك عنهم) ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم، وتعديته بعن لتضمينه معنى نبا، وقرىء: ولا تعد عينيك، ولا تعد: من أعداه وعداه، والمراد نهي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزدري بفقراء المؤمنين ويغلق عينيه عن رثاثة زيهم، طموحاً إلى طراوة زي الأغنياء، قال الكواشي: قال قوم من رؤساء الكفار لرسول الله تقدير: نح هؤلاء الموالي الذين كان ريحهم ريح الصنان، وهم صهيب وعمار وغيرهما من فقراء المسلمين حتى نجالسك، فنزلت هذه الآية اهـ. (١) سورة الكهف، الآية: ٢٨. ٥٦ كتاب: دليل الفالحين ٢٥٣ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه يَقولُ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلِّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((الْعُثُلُّ)): الْغَلِيظُ ٢٥٣ - (وعن حارثة) بالحاء المهملة وكسر الراء، وبالمثلثة (ابن وهب) الخزاعي أخو عبد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، قال ابن النحوي في شرح البخاري: أمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية، روى عنه أبو إسحاق السبيعي ومعبد بن خالد الجهني. (رضي الله عنه) قال ابن الجوزي في المستخرج المليح: له ستة أحاديث، أخرج له منها في الصحيحين أربعة أحاديث، اتفقا عليها. وقال البرقي: له حديثان، وهو غلط، لأنه قد أخرج له في الصحيحين أربعة أحاديث اهـ. (قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ألا) حرف استفتاح لتنبيه السامع الكلام الآتي بعده. (أخبركم بأهل الجنة) قال ابن النحوي: أي: بمعظمهم، وكذا في القسم الأخير، وليس المراد الاستيعاب، وسكت الراوي عن ذكر جوابهم للعلم بوقوعه، أي: قالوا بلى، فقال: هم (كل ضعيف) فهو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان ومعنى ضعيف، أي: نفسه ضعيفة لتواضعه وضعف حاله في الدنيا. (متضعف) قال ابن النحوي: هو بفتح العين المشددة، وكذا ضبطه الدمياطي، قال ابن الجوزي: وغلط من كسرها، إنما هو بالفتح، يعني أن الناس يستضعفونه ويقهرونه، وقال النووي: روي بالفتح عند الأكثرين، وبالكسراهـ. قال الطيبي: فمعناه على الفتح : يستضعفه الناس ويحتقرونه ويفخرون عليه لضعف حاله في الدنيا، ومعناه بالكسر: متواضع متذلل خامل واضع من نفسه اهـ. وقيل: المراد أنه يستضعف، أي: يخضع لله سبحانه، ويذل له نفسه، حكاه المصنف مقتصراً عليه. ((قلت)): وعلى هذا جرى العلقمي وزاد في رواية ((مستضعف)) وفي رواية لأحمد: ((الضعيف المستضعف)) (لو يقسم على الله لأبره) أي: لأبر قسمه، أي: لو حلف يميناً طمعاً في كرم الله بإبراره لأبره بحصول ذلك، وسيأتي فيه بسط، ومن ذلك ما روي عن أنس بن النضر في أخته الربيع، لما كسرت سن المرأة، وأمر ◌َ بالقصاص، فقال أنس: والله لا تكسر سن الربيع، فرضي أهل المرأة المجني عليها بالأرش، فقال ◌َله: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبر قسمه)) وأتى بالمضارع في حديث الباب إيماءً إلى استمرار عناية الله بهم كل زمن ووقت، وقضاء حوائجهم، وتيسير مطالبهم، ويكفيك قوله في الحديث القدسي: ((لا يزال عبدي يتقرب إلي حتى أحبه)) ... الحديث. أي: كنت متولياً لسائر أموره، كافياً له في مطالبه (ألا أخبركم بأهل النار) أي: بسماتهم وأفعالهم لتجتنبوها، هم (كل عتل) بضم المهملة والفوقية وتشديد اللام (جواظ .00 ٥٧ ٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين الْجَافي. و((الْجَوَّاظُ)بِفَتْحِ الحِيمِ وَتَشْدِيدِ الْواوِ وبِالظاءِ المُعْجَمَةِ وَهُوَ الْجُمُوعُ الْمُنُوعُ. وَقِيلَ الضُّخْمُ الْمُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ. وَقِيلَ: الْقَصِيرُ الْبَطِينُ (١) ٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مستكبر) أي: متخلق به، وهو كما في الحديث المرفوع (بطر الحق)) أي: دفعه وعدم الانقياد إليه، وغمط الناس، أي: احتقارهم، زاد في رواية بعد جواظ (جعظري) وهو بفتح الجيم والظاء المعجمة وسكون المهملة بينهما، قيل: الفظ الغليظ، وقيل: الذي لا عرض له، وقيل: الذي يتمدح بما ليس عنده (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير والأدب والنذور من صحيحه، ومسلم في صفة الجنة، وأخرجه الترمذي في صفة الجنة، ومداره عندهم على شعبة عن معبد بن خالد عن حارثة، كذا لخص من الأطراف للمزي (العتل الغليظ) العنيف، هذا قول الخطابي (الجافي) من الجفاء، أي: الجافي عن المواعظ، هذا قول الفراء، والمصنف جمع القولين وجعلهما قولاً واحداً. وقيل: هو الشديد من كل شيء، وقيل الكافر، وقال الداودي: السمين العظيم العنق والبطن، وقال الهروي: الجموع المنوع، قال: ويقال هو القصير البطين، وقيل: الأكول الشروب الظلوم. (والجواظ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة وهو الجموع المنوع) هذا بعض تفسير له جاء مرفوعاً، قال ابن النحوي: روي عن ابن عباس مرفوعاً ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: الجواظ والعتل والجعظري قيل يا رسول الله: وما الجواظ؟ قال: الجموع المنوع البخيل بما في يديه)) والجعظري: الفظ على ما ملكت يمينه والغليظ لقرابته وجيرانه وأهل بيته، والعتل الشرس الخلق الرحب الجوف الأكول الشروب الغشوم الظلوم اهـ. (وقيل) كما حكاه الخطابي واقتصر عليه الجوهري في صحاحه (الضخم) في البدن، أي: كثير لحمه (المختال) افتعال من الخيلاء، وهو التكبر (في مشيته) بكسر الميم (وقيل) كما حكاه في النهاية (القصير البطين) بفتح أولهما وكسر ثانيهما، أي: القصير العظيم البطين لشرهه ونهمه، فليس غرضه سوى مليء بطنه. وفي الحديث عن ابن عمر عن النبي وقال: ((المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)) رواه البخاري. ٢٥٤ - (وعن أبي العباس) كنية (سهل) وقيل كنيته أبو يحيى وهو (ابن سعد) بن مالك بن (١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ن/، باب: ﴿عتل بعد ذلك زنيم ﴿وفي الأدب، باب: الكبر، وفي الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم ... ﴾ (٤٠٨/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، (الحديث: ٤٧). ٥٨ كتاب: دليل الفالحين السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ وَفَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٌ: ((مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)) فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا واللَّهِ حَرِيٍّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِهِ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيُّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وِه. ((هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرضِ مِثْلَ هَذَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [لا، بل انفرد به البخاري](١). خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري (الساعدي) نسبه (رضي الله عنه) لجده ساعدة (قال: مر رجل) لم أقف على من سماه (على النبي ◌َّر فقال: لرجل) وفي البخاري فقال: ما تقولون؟ قال الشيخ زكريا الخطاب: لما حضره رير وهو أبو ذر ومن معه. (ما رأيك في هذا) من حيث التعظيم له باعتبار الأمور الدنيوية. (فقال رجل من أشراف الناس) الذين ينظرون إلى الظواهر (هذا) أي: المسؤول عنه (والله حري إن خطب) مولية (أن ينكح) بالبناء للمفعول، وكذا المضارعة الآتية بعد أي يزوج (وإن شفع) في أمر (أن يشفع) أي: لحسبه، أو لشرف نسبه وظهور فخره دنيا. (فسكت رسول الله ﴿ ثم مر رجل) أي: آخر زاد في رواية للبخاري: ((من فقراء المسلمين)) وهو في نسخة من هذا الكتاب أيضاً، واسمه: جعيل بن سراقة العقاري، كما ذكره شيخنا شيخ الإِسلام زكريا في تحفة القاري، ولعل الرجل الأول كان عيينة بن حصن، أو الأقرع بن حابس، ففي أسد الغابة، ((قيل لرسول الله ويلشير: أعطيت الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن مائة من الإِبل وتركت جعيلاً؟ فقال له: والذي نفسي بيده لجعيل خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع)) ... الحديث. قال: أخرجه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم اهـ. فقال له) أي: الذي عنده (رسول الله وسلّ: ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب) مولية (أن لا ينكح) لفقره (وإن شفع) في أمر (أن لا يشفع وإن قال) أي: تكلم (لا يسمع لقوله) ويجوز في الأفعال الواقعة جواباً الجزم، وهو الأفصح، والرفع لكون فعل الشرط ماضياً. (فقال رسول الله وكلفته : هذا) أي: الذي احتقرتموه لفقره (خير) عند الله (من ملىء الأرض) أي: مما يملأ بها (مثل هذا) الذي فضلتموه عليه، قال الكرماني: إن قلت كيف هذا ((قلت)): إن كان الأول كافراً فالوجه ظاهر، وإلا فيكون ذلك معلوماً لرسول الله وميرا هـ. (متفق عليه) كما فعل (١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين (١١٧/٩) و (٢٣٦/١١) ٥٩ ٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين قَوْلُهُ: (حَرِيٌّ)) هُوَ بِفَتْحِ الحاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الياءِ: أَيْ حَقيقٌ، وَقَوْلُهُ ((شَفَعَ)): ◌ِفَتْحِ الفاءِ. ٢٥٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: فيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ. الحميدي، وأبو مسعود، وابن الجوزي، فأوردوه في المتفق عليه من حديث سهل، وتبعهم المصنف، وأبي مالك الطرقي، وخلف، فعزياه إلى البخاري، فقط ذكره ابن النحوي، ((قلت)): وجرى على الأخير الحافظ المزي فاقتصر على عزوه إلى البخاري في كتاب النكاح والرقاق، قال: وأخرجه ابن ماجه في الزهد، وقال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف على الأطراف، قال الحميدي: ذكره ابن مسعود في المتفق عليه ولم أجده في مسلم، قال الحافظ: وذكره خلف والطرقي وغيرهما في أفراد البخاري وهو الصواب اهـ. (قوله حري هو بفتح الحاء) المهملة (وكسر الراء) لا حاجة إلى وصفها بالإِهمال دفعاً لاشتباهها بالزاي؛ للفرق بين اسمها بنون الكافي الأخيرة في اللغة المشهورة فيه دون الراء. (وتشديد الياء أي حقيق) وبمعناه جدير وقميز وعسى (وقوله: شفع بفتح الفاء) مضارعه يشفع بفتحها أيضاً. ٢٥٥ - (وعن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري (الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: احتجت) بتشديد الجيم، أي: تخاصمت (الجنة والنار) قال الطيبي: والمقصود حكاية ما يقع بينهما مما اختص به كل منهما، وفيه شائبة من معنى الشكاية، ألا ترى كيف قال للجنة: أنت دار رحمتي ... الخ. فأقحم كلاّ بما تقتضيه مشيئته، قال المصنف: هذا الحديث على ظاهره وأن الله تعالى جعل فيهما إدراكاً فتحاجا، ولا يلزم من هذا أن يكون التمييز فيهما دائماً، وكذا قال الطيبي. قال: ويجوز أن يكون على وجه التمثيل (فقالت النار: فيّ) بتشديد الياء أولاهما المدغمة آخر الحروف، وثانيهما ياء المتكلم (الجبارون) أي: الذين يقبرون الغير على مراداتهم على حسب أهويتهم (والمتكبرون وقالت الجنة: فيّ) بتشديد الياء أيضاً. (ضعفاء الناس) أي: المتواضعون منهم، أو المستضعفون فيهم لفقرهم وعدم ثروتهم، وإنما عز الدنيا عند أهلها السكارى بحبها، قال سيدنا عمر بن الخطاب: ((عز الدنيا بالمال وعز الآخرة بالأعمال)) (ومساكينهم) أي: ٦٠ كتاب: دليل الفالحين فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُما: إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤْهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٢٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِّ، قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ)) . والمحتاجون منهم الصابرون على الضرار من غير تضجر، ولا تبرم من القضاء اكتفاء بتدبير المولى فيهم، ورضاء بما قسم لهم. (فقضى الله بينهما) أي: أخبر عما أراده لهما مما سبقت به إرادته قائلاً: (إنك الجنة) في اللغة عبارة عن البستان من النخيل والأعناب، والمراد منها هنا: مقابل النار (رحمتي) قال الطيبي: سماها رحمة لأن بها تظهر رحمة الله، كما قال (أرحم بك من أشاء) وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفاً، ليس لله صفة حادثة ولا اسم حادث، فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته جلا وعلا اهـ. وهذا بناءً على أن الرحمة الموصوف بها تعالى يراد منها إرادة الفضل والإِحسان، فتكون من صفات المعاني الأزلية القائمة بالذات، أما إذا أولت بالإِحسان نفسه فتكون من صفات الأفعال، وهي حادثة غير قائمة بذات الباري عند الأشعري وأتباعه، وظاهر أن المراد هنا المعنى الثاني. (وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء) ممن تعلقت الإرادة الإلهية بتعذيبه. (ولكليكما عليّ ملؤها) فمن يدخل الجنة لا يخرج منها البتة، وكذا من يدخل النار من الكفرة، أما ذوو المعاصي من المؤمنين إذا دخلوها، فلا بد من خروجهم منها ودخولهم الجنة بالوعد الذي لا يخلف، قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (٢) وقال ◌َ له: ((من مات وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان دخل الجنة)) (رواه مسلم) وسيأتي بيان الباب الذي ذكره فيه من صحيحه وما فيه . ٢٥٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وسلم أنه قال:) وفي نسخة: قال إنه (ليأتي) بفتح اللام، وهي المؤذنة بالقسم المقدر قبلها المأتي به لتأكيد الأمر وتقويته (الرجل العظيم) قدراً في الدنيا (السمين) جسماً (يوم القيامة) ظرف ليأتي (لا يزن عند الله جناح بعوضة) جملة حالية من فاعل يأتي، أي: لا يعدله عند الله، أي: لا قدر له عنده، وتتمة (١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون ... (الحديث: ٣٧) (٢) سورة الزلزلة، الآية: ٧