Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة
(إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ)) قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َ،
فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ وَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَإِنَّ لِوَلَدَِ
عَلَيْكَ حَقّاً، وَفِي رِوايَةٍ: ((لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ)) قَالَهُ ثَلاثَاً. وَفِي رِوايَةٍ: ((أَحَبُّ
الصِّيامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ داوُدَ: كَانَ يَنَامُ
نِصْفَ اللَّيْلِ ،
(فشدد عليّ) بها (وقال لي النبي ◌َّ: ) من باب الإِخبار بالمغيبات مما يؤول إليه حاله من
العجز والضعف (إنك لا تدري لعلك يطول بك عمرك) فتعجز عن القيام بمشاق العبادات
ولعل معلقة لتدري عن مفعوليه (قال:) ابن عمرو (فصرت إلى الذي قال لي النبي (وَليّ) أي:
من قوله: ((لعلك يطول بك عمرك)) فذلك من معجزاته وَل# (فلما كبرت) بكسر الموحدة
(وددت) بكسر الدال المهملة (أني كنت قبلت رخصة) تخفيف (النبي ◌ّة) في كل من
الصيام والقيام (وفي رواية:) أي: لمسلم (وإن لولدك) بفتحتين مفرد وبضم فسكون جمعاً
(عليك حقاً) أن تكتسب لهم وتنفق عليهم (وفي رواية:) لهما أنه قال له (لا صام من صام
الأبد) يحتمل أن يكون على وجه الدعاء وقيل: إنه محمول على حقيقته أي: بأن صام جميع
أيام السنة ولم يفطر أيام العيد والتشريق. وبهذا أجابت عائشة رضي الله عنها، واختاره ابن
المنذر وآخرون، لكن تعقب بأنه يدل على أنه ما أجر ولا أثم وصائم تلك الأيام لا يقال فيه
ذلك. والأظهر كما قال بعض شراح مسلم: إنه محمول على من تضرر به، ويؤيده أن النهي
لعبد الله بن عمرو وقد عجز في آخر عمره كما تقدم فنهى ابن عمرو لعلمه بَير بحاله في
مآله، ولذا أقر حمزة بن عمرو الأسلمي على صيام الدهر لعلمه بقدرته بلا ضرر. وقيل: إنه
إخبار بأنه ما صام أي: ما وجد من مشقته ما يجدها غيره، وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق
الحديث ألا تراه كيف نهاه أولاً عن صيام الدهر ثم حثه على صيام ثلاثة أيام من كل شهر،
ثم حثه على صيام داود. والأولى أن يكون خبراً عمن لم يتمثل أمر الشرع (قاله) أي: هذا
اللفظ وكرره (ثلاثاً) تنفيراً لابن عمرو من صوم الدهر لعلمه بمآله (وفي رواية:) لهما أيضاً
ورواه أحمد أيضاً (أحب الصيام إلى الله تعالى) أي: أكثر ما يكون محبوباً، واستعمال: أحب
بمعنى محبوب قليلٌ لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون من فعل الفاعل. ونسبة المحبة
في الصيام والصلاة إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما أو كثرة الثواب فيهما
(صيام داود وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود) أي: أحب أوقات القيام للصلاة وقت صلاة
داود، لما جاء في الحديث الآخر: ((وأحب القيام قيام داود)) (كان ينام نصف الليل) ليستريح

٤٠٢
كتاب: دليل الفالحين
وَيَقُومُ ثُلْتَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا
لاقَى)) وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَتَّتَهُ: أَيْ
امْرَأَةَ وَلَدِهِ، فَيَسْأَلُها عَنْ بَعْلِها فَتَقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِراشاً،
وَلَم يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفَأَ مُنْذُ أَنَيْنَاهُ!، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ:
(الْقَنِي بِهِ) فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقَالَ: ((كَيْفَ تَصُومُ؟)) قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: ((وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟))
البدن من تعب أعمال النهار (ويقوم ثلثه) بضمتين وهو الوقت الذي يتجلى فيه الرب سبحانه
ويقول: ((هل من سائل هل من مستغفر)) (وينام سدسه) بضمتين ونومه ليستريح من نصب
القيام وبما ذكر يعلم أن مراد البيضاوي من قوله في سورة ص: وكان يعني داود يقوم نصف
الليل ١ هـ. بيان وقت ابتداء يقظته لا مدتها (وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) ليجبر بالغذاء فيه
الضعف الحاصل من الصوم قبله وإنما كان هذا أحب، لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي
تخشى منها السآمة التي هي سبب ترك العبادة، والله يحب أن يوالي فضله ويديم إحسانه،
ولأن فيه إبقاء لقوى النفس التي تستعين بها على أداء العبادات ومجاهدة الكفار. ولذا قال:
(وكان لا يفر إذا لاقى) العدو في الحرب لقوة نفسه بما أبقى فيها وزاد النسائي: ((وإذا وعد
لم يخلف)) ولم يرها الحافظ العسقلاني لغيره، ومناسبتها بالمقام الإِشارة إلى أن سبب
النهي : خشية أن يعجز عن الذي التزمه فيكون كمن وعد وأخلف (وفي رواية) هي للبخاري
في التفسير. (أنكحني أبي امرأة ذات حسب) بفتح المهملتين بعدهما موحدة. وهو الشرف
بالآباء وما يعده الإِنسان من مفاخرهم. وقيل: الحسب الفعل الحسن للرجل ولآبائه (وكان
يتعاهد كنته) قال القاضي عياض في المشارق بفتح الكاف (أي: امرأة ولده) هذا بيان للمراد
بالكنة في هذا الحديث وأما هي لغة: فامرأة ابن الرجل وامرأة أخيه (فيسألها عن بعلها) بفتح
الموحدة وسكون المهملة زوجها (فتقول له:) شاكية في معرض الثناء والشكر (نعم الرجل)
أي: هو فالمخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما قبله عليه (من) بيانية (رجل لم يطأ لنا
فراشاً) كناية عن المضاجعة والنوم معها على الفراش (ولم يفتش لنا كنفاً) أي لم يكشف لنا
ستراً عبرت بذلك عن امتناعه عن الجماع. قال ابن النحوي وبخط الدمياطي : لم يدخل يده
معها كما يدخل الرجل يده مع زوجته في داخل إزارها. قال وأكثر ما يروى بفتح أوليه من
الكنف وهو الجانب تعني: أنه لم يقربها (مذ أتيناه فلما طال ذلك عليه) أي على أبيه (ذكر
ذلك للنبي (18) يحتمل أن يكون سكوته عن ذلك أول ما ذكرته له لأنه رآها راضية بذلك،
فلما كرر عليها السؤال تخوف أن يتعلق بولده فيكون عليها حق تذكره (قال: القني) بفتح

٤٠٣
١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة
قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ
يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّاماً وَأَحْصَى
وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كَرَاهِيَةً أَنْ يَتْرُكَ شَيْئاً فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبِيَّ وَ. كُلُّ هَذِهِ الرِّواياتِ صَحِيحٌ
مُعْظَمُها فِي الصَّحِيحَينِ وَقَليلٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِما (١).
١٥١ - وَعَنْ أَبِي رِبْعِيِّ
القاف أمر من لقي (به فلقيته بعد ذلك) الأمر قال في فتح الباري: زاد النسائي وابن خزيمة
وغيرهما من طريق أخرى عن مجاهد أي: عن عبد الله بن عمرو: فوقع علي أبي فقال:
زوجتك امرأة فعضلتها وفعلت وفعلت. قال: فلم التفت إلى ذلك لما كانت لي من القوة
فذكر ذلك للنبي وَّر فقال: القني معه. وفي رواية لأحمد من هذا الوجه: ((ثم انطلق إلى
النبي ◌َّ فشكاني)) وعند البخاري من طريق أبي المليح عن ابن عمرو قال: ((ذكر للنبي وَّل
صومي فدخل علي فألقيت له وسادة))، وعند البخاري أيضاً عن ابن عمرو ((بلغ النبي وَّ أني
أسرد الصوم وأصلي الليل فإما أرسل إلي وإما لقيته)) قال الحافظ: ويجمع بينهما بأن يكون
توجه بأبيه إلى النبي ◌َّر فكلمه من غير أن يستوعب ما يريد في ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادة
في التأكيد (فقال) النبي ◌َّ (لي: كيف تصوم قلت كل يوم قال وكيف تختم قلت كل ليلة
وذكر نحو ما سبق وكان) عبد الله بعد كبره (يقرأ على بعض أهله السبع) بضم أوليه (الذي
يقرؤه بالليل) أي: يريد قراءته به (يعرضه) بكسر الراء (من النهار ليكون) لقرب عهده به
(أخف) قراءة (عليه) (ب) -صلاة (الليل) وكان إذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى أي: عد
ما أفطر وهو خمسة عشر يوماً متوالية (وصام) أياماً (مثلهن) في العدد (كذلك) أي: متوالية
(كراهة أن يترك شيئاً فارق عليه) أي: على الالتزام بالقيام به (النبي ◌ّ كل هذه الروايات)
في حديث ابن عمروبن العاص (صحيحة معظمها في الصحيحين وقليل منها في أحدهما)
وتقدمت الإِشارة إلى البيان في ذلك.
١٥١ - (وعن أبي ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وشد التحتية
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: صوم الدهر وباب حق الضيف في الصوم وباب حق الجسم
في الصوم والأنبياء (١٩١/٤، ١٩٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر أو فوّت حقاً أو لم يفطر
العيدين والتشريق وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم (الحديث: ١٨١).

٤٠٤
كتاب: دليل الفالحين
حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأُسَيْدِيِّ الْكَاتِبِ أَحَدٍ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾
قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟
قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانِ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ عِه
(حنظلة بن الربيع) وقيل: ربيعة والأول أكثر. ابن ضبعي بن رباح بن الحارث بن
مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي (الأسيدي) بضم
الهمزة (الكاتب) قيل له ذلك لأنه (أحد كتاب رسول الله (وَ ل(*) وذكرهم ابن سيد الناس
اليعمري في سيرته فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة وخالد وإبان ابنا
سعيد بن العاص بن أبي أجيحة. وذكر شيخنا أبو محمد الدمياطي أخاهما سعيداً
وعبد الله بن الأرقم الزهري وحنظلة بن الربيع الأسيدي وأبي بن كعب، وهو أول من كتب له
من الأنصار وثابت بن قيس بن شماس وزيد بن ثابت وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي
سفيان والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن زيد وجريم بن الصلت، والزبير بن العوام وخالد بن
الوليد والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن العاص وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن سلمة
وعبد الله بن عبد الله بن أبي، ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن سعد بن سرح العامري،
وهو أول من كتب له من قريش ثم ارتد فنزلت فيه: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله
كذباً﴾(١) قلت: ثم أسلم يوم الفتح ولم ينقم عليه شيء بعد إسلامه ومات ساجداً. وذكر في
كتابه أيضاً طلحة ويزيد بن أبي سفيان والأرقم بن أبي الأرقم والزهري والعلاء بن عقبة وأبا
أيوب الأنصاري وخالد بن زيد، وبريدة بن الحصيب والحصين بن نمير وأبا سلمة
المخزومي وعبد الله بن عبد الأسد وحويطب بن عبد العزى وأبا سفيان بن حرب وحاطب بن
عمرو، وروينا من طريق أبي داود عن ابن عباس قال السجيل: كانت لرسول اللّه وَله وذكر
ابن دحية فيهم رجلاً من بني النجار غير مسمى، قال: كانت يكتب الوحي لرسول الله وَّ ثم
تنصّر. فلما مات لم تقبله الأرض انتهى كلام ابن سيد الناس ملخصاً. قال ابن إسحاق
وبعث رسول الله وَلّ بحنظلة إلى أهل الطائف أتريدون الصلح أم لا؟ فلما توجه إليهم
قال ◌َله: ((ائتموا بهذا وأشباهه)). ثم انتقل إلى فرقسا فمات بها. روي له عن رسول الله وله
ثلاثة أحاديث، تفرد به مسلم عن البخاري، وأخرج له هذا الحديث (قال: لقيني أبو بكر
رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة قلت: نافق حنظلة) أي: خاف على نفسه النفاق لما
(١) سورة الأنعام، الآية: ٢١ .

٤٠٥
١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة
يُذَكِّرُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولُ اللَّهِ وَ، عَافَسْنا
الْأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعاتِ نَسِينَا كَثِيراً، قَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى
مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ!، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ
كان يحصل له من الخوف في مجلس النبي ◌ََّ، ويظهر عليه فتح كمال المراقبة والفكر
والإِقبال على الآخرة، فإذا خرج واشتغل بما سيأتي ذهب عنه ذلك. وأصل النفاق: إظهار ما
يكتم خلافه من الشر (قال:) على وجه التعجب مما قلت (سبحان الله) أي: تنزيهاً لله (ما
تقول) أي: تأمله وانظر فيه. وما استفهامية مفعول مقدم لتقول (قلت: ) أي: في بيان سبب
قولي نافق حنظلة (نكون عند رسول الله وير يذكرنا بالجنة والنار كأنا) نراهما (رأي عين) كذا
قال القرطبي : إنه قيده بالنصب. وقال القاضي: ضبطناه بالرفع. أي: كأنا ذووا رأي عين.
أي بحال من يراهما قال: ويصح النصب على المصدر (فإذا خرجنا من عند رسول الله وَال
عافسنا) سيأتي ضبطه ومعناه: مارسنا (الأزواج والأولاد والضيعات) جمع ضيعة بالضاد
المعجمة. وهو معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة (فنسينا كثيراً) أي: إذا خرجنا
واشتغلنا بهذه الأمور وذهب منا ذلك الحال الذي كان ونحن عند النبي وَّر وسماع موعظته
ومشاهدته (قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا) قال القرطبي : في هذا رد
على من زعم دوام مثل ذلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل ولا مال. ووجه الرد: أن
أبا بكر أفضل الناس بعد رسول اللّه وَّ إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدع خروجه عن جبلة
البشر، ولا ما هو من خاصة الملك من تعاطي دوام الذكر وعدم الفترة. قال: وعلى الجملة
فسنة الله في هذا العالم الإِنساني. جعل تمكينهم في قلوبهم ومشاهدتهم في مكابدتهم.
وسر ذلك: أن هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكن الملائكة في الخير
بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر
والإِغواء، بحيث لا يفعلون ما يأمرون. وجعل هذا العالم الإِنساني متلوناً فيمكنه ويلونه
ويغنيه ويبقيه ويشهده ويفقده. وإليه أشار صاحب الشفاعة وَل بقوله: ((ولكن يا حنظلة ساعة
وساعة)) وقال في حديث أبي ذر: ((وعلى العاقل أن يكون له ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه،
وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من
مطعم ومشرب هكذا الكمال وما عداه ترهات وخيال)) والله أعلم. (فانطلقت أنا وأبو بكر)
سائرين (حتى دخلنا على رسول الله وَّلل فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله قال رسول الله وَل :
وما ذاك) أي: الذي نافق به (قلت: يا رسول الله إنا نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة فكأنا

٤٠٦
كتاب: دليل الفالحين
تُذَكِّرُنا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنِ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ
وَالضَّيْعَاتِ نَّسِينَا كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُون عَلَى
مَا تَكُونونَ عَلَيهِ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي
طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَاَ حَنْظَلَهُ سَاعَةٌ وَسَاعَةً)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلهُ ((رِبْعِيّ))
رأي عين) أي: فيحصل لنا من ذلك كمال الخوف والمراقبة والتفكر في المآل والإقبال على
الآخرة (فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً) أي: فيذهب
عنا غالب تلك الأحوال السنية، فخشي حنظلة أن يكون اختلاف هذا الحال من النفاق،
فأعلمه النبي ◌ّ أنه ليس مكلفاً بالدوام على الحال الذي يكون عليه عنده. وأن ذلك
الاختلاف ليس نفاقاً (فقال رسول الله وَلير: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون
عليه عندي) من المراقبة والتفكر في المآل والإقبال على الله تعالى (وفي الذكر) قال
القرطبي: هكذا صحت الرواية بالواو العاطفة للظرف الثاني على الظرف الأول. فيفيد أن
مصافحة الملائكة المذكورة في قوله (لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) موقوفة
على حصول حالتين لنا: على حال مشاهدة الجنة والنار مع ذكر الله تعالى، ودوام ذلك
فيعني والله أعلم: أن التمكن إنما هو أن يشاهد الأمور كلها بالله، فإذا شاهد الجنة مثلاً
لم يحجبه ما شاهد من نعيمها وحسنها عن رؤية الله تعالى، بل لا يلتفت إليها من حيث هي
جنة، بل من حيث إنها هي محل القرب من الله تعالى ومحل رؤيته ومشاهدته، فيكون فرقه
في جمعه وعطاؤه في منعه، ومن كان هكذا ناسب الملائكة في معرفتها، فبادرت إلى إكرامه
ومشافهته وإعظامه ومصافحته. والمسئول من الكريم المتعال أن يمنحنا من صفاء هذه
الأحوال اهـ. (ولكن يا حنظلة ساعة) أي: لأداء العبودية (وساعة) للقيام بما يحتاجه
الإِنسان. قاله وَّر (ثلاث مرات) وكرره للتأكيد ودفع ما وقع في نفسه أن ذلك من النفاق
(رواه مسلم) قال البخاري في كتاب الإِخبار بفوائد الأخبار: حال العبد هو مقامه في سره
وشهوده بقلبه وصفته. ومعناه: وما كان كذلك فإنها تكون لازمة له لا ينتقل عنها في حال ولا
يزول عنها بمعنى. وأما كونهم عند النبي ◌َ ◌ّ على ما كانوا عليه فإن تلك مواجيد، والمواجيد
تجيء وتذهب؛ لأنها عوارض تثبت في الأسرار من خارج. قال بعض العارفين الكبار:
الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثابتة لا تزول. قال: فالحال الذي يجدونه في أسرارهم عند
كونهم عنده ◌َّ خلاف المعهود، ثم يزول عنهم إذا رجعوا من عنده، فكان الذي يجدونه

٤٠٧
١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة
بِكَسْرِ الرَّاءِ وَ((الأُسَيْدِيّ)) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ((عَافَسْنَا)) هُوَ بِالعَيْنِ وَالسِّيْنِ المُهْمَلَتْنِ: أَيْ عَالَجْنَا وَلَعَبْنَا.
عنده * هو: سلطان الحق وقوة سر النبي وك سل ر، ألا ترى إلى قول أنس رضي الله عنه: ما
نفضنا أيدينا من دفن رسول الله وَ ل﴿ حتى أنكرنا قلوبنا. وذلك لأن سلطان النبوة زال عنهم،
وهو كان يقهر الأعداء ويجذب الأولياء. فمن قهره للأعداء قصته مع أبي جهل في أمره
بالوفاء بثمن الجمال لصاحبها، فوفاه بها في حضرته ول# .. والذي يجده أصحاب النبي ◌َّ
عنده جذب الحق. وقوة سر النبي ◌ّه وسلطانه كان يصرفهم عن الأشياء ويأخذهم عنها
ويجذبهم منها، من غير أن يكون ذلك حالةً لهم فإذا خرجوا من عنده رجعوا إلى أحوالهم من
النظر إلى الأولاد والشغل بالأموال، فأخبرهم # أن الذي يجدونه عنده لو كان حالهم
ومقامهم لصافحتهم الملائكة، ولم تصافحهم وهم عنده مَّ لأنها لم تكن حالهم. ولكنها
كانت حالة سلطان الحق. ولو كان الذي يجدونه حالهم لكانت ثابتة لهم؛ لأنها لو كانت
حالهم لكانت موهبة لهم من الله تعالى عز وجل، والكريم لا يعود في هبته ولا يسلب كرامته
اهـ. (قوله:) في الكنية أبي (ربعي هو بكسر الراء) أي: المهملة وتقدم ضبط باقي صروفه
(والأسيدي) المذكور في نسب حنظلة ضبطوه بوجهين: قال المصنف في شرح مسلم:
أصحهما وأشهرهما (بضم الهمزة وفتح السين) المهملة (وبعدها ياء) تحتية (مشددة
مكسورة) والثاني كذلك إلا أنه بإسكان التحتية ولم يذكر القاضي عياض إلا هذا، وهو
منسوب إلى بني أسيد بطن من تميم. وفي كتاب تقييد المهمل لأبي علي الحياني الأسيدي
بضم الهمزة وفتح السين وتخفيف الياء الأولى، وقد شددها قوم. يقال ذلك لكل من ينسب
إلى أسيد بن عمرو بن تميم. ومنهم حنظلة بن الربيع الأسيدي صاحب رسول الله وَ ل،
ويعرف بالكاتب اهـ. (قوله: عافسنا هو بالعين والسين المهملتين) وقبل السين فاء. قال
الهروي وغيره: ومعناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به. كذلك في شرح مسلم وقريب منه
قوله هنا (عالجنا) أي: الضيعات (ولاعبنا) أي: الأولاد والزوجات. ففيه لف ونشر مشوش.
وهذا أنسب برواية الخطابي، فإنه روى هذا الحرف عانسنا بالنون بدل الفاء، وفسره بلاعبنا.
وكان المصنف إنما فسره بذلك لأنه جاء عن حنظلة في رواية في مسلم فقال: بدل عافسنا
إلخ. ضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فأراد تفسير الروايات بالروايات. ورواه القتيبي
عانشنا بالنون والشين المعجمة وفسره بعانقنا. والأول المذكور في الأصل قال المصنف: هو

٤٠٨
كتاب: دليل الفالحين
وَ ((الضَّيْعات)) المَعَايِشُ(١).
١٥٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ وَ يَخْطُبُ إِذَا
هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيل نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلاَ يَقْعُدَ
وَلَ يَسْتَظِلَّ وَلَ يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ
صَوْمَهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
المعروف وهو أعم (والضيعات) بالضاد المعجمة وسكون التحتية أسباب (المعاش) من حرفةٍ
ونحوها كما تقدم. سميت بذلك لأنها تحفظ صاحبها من الضياع.
١٥٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا رسول الله) وفي نسخة: النبي (الَّ
يخطب إذ) وفي نسخة إذا (هو برجل قائم فسأل عنه) أي: عن اسمه وعن سبب قيامه
(فقالوا: هذا أبو اسرائيل) وهو كنية واسمه يسير مصغر يسر ضد العسر. وهو أنصاري (نذر
أن يقوم في الشمس ولا يقعد) ضد القيام (ولا يستظل) ضد كونه في الشمس. أي: بارزاً لها
وصرح بهما تأكيداً (ولا يتكلم) أي: بغير الذكر (ويصوم فقال النبي ◌ِّر: مروه فليتكلم)
أي: فليس النذر بالسكوت قربة في شريعتنا (وليقعد) أي: في غير الصلاة، وإلا فمن نذر
القيام في صلاة النفل لزمه (وليستظل وليتم صومه) إذ الصوم قربة. ومن نذر أن يطيع الله
فليطعه بخلاف أخواته (رواه البخاري) قال ابن رجب في شرحه للحديث الخامس من
الأربعين للمصنف: من تقرب إلى الله تعالى بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله
باطل مردود عليه. ثم قال: وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقاً، فقد
رأى النبي ◌َّه رجلاً قائماً في الشمس. الحديث. وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند
سماع خطبة النبي ◌َّر وهو على المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام يخطب
إعظاماً لسماع خطبته، ولم يجعل النبي ذلك قربة يوفي بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع
أخر كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة. والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل
ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها أي: كما توهمه الناذر، بل إنما يتبع في ذلك
الوارد به الشريعة في مواضعها اهـ.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة. والمراقبة وجواز ترك
ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا. (الحديث: ١٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية (٥١٢/١١).

٤٠٩
١٥ - باب: في المحافظة على الأعمال
١٥ - باب: في المحافظة على الأعمال الصالحة
وترك التهاون بها والتساهل فيها
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ
مِنَ الْحَقِّ، وَلاَ يَكُونوا كالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَقَّقَّيْنَا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبٍ
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَّيْهِمْ
باب المحافظة على الأعمال
الصالحة وترك التهاون بها والتساهل فيها، وقد أحسن المصنف في تعقيب هذا الباب
لما قبله؛ لأن الحاصل من هذا الباب الترغيب في ملازمة العبادة والطريق الموصل إلى ذلك
الاقتصاد فيها، لأن التشديد قد يؤدي إلى ترك العبادة المذموم كما تقدم. وقد سبق المصنف
لهذا الترتيب الحافظ البخاري، فعقب باب ما يكره من التشديد في العبادة الذي عبر عنه
المصنف هنا بالاقتصاد فيها بباب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، الذي عبر عنه
المصنف هنا: بباب المحافظة على الأعمال، فاستحسنه الحافظ ابن حجر لما ذكرناه آنفاً
(قال الله تعالى: ألم يأن) يحن (للذين آمنوا) أنزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح (أن
تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل) بالتشديد والتخفيف (من الحق) القرآن (ولا يكونوا)
معطوف على تخشع (كالذين أوتوا الكتاب من قبل) هم: اليهود والنصارى (فطال عليهم
الأمد) الزمن بينهم وبين أنبيائهم (فقست قلوبهم) لم تلن لذكر الله تعالى (وقال تعالى:
وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإِنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية)
هي: رفض النساء واتخاذ الصوامع. قال الكواشي ورهبانيةً ليست معطوفة. إنما هي منصوبة
بفعلٍ مضمرٍ يفسره المظهر. تقديره: وابتدعوا رهبانيةً قال: وجوز بعضهم عطفها على ما
قبلها وجعل ابتدعوها صفة، تقديره: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة،
تلخيصه وفقناهم للتراحم اهـ. (ابتدعوها) من قبل أنفسهم (ما كتبناها عليهم) ما أمرناهم
(١) سورة الحديد، الآية: ١٦.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٧.

٤١٠
كتاب: دليل الفالحين
إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهَا:
١٥٣ - حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِليْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ
بها (إلا) لكن فعلوها (ابتغاء رضوان الله) وابتغاء رضوانه(١) امتثال أمره واجتناب نهيه (فما
رعوها حق رعايتها) إذا تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي
على دين عيسى قليلٌ منهم. قال ◌َّر: ((من آمن بي وصدقني فقد رعاها حق رعايتها، ومن
لم يؤمن فأولئك هم الهالكون)). أورده الكواشي وقال قبل حكاية هذا القول: والمعنى لم
يرع مبتدعو الرهبانية حق رعايتها كما يراعي الناذر نذره بأن قصروا فيما ألزموا به أنفسهم من
الطاعات. قال الكواشي: في الآية تنبيه المؤمنين على أن من أوجب على نفسه شيئاً لم يكن
واجباً عليه لزمه إتمامه ولا يتركه، فبستحق اسم الفسق اهـ. (وقال تعالى: ولا تكونوا كالتي
نقضت) أفسدت (غزلها) ما غزلته (من بعد قوة) إحكام له وربط (أنكاثاً) حال أو ثاني
مفعولي نقص، لتضمينه معنى الجعل. أو مفعول مطلق لنقضت. جمع نكث وهو ما ينكث
أي: يحل إحكامه. وهي امرأة حمقاء من مكة واسمها ريطة بنت سعد بن زيد مناة بن تميم
ويقال؛ هي من قريش وتوفيت بالجعرانة. قاله السهيلي: كانت تغزل في طول يومها ثم
تنقضه. قال الخازن: والمعنى أن هذه المرأة لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن
النقض فكذلك من نقض عهده لا ترکه ولا حین عاهد وفی به (وقال تعالى: واعبد ربك حتى
يأتيك اليقين) تقدم الكلام فيها في باب المجاهدة.
(وأما الأحاديث) النبوية فمنها:
١٥٣ - (حديث عائشة وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه وقد سبق) مع
(١) قوله وابتغاء رضوانه إلخ لا يخفى أن تفسير الابتغاء بذلك لا يناسب ما قرره من أن الرهبانية مبتدعة غير
مأمور بها لأن غبر المأمور به كيف يبتدع امتثالاً للأمر وإنما يناسب القول الثاني الذي ذكره الكواشي وهو
أنها مأمور بها وإلا للاستثناء، والاستثناء متصل وأن المعنى لم نفرض الرهبانية عليهم إلا ابتغاء
رضوان الله. ش
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٢.
(٣) سورة الحجر، الآية: ٩٩.

٤١١
١٥ - باب: في المحافظة على الأعمال
عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ(١).
١٥٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ:(( مَنْ نَامَ عَنْ
حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَاهُ مَا بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ
كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
شرحه (في الباب قبله) أي: باب الاقتصاد فى العبادة.
١٥٤ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: من نام عن حزبه)
بكسر المهملة وسكون الزاي. قال القاضي عياض أصله النوبة من ورد الماء. ثم نقل إلى ما
يجعله الإِنسان على نفسه من صلاة وقراءة وغيرهما. ورواه ابن ماجه جزئه بضم الجيم
وبهمزة بدل الموحدة، وعند النسائي: حزبه أو جزئه بالشك (من الليل أو عن شيء منه
فقرأه) قال البيضاوي: يحتمل أن الاقتصار عليها في الذكر، لكونها أفضل الأذكار. فباقي
الأذكار مثلها. ويحتمل أن يكون لاختصاصها بالثواب المذكور في قوله كتب له إلخ.
ويحتمل أن يكون على سبيل المثال، فمثله كل ورد من قول أو فعل اهـ. وإلى الوجه الأخير
يومىء كلام القاضي عياض السابق. وعليه جرى العاقولي في شرح المصابيح فقال: أي: لو
فاته ورده فأتى به (ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) أي: في هذا الوقت الذي من شأن
الناس الغفلة فيه عن العبادة (كتب له كأنما قرأه من الليل) أي: أثبت أجره إثباتاً مثل إثباته
عند قراءته له من الليل. قال المصنف: في الخبر دلالة على المحافظة على الأوراد. قال
القرطبي : وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام به، مع أن نيته
القيام به، وظاهره أن له أجره مكملاً مضاعفاً وذلك لحسن نيته وصدق تلهفه وتأسفه. وهو
قول بعض شيوخنا وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون غير مضاعف، إذ التي يصليها ليلاً أكمل
وأفضل. والظاهر الأول اهـ. (رواه مسلم) قال المنذري في الترغيب ورواه أصحاب السنن
الأربعة وابن خزيمة في صحيحه.
(١) وقد سبق فيه انظر ص ٣٦٨ - ٣٦٩ (رقم الحديث: ١٤٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه
القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (الحديث: ٢٢٠).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض.
(الحديث: ١٤٢).

٤١٢
كتاب: دليل الفالحين
١٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِ،َ﴿َ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ
مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
١٥٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله ێاو : یا
عبد الله لا تكن مثل فلان) قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على تسميته في شيء من
الطرق، وكان إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه. قال: ولا ينبغي أن يبالغ في الفحص عن
تسمية من وقع في حقه ما يذم به. ويحتمل أنه وسير لم يقصد شخصاً معيناً. وإنما أراد تنفير
عبد الله من الصنع المذكور (كان يقوم الليل) وهذه رواية الأكثر بإسقاط من وهي مرادة وهي
مذكورة عند بعض رواة البخاري وعليها شرح الحافظ (ثم ترك قيام الليل) قال في الفتح نقلاً
عن ابن العربي: في الحديث استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من خير من غير تفريط.
ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبةً (متفق عليه).
١٥٦ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَّر إذا فاتته الصلاة من الليل)
أي: التهجد (من) سببية (وجع أو غيره) كغلبة نومٍ أو عذرٍ أهم منه (صلى من النهار ثنتي
عشرة ركعة) قال ابن حجر في شرح المشكاة: جبراً لفضيلة قيام الليل لا قضاء له، إذ ليست
صلاة الليل منه وَّر في العدد. كذلك والقضاء لا يزيد على عدد الأداء، والدليل على
مشروعية قضاء النافلة حديث أبي داود، قال: وسنده حسن خلافاً لتضعيف الترمذي له: ((من
نام عن وتره أو سننه فليصلّ إذا ذكره)) اهـ. (رواه مسلم) من جملة حديث كما في
المشكاة. وروى هذه الجملة الترمذي في الشمائل.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: في التهجد، باب: ما يكره من ترك قيام الليل (٣١/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرّر به أو فوّت به حقاً أو لم يفطر العيدين
والتشريق وبيان تفضيل صوم يوم وإفطاريوم. (الحديث: ١٨٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض.
(الحديث: ١٤٠).

٤١٣
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(٤): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .
باب الأمر بالمحافظة على السنة
أي: ما جاء به وَّر من أقوال وأفعال وأحوال (وآدابها) تقدم معنى الآداب أول الكتاب
والأدب كالسنة في أصل الطلب. إلا أنه دونها في التأكد ذكره المصنف في الروضة (قال الله
تعالى: وما آتاكم) أعطاكم (الرسول) من الفيء وغيره (فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قال
السيوطي في الإكليل: في الآية وجوب امتثال أوامره ونواهيه ◌َّر. قال العلماء: وكل ما ثبت
عنه بَّر يصح أن يقال فيه: إنه في القرآن أخذاً من هذه الآية: (وقال تعالى: وما ينطق) بما
یأتیکم به (عن الهوى) هوى نفسه (إن) ما (هو إلا وحي يوحى) إليه (وقال تعالى: قل) أي :
للكافرين القائلين: ما نعبد الأصنام إلا حباً لله ليقربونا إليه (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحبيكم الله) بمعنى : أنه يثيكم (ويغفر لكم ذنوبكم) تقدم في باب المجاهدة في حديث:
((أعني على نفسك بكثرة السجود)). إن محبة الله ملازمة لحب رسوله وبالعكس، وأنهما
متوقفتان على اتباع الرسول بَلّ (وقال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة) بضم
الهمزة وكسرها (حسنة) أي: اقتداءً به (لمن) بدل من لكم (كان يرجو الله) يخافه (واليوم
الآخر) يوم القيامة. وتقدم وجه لتسميته بالآخر في حديث جبريل في الإِسلام والإِيمان
(١) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢١ .

٤١٤
كتاب: دليل الفالحين
وَقَال تَعَالَى(١): ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ
تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. قَالَ العُلماءُ: مَعْنَاهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٥): ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٦): ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾.
وَالْآيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ :
والإِحسان (وقال تعالى: فلا وربك) لا زائدة (لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر) اختلط
(بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً) ضيقاً أو شكاً (مما قضيت) به (ويسلموا) ينقادوا
لحكمك (تسليماً) من غير معارض. وسيأتي فيها مزيد في باب وجوب الانقياد لحكم الله
تعالى (وقال تعالى: فإن تنازعتم) اختلفتم (في شيء فردوه إلى الله والرسول، قال العلماء:
معناه: إلى الكتاب والسنة) لف ونشر مرتب. وكون المراد من قوله: والرسول سنته هو بعد
وفاته. أما في حياته فعلى ظاهر الآية كما في الجلالين وغيره (وقال تعالى: من يطع
الرسول) فيما أمر به (فقد أطاع الله) لأن الله أمر بطاعته واتباعه (وقال تعالى: وإنك لتهدي)
لتدعو بالوحي إليك (إلى صراط) طريق (مستقيم) دين الإِسلام (وقال تعالى: فليحذر الذين
يخالفون عن أمره) أي: الله فإن الأمر له في الحقيقة أو الرسول، فإنه المقصود بالذكر.
وعلى الوجه الثاني فيه مناسبة الآية للباب (أن تصيبهم فتنة) محنة في الدنيا (أو يصيبهم
عذاب أليم) في الآخرة (وقال تعالى:) مخاطباً لأمهات المؤمنين (واذكرن ما يتلى في بيوتكن
من آيات الله) القرآن (والحكمة) السنة - (والآيات في الباب) أي: في باب المحافظة على
السنة والاقتداء به واتباعه (كثيرة).
(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٩
(٣) سورة النساء، الآية: ٨٠.
(٤) سورة الشورى، الآيتان: ٥٢، ٥٣.
(٥) سورة النور، الآية: ٦٣
(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٤

٤١٥
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ:
١٥٧ - فَالْأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((دَعُونِي
مَا تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ،
(وأما الأحاديث) النبوية في ذلك.
١٥٧ - (فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّ قال:) لما خطب وقال: ((يأيها الناس
قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها
مراراً. فقال رسول الله وَله: لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال: (دعوني) أي
من كثرة السؤال. ولفظ مسلم: ((ذروني)) (ما تركتكم) ما فيه ظرفية مصدرية وآثر تركتكم على
وذرتكم ماضي يذر، لأن العرب لا تستعمله إلا في الشعر. قال سيبويه: اغتناء عنه بترك،
وقال غيره: لما كانت الواو ثقيلة، وكان في هذا الكلام بمعناه فعل لا واو فيه أنفوه. حكاهما
القرطبي في تفسير سورة هود من تفسيره الكبير، وكذا ودع وقيل: بل استعمل ودع قليلاً.
ومنه قوله تعالى: ((ما ودعك ربك)) على قراءة التخفيف شاذاً. وحديث: ((دعوا الحبشةَ ما
ودعوكم)) ومعنى قوله: ((ذروني)) إلخ. لا تكثروا الاستفصال عن المواضع التي تفيد بوجه
ظاهر وإن صلحت لغيره، كما في فحجوا. فإنه وإن أمكن أن يراد به التكرار ينبغي أن يكتفى
منه بما يصدق عليه اللفظ. وهو المرة الواحدة فإنها مفهومة من اللفظ قطعاً. وما زاد مشكوكٌ
فيه فيعرض عنه ولا يكثر السؤال لئلا يقع الجواب بما فيه التعب والمشقة. كما وقع لبني
إسرائيل، فخاف رسول الله وَير على أمته من مثل ذلك. ومن ثم قال: (إنما أهلك من كان
قبلكم كثرة مسائلهم) وعند مسلم: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم)) (واختلافهم)
بالرفع لأنه أبلغ في ذم الاختلاف. إذ لا يتقيد حينئذٍ بالأكثرية بخلافه لو جر (على أنبيائهم)
استفيد منه تحريم الاختلاف وكثرة المسائل من غير ضرورة، لأنه توعد عليه بالهلاك؛
والوعيد على الشيء دليل تحريمه، بل كونه كبيرة ووجهه في الاختلاف أنه سبب تفرق
القلوب ووهن الدين، وذلك حرام. فسببه المؤدي إليه حرام وفي كثرة السؤال أنه من غير
ضرورة مشعر بالتعنت أو مفض إليه وهو حرام أيضاً (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) دائماً
على كل تقدير ما دام منهياً عنه حتماً في الحرام وندباً في المكروه، إذ لا يمتثل النهي إلا
بترك جميع جزئياته وإلا صدق عليه أنه عاص أو مخالف، وأيضاً فترك المنهي عنه هو
استصحاب حال عدمه، والاستمرار على حال عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى

٤١٦
كتاب: دليل الفالحين
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتُوا مِنْهُ مَا أَسْتَطَعْتُمْ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
١٥٨ - الثَّانِي عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْباضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَعَظَنَا
يسقط التكليف به. وكون الداعي للمعصية قد يقوى حتى لا يستطاع الكف عنها نادر لا
يعول عليه، وخرج بقوله ما دام إلخ. نحو أكل الميتة للمضطر وشرب المسكر لإِساغة
اللقمة، لعدم النهي عنه حينئذ (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أي: أطقتم لأن فعله
هو إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك متوقف على شروط وأسباب، كالقدرة على الفعل
ونحوها وبعضها يستطاع وبعضها لا يستطاع، فكان التكليف بما يستطاع منه لأن الله تعالى
أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال المصنف: وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ((فاتقوا
الله ما استطعتم)) ولتوقف المأمور به على فعل بخلاف المنهي عنه، فإنه كف محض. قال
في ذاك: ((فأتوا منه ما استطعتم)) وفي هذا: ((فاجتبوه)) وهذا من قواعد الإِسلام المهمة ومما
أوتيه ◌َّر من جوامع الكلم، لأنه يدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام وبه أو بالآية الموافقة له
يخص عموم قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)» وحدیث أحمد
في مسنده عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً من جملة حديث قال فيه: ((انظروا الذي أمرتم به
فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه)). فمن عجز عن ركن أو شرط لنحو وضوء أو
صلاة، أو قدر على غسل أو مسح بعض أعضاء الوضوء أو التيمم أو على بعض الفاتحة، أو
إزالة بعض المنكر أتى بالممكن وصحت عبادته (متفق عليه) ورواه أحمد وقال: ((فأتمروا ما
استطعتم)) وله طرق عن أبي هريرة ورواه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان، وقد بسط طرقه
وتخاريجه الحافظ السخاوي في تخاريج الأربعين للمصنف.
١٥٨ - (وعن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية بعدها مهملة (العرباض)
بكسر المهملة وسكون الراء وبعدها موحدة وآخره ضاد معجمة. وأصله الطويل (ابن سارية)
بمهملتين بينهما ألف وبعد الراء تحتية خفيفة. السلمي من أهل الصفة. وهو أحد
البكائين، وكان يقول: إنه رابع الإِسلام (رضي الله عنه) في التهذيب للمصنف قال محمد بن
عوف الحمصي: كل واحد من العرباض بن سارية وعمرو بن عنبسة كان يقول: أنا رابع
الإِسلام. أي: رابع من أسلم ولا يدرى أيهما أسلم قبل صاحبه اهـ. نزل الشام وسكن
حمص، ومات في فتنة ابن الزبير رضي الله عنهما. ويقال: سنة خمس وسبعين. قال ابن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن النبي ◌َّلة (٢١٩/١٣، ٢٢٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. (الحديث: ٤١٢).

٤١٧
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة
رَسُولُ اللَّهِ وَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ. فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُؤَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَاً كَثِيراً! فَعَلَيْكُمْ
حزم في آخر سيرته: روي له عن النبي ◌ََّ إحدى وثلاثون حديثاً روى له أصحاب السنن
الأربع (قال: وعظنا رسول الله ( 18) أي: بعد صلاة الصبح كما جاء في رواية أخرى
(موعظة) من الوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب وتنوينها للتعظيم أي: موعظة جليلة .
وجاء في رواية: ((موعظة)) (بليغة وجلت) بكسر الجيم أي خافت (منها) أي: من أجلها.
ويصح أن تكون لابتداء الغاية (القلوب) وكان المقام للتخويف فأتى بذلك لمناسبته
(وذرفت) بفتح المعجمة والراء من باب ضرب سالت (منها العيون) أي: دموعها وأخر هذا
عما قبله، لأن إنما ينشأ عنه غالباً (فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع) كان وجه فهمهم
لذلك مزيد مبالغته وّل في تخويفهم وتحذيرهم على ما كانوا يألفون منه قبل، فظنوا أن ذلك
لقرب موته ومفارقته لهم، إذ المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل، ففيه
جواز تحكيم القرائن والاعتماد عليها في بعض الأحيان، لأنهم فهموا توديعه بقرينة إبلاغه
في الموعظة أكثر من العادة (فَأَوْصِنَا) أي وصية جامعة كافية (قال: أوصيكم بتقوى الله)
جمع في هذا كل ما يحتاج إليه من أمور الآخرة لما مر: أن التقوى امتثال الأوامر واجتناب
النواهي وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك (والسمع والطاعة) جمع بينهما تأكيداً للاعتناء
بهذا المقام، ومن ثم خصه بالذكر عاطفاً له على ما يشمله وغيره وهو التقوى، فهو من عطف
الخاص على العام، لمزيد الاهتمام. ويحتمل أنه من عطف المغاير، من حيث إن أظهر
مقاصد التقوى انتظام الأمور الأخروية والإِمامة أظهر مقاصدها انتظام الأمور الدنيوية. ومن
ثم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام عادلٌ أو فاجرٌ (وإن
تأمَّر عليكم عبد) هو من باب ضرب المثل بغير الواقع على سبيل الفرض والتقدير، وإلا فهو
لا تصح ولايته. أو من باب الإِخبار بالمغيبات أي: إن نظام الشريعة يختل حتى توضع
الولاية في غير أهلها، والأمر بالطاعة إيثار لأخف الضررين (وإنه من يعش منكم فسيرى
اختلافاً كثيراً) فيه من معجزاته وَ ر الإخبار بما يقع بعده من كثرة الاختلاف وغلبة المنكر،
وقد كان ◌َ﴿ عالماً به جملةً وتفصيلاً، لما صح أنه كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل
الجنة والنار منازلهم. ولم يكن يبينه لكل أحد وإنما كان يحذر منه على العموم، وكان يلقي
بعض التفاصيل إلى الخصوص، كحذيفة وأبي هريرة (فعليكم) الزموا حينئذ التمسك

٤١٨
كتاب: دليل الفالحين
بِسُنِّي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتٍ
الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَاَلَةُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
(بسنتي) أي: طريقتي وسيرتي القويمة التي أنا عليها، مما فصلته لكم من الأحكام
الاعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها، وتخصيص الأصوليين لها بالمطلوب طلباً غير
جازم اصطلاح طارىء قصدوا به التمييز بينها وبين الفرض (وسنة) أي: طريقة (الخلفاء
الراشدين المهديين) وهم أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فالحسن رضي الله عنهم وعن بقية
الصحابة أجمعين. فإن ما عرف عن هؤلاء أو عن بعضهم أولى بالاتباع من بقية الصحابة إذا
وقع بينهم الخلاف فيه. ومحل تقليد الصحابة بالنسبة للمقلد الصرف في تلك الأزمنة القريبة
من زمنهم، أما في زمننا فقال بعض أئمتنا: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة: الشافعي
ومالك وأبي حنيفة وأحمد؛ لأن هؤلاء عرفت مذاهبهم واستقرت أحكامها وخدمها تابعوهم
وحرروها فرعاً فرعاً وحكماً حكماً. فقلّ أن يوجد فرع إلا وهو منصوص لهم إجمالاً أو
تفصيلاً. بخلاف غيرهم، فإن مذاهبهم لم تحرر وتدون كذلك فلا يعرف لها قواعد يتخرج
عليها أحكامها فلم يجز تقليدهم فيما حفظ عنهم منها، لأنه قد يكون مشترطاً بشروط أخرى
وكلوها إلى فهمها من قواعدهم فقلّت الثقة بخلو ما حفظ عنهم من قيد أو شرط، فلم يجز
التقليد حينئذٍ (عضوا عليها بالنواجذ) سيأتي معناها. والمعنى: عضوا عليها بجميع الفم
احترازاً من النهش، وهو: الأخذ بأطراف الأسنان، فهو إما مجاز بليغ فيه تشبيه المعقول
بالمحسوس، أو كناية عن شدة التمسك بالسنة والجد في لزومها، كفعل من أمسك بنواجذه
شيئاً وعض عليه لئلا ينزع منه، لأن النواجذ محدودة، فإذا عضت على شيء نشبت فيه فلا
يتخلص. وقيل معناه: الأمر بالصبر على ما يصيبه من العض في ذات الله كما يفعله المتألم
مما أصابه من الألم (وإياكم ومحدثات الأمور) كلاهما منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: باعدوا
أنفسكم واحذروا الأخذ بالأمور المحدثة في الدين واتباع غير سنن الخلفاء الراشدين (فإن)
ذلك بدعة. وإن (كل بدعة) وهي لغةً: المخترع على غير مثال سابق. وشرعاً: ما أحدث
على خلاف أمر الشارع، ودليله الخاص أو العام (ضلالة) لأن الحق فيما جاء به الشرع، فما
لا يرجع إليه يكون ضلالة. إذ ليس بعد الحق إلا الضلال. والمراد بالضلالة هنا: ما ليس له
أصل في الشرع، وإنما حمل عليه مجرد الشهوة أو الإِرادة، بخلاف محدث له أصل في
الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك، فإنه حسن إذ هو سنة الخلفاء الراشدين
والأئمة المهديين، فمنشأ الذم في البدعة ليس مجرد لفظ محدث أو بدعة، بل ما اقترن به

٤١٩
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة
صَحِيحٌ. ((النَّوَاجِذُ)) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْأَنْيَابُ. وَقِيلَ: الْأَضْرَاسُ(١).
من مخالفته للسنة ورعايته للضلالة، ولذا انقسمت البدعة إلى الأحكام الخمسة، لأنها إذا
عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد منها، فمن البدع الواجبة على الكفاية تعلم
العلوم المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة أو التي فيها حفظ الشريعة؛ لأن حفظها واجب
على الكفاية فيما زاد على التعين، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك فوجب. ومن البدع المحرمة:
مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة ومن المندوبة، كل إحسان
لم يعهد في الصدر الأول كإحداث نحو الربط والمدارس، والكلام في دقائق التصوف. ومن
المكروهة: زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. ومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل
والمشارب، فعلم أن قوله: ((وكل بدعة ضلالة)) عامٌ أريد به خاص، إذ سنة الخلفاء
الراشدين(٢) منها مع أنا أمرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعي. وكذا سنتهم عام أريد به
خاص، إذ لو فرض خليفة راشد سن سنة لا يعضدها دليلٌ شرعي امتنع اتباعها، ولا ينافي
ذلك رشده لأنه قد يخطىء المصيب ويزيغ المستقيم يوماً ما (رواه) أحمد والدارمي في
مسنديهما ورواه عن أحمد (أبو داود) في سننه (وكذا الترمذي وقال: حديث صحيح) وفي
الأربعين للمصنف: وقال حديث حسن وفي نسخة من كل من الرياض والأربعين وقال
صحيح حسن. وبالنسخة الثانية يعلم أن المصنف اقتصر على أحد الوصفين في كل من
الكتابين، ويحتمل أن النسخ عنده مختلفة في ذلك، فنقل عن كل من النسخ في كتاب والله
أعلم بالصواب. ورواه ابن ماجه وأبو نعيم وقال: حديث جيد من صحيح حديث الشاميين.
وأخرجه الحاكم بنحوه في مستدركه. وكذا أخرجه الطبراني في الكبير. والبغوي في معجم
الصحابة. وله طرقٌ كثيرةٌ واختلاف في ألفاظه ورواياته، وقد بسطها السخاوي في تخريج
الأربعين التي جمعها المصنف ثم قال: وبالجملة فقد قال الترمذي : إنه حسن صحيح،
وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان بل وعزى شيخنا يعني
الحافظ ابن حجر تصحيحه لابن خزيمة اهـ. (النواجذ بالذال المعجمة الأنياب) كذا اقتصر
عليه القاضي عياض في المشارق (وقيل: الأضراس) ومن هذا قوله في الحديث: ((حتى
بدت نواجذه)) قال القاضي عياض في المشارق: وهي الأضراس. وقيل: الضاحك والنواجذ
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: السنة باب: في لزوم السنة (الحديث: ٤٦٠٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (الحديث: ٢٦٧٨).
(٢) قوله إذ سنة الخلفاء الراشدين إلخ هكذا في النسخ والذي يظهر إذ في سنة الخلفاء بزيادة في. ش

٤٢٠
كتاب: دليل الفالحين
١٥٩ - الثَّالِثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ قَالَ: ((كُلُّ أُمَِّي
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَنْ أَبَى))، قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي
دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
١٦٠ - الرَّابِعُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، وَقِيْلَ: أَبِي ◌ِياسٍ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِوبْنِ الْأُكْوَعِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))،
أيضاً أواخر الأسنان، وهي أضراس العقل اهـ. أي الذي يدل نباتها على الحلم وهي من
فوق وأسفل من كل من الجانبين، فللإِنسان أربع، وأشار في النهاية إلى أنه المشهور،
واقتصر عليه السيوطي فقال في مختصر النهاية: النواجذ أواخر الأضراس واحده ناجذ اهـ.
وبهذا المعنى فسر جمع النواجذ هنا.
١٥٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و سلم قال: كل أمتي) أي: أمة الدعوة
(يدخلون الجنة إلا من أبى) بفتح الموحدة أي: امتنع قال العلقمي قال الحافظ: ظاهره أن
العموم مستمرً، لأن كلا منهم لا يمتنع من دخول الجنة فلذلك (قيل: ومن يأبى) أي: يمتنع
من دخولها (فقال:) وَل18 (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) قال: فبين به أن
إسناد الامتناع إليهم عن الدخول مجاز عن الامتناع عن سببه(٢) وهو عصيان الرسول الله واصلت،
والموصوف بالإِباء وهو الامتناع إن كان عن أصل الدخول في الإِسلام، فكافر لا يدخل الجنة
ألبتة، وإن كان بعد الدخول فيه. فالمراد منعه عن الدخول فيها مع الفائزين اهـ. وقال
العاقولي: لما كان المرتكب للمعصية كالراد لما دل على تحريمها من الكتاب والسنة، أطلق
عليه لفظ الإِباء وأريد به استحقاقه النار وضعاً للسبب موضع المسبب قال الجوهري الإِباء
بالكسر أي: والهمزة الممدودة ويقال إباءة (رواه البخاري).
١٦٠ - (وعن أبي مسلم) بصيغة اسم الفاعل من الإِسلام (وقيل:) يكنى بـ (أبي إياس)
ففيه حذف الجار وإبقاء عمله ومثله سماعي، وهو بكسر الهمزة بعدها تحتية ويقال: أبو عامر
(سلمة) بفتح أوليه (ابن عمرو بن الأكوع) واسمه سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن
مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمي (رضي الله عنه) شهد بيعة الرضوان بالحديبية وبايع
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن النبي ◌َلاو (٢١٤/١٣).
(٢) لعله عن الإِتيان بسببه. ش