Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، فَأْتُونَ مُحَمَّدَاً ◌َه
فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينَاً وَشِمَالًا،
٠
فَيَمُرُّ .
وحينئذ فيحتمل أن وراء قطعت عن الإِضافة ولم يقصد قصد مضاف بعينه، فصارت كأنها
اسم علم. وهي مؤنثة قال الجوهري: إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها ورية، وعلى هذا
فهمزتها ليست للتأنيث، ولأن ألف التأنيث لا تقع ساكنةً اهـ. (فيأتون موسى فيقول: لست
بصاحب ذلك) المقام (اذهبوا إلى عيسى) قال البيضاوي في التفسير: عيسى معرب أيسوع،
وجعله مشتقاً من العيس وهو بياض تعلوه حمرة تكلف لا طائل تحته (كلمة الله) الكلمة بفتح
فكسر على الأفصح وأطلق ذلك على عيسى لأنه وجد بأمره تعالى، وهو قوله: كن دون أب.
فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر. ذكره البيضاوي وقال الحافظ ابن حجر: قيل له ذلك
إشارة إلى أنه حجة الله على عباده إذ أوجده من غير أب وأنطقه في غير أوان وأحيا الموتى
على يده. وقيل: سمي كلمة الله لأنه أوجده بقوله: ﴿كن﴾ فلما كان بكلامه سمي به كما
يقال: سيف الله وأسد الله وقيل: لما قال في صغره: ﴿إني عبد الله﴾(١) اهـ. (وروحه)
قيل: سمي بذلك لأنه يحيي الأموات أو القلوب وقيل: إنه على تقدير مضاف، والمعنى:
أنه ذو روح من الله عز وجل لا بتوسط ماء يجري مجرى الأصل والمادة له (فيقول عيسى: )
أي: بعد أن يأتوا إليه ويسألوه ذلك، ففي الكلام مطوي يدل عليه السياق (لست بصاحب
ذلك) المقام والباء مزيدة للتأكيد (فيأتون محمداً وَلير) أي: لدلالة عيسى عليه الصلاة
والسلام لهم على ذلك، كما جاء في الروايات الأخرى، ففيه مطويٌّ دلّ عليه ما تقدم، وثم
مطويٌ أيضاً تقديره: فيقولون يا رسول الله استفتح لنا الجنة مثلاً، أو اشفع لنا في الإِراحة من
طول المواقف كما جاء في الروايات الأخرى (فيقوم) أي: إلى تحت العرش ويسجد تحته،
ويفتح عليه بمحامد يحمد الله بها حينئذ لم يفتح عليه بها قبل (فيؤذن له) في الشفاعة
(وترسل) بضم الفوقية أوله مبنياً للمجهول (الأمانة والرحم) بفتح الراء وكسر المهملة أي:
القرابة التي تطلب صلتها شرعاً (فيقومان) بالمثناة الفوقية (جنبتي الصراط) بفتح الجيم
وسكون النون وفتح الموحدة والفوقية أي: جانبيه قال المصنف: وإرسالهما لعظم أمرهما
وكبر موقعهما فيصوران شخصين على الصفة التي يريدها الله تعالى قال: وقال صاحب
التحرير: في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما يقومان ليطالبا من يريد الجواز بحقهما (فيمر
(١) سورة مريم، الآية: ٣٠.

٥٠٢
كتاب: دليل الفالحين
أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ(( قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ
بَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةٍ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرَّجَالِ تَجْرِي
بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلُّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ
أولكم) أيها المخاطبون والمراد: الأمة وهم أولها وأولاها بالفضل (كالبرق) أي: كمر البرق
(قال:) أي: أحد الراويين عن النبي وَيّر (بأبي وأمي) أي: أنت مفدى بهما (أي شيء كمر
البرق) أي: ما معناه وكيف سرعته (قال: ألم تروا) بفتح التاء تبصروا (كيف يمر) أي: آتياً
(ويرجع) آبياً (في طرفة عين) أي: وقوع الجفن على الجفن المسمى برمش البصر، وهو
زمن يسير جداً. وفي الصحاح وطرف بصره يطرف طرفاً إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر
الواحدة من ذلك طرفة يقال: أسرع من طرفة عين اهـ. وفي الكشاف في قوله تعالى: ﴿أنا
آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾(١) ويجوز أن يكون هذا مثالاً لاستقصاره مدة المجيء به
كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة وفي ردة طرف وما أشبه ذلك تريد السرعة. وفي
تفسير البيضاوي: وهذا غاية في الإِسراع ومثل فيه اهـ. (ثم) للتراخي في الرتبة، أي: ثم
تمر الفرقة التي تلي الفرقة الأولى (كمر الريح ثم) الفرقة الثالثة لها (كمر الطير وأشد
الرجال) بالجيم جمع راجل قال: هو الصحيح المعروف المشهور ونقل القاضي أنه في
رواية ابن ماهان بالحاء قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى وشدها عدوها البالغ وجريها
(تجري بهم أعمالهم) قال المصنف: هو كالتفسير لقوله فيمر أولكم كالبرق والمعنى: إنكم
في سرعة السير على حسب المراتب والأعمال (ونبيكم (#) لكمال شفقته ومزيد عنايته بنا
معشر أمته (قائم على الصراط) لتنجو به أمته من المخاوف، وتصرف به عنها أنواع المكاره
والمتالف (يقول:) لما في المرور على الصراط من الأهوال وزل بعض الأقدام. وهو حال
بناءً على مجيئه من المبتدأ، وهو ما عليه سيبويه. أو خبر بالجملة بعد الخبر بالمفرد ويجوز
أن يكون استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال تقديره: ما يكون منه حال قيامه يومئذ؟ فأجيب بقوله:
يقول: (رب) حذف حرف النداء لأن المقام لعظم هوله مقام الإِيجاز، وفي رواية لمسلم في
حديث آخر في المعنى ودعوى الرسل يومئذ اللهم (سلم سلم) ولعله وَّ تارة يقول رب وتارة
يقول اللهم سلم سلم. وفي نسخة رب سلم بإعادة لفظ رب قال المصنف: فيه أن الدعاء
يكون بحسب المواطن فيدعو في كل موطن بما يليق به. وسلم بفتح أوله المهمل وتشديد
(١) سورة النمل، الآية: ٤٠.

٥٠٣
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
الْعِبَادِ، وَحَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ لَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلَّ زَحْفاً. وَفِي حَافُتِّ الصَّرَاطِ
كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ))
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ
اللام المكسورة (حتى تعجز) بكسر الجيم (أعمال العباد) بالمتخلفين عن الإِسراع في
الصراط، أي: تضعف أعمالهم الصالحة عن سرعة المرور بهم عليه فييطئون في السير،
وحتى في الخبر غائية أي: يتفاوت الإِسراع بحسب تفاوت الأعمال إلى أن تصل لمرتبة عجز
الأعمال من الإِسراع بصاحبها، لكن فيها قوة حمله على السير، وإلى أن تضعف فوق ذلك
كما قال (وحتى يجيء الرجل لا يستطيع السير) أي: على الصراط (إلا زحفاً) لفقد قوة
العمل الحاصلة على السير. والمراد من الزحف: السير على الأست قال السيوطي في
الدرر: زحف الرجل انسحب على أسته اهـ. قلت: وفي رواية لمسلم: ((حتى يمر آخرهم
يسحب سحباً)) (وفي حافتي الصراط) بتخفيف الفاء أي: جانبيه (كلاليب) جمع كلّوب بفتح
الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور.
وقال صاحب المطالع: هي خشبة في رأسها عقاقة حديد وقد تكون حديداً كلها ويقال لها
أيضاً: كلاب اهـ. (معلقة) أي: بالصراط (مأمورة بأخذ من أمرت) بالبناء للمفعول ونائب
الفاعل يعود إلى الكلاليب و(به) متعلق بأمرت. يحتمل أن يكون على حقيقته بأن خلق لها
إدراك وأمرت بأخذ من أمرت به، ويحتمل أن يكون على تسيرها لأخذ من يؤخذ بها ئم الواو
في: ((وفي حافتي)) يحتمل أن يكون واو الحال ويحتمل العطف. و((معلقة مأمورة)) الظاهر
أنهما مرفوعان صفة لكلاليب، وكذا هو مضبوط في الأصل ولو نصباً على الحال المترادفة أو
المتداخلة لجاز لتخصيص الكلاليب بتقديم خبرها الظرف، إلا أن صحت الرواية بالرفع
(فمخدوش) أي: بشيء مما يعلق به في الصراط (ناج) أي: من النار وهو بمعنى قوله في
الرواية الأخرى: ومخدوش مرسل فالمراد: نجاته من العذاب الذي حل فيه قسيمه المذكور
في قوله: (ومكردس في النار) وقال المصنف: كذا وقع في هذا الحديث مكردس بالراء ثم
الدال المهملتين، والذي في باقي الروايات مكدوس بضم الدال المهملة بعدها واو قال:
وهو قريب من معنى المكردس ((ومكردس)» بالسين المهملة في الأصول، ومعناه كون الأشياء
بعضها على بعض، ومنه تكردست الدابة في سيرها إذا ركب بعضها بعضاً. ونقل القاضي
عياض هذه الرواية عن أكثر الرواة ثم قال: ورواه العذري بالشين المعجمة ومعناه السوق
(والذي نفس أبي هريرة بيده) أي: بقدرته وإرادته وهذا مدرج من كلام أبي هريرة متصل

٥٠٤
كتاب: دليل الفالحين
إِنَّ قَعْرَ جَهَنْمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَولُهُ ((وَرَاءَ وَرَاءَ) هُوَ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا. وَقِيلَ
بالضَّمِّ بِلَ تَنْوِينِ. ومَعْنَاهُ لَسْتُ بِتِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عَلَى سَبِيلٍ
التَّوَاضُعِ. وَقَدْ بَسَطْتُ مَعْنَاهَا فِي شَرْحٍ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي خُبَيْبٍ، ((بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَة)) عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ
بآخر الحديث، وجواب القسم (إن قعر جهنم لسبعون خريفاً) قال المصنف في شرح
مسلم: هو في الأصول بالواو وهذا ظاهر. وفيه حذف وتقديره: إنه مسافة قعر جهنم سير
سبعين خريفاً، ووقع في معظم الأصول والروايات السبعين بالياء وهو صحيح أيضاً، أما على
مذهب من يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على جره، فيكون التقدير سير سبعين
خريفاً. وأما على أن قعر مصدر يقال: قعرت الشيء إذا بلغت قعره، ويكون سبعين ظرف
زمان وفيه خبر أن التقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفاً والخريف السنة اهـ.
قلت: وهو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالياء التحتية وقد علمت وجهه وسيأتي إن
شاء الله تعالى في كتاب الصيام نكتة تسمية السنة بالخريف (رواه مسلم) في آخر كتاب
الإِيمان من صحيحه وانفرد به البخاري وأصحاب السنن (قوله:) في الحديث (وراء وراء
هو بالفتح فيهما) على أنهما ظرفان ركبا فبنيا على الفتح تخفيفاً، ومثله قول العرب هو: يأتينا
صباح مساء، وأما وجه النصب والتنوين اللذين قال فيهما المصنف إن وردت بهما الرواية
جاز جوازاً جيداً فهو أن كلاً منهما ظرفٌ (وقيل: بالضم بلا تنوين) بناءً على أنه من أسماء
الغايات لحذف المضاف إليه ونية معناه (ومعناه: لست بـ) -صاحب (تلك الدرجة الرفيعة)
وتقدم بسط الكلام في ذلك. قال صاحب التحرير: وهي كلمةٌ تذكر على سبيل التواضع
أي: لست بتلك الدرجة (وقد بسطت معناه في شرح صحيح مسلم) وقد قدمته عنه وذيلته
بفوائد عن القرطبي (والله أعلم).
٢٠٣ - (وعن أبي خبيب بضم الخاء المعجمة) أي: وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها
موحدة. كنية عبد الله بن الزبير كني بأكبر أولاده. قال العلقمي في حاشية الجامع الصغير:
وله ثلاث كنى ذكرها البخاري في التاريخ وآخرون، أبو خبيب وأبو بكر وأبو بكير بالتصغير
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان باب: أدنى أهل الجنة منزله فيها (الحديث: ٣٢٩).

٥٠٥
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
عَنْهُمَا قَالَ:
اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: كان يكنيه بأبي خبيب من لا يريد تعظيمه، لأنه كني في الأول
بكنية جده لأمه الصديق ا هـ. (عبد الله بن الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية
بعدها راء (بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (القرشي الأسدي) المكي
المدني الصحابي ابن الصحابي (رضي الله عنهما) أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر
الصديق، وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وحواري رسول الله وَلقر، وجدته صفية
عمة النبي ◌ّ﴾ ورضي الله عنها، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وخالته عائشة أم
المؤمنين، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته
فرحاً شديداً؛ لأن اليهود كانوا يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم فأكذبهم الله تعالى، وحنكه
رسول اللّه ◌َ* بتمرة لاكها فكان ريق رسول الله وكيل أول شيء دخل جوفه، وكناه أبا بكر بكنية
جده الصديق وسماه عبد الله باسمه، ولد بعد عشرين شهراً من الهجرة. وقيل: في السنة
الأولى، وكان صواماً قواماً طول الليل، وصولاً للرحم عظيم الشجاعة. بويع له بالخلافة لما
مات يزيد بن معاوية وأطاعه أهل اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وجدد عمارة الكعبة
وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بن يوسف الثقفي بمكة أول ليلة من ذي الحجة
سنة اثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل محاصره إلى أن قتله شهيداً يوم الثلاثاء
سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين. وقيل: في نصف جمادى الآخرة وقيل: سنة
اثنتين وسبعين، والمشهور الأول. روي له عن رسول الله وم طهر ثلاثة وثلاثون حديثاً، اتفقا
على ستة وانفرد مسلم بحديثين.
((فائدة)): قال المصنف في التهذيب: عبد الله بن الزبير هو أحد العبادلة الأربعة وهم:
ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص. قاله أحمد بن حنبل وسائر المحدثين
وغيرهم قيل لأحمد بن حنبل: وابن مسعود قال: ليس هو منهم قال البيهقي: لأنه تقدمت
وفاته، وهؤلاء عاشوا طويلاً حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول
العبادلة. ويلحق بابن مسعود فيما ذكر سائر المسمين بعبد الله من الصحابة وهو نحو مائتين
وعشرين. وقول الجوهري في صحاحه: ابن مسعود أحد العبادلة وأخرج ابن العاص: غلط
نبهت عليه لئلا يغتر به اهـ. زاد في المبهمات له وكيف يعارض بقوله قول الإِمام أحمد وغيره
اهـ. وفي العبادلة أقوال أخر ذكرها السخاوي في شرح ألفية الحديث قال: وممن جرى
على عدِّ ابن مسعود من العبادلة ابن هشام النحوي في التوضيح قلت: لكن أوَّل اللقاني عبارة
التوضيح بما تنبو عنه عبارته، وحاصله: أن مراده بالعبادلة المفهومون من تلك الأسماء لا

٥٠٦
كتاب : دليل الفالحين
لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إلى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَّيَّ إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إلّ
ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَ أُرَانِي إِلَّ سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوماً، وَإِنَّ مِنْ
العبادلة المشهورون قال: فلا يرد أن ابن مسعود ليس من العبادلة اهـ. تأمل (قال: لما وقف
الزبير يوم الجمل) أي: الوقعة المشهورة التي كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه وبين
عائشة ومن معها، ومن جملتهم الزبير. ونسبت الوقعة إلى الجمل لأن يعلى بن أمية
الصحابي المشهور كان معهم فأركب عائشة على جمل عظيم اشتراه بمائة دينار وقيل:
بثمانين وقيل: بأكثر فوقفت به في الصف فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر
الجمل فوقعت عليهم الهزيمة، وكان ذلك في جمادى الأولى أو الآخرة سنة ست وثلاثين
واسم ذلك الجمل عسكر (دعاني فقمت إلى جنبه) الفاء فيه عاطفة على محذوف أي: فأجبته
فأتيت فقمت إلى جانبه (فقال: يا بني) بكسر الياء المشددة وفتحها ذكره المرادي في شرح
الخلاصة وذكر المصنف في أواخر كتاب الأدب من شرح مسلم جواز إسكان الياء قال:
وبالحركتين قرىء في السبع. وقرأ بعضهم: بإسكانها وبني بضم الموحدة وفتح النون
مصغر. وقد بسطت الكلام فيه في باب: ما يقول إذا دخل بيته من شرح الأذكار (إنه لا يقتل)
بالبناء للمفعول (اليوم إلا ظالم أو مظلوم) قال ابن التين لأنهم إما صحابي متأول فهو مظلوم
وإما غير صحابي قاتل لأجل الدنيا فهو ظالم. قال الكرماني: إن قيل: جميع الحروب كذلك
فالجواب: أنها أول حرب وقعت بين المسلمين. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن تكون
أو للشك من الراوي وأن الزبير إنما قال أحد اللفظين. أو للتنويع أي: لا يقتل اليوم إلا ظالم
بمعنى: أنه ظن أن الله يعجل للظالم منهم العقوبة. أو لا يقتل اليوم إلا مظلوم، إما لاعتقاده
أنه كان مصيباً وإما لأنه سمع ما سمع عليَّ من الحديث المرفوع: ((بشر قاتل ابن صفية
بالنار)). رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، ووقع عند الحاكم من طريق أخرى في هذا
الحديث مختصراً عن هشام بن عروة عن الزبير قال: والله لئن قتلت لأقتلن مظلوماً والله ما
فعلت وما فعلت يعني أشياء من المعاصي، ثم كان خروج الزبير وطلحة وغيرهما من كبار
الصحابة مع عائشة لطلب قتلة عثمان وإقامة الحد عليهم، لا لقتال علي لأنه لا خلاف إنه
كان أحق بالإِمامة من جميع أهل زمانه، وكانت قتلة عثمان لجأوا إلى علي، فرأى أنه لا
يسلمهم للقتل حتى تسكن الفتنة وتجري الأمور على ما أحب، فكان ما جرى به القلم من
الأمور التي قدرت فوقعت، ولذا قال الزبير: لما رأى شدة الأمر وأنهم لا ينفصلون إلا عن
قتال (وإني لا أراني) بضم الهمزة أي: لا أظني (إلا سأقتل اليوم مظلوماً) قال الحافظ ابن
حجر: ويجوز فتحها بمعنى الاعتقاد، وذلك الأمر قد تحقق لأنه قتل غدراً بعد أن ذكره

٥٠٧
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَّيَّ بِعْ مَا لَنَا وَاقْضٍ
دَيْنِي وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلِثِهِ لِبَنِيهِ ( يَعْنِي لِيَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثُلُثُ الثُّلُثِ) قَالَ:
فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَتُهُ لِبَنِيكَ. قَالَ هِشَامُ: وَكَانَ وَلَدُ عَبْدِ اللَّهِ
قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ: خُبَيْبٍ وَعَبَّدٍ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ
عِبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَّيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ قَضَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ
فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِمَوْلايَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ
علي، فانصرف عن القتال فنام بمكان ففتك به رجل من بني تميم يقال له: ابن جرموز بضم
الجيم والميم بينهما راء مهملة ساكنة وآخره زاي، وكان ذلك بوادي السباع وروى الحاكم
من طرق متعددة أن علياً ذكر الزبير بأن النبي نَّ قال له: لتقاتلن علياً وأنت له ظالمٌ فرجعِ
لذلك منصرفاً (وإن من أكبر همي لديني) في رواية غشام انظر يا بني ديني فإنه لا أدع شيئاً
أهم منه عليّ (أفترى) أي: تظن (إن ديننا يبقي من مالنا شيئاً) قاله استكثاراً لما عليه وإشفاقاً
من دينه، وفيه الوصية عند الحرب لأنها من أسباب الموت كركوب البحر (ثم قال: يا بني بع
ما لنا واقض) بهمزة وصل (ديني وأوصى بالثلث) أي: ثلث ماله أي: الفاضل عن قضاء
الدين (وثلثه) أي: ثلث الثلث (لبنيه يعني لبني عبد الله) قال الكرماني: وتبعه الشيخ زكريا
أوصى بالثلث الفاضل مطلقاً وبثلث الثلث لحفدته أولاد عبد الله اهـ. وقال الحافظ: فسر
وصيته أي: بالثلث وثلثه بقوله: (قال:) أي: الزبير (فإن فضل) بفتح الضاد المعجمة أي :
بقي (من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلثه لبنيك) والثلث بضمتين قال الحافظ. وضبطه
بعضهم بتشديد اللام بصيغة الأمر من التثليث، وهو أقرب. ووقع في المصابيح للدماميني.
وأوصى بالثلث من ثلثه لبنيه. قال الدماميني: إنما أوصى بثلث الثلث لبني ولده عبد الله،
فالضمير في بنيه عائد إليه ثم بني عليه استشكال قوله: فإن فضل فثلثه لبنيك بأن مقتضاه
صرف الثلث الفاضل لولده عبد الله، وسبق منه التصريح بأن الموصى به لهم ثلث الثلث،
وأجاب بأن المراد، فإن فضل بعد الدين شيء يصرف لجهة الوصية فثلثه لولدك اهـ. والذي
شرح عليه الحافظ وأوصى بالثلث وثلثه بالواو (قال عبد الله: ) بن الزبير (فجعل يوصيني بدينه
ويقول: يا بني إن عجزت) بفتح الجيم أفصح من كسرها (عن قضاء شيء منه فاستعن عليه
بمولاي) أي: بالله عز وجل وفيه كمال الوثوق بالمولى والاستعانة به في كل حال (فوالله ما
دريت) أي: عرفت (ما أراد) أي: بقوله استعن عليه بمولاي إذ هو يحتمل ما ذكر أولاً
ويحتمل ولاء الحلف وولاء العتاقة. أي: بالذين أعتقهم ونحو ذلك، إذ لفظ المولى مشتركٌ

٥٠٨
كتاب: دليل الفالحين
حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلاَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَينِهِ إِلَّ قُلْتُ : يَا
مَوْلى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ فَيَقْضِيَهُ، قَالَ: فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَاراً وَلَ دِرْهَماً إلَّ
أَرْضِينَ: مِنْهَا الْغَابَّةُ، وَإِحْدَى عَشَرَةَ دَاراً بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَاراً بِالْكُوفَةِ،
وَدَاراً بِمِصْرَ، قَالَ:
بين عدة معانٍ: كالناصر وابن العم والمعتق والعتيق والحليف، وقد ذكرها في النهاية (حتى
قلت:) مستفسراً (يا أبت) بكسر التاء الفوقية وفتحها (من مولاك قال الله: ) أي: الله مولاي.
فالخبر محذوف ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً، ولفظ الجلالة خبر (قال:) عبد الله (فوالله
ما وقعت في كربة) بضم الكاف وسكون الراء. الحزن الذي يأخذ بالنفس ويجمع على كرب
(من) تعليلية ويحتمل كونها للابتداء (دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه)
أي: يسهل ما يحصل به القضاء. وفيه: أن من استعان بمولاه في الأمور فهو المعان (قال:
فقتل) بالبناء للمجهول (الزبير ولم يدع) يترك (ديناراً ولا درهماً إلا أرضين) استثناء منقطع.
وأرضين بفتح الراء قاله الدماميني: فهو جمع أرض بسكونها جمع تكسير (منها الغابة) بغين
معجمة وباء موحدة أرض عظيمة شهيرة من عوالي المدينة. وقال الحافظ ابن حجر: كذا
وقع فيه منها بالإِفراد، وصوابه منهما، وهذا منه يقتضي أن ((أرضين)) مثنى أرض فيكون
بسكون الراء وفتح الضاد، وبه يتعقب ضبط الدماميني بفتح الراء فإن القول ما قالت حذام
خصوصاً وقد ذكر الدماميني: أنه في المصابيح لم يجد ما يستضيء به فيها مما يضبط به
الروايات للغربة، وفقد الكتب وأرباب الفن (وإحدى عشرة داراً بالمدينة ودارين بالبصرة)
بتثليث الموحدة وإسكان الصاد وتحرك بفتحة وكسرة كما في القاموس. وهو اسم لبلدة
مشهورة مصرها عمر بن الخطاب (وداراً بالكوفة) بلدة معروفة مصرها عمر أيضاً. قال
المصنف في التهذيب: قيل: سميت بذلك لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كوفاناً وكوفة
للرمل المستدير. وقيل: لاجتماع الناس من قول العرب: تكوف الرمل إذا ركب بعضه
بعضاً. وقيل: لأن طينها خالطه حصى، وكل ما كان كذلك فهو كوفة. قال الحازمي وغيره:
ويقال للكوفة: كوفان بضم الكاف وإسكان الواو آخره نون، وذكر ابن قتيبة في غريبه في
كوفان ضم الكاف وفتحها (وداراً بمصر) ممنوع من الصرف على الأفصح الذي جاء به
القرآن للعلمية والتأنيث، وهي البلد المعروف، وحدها طولاً من برقة التي في جنوب البحر
الرومي إلى أيلة، وعرضاً من مدينة أسوان وما سامتها من الصَّعيد الأعلى إلى رشيد وما
حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي. سميت بذلك باسم من سكنها أولاً مصر بن

٥٠٩
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ:
لَ وَلَكِنْ هُوَ سَلَفٌ إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلَ جِبَايَةً وَلَ خَرَاجاً
وَلاَ شَيْئاً إِلَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَر وَعُثْمَانَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
ينصر بن سام بن نوح، ثم بعد بيان مخلفات أبيه المستبعد بل المحال لولا إعانة الله برفع
أسعارها قضاء ذلك الدين الكثير الذي عليه، من ذلك استأنف مبيناً لوجه دين الزبير ولجمع
ذلك القدر الذي عليه بقوله: (وإنما كان دينه الذي كان عليه أن) بفتح الهمزة (الرجل كان
يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا) أي: لا أستودعه وذلك لما يعلم من نفسه من
مزيد الكرم فيخشى أن ينفق لما تعوده من الكرم من المال المودع عنده، وإن كان مثل ذلك
لا يصدر منه لكنه سد الذريعة وقفل الباب من أصله. وإن ومعمولاها خبر كان الأولى واسم
كان الثالثة ضميرٌ يعود للرجل، وخبره جملة يأتيه (ولكن هو سلف) بفتح أوليه أي: قرض.
وقوله: (إني أخشى عليه الضيعة) أي: الضياع جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لعدوله عن قبول
استيداعه إلى استسلافه، والضياع المتخوف يحتمل أن يكون خشية إنفاقه على مستحق لما
اعتاده من الكرم كما تقدم، وأن يكون باختلاس مختلس أو سرقة سارق فيضيع على صاحبه
لعدم ضمان الزبير حينئذ، وقد وضعه في حرز مثله، فأراد حفظ مال المستودع واستقراره في
ذمته. وقال الحافظ: وكأن غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير
في حفظه، فرأى أن يجعله مضموناً ليكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته، زاد ابن
بطال: وليطيب ربح ذلك المال، وروى الزبير بن بكار: أن كلاً من عثمان وعبد الرحمن بن
عوف ومطيع بن الأسود وأبي العامر بن الربيع وعبد الله بن مسعود والمقداد بن عمرو أوصى
إلى الزبير بن العوام (وما ولي إمارة) أي: ولاية وهو بكسر الهمزة كذا ضبطه الشيخ زكريا في
تحفة القاري، لكن في مختصر القاموس مصدر أمر علينا إمارة إذا ولي مثلث الهمزة اهـ.
(قط) بفتح القاف وضم الطاء المهملة، ظرفٌ لاستغراق النفي فيما مضى (ولا جباية) بكسر
الجيم. استخراج الأموال من مظانها كما في النهاية (ولا خراجاً) أي: خراج أرضٍ، فلا
ينافي ما رواه الزبير بن بكار قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وروى مثله
يعقوب بن سفيان من وجه آخر (ولا شيئاً إلا أن يكون في غزوة مع رسول اللّه وي طير أو مع أبي
بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم) قال الحافظ ابن حجر: مراده أن كثرة ماله ما حصلت من
هذه الجهات المقتضية لظن السوء بأصحابها، بل كان كسبه الغنيمة ونحوها. قال الحافظ :

٥١٠
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَسَبْتُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَلَقِيَ
حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمْتُهُ
وَقُلْتُ: مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ هَذِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَرَأَيْتَكَ
إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدِ اشْتَرَی
هو متصل بإسناد الحديث المذكور (قال عبد الله: فحسبت) بفتح السين المهملة وبباء
موحدة. وكان ذلك بعد موته شهيداً (ما كان عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف
فلقي حكيم) بالرفع فاعل، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف (ابن حزام) بكسر المهملة
وبالزاي. وكل ما كان في قريش فهو بهذا الضبط، وما كان رسمه في نسب الأنصار بهذه
الصورة فبفتح أوليه المهملين قال المصنف في أول شرح مسلم: وحزام بن خويلد بن
أسد بن عبد العزى فهو ابن عم الزبير (عبد الله بن الزبير فقال: يابن أخي) خاطبه بذلك
لصغر سنه بالنسبة إليه، إذ كان لحكيم من العمر حينئذ نحو مائة عام وعبد الله نحو الأربعين
(كم) استفهامية وتمييزها محذوفٌ أي: كم ألفاً أو نحو ذلك (على أخي من الدين فكتمته
وقلت: مائة ألف) قال ابن بطال: إنما كتمه لئلا يستعظم حكيم ما استدانه فيظن به عدم
الحزم وبعبد الله عدم الوفاء بذلك، فينظر إليه بعين الاحتياج إليه، فلما استعظم حكيم أمر
مائة ألف كما قال عنه (فقال حكيم: والله ما أرى) بضم الهمزة أي: أظن (أموالكم تسع
هذه) أي: الديوان احتاج عبد الله أن يذكر له الجميع ويعرفه أنه قادر على وفائه (فقال
عبد الله: أرأيتك) بفتح التاء المثناة الفوقية. أي أخبرني والكاف حرف خطاب أكد به الضمير
(إن كانت ) أي: الديون (ألفي ألف ومائتي ألف) قال ابن بطال: ليس في قوله مائة ألف
وكتمانه ما فوقها كذبٌ؛ لأنه إخبار ببعض الواقع وسكوت عن الباقي وهو صادق. قال
الحافظ: لكن من يعتبر مفهوم العدد يراه إخباراً بغير الواقع، ولذا قال ابن التين: في كتمان
عبد الله ما كان على أبيه بعض تجوز اهـ. (قال: ما أراكم) بضم الهمزة أي: أظنكم،
ويجوز فتحها أي: ما أعتقدكم (تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي) قال
الحافظ ابن حجر: روى يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن المبارك أن حكيم بن حزام
بذل لعبد الله بن الزبير مائة ألف إعانة له على وفاء دين أبيه فامتنع فبذل له مائتي ألف فامتنع
إلى أربعمائة ألف ثم قال له لم أرد منك هذا، ولكن تنطلق معي إلى عبد الله بن جعفر
فانطلق به وبعبد الله بن عمر يستشفع بهم، فلما دخلوا عليه قال: أجئت بهؤلاء تستشفع بهم

٥١١
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةٍ أَلْفٍ فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مَنْ
كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ شَيْءٌ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ، فَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَكَانَ لَهُ عَلى الزُّبِيْرِ
أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا، قَالَ: فَإِنْ
شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا، قَالَ: فَاقْطَّعُوا لِي
قِطْعَةً، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَهُنَا إلى هَهُنَا، فَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ وَأَوْفَاهُ
وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلى مُعَاوِيَّةً
علي؟ هي لك، قال: لا أريد ذلك قال: فأعطني بها نعليك هاتين أو نحوهما، قال: لا أريد
قال: فهي عليك إلى يوم القيامة قال: لا. قال: فحكمك قال: أعطيك بها أرضاً. فقال
نعم. فأعطاه. فرغب فيها معاوية فاشتراها بأكثر من ذلك (قال: كان الزبير قد اشترى الغابة
بسبعين ومائة ألف فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف) كأنه قسمها ستة عشر سهماً بدليل
أنه قال بعد ذلك لمعاوية: إنها قومت كل سهم بمائة ألف (ثم قام فقال: من كان له على
الزبير شيء) أي: من الدين (فليوافنا بالغابة فأتاه عبد الله بن جعفر) أي: ابن أبي طالب
(وكان له على الزبير أربعمائة ألف فقال لعبد الله:) أي: ابن الزبير (إن شئتم تركتها لكم)
أي: يا آل الزبير. أي: ورثته (فقال عبد الله) أي: ابن الزبير (لا) أي: لا نريد ذلك (قال:
فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون) من الديون (إن أخرتم) أي: شيئاً منها (فقال عبد الله: لا
قال: فاقطعوا) بفتح الطاء المهملة ووصل الهمزة وبقطع الهمزة وكسر الطاء أي: اجعلوا (لي
قطعة) من الغابة (فقال عبد الله:) بن الزبير (لك من ها هنا إلى ها هنا) قال العلقمي في
حاشية الجامع الصغير، روي أن ابن الزبير قال لابن جعفر: أحب ألا يحضرني وإياك أحد
فانطلق، فمضى معه فأعطاه أرضاً خراباً وشيئاً لا عمارة فيه وقومه عليه، حتى إذا فرغ قال ابن
جعفر لغلامه: ألق لي مصلى في هذا المكان فألقاه في أغلظ موضع، فصلى فيه ركعتين
وسجد طويلاً يدعو، فلما قضى ما أراد من الدعاء قال لغلامه: احفر في موضع سجودي
فحفر فإذا عين فوارة قد أنبطها. فقال له ابن الزبير أقلني فقال له: أما دعائي فقد أجابه الله
ولا أقيلك. فصار ما أخذه أعمر مما في أيدي آل الزبير (فباع عبد الله منها) أي: الغابة
والدور لا من الغابة وحدها لما تقدم أن الدين ألفا ألف ومائتا ألف، فإنه باع الغابة بألفي ألف
وستمائة ألف (فقضى عنه دينه) الذي كان التزم ابن الزبير بعد موت أبيه (وأوفاه) أصحابه
(وبقي منها) أي: الغابة (أربعة أسهم ونصف فقدم على معاوية) أي: في خلافته كما جزم به
الحافظ ابن حجر، وإن ذلك كان بعد مدة انتظار أرباب الديون وما اتصل به من تأخير

٥١٢
كتاب: دليل الفالحين
وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمتٍ
الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. فَقَالَ
الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمَاً بِمِائَةٍ أَلْفٍ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمَاً
بِمِائَةٍ أَلْفٍ. وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْماً بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةٍ: كَمْ بَقِيَ مِنْهَا؟
قَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةٍ أَلْفٍ، قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفٍَ
نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتُّمِائَةٍ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبِيْرِ:
اقْسِمْ بَيْنَا مِيرَاثْنَا. قَالَ. وَاللَّهِ لَ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَ
مَنْ كَانَ لَهُ عَلى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي فِي الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا
القسمة لاستبراء بقية من له دين (وعنده عمرو بن عثمان) ابن عفان (والمنذر بن الزبير) بن
العوام (وعبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وبعدها مهملة (فقال له معاوية: كم
قومت الغابة) برفع الغابة فقومت مبني للمجهول ونصبها مع بنائه للمعلوم (فقال: كل سهم)
بالرفع والنصب أي: قوم أو قومت كل سهم (مائة) بالنصب على نزع الخافض أي: بمائة
(ألف قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف فقال المنذر: قد أخذت منها سهماً
بمائة ألف وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف وقال عبد الله بن زمعة:
قد أخذت منها سهماً بمائة ألف فقال معاوية: كم بقي) بكسر القاف ((منها)) كما في نسخة
أي: الغابة أو السهام الباقية وهو أقرب (قال:) أي: عبد الله بن الزبير ويحتمل أن يكون غيره
(سهم ونصف) أي: الباقي ذلك فالمبتدأ محذوف أو بقي منها ذلك، فيكون فاعل فعل
مقدر(فقال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف قال:) ابن الزبير (وباع عبد الله بن جعفر نصيبه)
من السهام في الغابة (من معاوية بستمائة ألف) فربح مائتي ألف (فلما فرغ ابن الزبير من
قضاء دينه) الذي عرفه وضبطه (قال بنو الزبير:) وهم: عبد الله وعروة والمنذر وأمهم أسماء
بنت أبي بكر، وعمر وخالد وأمهما بنت خالد بن سعيد بن العاص، ومصعب وحمزة وأمهما
الرباب بنت أنيف، وعبيدة وجعفر وأمهما زينب بنت بشر، وزينب وأمها أم كلثوم بنت عقبة،
وباقي أولاد الزبير ماتوا قبله (اقسم بيننا ميراثنا قال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي للموسم)
بفتح الميم وكسر المهملة وسكون الواو بينهما (أربع سنين إلا) بتخفيف اللام (من كان له
دين على الزبير فليأتنا فلنقضه فجعل كل سنة ينادي في الموسم) أي: بقوله: من كان له دین

٥١٣
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ وَرَفَعَ الثُّلُثَ، وكانَ لِلِزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَصَابَ كُلَّ
آَمْرَأَةٍ أَلِفُ أَلْفٍ ومِائَتَا أَلْفٍ؛ فَجَميعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلِفِ أَلْفٍ وَمَائْتَا أَلْفٍ.
على الزبير فليأتنا نقضه. قال الحافظ ابن حجر: ومثل هذا يتوقف على إجازة جميع الورثة
وإلا فمن طلب القسمة بعد وفاء الدين الذي وقع العلم به وصمم على ذلك أجيب إليها ولم
يتربص به انتظار شيء يتوهم، فإذا ثبت دين بعد ذلك استعيد منه بقدره، والذي يظهر أن ابن
الزبير إنما اختار التأخير أربع سنين لأن المدن الواسعة التي يؤتى الحجاز من جهتها إذ ذاك
كانت أربعاً: اليمن والعراق والشام ومصر فبنى على أن كل قطر لا يتأخر أهله في الغالب عن
أكثر من ثلاثة أعوام، فيحصل استيعابهم في مدة الأربع، ومنهم في طول المدة من يبلغ
الخبر من وراءهم من الأقطار، واختار الموسم لأنه يجمع الناس من الآفاق (فلما مضى أربع
سنین) فیه تجوز لأنه إن عد موسم سنة ست وثلاثين، فلم يؤخر ذلك إلا ثلاث سنين ونصفاً،
وإن لم يعده فقد أخر ذلك أربع سنين ونصفاً، ففيه إلغاء الكسر أو جبره (قسم) بعد الدين
والوصية (بينهم ودفع الثلث) أي: الموصى به (وكان للزبير أربع نسوة) أي: مات عنهن
وهن أم خالد والرباب وزينب قيل: وعاتكة بنت زيد أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، وأما
أسماء وأم كلثوم فكان طلقهما وقيل: أعاد أسماء وطلق عاتكة. فقتل وهي في عدته
فصولحت عن ربع الثمن بثمانين ألفاً (فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف) هذا باعتبار
أصل نصيب كل منهن ورد عليهن الباقي من سهم المصالحة أربعمائة ألف اقتسمتها بينهن.
قال الحافظ أبو عبد الله البخاري صاحب الصحيح (فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا
ألف) قال ابن بطال وعياض وغيرهما: هذا غلط في الحساب قال الكرماني: لأنه إذا كان
الثمن أربعة آلاف وثمانمائة ألف فالجميع ثمانية وثلاثون ألف ألف وسبعة آلاف ألف
وستمائة ألف، وإن اعتبرته مع الدين فهو خمسون ألف ألف وتسعة آلاف ألف وثمانمائة
ألف. فعلى التقادير كلها الحساب غير صحيح ثم قال الكرماني: قلت: لعل الجميع عند
وفاته هذا المقدار الذي قاله البخاري ثم زاد من غلة أمواله في هذه الأربع سنين إلى ستين
ألف ألف إلا مائتي ألف اهـ. وحاصله: أن ما ذكره من نصيب كل من الزوجات باعتبار ما
يجمع من غلال الأموال في السنين الأربع وما ذكره من الجملة باعتبار حالة الموت والله
أعلم. قال الحافظ ابن حجر بعد نقله عن الحافظ شرف الدين الدمياطي: وهذا توجيه في
غاية الحسن لعدم تكلفه ولتبقية الرواية الصحيحة على وجهها، وقد تلقاه الكرماني فذكره
ملخصاً ولم ينسبه لقائله، ولعله من توارد الخواطر والله أعلم اهـ. قلت: رأيت بخط

٥١٤
كتاب : دليل الفالحين
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٢٦ - باب: في تحريم الظلم والأمر برد المظالم
الحافظ نجم الدين بن فهد في تذكرته نقلاً عن خط الدمياطي ما يخالف ما نقله عنه في
الفتح. ولفظه: روى ابن سعد في الطبقات حديث الزبير هذا بنحو حديث البخاري وطوله،
غير أنه خالفه في موضع واحد وهو قوله: ((أصاب كل امرأة من نسائه ألف ألف ومائتا ألف)
على دينه ووصيته وورثته، وإنما يصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف فيكون الثمن
أربعة آلاف ألف فتصح قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف، ثم يضاف إليها الثلث ستة
عشر ألف ألف فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف، ثم يضاف إليها الدين ألفا ألف
ومائتا ألف، فصارت الجملة كلها خمسين ألف ألف ومائتا ألف، ومنها تصح. ورواية ابن
سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين ألف
ألف وثمانمائة ألف، فيجوز أن يكون المراد بقوله: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا
ألف قيمة تركته عند موته لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين
قبل قسمة التركات، ويدل عليه ما رواه الواقدي عن أبي بكر بن سبرة عن هشام عن أبيه
قال: كان قسمة ما ترك الزبير على أربعين ألف ألف، وروى ابن سعد عن القعني عن ابن
عيينة قال: قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف، وذكر الزبير بن بكار في بني عدي عاتكة
بنت زيد زوج الزبير، وأن عبد الله بن الزبير بعث إليها بثمانين ألف درهم فقبضتها وصالحت
عليها، وبين قول الزبير هذا وقول غيره بونٌ بعيدٌ، والعجب منه مع سعة علمه وتنفيره عنه
كيف خفي عليه توريث آبائه وأحوال تركاتهم اهـ. قلت: لا عجب فإنها صولحت عن ربع
الثمن بما دفع إليها لا أن ذلك ربع ثمن مال الزبير حتى يخالف كلام غيره والله أعلم (رواه
البخاري) في أبواب فرض الخمس.
باب تحريم الظلم
هو لغة: وضع الشيء في غير محله. وشرعاً: التصرف في حق الغير بغير حق، أو
مجاوزة الحد (والأمر برد المظالم) بأعيانها إن بقيت، فإن تلفت فيبدلها من مثل في المثلى،
والقيمة في المقوم (إلى أصحابها) إن بقوا وإلا فللوارث، فإن فقد المستحق ولو بانقطاع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب: بركة الغازي في ماله (١٦٠/٦، ١٦٣).

٥١٥
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
قال اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفيعٍ يُطَاعٌ﴾.
وقالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
وأَمَّا الْأَحادِيثُ فَمِنْهَا حَديثُ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَقَدِّمِ فِي آخِرِ بَابٍ
الْمُجَاهَدَةِ(٣).
٢٠٤ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ قالَ: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ
خبره بحيث أيس من حياته أرسلها لقاضٍ أمين ولو غير قاضي بلده فيما يظهر، فإن تعذر
تصدق بها على الفقراء بنية الغرم إذا وجده كما في الوديعة أو تركها عنده وبحث الأسنوي أنه
يتخير بين وجوه المصالح كلها، وهو ظاهرٌ. وإلى ترجيحه يومىء كلام العزبن جماعة
وغيره، وزاد أن له التصرف لنفسه من نفسه إن وجد فيه شرطه، وعليه يدل كلام الغزالي في
نظيره قال: ويجب عليه فيه الاقتصار على الأمر الوسط. وقيد ابن جماعة ذلك بعلمه بالأحكام
الشرعية. قال ابن حجر الهيثمي: وظاهرٌ أنه غير شرط، وإنما شرط تصرفه فيه علمه بجواز
صرفه إليه، وكنفسه عياله الذين تلزمه مؤنتهم.
(قال الله تعالى:) شأنه عما لا يليق (ما للظالمين من حميم) قريبٍ مشفقٍ (ولا شفيع
يطاع) ولا شفيع يشفع ووضع الظالمين موضع ((هم)) للدلالة على اختصاص هذا الأمر بهم
وأنه لظلمهم (وقال تعالى: وما للظالمين من ولي ولا نصير) كذا فيما وقفت عليه من نسخ
الرياض والتلاوة، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير أي: يدعهم الله بغير ولي ولا نصير
في عذابه. وفي سورة الحج: ﴿وما للظالمين من نصير﴾ (٤) فلعل زيادة من ولي من قلم
الناسخ وتحريف النقلة.
(وأما الأحاديث) النبوية (فمنها حديث أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (المتقدم في
آخر باب المجاهدة) وبه ختم ذلك الباب.
٢٠٤ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (وَ لخير قال: اتقوا الظلم) أي: اجتنبوا ظلم
(١) سورة غافر، الآية: ١٨.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧١.
(٣) (الرجوع إلى صفحة ٣٣٠ - ٣٣٨ حديث رقم ١١١).
(٤) سورة الحج، الآية: ٧١.

٥١٦
كتاب: دليل الفالحين
ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ
سَفَكُوْا دِمَائَهُمْ، وَاسْتَحَلُوا مَحَارِمَهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
العباد، ومنهم النفس وظلمها بمنعها حقها، أو إعانتها على معصية الله وإطاعتها فيها (فإن
الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القاضي عياض: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه
لا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى بنور هو مسبب عن إيمانه
في الدنيا قال تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ (٢) ١ هـ. قيل: ويحتمل أن
الظلمات هنا الشدائد، وبه فسر قوله تعالى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾(٣)
ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات، قال الطيبي قوله: على ظاهره يوهم أن قوله:
﴿ظلمات﴾ هنا ليس مجازاً بل حقيقة. لكنه مجاز لأنه حمل المسبب على السبب، فالمراد
ظلمات حقيقة مسببة عن الظلم. والفرق بين الشدائد والأنكال، أن الشدائد كائنةٌ في
العرصات قبل دخول النار، والأنكال بعد دخولها اهـ. وقال ابن الجوزي: الظلم يشتمل
على معصيتين: أخذ حق الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من
غيرها، لأنه لا يقع غالباً إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار. وإنما ينشأ من ظلمة
القلب لأنه لو استنار القلب بنور الهدى لاعتبر (واتقوا الشح) هو بالشين المعجمة وهي مثلثة
والضم أعلى. والشح أشد البخل وقيل: البخل مع الحرص وقيل: البخل في أفراد الأمور
والشح عامٌ وقيل: البخل بالمال والشح به وبالمعروف (فإن الشح أهلك من كان قبلكم)
أي: من الأمم والهلاك فيه محتمل للهلاك المعنوي والهلاك الحسي، ويؤيده قوله: (حملهم
على أن سفكوا دماءهم) أي: قتل بعضهم بعضاً، كما قتل ذلك الإِسرائيلي ابن عمه الذي
يرثه استعجالاً للإِرث حتى كشف الله أمره بقصة البقرة، واستحلوا محارمهم قال المظهري
في المفاتيح: يعني لحرصهم على جمع المال الحرام يقتل بعضهم بعضاً لأخذ أموالهم
(واستحلوا محارمهم) أي: اتخذوا ما حرم الله من نسائهم حلالاً أي: فعلوا بهن الفاحشة.
وأقرب منه أنهم احتالوا إلى بيع ما حرم الله تعالى عليهم أكله كالشحوم جملوها فباعوها،
وكالصيد يوم السبت فحفروا للصيد حفائر لتنحبس فيها السمك يومئذ فيأخذوه بعد. ففيه
تقبيح التحليل للحرام بما لم يرد الإذن للتخلص به من الحرام، كبيع العينة أخذاً من
أمره ### لبلال أن يبيع التمر الرديء بالدراهم ويشتري بالدراهم الجيد من التمر، ونهاه عن
شراء مد جيد بمدين من الرديء (رواه مسلم) قال السيوطي في الجامع الصغير: ورواه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٥٦).
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٦٣ .
(٢) سورة الحديد، الآية: ١٢.

٥١٧
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
٢٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَتُؤُّنَّ الْحُقُوقَ
إِلى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٢٠٦ - وعنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الوَدَاعِ
والنّبِيُّ ◌َ﴿ بَيْنَ أَظْهُرِنا، وَلَا نَدْرِي
أحمد والبخاري في الأدب وروى قوله: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) البخاري ومسلم
والترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً.
٢٠٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وم ير قال: لتؤدن الحقوق) بضم الفوقية
وفتح الهمزة وتشديد الدال المفتوحة لاتصال نون التوكيد المباشرة بها. فعل مبني للمجهول
واللام في أوله مؤذنة بقسم مقدر لتأكيد المقام، وحذف الفاعل به أي والله ليؤدين الله
الحقوق (إلى أهلها) مستحقها (يوم القيامة حتى) غايةً في إيفاء الحق أي: إلى أن (يقاد للشاة
الجلحاء) بفتح الجيم وسكون اللام بعدها مهملة وبعدها ألف ممدودة. هي الجماء التي لا
قرن لها (من الشاة القرناء) قال المصنف: هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما
يعاد أهل التكليف من الآدميين وكما يعاد الأطفال والمجانين، وعلى هذا تظاهرت دلائل
الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾(٢) وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من
إجرائه على ظاهره عقلٌ ولا شرعً وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط
الحشر والإِعادة المجازاة والعقاب والثواب، وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس من
قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة اهـ. (رواه مسلم) قال السيوطي
في الجامع الصغير: ورواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي.
٢٠٦ - (وعن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث بحجة)
بفتح الحاء وكسرها (الوداع) بكسر الواو وفتحها، وسميت بذلك لأن النبي نَّر ودعهم فيها
وتسمى: حجة البلاغ لقوله: ((هل بلغت)) وتسمى: حجة الإِسلام إذ لا مشرك فيها. قاله ابن
النحوي في التوضيح على الجامع الصغير (والنبي ◌َلي بين أظهرنا) جملة في محل الحال
أي: جالسٌ بيننا مستظهراً لا مستخفياً يقال: بين أظهرنا وظهرانينا بمعنى: بيننا (ولا ندري)
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٦٠).
(٢) سورة التكوير، الآية: ٥.

٥١٨
كتاب: دليل الفالحين
ما حَجَّةُ الْوَدَاعِ حَتَّى حَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ المَسيحَ الدَّجَّالَ
فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ: ((مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِّ إلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَُّّونَ مِنْ
بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ فِيكُمْ، فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إنَّ رَبَّكُمْ
لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَغْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى
أي: نعرف (ما حجة الوداع) أي: ما وجه تسميتها به. قال في التوشيح: كأنه شيء ذكره
النبي 18 فتحدثوا به، وما فهموا أن المراد بالوداع وداع النبي الز حتى وقعت وفاته بعد ذلك
بقليل، فعرفوا بذلك، وأشار إلى ذلك بما تضمنه قوله (حتى حمد الله) بالنصب على
المفعولية وتقديمه للاختصاص (رسول الله و ﴿ وأثنى عليه) يحتمل أن يكون من عطف
الرديف، وأن يكون من عطف المغاير أي: حمد الله بأوصال الكمال وأثنى عليه بتنزيهه عما
لا يجوز عليه (ثم ذكر المسيح) بفتح الميم وكسر السين المهملة مخففة وبالحاء المهملة
(الدجال) أي: المبالغ في الكذب بادعائه الإحياء والإماتة وغيرهما مما يقطع كل عاقل فضلاً
عن مؤمن بكذبه فيه. والمسيح إذا أطلق ينصرف لسيدنا عيسى عليه السلام، ويطلق على
الدجال، لكن مقيداً به كما هنا. وقال أبو داود: إنه في الدجال بتشديد السين، وفي عيسى
بتخفيفها، والأول هو المشهور. وقيل: يقال فى كل منهما بالتشديد والتخفيف، ولقب به
الدجال قيل: لأنه ممسوح العين، فإن إحدى عينيه ممسوحة. وقيل: لأن أحد شقي وجهه
خلق ممسوحاً لا عين ولا حاجب فيه. وقيل: لأنه ممسوح من كل خير أي:
مبعود ومطرود وعلى كل محال فهو فعيل بمعنى مفعول. وقيل:
بل هو بمعنى فاعل، ولقب به لأنه يمسح معظم الأرضين أي: يقطعها فى
أيام معدودة. وقيل: إنه بالخاء المعجمة ونسب قائله إلى التصحيف. وقال ابن دحية في
مجمع البحرين: إنه خطأ وقيل: إنه مسيح بوزن مسكن بكسر ثالثه. وقال أبو عبيدة: أظنه
بالشين المعجمة كما تنطق به اليهود ثم عرب فأطنب في) بيان (ذكره) محذراً من فتنته
لعظمها (وقال: ما بعث الله) أي: أرسل (من نبي) أي: رسول. إذ هو الذي ینذر قومه، ومن
مزيدة لاستغراق العموم (إلا أنذر أمته منه) وأعلمهم ببعض أوصافه (أنذره نوح) أي: أنذر
منه نوح قومه (والنبيون من بعده) أممهم. ففيه حذف المفعول. وجملة أنذر نوح لتفصيل ما
قبلها (وإنه يخرج فيكم) إذ لا أمة بعدكم ولا بد من خروجه، فإذا لم يخرج في الأمم السابقة
فلم يبق إلا خروجه في هذه الأمة (فما) شرطية أي: فأي شيء (خفي عليكم من) للتبعيض
أي: بعض (شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور) أن ومعمولاها فاعل يخفى،
لكن رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح بكسر الهمزة ولعل الإِسناد للجملة أي: لا يخفى

٥١٩
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا،
في بَلَدِكُمْ هَذَا؛ أَلَ هَلْ بَلَّغْتُ؟)) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ أَشْهَدْ)) ثَلَاثاً ((وَيْلَكُمْ!
أَوْ وَيْحَكُمْ أَنْظُرُوا: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً
عليكم مضمون هذا الكلام من انتفاء النقائص عن الباري جل وعز (أنه) يعني الدجال. وهي
ومعمولاها بدلٌ من أن الأولى أو استئناف. قاله الكرماني (أعور عين اليمنى) بالجر من إضافة
الموصوف إلى صفته وتأويله عند البصريين: أعور عين صفحة وجهه اليمنى (كأن عينه عنبة)
بكسر العين وفتح النون والموحدة لا يخفى ما فيه من المحسن البديعي، وهو الجناس
الخطي المسمى: بالجناس المصحف. ومنه حديث ارفع إزارك فإنه أتقى وأبقى وأنقى
(طافية) بلا همز أي: بارزة من طفى الشيء يطفو إذا علا على غيره، وشبهها بالعنبة التي تقع
في العنقود بارزة عن نظائرها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام. حرف استفتاح ليتنبه لما بعده
(إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم) يقدر في الأول سفك وفي الثاني أخذ، لأن الذوات لا
تحرم (كحرمة يومكم هذا) أي: يوم النحر (في بلدكم هذا) أي: حرم مكة. وقيل: المشبه
به أخفض رتبة من المشبه وهو خلاف القاعدة. والجواب: أن تحريم اليوم والبلد كان ثابتاً
في نفوسهم مقرراً عندهم بخلاف الأنفس والأحوال فكانت الجاهلية تستبيحها، فورد التشبيه
بما هو مقرر عندهم، ومناط التشبيه ظهوره عند السامع (ألا) بتخفيف اللام (هل بلغت)
والمستفهم منه الأمة الحاضرون، وحذف المفعول ليعم أي: هل بلغتكم ما أمرت بإبلاغه
إليكم (قالوا: نعم قال: اللهم) أي: يا الله. فحذف حرف النداء وعوض منه الميم
المشددة. هذا هو الصحيح كما تقدم (اشهد) على شهادتهم بالتبليغ إليهم كيلا ينكر منكر
ذلك يوم القيامة (ثلاثاً) أي: قاله ثلاث مرات. وكان ◌َل# يكرر ما يحتاج للتكرير ثلاثاً كما
جاء في الصحيح، ((وكان إذا تكلم بكلام أعاده ثلاثاً ليفهم عنه)). (ويلكم) بفتح الواو
وسكون التحتية وفتح اللام. قال في الصحاح: ويل كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب،
يقال: ويله وويلك. وتقول: ويلٌ لزيد، فالنصب على إضمار الفعل قال في مادة ويح .
كأنك قلت: ألزمه الله ويلاً أو ويحاً أو نحو ذلك. والرفع على الابتداء هذا إذا لم تضف،
فإن أضفت فليس إلا النصب لأنك لو رفعته لم يكن له خبرا هـ. (أو) شك من الراوي أي:
أو قال (ويحكم) وفي الصحاح أيضاً ويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب. قال اليزيدي هما
بمعنى واحد (انظروا ولا ترجعوا) أي: لا تصيروا قال ابن ملك في توضيحه. مما خفي
على أكثر النحاة استعمال رجع كصار معنىً وعملاً، ومنه هذا الحديث. أي: لا تصيروا
(بعدي كفاراً) أي: كالكفار، فهو تشبيه أو من باب التغليظ فهو مجاز. والمراد: معناه

٥٢٠
كتاب: دليل الفالحين
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ(١).
اللغوي وهو التستر بالأسلحة. وفيه عشرة أقوال حكاها السيوطي وحكاها عنه تلميذه العلقمي
في آخر حاشيته على الجامع الصغير. والأولى أنه على ظاهره وأنه نهي عن الارتداد، وأوله
الخوارج بالكفر الذي هو الخروج عن المّة إذ كل معصية عندهم كفر (يضرب بعضكم
رقاب بعض) قال القاضي عياض: الرواية بالرفع كذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وهو
الصواب وبه يصح المقصود هنا. وضبطه بعض العلماء بالسكون، وهو: إحالة للمعنى .
والصواب: الضم ا هـ. وفي شرح المشارق لابن ملك: يضرب بالرفع فيه وجوه، أحدها:
أن تكون الجملة صفة للكفار أي: لا ترجعوا بعدي كفاراً متصفين بهذه الصفة يعني : يضرب
بعضكم رقاب بعض، الثاني: أن يكون حالاً من ضمير لا ترجعوا أي: لا ترجعوا كفاراً حال
ضرب بعضكم رقاب بعض، فعلى الأول يجوز أن يكون المعنى لا ترجعوا بعدي عن الدين
فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم بعضاً بغير حق على وجه التحقيق، وأن يكون
المعنى: لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضهم بعضاً على وجه التشبيه بحذف أداته، وعلى
الثاني يجوز أن يكون معناه لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم
باستحلال القتل بغير حق، وأن يكون المعنى لا ترجعوا حال المقاتلة كالكفار في تهييج الشر
وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب. وروي بجزم الباء على
أنه بدل من ترجعوا. ومعناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار، ويجوز أن يكون
جزاءً لشرطٍ مقدر على مذهب الكسائي أي: فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض اهـ.
وقريبٌ منه قول مغلطاي: من جزم، أوله على الكفر، ومن رفع لا يجعله متعلقاً بما قبله بل
حالاً أو مستأنفاً (رواه البخاري) بجملته في كتاب المغازي من حديث ابن وهب عن عمر بن
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر، ورواه
مختصراً في مواضع أخر منه من طرق أخرى (وروى مسلم بعضه) في كتاب الإِيمان وهو
عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي وَّر أنه قال في حجة الوداع: ((ويحكم - أو قال -
ويلكم لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) قال الحافظ المزي في
الأطراف: ورواه أبو داود في السنة والنسائي في المحاربة وابن ماجه في الفتن مختصراً
اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٨٢/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال وصفه وما معه، (الحديث:
١٠٠).