Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير فَلَا يَرَى إِلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِه، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ))(١). ١٤٠ - الرَّابِعُ والعِشْرونَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ اللَّه لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ. و((الْأَكْلَةُ)) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَهِيَ: الغَدْوَةُ أَوِ العَشْوَةُ(٢). ١٤١ - الخَامِسُ والْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: يرى إلا ما قدم) من صالح عمله (وينظر أشأم) بالهمزة (منه) أي: في الجانب الأيسر (فلا يرى إلا ما قدم) من سبىء عمله (وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء) بكسر الفوقية أي : حذاء (وجهه فاتقوا النار) باتخاذ صالح العمل وقاية منها (ولو) كان الاتقاء (بشق تمرة فإن لم يجد) شيئاً يتقى به النار (ف) -ليتقٍ منها (بكلمة طيبة) أي: بقول حسن يطيب به قلب المسلم . ١٤٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َّةٍ: إن الله ليرضى عن العبد أن) بفتح الهمزة أي: في أن (يأكل الأكلة) بفتح الهمزة كما سيأتي وأتى ببناء المرة فيه، وفيما بعده إشعاراً بأنه يستحق الحمد على النعمة وإن قلت (فيحمده عليها) يحصل أصل السنة بقوله الحمد لله، وسيأتي في باب آداب الطعام بيان أكمله قال ابن مالك: من السنة ألّ يرفع صوته بالحمد عند الفراغ من الأكل إذا لم يفرغ جلساؤه، كيلا يكون منعاً لهم (أو يشرب) بالنصب (الشربة فيحمده عليها. رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي والنسائي كما في الجامع الصغير (الأكلة بفتح الهمزة) المرة من الأكل حتى يشبع. كذا قاله الجوهري (وهي الغدوة) بفتح المعجمة وسكون المهملة. اسم للمأكول أول النهار (أو العشوة) المأكول آخره . ١٤١ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَثير: على كل مسلم) حق (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب: طيب الكلام والزكاة وغيرها والرواية الثانية في التوحيد وغيره (٢٢٥/٣ و٣٩٧/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب : الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (الحديث: ٦٧ - ٦٨). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (الحديث: ٨٩). ٣٨٢ كتاب : دليل الفالحين ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يِسْتَطِعْ؟ قَالَ: ((يُعَيْنُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ)) قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). متأكد كل يوم (صدقة) شكراً لنعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحد. فالمراد منها هنا العموم البدلي، وإن كانت في سياق الإِثبات، ويدل له ورود التصريح به في الرواية السابقة: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة)). وقد تقدم في خبر الصحيحين أنها ثلاثمائة وستون. وعند أحمد وأبي داود مرفوعاً: ((في الإِنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً. فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله قال: النخاعة في المسجد فيدفنها والشيء ينحيه عن الطريق فإن لم يجد فركعتا الضحى تجزيه صدقة)). كما تقدم (قال: أرأيت) بفتح التاء أي أخبرني (إن لم يجده) أي: ما يتصدق به من المال (قال: يعمل بيديه فينفع نفسه) بعمله أي: بثمنه أو بأجره أو بثمره (ويتصدق منه) ففيه الحث على اكتساب ما تدعو إليه حاجة الإِنسان من طعام وشراب وملبس ليصون وجهه عن الغير، وما يتصدق به ليكتسب الثواب الجزيل بالقصد الجميل (قال: أرأيت إن لم يستطع) العمل المذكور ليتصدق منه (قال: يعين ذا الحاجة الملهوف) قال المصنف: الملهوف عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر. وإعانته أن يحمله على دابته أو يعينه على حمل متاعه عليها أو يوصل حاجة لمن لا يقدر على إيصالها. من ذي سلطان ونحوه. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. (قال: أرأيت إن لم يستطع قال: يأمر بالمعروف أو الخير) شكٌ من الراوي (قال: أرأيت إن لم يفعل) أي وهو معذور في ترك ذلك أو كان الأمر بذلك المعروف ليس مفروضاً على الكفاية (قال: يمسك) بضم الياء أي: يمسك نفسه ويحبسها (عن الشر) بألا يفعل شيئاً منه، فيلزم من ذلك القيام بجميع الواجبات وترك المحرمات. ومنه أي من الشر ترك الفرائض (فإنها) أي: هذه الخصلة (صدقة) منه على نفسه لسلامتها من الهلاك وعلى غيره لكف الشر عنه، بل هذا هو الشكر الواجب الكافي في شكر هذه النعم وغيرها، أما الشكر المستحب، فبأن يزيد على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالأذكار، والمتعدية كالصدقة والإِعانة (متفق عليه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة باب على كل مسلم صدقه والأدب (٢٤٣/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف. (الحديث: ٥٥). ٣٨٣ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة قال الله تعالى(١): ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. وقال تعالى (٢): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ باب الاقتصاد أي: التوسط (في) أداء (العبادة) إبقاء على النفس ودفعاً للملل عنها، ونفس الإِنسان في الطريق المعنوي كدابة في الطريق الحسي، فكما أنه إذا جد على دابته الحسية وكدها بالأحمال الثقيلة وقطع المسافات الطويلة انقطعت به في أثناء الطريق، ولم يصل إلى مقصده، وإذا رفق بها وماشاها وصل إلى المراد وهان عليه ببلوغه لمقصده ما لقيه من مشقة السفر كذلك هنا. قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: قال الحسن: نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم توصلكم إلى ربكم. فمن وفّى النفس حقها من المباح بنيةٍ صالحةٍ كالتقوى به على صالح العمل ومنعها من شهواتها وحظها، كان مأجوراً في ذلك. كما قال معاذ إني احتسبت نومتي كما احتسبت قومتي ومتى قصر، في حقها حتى ضعفت وتضررت كان ظالماً لها، وإلى هذا أشار النبي ◌َّ بقوله: لعبد الله بن عمرو: ((إنك إذا فعلت ذلك نفهت له النفس وهجمت له العين)). ومعنى نفهت بكسر الفاء: أعيت وكلّت. ومعنى هجمت العين غارت. وقال لأعرابي جاءه وأسلم ثم أتاه من عام قابل وقد تغير فلم يعرفه، فلما عرفه سأله عن حاله فقال: ما أكلت بعدك طعاماً بنهار. فقال: ومن أمرك أن تعذب نفسك. فمن عذب نفسه بأن حملها على ما لا تطيق من الصيام ونحوه، فربما أثر ذلك في ضعف بدنه وعقله فيفوته من الطاعات أكثر مما حصله بتعذيب نفسه بالصيام ونحوه اهـ. والعبادة غاية التذلل، فهي أبلغ من العبودية إذ هي إظهار التذلل. (قال الله تعالى: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وقال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر) بسكون المهملة وقرىء بضمها لغتان، وكذلك العسر كما تقدم ذلك (ولا يريد بكم العسر) هو بمعنى يريد الله بكم اليسر كررت تأكيداً قال القرطبي في التفسير. قال مجاهد والضحاك: اليسر الفطر في السفر، والعسر الصوم فيه. والوجه عموم اللفظ في جميع أمور (١) سورة طه، الآيتان: ١، ٢. (٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥. ٣٨٤ كتاب : دليل الفالحين ١٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ وَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ. قَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: هَذِهِ فُلانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا. قَالَ: ((مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا)) وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَّيْه. الدين كما قال تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) روي عنه بَّ: ((دين الله يسرٌ)) وقال: ((يسروا ولا تعسروا)). واليسر من السهولة، ومنه اليسار للغنى. وسميت اليسرى تفاؤلاً أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى اهـ. ١٤٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌ّ دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه قالت: هذه فلانة) قال المصنف في المبهمات: قال الخطيب: هي الحولاء بنت ثويب بن حبيب بن أسد بن عبد العزى (تذكر) بفتح الفوقية والفاعل عائشة: وفي مسند الحسن بن سفيان، هذه فلانة وهي أعبد أهل المدينة. وفي مسند أحمد لا تنام تصلى وروي يذكر بالبناء للمفعول، وبالتحتية أي: يذكرون (من صلاتها) أي: إنها كثيرة وروي، فذكر بفاء فضم المعجمة فكسر الكاف (قال) مَثّ إشارة إلى كراهة ذلك خشية الملل والفتور على فاعله، فينقطع عن العبادة التي التزمها فيكون رجوعاً عما بذل لربه من نفسه (مه) كلمة زجر بمعنى : اكفف. وما ذكر من كونه زجراً عن ذلك هو ما اقتصر عليه في فتح الباري قال السيوطي في التوشيح: ويحتمل أن يكون زجراً لعائشة عن مدحها المرأة بذلك (عليكم من العمل بما تطيقون) الدوام عليه (فوالله) أتى به لتأكيد الأمر. ويسن الحلف لمثل ذلك (لا يمل الله حتى تملوا) بفتح الميم في الموضعين والملال: استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى. فإطلاقه عليه من باب المشاكلة نحو: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾(١) قال السيوطي: هذا أحسن محامله. وفي بعض طرقه عن عائشة: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل)) أخرجه ابن جرير في تفسيره أي: لا يقطع ثوابه ويتركه اهـ. قال الحافظ العسقلاني في فتح الباري: في بعض طرق حديث ابن جرير ما يدل على أنه مدرجٌ من قول بعض الرواة اهـ. قال القرطبي : وجه المجاز فيما ذكر أن الله تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل ملالاً عبر عن ذلك بالملل تسمية للشيء باسم سببه. هذا بناء على إبقاء حتى على مدلولها من انتهاء الغاية. وقيل: بتأويلها فالمعنى. لا يمل الله إذا مللتم. وهو مستعمل في كلام العرب. يقولون: لا أفعل (١) سورة الشورى، الآية: ٤٠ . ٣٨٥ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة و ((مَهْ)) كَلِمَةٌ نَهْيٍ وَزَجْرٍ. وَمَعْنَى ((لَا يَمَلُّ اللَّهُ)): لَا يَقْطَعُ ثَوابَهُ عَنْكُمْ وَجَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، وَيُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَالِّ ((حَتَّى تَمَلُّوا)) فَتَشْرُكُوا. فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوامَ عَلَيْهِ لِيَدُومَ ثَوَابُهُ لَكُمْ وَفَضِلُهُ عَلَيْكُمْ(١). ١٤٣ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ كذا حتى يشيب الغراب. ومنه قولهم البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه. لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يبقَ له عليهم مزية، وهذا المثال أشبه مما قبله، لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة بخلاف الملل من العابد. وقال المازري: حتى بمعنى الواو والمعنى: أن الله لا يمل وتملون فنفاه تعالى عنه وأثبته لهم. وقيل: حتى بمعنى حين. والأولى أليق وأجرى على القواعد وهو أنه من باب المقابلة اللفظية (وكان أحب الدين إليه) عند المستملي ((إلى الله)) وهو يدل على أن الضمير في إليه لله تعالى، والأكثر على أنه لرسوله وَل ولا منافاة بينهما، فإن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله (ما دام صاحبه عليه) قال ابن العربي: معنى المحبة من الله تعالى: تعلق الإِرادة بالثواب أي: أكثر الأعمال ثواباً أدومها . قال المصنف: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإِخلاص والإقبال على الله . بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة اهـ. قال ابن الجوزي: إنما أحب العمل الدائم لأن مداوم الخير ملازم للخدمة وليس من لازم وقتاً في كل يوم، كمن لازم يوماً وانقطع شهراً، ولأنه بتركه العمل بعد دخوله فيه كان كالعرض بعد الوصل. فهو متعرض للذم والعضل اهـ. ملخصاً (متفق عليه ومه) بسكون الهاء إذا كان النهي عن أمر معين وبكسرها منونة إذا كان عن غير معين (كلمة نهي وزجر ومعنى لا يمل الله) أي: المعنى المراد لا مدلول اللفظ لما قد عرفت. وكأنه أشار إلى ذلك بالإِتيان بأي في قوله (أي لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المالّ حتى تملوا فتتركوا فينبغي لكم) إذا عرفتم ما يترتب على العمل الشاق من الانقطاع (أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه) من العمل الصالح وإن قلّ (ليدوم ثوابه) عليه (لكم و) يستمر (فضله علیکم) لدوام تفضله بجعله سبباً له. ١٤٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط) قال شيخ الإِسلام زكريا في تحفة (١) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: مايكره من التشديد في العبادة (٣١/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته. أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك. (الحديث: ٢٢٠). ٣٨٦ كتاب: دليل الفالحين إِلَى بُيُوتٍ أَزْوَاجِ النَّبِّ نَّهِ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِّوَهِ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُوهَا وَقَالوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النِّّ نَّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلّي اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ الآخَرُ، وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَ أُقْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ القاري على صحيح البخاري: يعني ثلاثة رجال: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون. وإلا فالرهط لغة: من ثلاثة إلى عشرة اهـ. (إلى بيوت أزواج النبي (وَ لّ يسألون) يجوز أن يكون صفة للثلاثة وأن يكون حالاً لها (عن عبادة النبي ◌َّ) أي: عن قدرها ليتمسكوا بها ويقتدوا به في أفعاله فأخبروا بها (فلما أخبروها) فالفاء عاطفة على مقدر (تقالوها) بتشديد اللام المضمومة. تفاعل من القلة أي: عدوها قليلة قال الأبي في شرح مسلم: إنما تقالوها بالنسبة إلى فهمهم، ورب قليل عند شخص كثير في نفسه. وكان الشيح يعني ابن عرفة يقول: الضمير إنما هو عائد على أعمالهم لاستكثارهم عمله ◌َله . وهذا يرده أنه في البخاري حين تقالوه (قالوا: وأين نحن من النبي وَّ) أي: بيننا وبينه بون بعيد ومسافة طويلة. فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة وهو معصوم (وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) قال تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾(١). وهذا كناية عن تشريفه وتكميله، وإلا فلا ذنب يصدر منه لعصمته من الذنوب مطلقاً على سائر أحواله، وتقدم وجه آخر (فقال أحدهم:) وعند مسلم: ((بعضهم)) (أما) حرف شرط فيه معنى التوكيد (أنا فأصلي الليل أبداً) أي: أحييه بالقيام ولا أنام شيئاً منه. (وقال الآخر:) بفتح الخاء المعجمة (وأنا أصوم الدهر) أي: ما عدا يومي العيد وأيام التشريق لحرمة صومها (ولا أفطر) في شيءٍ من أيامه (وقال الآخر: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً) يحتمل أنه زهد فيه لكونه من المستلذات ولما يرى من أن النكاح شاغل عن كمال الجد في العبادة. قال الجنيد: ما رأينا من تزوج فبقي على حاله (فجاء رسول الله وَلية) أي: أعلم بما قالوه فجاء (فقال: أنتم) بحذف ألف الاستفهام التقريري أي: أنتم (الذين قلتم كذا وكذا) ويحتمل أنه أوحى له بما قالوه ولم يعلمه به أحد من البشر فأخبر به معجزة، وتقدير الكلام: فقالوا نعم. إذ الاستفهام يقتضيه ويحتمل ألا يكون على الاستفهام ويكون لينبئهم على علمه بكلامهم. فيكون من (١) سورة الفتح، الآية: ٢ . ٣٨٧ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَنْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي!)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). قبيل ما يسمى عنه علماء المعاني بلازم فائدة الخبر. والأول أقرب (أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) لما جمع الله له من علم اليقين مع المعرفة القلبية واستحضار العظمة الإلهية ما لم يجتمع لأحد سواه. وأراد مالية رد ما بنى عليه القوم أمرهم، حيث أعلمهم أنه مع كونه بالغاً في الخشية أعلاها وفي العبادة منتهاها لم يفعل ما أرادوا فعله. ولو كان أحب إلى الله مما هو عليه من الاقتصاد لفعله. والخشية: خوف مقرون بمعرفة فهي أخص من الخوف، إذ هو توقع العقوبة على مجاري الأنفاس واضطراب القلب من ذلك المخوف وقيل: الخوف حركة والخشية سكون. ألا ترى أن من رأى عدواً له حالة استقراره في محل يصل إليه فيه تحرك للهرب منه، وهي حالة الخوف. ومن رآه حالة استقراره في محل لا يصل إليه سكن، وهي الخشية. قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: في الحديث إشكال، لأن الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دل القاطع على أنه عليه السلام غير معذب فكيف يتصور منه الخوف فكيف أشد الخوف. قال: والجواب أن الذهول جائز عليه عليه الصلاة والسلام، فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث الخوف. وقد يقال: إن إخباره بشدة الخوف وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد. أي: إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشد من خوف غيره اهـ. (لكني أصوم) تارة (وأفطر) تارة أخرى (وأصلي) أي: أتهجد في بعض الليل أداءً لحق العبودية (وأرقد) أداءً لحق النفس (وأتزوج النساء فمن رغب) أي: أعرض (عن سنتي) طريقتي (فليس مني) من هذه تسمى اتصالية. أي: ليس متصلاً بي ليسمى قريباً مني والسنة مفرد مضاف إلى معرفة فتعم على الراجح وتشمل الشهادتين وأركان الإِسلام، فيكون الراغب عن ذلك مرتداً. وقال المطرزي في شرح المصابيح: يعني من ترك ما أمرت به من أحكام الدين فرضاً أو سنةً على سبيل الاستخفاف بي وعدم الالتفات إليَّ فليس مني لأنه كافرٌ. أما من تركه لا عن استخفاف، بل عن الكسل؛ لم يكن كافراً وحينئذ فقوله: ((ليس مني)) أي: من المقتدين بي والعاملين بسنتي اهـ. (متفق عليه) واللفظ للبخاري وعند مسلم نحوه. قال الأبي: وما دلت عليه (١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح (٨٩/٩، ٩٠). وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم. (الحديث: ٥). ٣٨٨ كتاب: دليل الفالحين ١٤٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((هَلَكَ الْمُتَنْطِّعُونَ!)) قَالَهَا ثَلَاثَاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الْمُتَنَطِّعُونَ)): الْمُتَعَمِّقُونَ الْمُشَدِّدُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْديدِ (١). ١٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّلَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ الأحاديث من راجحية النكاح هو أحد قولين. وهذا حين كان في النساء المعونة على الدين والدنيا وقلة التكلف والشفقة على الأولاد. أما في هذه الأزمنة فنعوذ بالله من الشيطان ومن النسوان، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة والعزبة(٢) بل ويتعين الفرار منهن. فلا حول ولا قوة إلا بالله اهـ. ١٤٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي وَّ قال: هلك المتنطعون قالها) أي: هذه الجملة وكررها (ثلاثاً) تأكيداً في النهي عنه. وكان ◌َّ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه رواه البخاري (رواه مسلم) وأحمد وأبو داود (المتنطعون) جمع متنطع. اسم فاعل من التنطع بتقديم الفوقية على النون (المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد) وقال الخطابي :المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. وقال في النهاية المغالون في الكلام: المتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النطع وهو: الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل تعمق قولاً وفعلاً قال العاقولي: يدخل في هذا الذم ما يكون القصد فيه مقصوراً على اللفظ. ويجيء المعنى تابعاً للفظ. أما بالعكس فهو الممدوح، وهو أن يدع الرجل نفسه تجري على سجيتها فيما يروم التعبير عنه من المعاني كما قال: أرسلت نفسي على سجيتها وقلت ما قلت غير محتشم ... اهـ ١٤٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ◌ّ قال: إن الدين) أل فيه للعهد أي: دين الإِسلام (يسر) قال الكرماني: معناه إما ذو يسر أو أنه يسر على سبيل المبالغة نحو: زيد عدل. أي لشدة اليسر وكثرته فيه كأنه نفسه. وقال الطيبي: يسر خبر إن وضع موضع المفعول مبالغة (ولن يشاد الدين إلا غلبه) قال الطيبي : بناء المفاعلة في يشاد ليس للمغالبة بل للمبالغة نحو طارقت النعل، وهو من جانب المكلف. قلت: والمعنى: لا يتعمق أحد (١) أخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: هلك المتنطعون (الحديث: ٧). (٢) في القاموس: الاسم العزبة والعزوبة مضمومتين والفعل كنصر اهـ. ع ٣٨٩ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة يُشَادَّ الدِّينُ إِلَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، القَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا)). قَوْلُهُ: ((الدِّينُ)) هُوَ مَرْقُوعٌ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَرُوِيَ مَنْصُوباً. وَرُوِيَ (لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ)). وَقَوْلُهُ وَّ (إِلَّ غَلَبَهُ)) أَيْ غَلَبَهُ الدِّينُ وَعَجَزَ ذَلِكَ الْمُشَادُّ عَنْ مُقَاوَمَةِ الدِّينِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، ويحتمل أن يكون للمبالغة على سبيل الاستعارة والمستثنى منه أعم الأوصاف أي: لم يحصل ويستقر ذلك المشاد على وصف من الأوصاف إلا على أنه مغلوب (فسددوا) الفاء: جواب شرط مقدر أي: إذا بينت لكم ما في المشادة من الوهن فسددوا أي: الزموا السداد وهو التوسط من غير إفراط ولا تفريط. قال أهل اللغة: السداد التوسط (وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل فاعملوا ما يقرب منه، وقد تقدم في آخر باب الاستقامة في الأصل معنى السداد والمقاربة (وأبشروا) بالثواب على العمل الدائم وإن قل (واستعينوا) على تحصيل العبادات (بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) قال في التوشيح بالضم. قال في مختصر القاموس: والفتح فاقتصار التوشيح على الضم لأنه الرواية الصحيحة، كما في المشارق للقاضي عياض قال: ويقال: بفتح الدال أي مع سكون اللام وفتحها (رواه البخاري وفي رواية له:) من حديث أبي هريرة (سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة) أي مضموم إلى الغدوة والروحة (القصد) بالنصب على الإِغراء أي: الزموا التوسط في الأمر من غير إفراط ولا تفريط أو مفعول (تبلغوا) جواب الشرط المقدر أي: إن تفعلوا ذلك على وجه القصد والمقاربة تبلغوا القصد من مرضاة ربكم ودوام القيام بعبوديته. وإن تعاطيتم المشاق ربما مللتم فانقطعتم (قوله: الدين) قال صاحب المطالع (هو) في أكثر الروايات (مرفوع على) أنه مفعول (ما) أي: فعل (لم يسم فاعله) و ((يشاد)) عليه مبني للمفعول (وروي منصوباً) بإضمار الفاعل للعلم به ونقل العلقمي عن المصنف أنه قال: إن هذه أكثر الروايات قال قال الحافظ ابن حجر: وجمع بينه وبين كلام صاحب المطالع، بأنه بالنسبة إلى رواية المغاربة والمشارقة (وروى: لن يشاد الدين أحد) أي: بالتصريح بالفاعل قال الحافظ: رواه هكذا ابن السكن. وكذا هو في طرق الحديث عند الإسماعيلي وأبي نعيم وغيرهم. قال الزركشي وليس في الدين على هذه الرواية إلا النصب (وقوله ◌َثير: إلا غلبه، أي غلبه الدين) بالرفع فالضمير المرفوع المستكن يرجع إليه (وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه) ٣٩٠ كتاب: دليل الفالحين و((الْغَدْوَةُ)): سَيْرُ أَوَّلِ النَّهارِ. و((الرَّوْحَةُ)) آخِرِ النَّهارِ. و ((الْدُّلْجَةُ)) آخِرِ اللَّيْلِ، وَهَذَا اسْتِعَارَةٌ وَتَمْثِيلٌ. وَمَعْنَاهُ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَعْمَالِ فِي وَقْتِ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغٍ قُلوبِكُمْ، بِحَيْثُ تَسْتَلِذُّونَ العِبَادَةَ وَلاَ تَسْأَمُونَ وَتَبْلُغُونَ مَقْصُودَكُمْ، أي: ولا يمكن القيام بكلها في كل وقت لأن الوقت لا يقبل عملين، وليس للإِنسان في جوفه من قلبين (والغدوة) بفتح الغين المعجمة المرة من (سير أول النهار) الذي هو الغدو (و) كذا (الروحة) فهي المرة من سير (آخر النهار) المسمى بالرواح. ففي العبارة تجوز وتسامح قال السيوطي: الغدو سير أول النهار. والغدوة أي: بالفتح المرة منه، وبالضم ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس اهـ. (والدلجة) السير (آخر الليل) هذا قول بعض أهل اللغة. واقتصر في مختصر القاموس على أنه سير الليل كله وقد بسط ذلك القاضي عياض فقال في المشارق: اختلف أرباب اللغة في هذا أي: في أدلج بالتشديد والتخفيف، وفي الادلاج: بسكون الدال وتشديدها مكسورة هل يستعمل ذلك كله في الليل كله أو بينها اختلاف. فقيل: إن ذلك كله يستعمل في سير الليل كله. والدلجة: فتح الدال وضمها سواء فيها وأنهما لغتان. وأكثرهم يقول: أدلج بتشديد الدال سار آخر الليل. وأدلج: بتخفيفها الليل كله يقال: ساروا دلجة أي: ساعة من الليل والدلج: بفتح اللام والادلاج: بسكون الدال. والدلجة: بفتح الدال سير الليل كله والإِدلاج: بتشديد الدال والدلجة: بضم الدال سير آخره وفي الهجرة: فيدلج من عندهما سحراً اهـ. (وهذا) أي: قوله: استعينوا إلخ (استعارة) بأن شبه استعانة السالك في استعماله في سلوكه أوقات النشاط المقربة لوصوله لغاية سلوكه، باستعانة المسافر السفر الحسي بسيره في هذه الأوقات التي تنشط فيها الدواب وتقطع فيها المسافات التي يقرب بقطعها من مقصده، ثم سرت الاستعارة منه إلى الفعل فهي استعارة مصرحة تبعية (وتمثيل) بأن شبه ما يقع من السالك من الاستراحة وقتها والتعبد أوقات النشاط والفراغ بحلول المسافر تارة وارتحاله في أوقات النشاط أخرى في الوصول إلى المقصد. قالوا وفي كلامه بمعنى أو والاستعارة في الوجه الأخير للمجموع. ويحتمل أن يكون مراد المصنف: إن ذلك استعارة تمثيلية والله أعلم (ومعناه: استعينوا على طاعة الله تعالى بالأعمال في وقت نشاطكم) هذا يرجع إلى الغدوة والروحة (وفراغ قلوبكم) يرجع للدلجة (بحيث تستلذون الطاعة) وإن كانت شاقة في ذاتها لمزيد النشاط وصفاء القلب مما يشغله عن استجلاء محاسن الطاعة (ولا تسأمون) لنشاطكم وفراغ قلوبكم (وتبلغون مقصودكم) من أداء العبودية حسب الطاقة (كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات) النشاط الدواب ببرد الهواء، فيقطع فيها من المسافة ما لا يقطعه في أطول منها من باقي ٣٩١ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة كَما أَنَّ المُسَافِرَ الْحَاذِقَ يَسيرُ فِي هَذِهِ الْأُوْقَاتِ وَيَسْتَرِيحُ هُوَ وَدَابْتُهُ فِي غَيْرِهَا فَيَصِلُ الْمَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ(١). ١٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ الْمَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: (مَا هَذَا الحَبْلُ؟)) قالوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَهَ: ((حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). الأوقات (ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصود بلا تعب والله أعلم). ١٤٦ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي ◌ِّ) زاد مسلم (المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين) من سواري المسجد وكأنهما كان معهودين بين المخاطبين. وعند مسلم: ((ساريتين)) بالتنكير (فقال: ما هذا الحبل) أي: ما سبب مده بهذا المكان (قالوا:) أي: الحاضرون (هذا حبل لزينب) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: جزم كثير من الشارحين تبعاً للخطيب في مبهماته أنها بنت جحش، ولم أرَ ذلك في شيء من الطرق صريحاً. ثم نقل ما قد يؤخذ منه ذلك فقال من جملته: وأخرجه أبو داود عن شيخين له فقال عن أحدهما: زينب بنت جحش وعن الآخر: حمنة بنت جحش. فهذه قرينة في كون زينب هي بنت جحش. وروى أحمد عن أنس: أنها حمنة بنت جحش. ولعل نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإِحداهما والأخرى المتعلقة به. قال: وقد تقدم أن كلاً من بنات جحش تدعی زینب فيما قيل: فالحبل لحمنة وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر. وعند ابن خزيمة في صحيحه فقالوا: لميمونة بنت الحارث وهي رواية شاذة. وقيل: يحتمل تعدد القصة. وزاد مسلم فقالوا: لزينب تصلي (فإذا فترت) بفتح الفوقية أي كسلت عن القيام في الصلاة ووقع في مسلم كسلت أو فترت بالشك (تعلقت به فقال النبي يسير: حلوه. ليصل أحدكم نشاطه) بفتح النون (فإذا فتر فليرقد متفق عليه) قال الحافظ ابن حجر: فيه الحث على الاقتصاد في العبادة (١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت وفي الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٨٧/١، ٨٨) و(٢٥٤/١١، ٢٥٥). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: ما يكره من التشديد في العبادة (٣٠/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك. (الحديث: ٢١٩). ٣٩٢ كتاب: دليل الفالحين ١٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهَ، قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)). والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالإِقبال عليها بنشاط. وفيه إزالة المنكر باللسان واليد. وفيه جواز تنفل النساء في المسجد . ١٤٧ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله وَيّر قال إذا نعس أحدكم) بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المضارع وغلطوا من ضم عين الماضي، والنعاس مقدمة النوم وعلامته سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهم معناه (وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم) في رواية النسائي: ((فلينصرف)) والمراد: أنه التسليم من الصلاة بعد تمامها فرضاً كانت أو نفلاً. فالنعاس سبب للنوم أو للأمر به، ولا يقطع الصلاة بمجرد النعاس، وحمله المهلب على ظاهره فقال: إنما أمره بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك فلا قطع (فإن أحدكم) أي: الواحد منكم (إذا صلى وهو ناعس) غاير بين لفظي النعاس فعبر أولاً بلفظ الماضي وهنا بلفظ الوصف، تنبيهاً على أنه لا يكفي وجود أدنى نعاس وتقضيه في الحال، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول، وعدم علمه بما يقرأ ((فإن قلت)) هل بين قوله: نعس أحدكم وهو يصلي وقوله: صلى وهو ناعس فرقُ. ((قلت)) أجيب بأن الحال قيد في الكلام، والقصد في الكلام ماله القيد، فالقصد في الأول غلبة النعاس لا الصلاة؛ لأنه العلة في الأمر بالرقاد فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني الصلاة لا النعاس؛ لأنها العلة في الاستغفار، فهي المقصودة في التركيب إذ تقدير الكلام: إذا صلى أحدكم وهو ناعس يستغفر (لا يدري لعله يذهب يستغفر) أي: يقصد الاستغفار (فيسب نفسه) أي: يدعو عليها وهو بالرفع عطفاً على يستغفر والنصب جواباً للعل. وجعل العارف بالله ابن أبي جمرة علة النهي خشية أن يوافق ساعة إجابة والترجي في لعل عائدٌ على المصلي لا إلى المتكلم به. أي: لا يدري أمستغفرٌ أم سابٌ مترجياً للاستغفار. وهو في الواقع بضد ذلك. قال الطيبي: والنصب أولى لأن المعنى: لعله يطلب من الله الغفران لذنبه ليصير مزكى، فيتكلم بما يجلب الذنب فيزيد العصيان على العصيان، فكأنه سب نفسه قال: ومفعول لا يدري محذوفٌ. أي: لا يدري ما يفعل. وما بعده مستأنفٌ بيانيٌ. والفاء في: فيسب للسببية كاللام في: ﴿فالتقطه آل ٣٩٣ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة مُتَفَقْ عَلَيْهِ(١). ١٤٨ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوائِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ((كُنْتُ أُصَلّي مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿ِ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدَاً، وَخُطْبَتُهُ قَصْدَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ ((قَصْد): أَيْ بَيْنَ الطُولِ وَالْقِصَرِ(٢). ١٤٩ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ فرعون ليكون لهم عدواً﴾(١) (متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه كما في الجامع الصغير. ١٤٨ - (وعن أبي عبد الله) ويقال: أبو خالد (جابر بن سمرة) بضم الميم ابن جنادة (١) بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواءة. بضم السين والمد بن عارم بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. بالمهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (السوائي) هو وأبوه صحابيان (رضي الله عنهما) روي له عن رسول الله وَلّ مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين. توفي سنة ست وستين (قال: كنت أصلي مع النبي ◌َّ الصلوات) وفي رواية لمسلم: ((والله لقد صليت مع رسول الله ﴿ أكثر من ألفي صلاة)) (فكانت صلاته قصداً) أي: يأتي بمكملاتها ومسنوناتها من غير طول ولا قصر (وخطبته) أي: للجمعة وغيرها (قصداً) إذ هو لما أوتي من جوامع الكلم كان يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، ولم يبالغ في الإِيجاز، لأنه بصدد البيان. والمبالغة فيه تؤدي إلى خلاف ما هو بصدده غالباً (رواه مسلم قوله: قصداً أي: بين الطول والقصر) بكسر ففتح . ١٤٩ - (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها فاء ثم هاء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من النوم (٢٧١/١، ٢٧٢). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك. (الحديث: ٢٢٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (الحديث: ٤١). (٣) سورة القصص، الآية: ٨. (٤) في بعض نسخ المتن ((سمرة بن عمر بن جندي)) ولعلها محرفة والأصل ((سمر بن عمرو بن جندب)) وفي القاموس ما يقتضي أن سمرة بن عمرو بن جندب غير سمرة بن جنادة بن جندب، فليتأمل. ع ٣٩٤ كتاب: دليل الفالحين وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ◌َهُ بَيْنَ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَها: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْداءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً فَقَالَ لَّهُ: كُلْ فَإِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ (وهب بن عبد الله) وقيل: ابن وهب السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد. نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة المذكور في نسب جابر بن سمرة. روي له عن رسول الله وكلهم خمسة وأربعون حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة. توفي النبي ◌َّ وأبو جحيفة صبيّ لم يبلغ الحلم، وكان عليّ بن أبي طالب يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة. نزل الكوفة وابتنى بها داراً وتوفي بها سنة اثنتين وسبعين (رضي الله عنه قال: آخى) بالمد والخاء المعجمة من المؤاخاة، والمعاهدة على التناصر، والقيام بحقوق الدين (النبي ◌َّية بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء) عويمر الأنصاري لما آخى بين المهاجرين والأنصار، وذلك بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر والمسجد يبنى كذا قيل. وتعقب بأن سلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد، وأول مشاهده الخندق. وأجيب بأن التاريخ المذكور هو ابتداء تاريخ الأخوة بين من ذكر، ثم كان يؤاخي بين من يأتي بعد ذلك وهلم جرا. وليس باللازم أن تقع المؤاخاة دفعةً واحدةً حتی یرد ما ذکر (فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء) الكبرى واسمها خيرة بفتح المعجمة وسكون التحتية. بنت حدرد صحابية بنت صحابي. ماتت قبل أبي الدرداء (مبتذلة) بفتح المثناة والموحدة وتشديد المعجمة. أي: لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون المعجمة وهي المهنة وزناً ومعنى، والمعنى: أنها تاركة للبس ثياب الزينة. وعند الكشميهني: بتقديم الموحدة والتخفيف. والمعنى واحد (فقال لها: ما شأنك) زاد الترمذي في روايته: ((أم الدرداء متبذلة)) (قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا) في رواية الدارقطني في نساء الدنيا، وزاد فيه ابن خزيمة: ((يصوم النهار ويقوم الليل)) (فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً) على وجه القِرى والكرامة (فقال:) بعد أن قرب الطعام (له:) أي: لسلمان (كل فإني صائم قال:) سلمان (ما أنا بآكل) زاد الباء لتأكيد النفي (حتى تأكل) وغرضه أن يصرف أبا الدرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته (فأكل) إكراماً له فإفطاره لعذر فيثاب عليه (فلما كان الليل) في رواية ابن خزيمة وغيره: ((ثم بات عنده فلما ٣٩٥ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة يَقُومُ فَقَالَ: تَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقَّاً، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقَّاً، وَلَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقَّاً، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّهَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ : ((صَدَقَ سَلْمَانُ)) كان الليل)) أي أوله (ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له) سلمان (نم فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم فلما كان من آخر الليل) أي عند السحر وكذا هو في رواية ابن خزيمة وعند الترمذي: ((فلما كان عند الصبح)) والدارقطني: ((فلما كان في وجه الصبح)) (قال سلمان: قم الآن، فصليا) في رواية الطبراني: ((فقاما فتوضآً ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة)) (فقال له سلمان:) مرشداً إلى حكمة الاقتصاد وترك الغلو في العبادة (إن لربك عليك حقاً) من العبادة (وإن لنفسك عليك حقاً) من الطعام الذي تقوم به بنيتها والمنام الذي يحصل به صحتها (ولأهلك) أي زوجك (عليك حقاً) هو إتيانها وقضاء وطرها. زاد الترمذي وابن خزيمة: ((ولضيفك عليك حقا)) زاد الدارقطني: ((فصم وأفطر وصل ونم وأت أهلك)) وذلك كالتفسير لقوله هنا (فأعط كل ذي حق حقه فأتى) أي أبو الدرداء (النبي ير فذكر ذلك له) في رواية الترمذي: ((فأتيا بالتثنية)) وعند الدارقطني: ((ثم خرجا إلى الصلاة فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صل﴿ بالذي قال له سلمان فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقاً)» مثل ما قال سلمان ففي هذه الرواية أن النبي ◌َّ أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما جرى بينهما، فيحتمل الجمع بأنه كاشفهما بذلك أولاً، ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال (فقال النبي ◌ّ صدق سلمان) وعند الطبراني مرسلاً قال: كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها فأتاه سلمان فذكر القصة مختصرة وزاد في آخرها: فقال النبي ◌َّ: ((عويمر. سلمان أفقه منك)) اهـ. وعويمر هو اسم أبي الدرداء. وفي رواية لأبي نعيم: ((فقال النبي ◌َّ: لقد أوتي سلمان علماً)). قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر ما شرحنا به الحديث ملخصاً: وفي الحديث من الفوائد مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإِخوان فيه والمبيت عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة والنصح للمسلم، وتنبيه من غفل. وفيه فضل قيام آخر الليل. وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور، والوعيد الوارد فيمن نهى مصلياً عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلماً وعدواناً. وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة وفيه جواز الفطر من صوم التطوع. ثم أطال الحافظ في بيان الخلاف في ٣٩٦ كتاب : دليل الفالحين رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ١٥٠ - وَعَنْ أَبِي محمدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟)) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأَمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ ذلك وفي لزوم القضاء (رواه البخاري) وغيره ممن تقدمه الإِشارة إليه. ١٥٠ - (وعن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص) قال المصنف: أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء وهو لغة، والصحيح الفصيح إثباتها ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها اهـ. وفي شرح المشكاة للقاري الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفاً أو بناءً على أنه أجوف، ويدل عليه ما في القاموس الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس العاص وأبو العاص وأبو العيص اهـ. فعليه لا يجوز كتابة العاص ولا قراءته بالياء لا وصلاً ولا وقفاً إذ هو معتل العين خلاف ما يتوهمه بعض الناس من أنه اسم فاعل من عصى، فيجوز إثباتها وحذفها وصلاً ووقفاً بناء على أنه معتل اللام اهـ. (رضي الله تعالى عنهما قال: أخبر) بالبناء للمفعول (النبي سير أني أقول والله لأصومن النهار) أي: كل نهار قابل للصوم ليخرج يوم العيد وأيام التشريق (ولأقومن الليل) أي: جميعه (ما) مصدرية ظرفية (عشت) أي: مدة عيشتي أي: حياتي (فقال رسول الله وَّ:) أي: لي (أنت الذي تقول ذلك) أي: أأنت بتقدير همزة الاستفهام التقريري والمشار إليه قوله: لأصومن إلخ (فقلت له: قد قلت: بأبي أنت وأمي) أي: مفدى بهما (يا رسول الله قال: فإنك لا تستطيع ذلك) قال الحافظ العسقلاني: يحتمل أن يريد لا تطيقه في الحالة الراهنة لما علمه وَلّر من أنه يتكلف ذلك، ويدخل به على نفسه المشقة ويفوته به ما هو أهم منه، ويحتمل أنه يريد لا تطيقه في المستقبل لما سيأتي أنه بعد أن كبر وعجز قال: يا ليتني قبلت رخصة النبي وَّر، فكره أن يوظف على نفسه شيئاً من العبادة ثم يعجز عنه فيتركه لما تقرر من ذم ذلك (فصم وأفطر ونم وقم) لتقوى بالفطر والنوم على الصوم والقيام، ولذا كان الأفضل صيام داود وقيامه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع. وفي الأدب، باب: صنع الطعام والتكلف للضيف (٤ /١٨١، ١٨٤ و٤٤٣/١٠). ٣٩٧ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِها وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ)) قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَينٍ)) قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيامِ)) وفِي رِوَايَةٍ: ((هُوَ أَفْضَلُ الصِّيامِ» الآتيان (وصم من الشهر ثلاثة أيام) هذا تفصيل لما أجمله في قوله فصم وأفطر أي فصيام الثلاث من الشهر كصيامه (فإن الحسنة بعشر أمثالها) هذا أقل درجات المضاعفة، وتضعيف الحسنات من خصائص هذه الأمة، نبه عليه القرافي. وظاهر الحديث أن ذلك يحصل بصيام أي ثلاثة كانت من الشهر، وقد اختلفت الأخبار في أفضلها (وذلك) أي: صيام الثلاث من كل شهر لكون الحسنة بعشر أمثالها (مثل صيام الدهر) في أصل الثواب لا فيه مع المضاعفة المرتبة على صيامه بالفعل، لئلا يلزم مساواة ثواب الأقل من الأعمال للأكثر منها مع التساوي في سائر الأوصاف، وقواعد الشرع تأباه. قال في فتح الباري : ومع ذلك فيصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازاً (قلت إني أطيق) عملا (أفضل من ذلك) أي: أكثر ثواباً من صوم ثلاثة أيام. وهو الزيادة في الصوم المرتب عليها الزيادة في الثواب، لما عندي من القوى. وفي مسلم عنه: ((إني أطيق أكثر من ذلك)) وسيأتي إني أجد قوة. وفي رواية عنه عند البخاري: (إني لأقوى من ذلك)) وعند مسلم: ((إن بي قوة)) وعنده أيضاً: ((إني أجدني أقوى من ذلك)) (قال: فصم يوماً وأفطر يومين) قال القلقشندي: وقع في بعض طرق الحديث زيادة قبل هذا وهي: ((فصم من كل شهر ثلاثة أيام)) وهي على شرط مسلم وفي بعض طرقه عند الشيخين: ((أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام قلت: يا رسول الله قال خمساً قلت: يا رسول الله قال: سبعاً قلت: يا رسول الله قال: تسعاً قلت: يا رسول الله قال: أحد عشر قلت: يا رسول الله فقال النبى ◌َلل: لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر صيام يوم وإفطار يوم)). فهذا يدل على أن الزيادة وقعت بالتدريج، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر (قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك قال: صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام) لأن النفس تكسب في يوم الفطر من القوى ما يجبر به ما لحقها من وهن الصوم، فتدوم على العمل ولفظ: ((أعدل)) لمسلم (وفي رواية) للبخاري (وهو أفضل الصيام) أي: صيام التطوع، فهو أفضل من صوم الدهر كما قاله المتولي وغيره خلافاً لما أفتى به ابن عبد السلام، والسر في ذلك، أن صوم الدهر قد يفوت به حق مفروض، فیکون حراماً أو مندوب آكد من الصيام، فيكون مكروهاً. وقد لا يفوت به شيء من ذلك فيباح، لأنه ٣٩٨ كتاب : دليل الفالحين فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ)) قَالَ: وَلَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الَأَيَّامِ الَّتي قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي. وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)) قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ؛ فَإِنَّ قد لا يشق بالاعتياد؛ بخلاف صوم يوم وفطر يوم. قال الشيخ زكريا في تحفة القاري: إن قلت: إذا صادف فطره يوم الاثنين أو الخميس وكانت عادته صومهما هل يحصل له فضيلة صومهما. قلت: الظاهر حصولها؛ لأن عدوله إلى صوم داود إنما كان لعذر، وهو طلب الأفضلية فهي تجبر ما فات بالإِفطار (قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك فقال رسول الله وهي لا أفضل من ذلك) هو لعبد الله وغيره على قول المتولى لما تقدم. وعلى قول آخرين: إن سرد الصوم أفضل منه فهو محمول على أن المراد لا أفضل منه في حق عبد الله بن عمرو، لما علمه وَلخير من حاله وضعفه في مآله، واستدل له بأن النبي ◌َّ لم ينه حمزة بن عمرو عن سرد الصوم ويرشده إلى صوم يوم وفطر يوم، ولو كان أفضل في حق كل الناس لأرشده إليه وبينه له إذا التأخير للبيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وقال الحافظ ابن حجر: قوله: لا أفضل من ذلك ليس فيه نفي المساواة صريحاً لكن قوله: في حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري، ((أحب الصيام إلى الله صيام داود)) يقتضي ثبوت الأفضلية المطلقة ورواه الترمذي عن ابن عمرو بلفظ: ((أفضل الصيام صيام داود)) وكذا رواه مسلم. ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (قال عبد الله:) بعد كبره ومشقة ما سأل الازدياد فيه من النبي صل﴾ حتى زاده حين كاد أن يعجز عنه ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه، فتمنى الأخذ بالرخصة والأخف. فقال: (و) الله (لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام) بالنصب عطف بيان على الثلاثة. أو بدل والجر فيه ضعيفٌ. نحو الثلاثة الأثواب (التي قال رسول الله وَليون) أي: أشار أولاً بها وبالاقتصار عليها إبقاء على النفس (أحب إلي من أهلي ومالي) قال في فتح الباري: ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما في رواية ابن خزيمة من طريق حصين: ((فكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام ليقوى بذلك وكان يقول لأن أكون قبلت الرخصة أحب إليّ مما عدل به، لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره)» وقوله: ((ولأن أكون)) إلخ رواه مسلم. (وفي رواية) للبخاري (ألم أخبر أنك تصوم النهار) أي كل يوم قابل للصوم. فأل فيه للاستغراق (وتقوم الليل) أي: كل الليل على الدوام ٣٩٩ ٤٠ ١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقَّاً، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلٌّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِها، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيامُ الدَّهْرِ) فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيٍّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: ((صُمْ صِيامَ نَّبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ)) قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ دَاوُدَ؟ قَالَ: ((نِصْفُ الدَّهْرِ)) فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَمَا (قلت: بلى يا رسول الله) سيأتي في مسلم: ((ولم أرد بذلك إلا الخير)) (قال:) تنبيهاً على طريق الرفق والسداد (لا تفعل) لما في ذلك من كمال المشقة المفضي لثقل الطاعة على النفس ونفرتها منه، وربما ملتها فانقطعت عنها بخلاف الرفق، فإنه يدوم به الأمر ويحسن به الشأن. (صم وأفطر ونم وقم فإن لجسدك عليك حقاً) قال المهلب: حق الجسد أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل، إذ إجهاد النفس في العبادة قاطعٌ لها عن الدوام كما تقدم. ولن يشادّ الدين إلا غلبه (وإن لعينك) هذه رواية الكشميهني بالإِفراد وعند غيره لعينيك بالتثنية (عليك حقاً) وهو النوم قدر ما ينكسر به سورة السهر (وإن لزوجك عليك حقاً) حق الأهل أن يبقى في نفسه قوة يمكن معها الجماع، فإنه حق للمرأة تطالب به عند بعض العلماء وإذا عجز عن ذلك بالعنة وضربت المدة ولم يأتها جاز لها الفسخ (وإن لزورك) أي : ضيفك (عليك حقاً) وحقه خدمته وتأنيسه بالأكل معه. والزور الضيف والرجل يأتيه زائراً والواحد والاثنان والثلاثة المذكر والمؤنث فيه بلفظ واحد لأنه مصدر وضع موضع الأسماء. مثل: قوم صوم. ويحتمل أن يكون جمع زائر كركب وراكب (وأن بحسبك) الباء زائدة والسين ساكنة أي: كافيك (أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) وللكشميهني في كل شهر (فإذا) بتنوين الذال وهي التي يجاب بها إن وكذا لو صريحاً أو تقديراً وإن هنا مقدرة كأنه قيل إن صمتها فإذاً (ذلك صوم الدهر) مثل أصل ثواب صومه كما تقدم. وروي بغير تنوين، وهي للمفاجأة قال الحافظ في فتح الباري وفي توجيهها هنا تكلف. قال الشيخ زكريا: والتقدير: إن صمت ثلاثة أيام من كل شهرٍ فاجأك عشر أمثالها (فشددت) على نفسي في عدم قبول هذه الرخصة (فشدد) بالبناء للمفعول (عليّ) في زيادة العمل ثم بين ذلك بقوله (قلت: يا رسول الله إني أجد قوة) تحتمل الزيادة على صوم الثلاثة في كل شهر (قال: صم صيام داود) عليه السلام (ولا تزد عليه) لعظم فضله (قلت: وما كان صيام داود) ما خبر كان مقدم عليها لأنه لكونه اسم استفهام له الصدارة (قال: نصف الدهر) أي: على سبيل التقريب وإلا فيوما العيد وأيام التشريق زائدة في عدد أيام الفطر على عدد أيام الصوم (فكان عبد الله يقول بعد ٤٠٠ كتاب : دليل الفالحين كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿! وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ القُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ )) فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّ الْخَيْرَ: قَالَ: ((فَصُمْ صَوْمَ نَبِّ اللَّهِ دَاوُدَ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، واقْرإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)) قُلْتُ: يَا نَبِّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ)) قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ) قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ)) فَشَدَّدْتُ فَشَدَّدَ عَلَيَّ، وَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َ: ما كبر:) بكسر الموحدة أي: في السن وشق عليه ثقل العمل. ولم يتمكن من تركه لما تقدم (يا) قوم (ليتني) وقيل أن ((يا)) للتنبيه (قبلت رخصة النبي رَّة) بالتخفيف بصوم الثلاث (وفي رواية) لمسلم (ألم أخبر) بالبناء للمفعول (أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن) أي: تختم المجتمع منه حينئذ (في كل ليلة فقلت: بلى يا رسول الله) أي: أنا أفعل ذلك الذي أخبرت به، وليس المراد إثبات أنه أخبر بذلك (ولم أرد بذلك) أي: بصيامي المتتابع وقيامي (إلا الخير) أي: إما ثواب الله تعالى، وإما أداء عبوديته والقيام بما يجب لربوبيته (قال) وفي نسخة قبل فصم صوم داود زيادة: ((بحسبك أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيامٍ قلت يا رسول الله: إني أطيق أفضل من ذلك قال: فإن لزوجك عليك حقاً ولزورك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً)). قال: (فصم صوم داود فإنه كان أعبد الناس) أي: غير النبي ◌َّ. إذ المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضلهم بعد النبي وَّ لأن التفضيل بأعلى المراتب وأعلى المنازل موهبة من الله تعالى يختص برحمته من يشاء. وحذف المصنف ما أوردناه من الحديث، وهو عند مسلم اكتفاءً بما قدمه (واقرأ القرآن) أي: اختمه متهجداً به (في) ليالي (كل شهر قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك) أي : المذكور من الصوم للثلاثة الأيام، والقراءة في الشهر (قال: فاقرأه في عشرين) ليلة قال (قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: فاقرأه في عشر) أي: من الليالي (قال: قلت: يا نبي الله أني أطيق أفضل من ذلك) وفي نسخة: أكثر من ذلك (قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك) سيأتي في كتاب الفضائل الخلاف في بيان مدة الختم للقرآن واختلاف ذلك بحسب الأحوال، وأن هذا محمول على حال من كان له بعض الاشتغال بحيث يمنعه عن الإكثار من التلاوة أو من التأمل في معانيها عند الإِكثار منها (فشددت) بطلب الزيادة