Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير
١١٣ - الثَّانِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْياخٍ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ يَدْخُلُ هَذَا مَعَنا وَلَنَا
أَبْنَاءُ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ. فَدَعَانِي ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ، فَمَا
رَأيْتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّ لِيُرِيَهُمْ، قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى(١): ﴿إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْقَتْحُ؟﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرنَا وَفُتِحَ
على الله، وإنما يتوجه له على عبيده. وحقيقة المعنى فيه أن الله تعالى لم يترك للعبد شيئاً
في الاعتذار يتمسك به ا هـ.
١١٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ
بدر) أحد جموع شيخ. وقد ذكرتها في أول هذا الشرح. والمراد منه: ذوو الأسنان من
الصحابة البدريين، وهم من أفاضل الصحابة وأكارمهم. أي يدخله معهم في المشورة
والمهمات. وإدخاله معهم مع كبر سنهم لكبر قدره بما عنده من العلوم والمعارف. وقد كان
يسمى البحر لسعة علمه (فكأن) بتشديد النون (بعضهم) قال ابن النحوي: هو
عبد الرحمن بن عوف كما صرح به في البخاري في موضع آخر (٢) (وجد) غضب (في نفسه)
من ذلك (فقال:) له (لم) بتحريك الميم وهي ما الاستفهامية حذفت ألفها لأنها جرت وحقها
أن ترسم بهاء السكت بعد الميم، لأنها يوقف عليها كذلك (تدخل) بضم الفوقية وكسر الخاء
المعجمة. وفي نسخة يدخل بفتح التحتية وضم المعجمة (هذا معنا ولنا أبناء مثله) في السن
ويحتمل أن يكون في لقي النبي ◌ّ أيضاً بالنسبة لبعضهم (فقال عمر؛ إنه من حيث علمتم)
أي: من بيت النبوة ومنبع العلوم ومصدر الآراء السديدة، ثم أراد زيادة بيان لشرفه بكثرة
علمه المقتضي لتقدمه (فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت) علمت بقرائن الأحوال.
وفي أصل معتمد من صحيح البخاري، فما أريته بصيغة المجهول واتصل الضمير به أي:
ظننته (أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم) بضم التحتية الأولى أي: يعلمهم (مني) ما استحق به
الإِدخال مع الشيوخ البدريين زاد في رواية ابن سعد فقال: أما إني سأريكم اليوم منه
ما تعرفون به فضله. (فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم
أمرنا أن نحمد الله) بفتح النون والميم (ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا) جعل هذا القائل
(١) سورة النصر، الآية: ١.
(٢) في باب علامات النبوة. ش

٣٤٢
كتاب: دليل الفالحين
عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، فَقَالَ لي : أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ
لَ قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَعْلَمَهُ لَهُ؛ قَالَ(١): ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَذَلِكَ عَلامَةُ أَجْلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
الخطاب بالسورة شاملاً لجميع الأمة(٢) (وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً فقال لي:) عمر
(أكذلك) أي: كما يقول هؤلاء مما ذكر (تقول يا بن عباس فقلت لا) أي: لا أقول ذلك
(قال: فما تقول قلت هو أجل رسول الله وَّير أعلمه الله له) أي: للنبي وسلّ أي: أن المراد من
السورة تنبيهه على ما يعرف به قرب أجله، وعلى ما يأتي به حينئذ (قال تعالى إذا جاء
نصر الله) نبيه وَّير على أعدائه (والفتح) فتح مكة. وقيل: المراد جنس نصر الله المؤمنين،
وفتح مكة وسائر البلاد عليهم (ورأيت) أي: أبصرت (الناس يدخلون في دين الله) أي :
الإِسلام (أفواجاً) جماعات بعدما كان يدخل فيه واحد بعد واحد، وذلك بعد فتح مكة
(وذلك) أي: النصر وما بعده (علامة) قرب انتهاء (أجلك) قال البيضاوي في التفسير لعل:
ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين، فهي كقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم
دينكم﴾(٣) أو لأن الأمر بالاستغفار ينبه على دنو الأجل. أي: (٤) لأنه يكون في خواتم
الأمور. ولذا كان وَلّ يستغفر بعد صلاته، وإذا خرج من الخلاء وإذا أفاض، ولذا سميت
سورة التوديع. والأكثر على أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وأنه نعيٌ لرسول الله وال
اهـ. قال أبو حيان في النهر: قيل: نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، فعاش
بعدها ثمانين يوماً وفي شرح البخاري لابن النحوي بعد نقله عن ابن التين: أنها لعلها نزلت
جميعاً أي: كاملة منصرفه من حنين. قاله الواحدي قال: وعاش بعد نزولها سنتين. قال:
وهو غريب، كأنه تصحيف والذي رواه غيره ستين يوماً قال في فتح الباري: وسئلت عن قول
الكشاف: إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق. فكيف صدرت بإذا الدالة
على الاستقبال، فأجبت: بتضعيف ما نقله. وعلى تقدير صحته فالشرط لم يكمل بالفتح؛
لأن مجيء الناس أفواجاً لم يكن كمل، فبقية الشرط مستقبل. قال: وقد أجاب الطيبي عن
هذا السؤال بجوابين: أن إذا بمعنى إذ، وبأن كلام الله تعالى قديم. قال الحافظ: وفي كلٍ
(١) سورة النصر، الآية: ٣.
(٢) أي أن كلاً منهم مخاطب بقوله (فسبح إلخ) على طريق البدل. ش
(٣) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٤) قوله أي لأنه - إلى قوله أفاض. من زيادة الشارح على كلام البيضاوي للإِيضاح. ش

٣٤٣
١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير
تَوَابً﴾(١)، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّ مَا تَقُولُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
١١٤ - الثَّالثُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِوَهِ صَلاةً
بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾(٣) إِلَّ يَقُولُ فِيها ((سُبْحَانَكَ رَبَّنَا
وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))
من الجوابين نظر هـ. قال الأتجي: وقيل إن فتح مكة أم الفتوح، والدستور لما يكون بعده
من الفتوحات، فهو وإن كان متحققاً في نفسه لكنه مترقب باعتبار ما يدل عليه (فسبح بحمد
ربك) أي: متلبساً (واستغفره إنه كان تواباً) على العباد، وكان ◌َّر بعد نزول هذه السورة
يكثر من قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) وفي رواية: (استغفرك وأتوب
إليك) يأتي في الحديث عقبه (فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول رواه البخاري)
والترمذي. أي فأشار إلى أن سبب تقديمه له على إخوانه وأقرانه هو سعة علمه وكمال فهمه،
وأن التقدم بالمعنى المقتضي له وإن صغر السن وما أحسن ما قيل:
فكم من صغير لاحظته عناية من الله فاحتاجت إليه الأكابر
١١٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى رسول الله وَلَر صلاة بعد أن نزلت)
بالبناء للفاعل. وفي نسخة: أنزلت: بزيادة الهمزة أوله مبنياً للمفعول (عليه سورة إذا جاء
نصر الله والفتح) وتسمى : سورة النصر (ألا يقول فيها:) أي: في ركوعها وسجودها، كما
يأتي في الحديث بعده (سبحانك) أي: تنزيهاً لك عما لا يليق بك من كل نقص. وسبحان
منصوب على أنه واقع موقع المصدر بفعل محذوف تقديره سبحت سبحانك. ولا يستعمل
إلاّ مضافاً، وهو مضاف إلى المفعول أي سبحتك. ويجوز أن يكون مضافاً للفاعل. أي:
نزهت نفسك كما تقدم (اللهم) يا الله (وبحمدك) الواو للحال ومتعلق الظرف محذوف أي:
متلبساً بحمدك من أجل توفيقك لي. وقيل: عاطفة لجملة على جملة. أي أنزهك وأتلبس
بحمدك. وقيل: زائدة أي: أسبحك مع ملابسة حمدك. وقدم التسبيح على التحميد لأنه
تنزيه عن النقائص والحمد ثناء بصفات الكمال والتخلية مقدمة على التحلية (اللهم اغفر لي)
أي: ما هو نقص بالنظر إلي على مقامي وإن لم يكن ذنباً في نفس الأمر، إذ الأنبياء
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/باب في تفسير سورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ والأنبياء، باب
علامات النبوة في الإِسلام (٥٦٥/٨).

٣٤٤
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَه
يُكْثِرُ أن يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ربنا وبِحَمْدِكَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي)) يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. مَعْنى ((يَتَأَوَّلُ الْقُرْآن)): أَيْ يَعْمَلُ مَا أُمِرَ بِهِ
فِي الْقُرْآنِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ((سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ
معصومون من الذنب مطلقا كما تقدم، وتقدم وجه آخر في بيان المطلوب غفرانه (متفق
عليه. وفي رواية في الصحيحين عنها:) أيضاً (كان رسول الله وح لية) الأصح كما نقله
المصنف في شرح مسلم عن المحققين والأكثرين من الأصوليين أن ((كان)) في مثل هذا
المقام لا تفيد التكرار. وقال ابن الحاجب: تفيده وكذا ابن دقيق العيد لكن قال عرفاً وهو
واضح (يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا) أي يا ربنا أو بدل من قوله:
اللهم لا وصف له لأن الميم تمنع منه عند سيبويه (وبحمدك اللهم اغفر لي) وتقدم وجه عدم
أخذ الفقهاء بقضية هذا الحديث حيث قالوا: إنه يقول في الركوع سبحان ربي العظيم وفي
السجود سبحان ربي الأعلى، دون ما ذكر في هذا الحديث من أن ما ذكروه هو ما واظب
عليه وَّ* طول عمره. وغيره مما ضمه إليه تارة واقتصر عليه أخرى كان في بعض الأوقات
(يتأول) بفتح التحتية والفوقية والهمزة وتشديد الواو (القرآن معنى قولها يتأول القرآن أي)
أي: هذه تفسيرية وما بعدها عطف بيان لما قبلها أو بدل منه، فلا يظهر موقعها فإن قوله
(يعمل ما أمر به في القرآن في قوله فسبح بحمد ربك واستغفره) خبر عن معنى لا بدل من
قولها يتأول القرآن، إلا أن يخص كون ما بعدها عطف بيان أو بدلاً، بما إذا كان مفرداً. كما
أشرت إليه في شرح نظمي قواعد الإِعراب وقوله ((في قوله إلخ)) بدل بعض من كل. وقال
الحافظ العسقلاني: معنى يتأول القرآن يخص عمومه ببعض الأحوال (وفي رواية لمسلم
عنها: كان رسول الله وَّ يكثر أن يقول قبل أن يموت) أي: بعد نزول هذه السورة
(سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك) هذا من مزيد خضوعه وَ# لربه وانطراحه
بين يديه، ورؤية التقصير في أداء مقام العبودية وحق الربوبية، مما هو ذنب بالنظر إلى عليٍّ
مقامه ورفعة مرتبته. وهذا الحديث والذي بعده فيه إبقاء الأمر في الآية على التعميم، وعدم
التأول بالتخصيص السابق، وهو لا يخالفه للإِكثار منه في الصلاة وخارجها. وفي جمعه بين
الاستغفار والتوبة احتياط، لأن الاستغفار محتمل لكل من المعنيين، ويقرب حمله على

٣٤٥
١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير
إِلَيْكَ)) قَالَتْ عَائِشَةُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا تَقُولُها؟
قَالَ: ((جُعِلَتْ لِي عَلَمَةٌ فِي أُمَّتِي إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُها (١) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
إِلى آخِرِ السُّورَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: ((سُبْحَان اللَّهِ
وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ)). قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاك تُكْثِرُ مِنْ قَوْلٍ:
((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتوبُ إِلَيْهِ؟)) فَقَالَ: ((أَخْبَرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلامَةً في
أُمَّتِي فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتوبُ إِلَيْهِ. فَقَدْ رَأَيْتُها:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجَأَ *.
فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ.
التوبة قوله: ﴿إنه كان تواباً﴾(٢) وفيه دليل لمن قال بجواز حمل اللفظ على معنييه دفعة
واحدة (قالت: قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها) في محل
الحال من مفعول أحدثتها. (قال: جعلت) بالبناء للمفعول (لي علامة في أمتي إذا رأيتها)
أبصرتها أو عرفتها (قلتها) والعلامة المذكورة هي (إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخر السورة)
ويحتمل أن قوله: ﴿إذا جاء نصر الله﴾(٣) إلخ. في محل رفع تابع لعلامة على أنه عطف
بيان أو بدل، ويجري هذان الوجهان في نظيره الآتي (وفي رواية له) أي: لمسلم (عنها)
ورواه أبو نعيم في مستخرجه إلا أنه قال: سبحان ربي وليس فيه وأتوب إليه (كان
رسول الله وَّ يكثر من قوله سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه قالت: قلت: يا
رسول الله أراك) أي: أبصرك حال كونك (تكثر من قولك سبحان الله وبحمده استغفر الله
وأتوب إليه فقال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت) بضم التاء فيهما
(من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه) أي: وإكثار ذلك عند رؤيا العلامة، إما
باعتبار عظم النعمة المرتب عليها ذلك المقتضى للتكثير، زيادة في العظم، أو باعتبار صيغة
التفعيل في سبح، وهي للكثرة. واستحب ذلك فيما عطف عليه لاقترانه به ولقوله: ﴿إنه كان
تواباً﴾ (٤) المعلل به طلب الاستغفار (فقد رأيتها) ثم بين العلامة بقوله (إذا جاء نصر الله
والفتح - فتح مكة - ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره
(١) سورة النصر، الآية: ١ .
(٢) سورة النصر، الآية: ٣ .
(٣) سورة النصر، الآية: ١ .
(٤) سورة النصر، الآية: ٣ .

٣٤٦
كتاب: دليل الفالحين
إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾(١).
١١٥ - الرابِعُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إِنَّ اللَّهَ عزَّ وَجَلَّ تابَعَ الوَحْيَ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفَِّ أَكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيٌ. مُتَّفْقٌ عَلَيْهِ(٢).
١١٦ - الْخَامِسُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َى: ((يُبْعَثُ كلُّ عَبْدٍ
عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٣).
إنه كان تواباً).
١١٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: إن الله عز) غلب فلا يغالب على مراده (وجل) عما
لا يليق بشأنه (تابع الوحي على رسول الله (*) فيه الإظهار في مقام الإِضمار إشارة إلى كمال
التشريف له وسلم، وتبركاً بذكر اسمه تعالى وتلذذا به (قبيل) بالتصغير (وفاته) وذلك لتكمل
الشريعة ولا يبقى مما يوحى إليه به شيء (حتى) غاية للمبالغة (توفي) بالبناء للمجهول (أكثر
ما كان الوحي) أي: وقت أكثريته، ولما تكامل ما أريد إنزاله للعالم مما به انتظام معاشهم
ومعادهم قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٤) فتوفي بعده وَلّ بأشهر (متفق عليه).
١١٦ - (وعن جابر) بن عبد الله (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلل: يبعث) بالبناء
للمفعول (كل عبد) والمراد منه: المكلف ولو حراً وامرأة كما تقدم (على ما مات عليه) حتى
يبعث صاحب المزمار ومزماره في يده. ففيه تحريض للإِنسان على حسن العمل وملازمة
السنن المحمدي في سائر الأحوال، والإِخلاص لله تعالى في الأقوال والأعمال ليموت على
تلك الحالة الحميدة، فيبعث كذلك. وفي ختم المصنف هذا الباب بهذا الحديث كمال
الحسن، فإنه محرض على تحسين العمل والازدياد من الطاعات في سائر الأوقات لاحتمالها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/باب تفسير سورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ (٥٦٤/٨) وفي
صفة الصلاة باب الدعاء في الركوع باب التسبيح والدعاء في السجود وفي المغازي باب منزل النبي واله
يوم الفتح .
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود. (الحديث: ٢١٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: كيف نزول الوحي، وأول مانزل (٦/٩، ٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: التفسير، باب: (٥٤)(الحديث: ٢).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت.
(الحديث: ٨٣).
(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.

٣٤٧
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
قَالَ الله تَعَالَى (١): ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَا تَفْعَلوا مِنْ خَيْرِ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾.
.
والآياتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّ الأَّحادِيثُ فَكَثِيرَةٌ جِدّاً وَهِيَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فَنَذْكُرُ طَرَفَاً مِنْها:
١١٧ - الأوَّلُ عَنْ أَبِي ذَرِّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ:
للموت. وفي أواخر العمر وسن الكبر وحال المرض أولى. فالحديث المذكور واسطة العقد
وختامه مسك (رواه مسلم) ورواه ابن ماجه.
باب بيان كثرة طرق الخير
وتنويعها ليدوم نشاط المسالك وجده في المعاملات، فإذا ملٍّ من عمل اشتغل بغيره.
فأنفق أوقاته في مرضاة مولاه (قال الله تعالى: ((وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم)) وقال
تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره))) تقدم الكلام فيهما في باب المجاهدة (وقال
تعالى: من عمل صالحاً) وجه دلالة الآيات على كثرة أعمال البر أن في كل منها نكرة في
سياق الشرط، وهي كذلك للعموم، والأصح أن العموم في قوة قضايا كلية تعددت بتعدد
أفرادها (فلنفسه) أي: فنفع عمله لها (والآيات) القرآنية (في الباب) أي: باب تعدد طرق
الخير (كثيرة)، (وأما الأحاديث) النبوية في هذا المعنى (فكثيرة جداً) بالكسر أي: بلغت
النهاية في الكثرة. وأكد ذلك بقوله (وهي غير منحصرة) مبالغة في الكثرة. وهذا فيه تجوز
كما لا يخفى (فنذكر منها طرفاً) أي: جانباً.
١١٧ - الحديث (الأول عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قلت: يا
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٣) سورة الزلزلة، الآية: ٧.
(٤) سورة الجاثية، الآية: ١٥.

٣٤٨
كتاب: دليل الفالحين
يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ) قُلْتُ:
أَيُّ الرِّقابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُها عِنْدَ أَهْلِها وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً)) قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ:
(تُعينُ صَانِعاً أَوْ تَصْنَعُ لِأُخْرَقَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ
رسول الله أي الأعمال أفضل) أي: أكثر ثواباً عند الله تعالى (قال الإِيمان بالله) إذ جزاؤه
الخلود في الجنان ورضا الرحمن، ولا شيء فوق ذلك (والجهاد في سبيله) لإعلاء كلمته قال
تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾(١) (فقلت: أي
الرقاب أفضل) أي: أكثر ثواباً لمن أعتقها (قال أنفسها) بفتح الفاء من النفاسة (عند أهلها)
أي: أرفعها وأجودها. يقال: مالٌ نفيس. أي: مرغوب فيه (وأكثرها ثمناً) عندهم. لأن ذلك
أحب إليهم، وقد قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾(٢) قال المصنف:
وهذا إذا أراد أن يعتق رقبة، أما لو كان معه ألف درهم وأمكنه أن يشتري بها رقبتين مفضولتين
ورقبة نفيسة مثمنة، قال: فثنتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية، فإن التضحية بسمينة أفضل
منها بشاتين دونها في السمن، لأن القصد من الأضحية اللحم، ولحم السمين أوفر ومن
العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من الرق، فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد
اهـ. ملخصاً. وقال الحافظ في الفتح : الذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص،
قرب شخص واحد إذا عتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر
عدداً منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما
ينتفع هو بطيب اللحم. والضابط أنه مهما كان أكثر نفعاً كان أفضل، سواء قل أو كثر اهـ
(قلت: فإن لم أفعل) أي: ما ذكر من الجهاد والعتق لا الإِيمان، لأنه شرط لنيل الثواب في
الآخرة على صالح الأعمال أي: فإن لم أقدر على ذلك. فأطلق الفعل وأراد القدرة.
وللدارقطني في الغرائب: يلفظ فإن لم أستطع (قال: تعين صانعاً) بتنزيل المضارع منزلة
المصدر، أو بتقدير إن قبل الفعل أي: فالأفضل إعانة صانع، فهو كقوله: تسمع بالمعيدي
خيرٌ من أن تراه (أو تصنع) أي: صنعك (لأخرق) بالمعجمة فالراء فالقاف. قال المصنف
في شرح مسلم: هو الذي ليس بصانع. يقال: رجل أخرق وامرأة خرفاء، فإن كان صانعاً .
حاذقاً قيل: رجل صنع بفتح الصاد والنون، وامرأة صناع بفتح الصاد (قلت: يا رسول الله
(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.

٣٤٩
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
الْعَمَلِ؟ قَالَ: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
((الصَّانِعُ)) بِالصَّادِ المُهْمَلَةِ هَذا هُوَ المَشْهُورُ ورُوِيَ ((ضَائِعاً)) بالمُعْجَمَةِ: أي
ذا ضِياعٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل) المذكور من الإعانة والصنع، أو مطلق العمل المأمور
بالتعبد به أي: أخبرني إن عجزت عن فعل ذلك، فما الطريق الموصل إلى تزايد الثواب
على شيء مما أقدر عليه (قال: تكف شرك عن الناس) قاصداً سلامة الناس من ذلك لامتثال
أمر الله تعالى بذلك، وهذا شرط في حصول الأجر هنا (فإنها) أي: الخصلة أو الكف. وأنث
الضمير نظراً لتأنيث الخبر (صدقة منك على نفسك متفق عليه) وهذا لفظ مسلم. ولفظ
البخاري: ((قال: فقلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها)) الحديث.
وأعلاها بالمهملة عند الأكثر وبالمعجمة عند آخرين. ولفظ البخاري بدل قوله: ((أرأيت إن
ضعفت عن العمل إلخ فإن لم أفعل قال: تدع الناس من الشر. فإنها صدقة تتصدق بها على
نفسك)) (الصانع) في قوله: تعين صانعاً (بالصاد المهملة) وبالنون بعد الألف (هذا) الضبط
(هو) الصحيح عند العلماء كما في شرح مسلم (المشهور) أي: بينهم في الضبط لصحته،
وإلا فالأكثر على أنه بالمعجمة، كما ذكره في شرح مسلم أيضاً، وأشار إليه هنا بقوله:
(وورد ضائعاً بالمعجمة) والهمزة بعد الألف (أي ذا) أي: صاحب (ضياع) بكسر الضاد من
الضيعة الفقر والحاجة (من) تعليلية (فقر أو عيال أو نحو ذلك) وهذا تفسير له على الرواية
الثانية. قال القاضي عياض: روايتنا في هذا من طريق هشام أولاً بالمعجمة تعين ضائعاً من
جميع طرقنا عن مسلم في حديث هشام والزهري إلا من رواية أبي الفتح السمرقندي عن
عبد الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بحر حدثنا عنه بالمهملة. وهو صواب الكلام لمقابلته
بالأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضاً صحيحاً. لكن صحت الرواية هنا
عن هشام بالصاد المهملة، وكذا رويناه في صحيح البخاري قال ابن المديني: الزهري
يقول: الصانع بالمهملة ويرى أن هشاماً صحف في قوله ضائعاً بالمعجمة. وقال
الدارقطني: عن معمر: كان الزهري يقول: صحف هشام. قال الدارقطني: وكذلك رواه
أصحاب هشام عنه بالمعجمة، وهو تصحيف. والصواب ما قاله الزهري. هذا كلام القاضي
عياض. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله في رواية هشام تعين صانعاً هو بالمهملة،
والنون في أصل الحافظين أبي عامر العبدري وأبي القاسم ابن عساكر. قال: وهذا هو
الصحيح في نفس الأمر، ولكنه ليس رواية هشام بن عروة، وإنما روايته بالمعجمة، وكذا

٣٥٠
كتاب: دليل الفالحين
و (الأخْرَقُ)»: الَّذِي لَا يُتْقِنُ مَا يُحاوِلُ فِعْلَهُ(١).
١١٨ - الثَّانِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، قَالَ: ((يُصْبِحُ
عَلَى كُلِّ سُلَامِى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكَلُّ تَحْمِيدَةٍ
جاء مقيداً عن غير هذا الوجه في كتاب مسلم. ونسب الزهري هشاماً إلى التصحيف كما
تقدم اهـ. ما ذكره المصنف في شرح مسلم ملخصاً، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : هو
عند جميع رواة البخاري بالضاد المعجمة وبعد الألف تحتية، كما جزم به عياض وغيره،
وكذا هو في رواية مسلم إلا في رواية السمرقندي، كما قاله عياض أيضاً. وجزم الدارقطني
وغيره، بأن هشاماً رواه هكذا دون من رواه عن أبيه؛ فإذا تقرر هذا، فقد خبط من قال من
شراح البخاري؛ إنه بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه.
وروى الدارقطني من طريق معمر عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة قال معمر: كان
الزهري يقول صحف هشام، وإنما هو بالصاد المهملة والنون. قال الدارقطني: وهو
الصواب، لمقابلته بالأخرق وهو الذي ليس بعامل ولا يحسن العمل، وقال علي بن
المديني : يقولون إن هشاماً صحف فيه اهـ. ورواية معمر عن الزهري عند مسلم كما تقدم
وهي بالمهملة والنون وعكس السمرقندي فيها أيضاً كما نقله عياض، وقد وجهت رواية
هشام بأن المراد بالضائع ذو الضياع من فقر أو عيال فترجع إلى معنى الأول. اهـ (والأخرق
الذي لا يتقن ما يحاول فعله) هو بمعنى ما تقدم عن شرح مسلم؛ لأن من لا يتقن الصنعة
ليس بصانع .
١١٨ - (وعن أبي ذر أيضاً أن رسول الله وَ لي قال: يصبح على كل سلامى)، أي كل عظم
ومفصل (من أحدكم) إذا أصبح سليماً من الآفات، باقياً، على الهيئة التي تتم بها منافعه
وأفعاله (صدقة) عظيمة شكراً لله تعالى على عظيم منته على أن الصدقة تدفع البلاء،
فبوجودها عن أعضائه يرجى دوام اندفاع البلاء عنها وعلى في الخبر لتأكيد الندب، وهو مراد
من عبر بالوجوب في قوله: التقدير تصبح الصدقة واجبة على كل سلامى؛ إذ كل من
الصدقات وما ناب عنها من صلاة الضحى ليس واجباً حقيقة، أي: يأثم بتركه (فكل تسبيحة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل (١٠٦/١٠٥/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. (الحديث:
١٣٥).

٣٥١
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَّهِيٌّ عَنِ
الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ؛ وَيُجْزِىءُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما مِنَ الضُّحَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
صدقة) الفاء فيه تفصيلية لإِجمال الصدقة قبله وبه استغنى عن تعداد المفاصل بناء على أنها
المراد من السلامى كما يأتي، وأيد بأنه روى أحمد وأبو داود عن بريدة قال: سمعت
رسول الله وقيم يقول: ((في الإِنسان ثلثمائة وستون مفصلاً فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه
صدقة)). قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله. قال: ((النخاعة في المسجد تدفنها صدقة،
والشيء تنحيه عن الطريق صدقة، فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزيك)) وروى مسلم نحوه
عن عائشة رضي الله عنها الحديث الآتي بعد هذا (وكل تحميدة) أي ثناء على الله تعالى
بأوصافه العلية نحو الحمد لله (صدقة وكل تهليلة) أي قول لا إله إلا الله (صدقة وكل تكبيرة)
أي قول الله أكبر (صدقة وأمر) بالجر عطف على مدخول كل (بالمعروف) ما أمر به الشرع
(صدقة ونهي عن منكر) وهو ما أنكره الشرع (صدقة) وحكمة إسقاط كل قبل أمر ونهي مع
أنهما نوعان غير ما قبلهما الإِشارة إلى ندرة وقوعهما بالنسبة إلى ما قبلهما، لا سيما المعتزل
عن الناس، ويصح رفع أمر ونهي عطفاً على كلٍّ وخبرهما معطوف على خبرها، وحينئذ
فيكون من عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، أو كل منهما مبتدأ خبره ما بعده
والواو العطف الجمل، أو استئنافية؛ لأن هذا نوع غير ما قبله إذ هو فيما تعدى نفعه وما قبله
نفعه قاصر وسوغ الابتداء به مع نكارته تخصيصه بالعمل في الظرف بعده ونكراً إيذاناً بأن كل
فرد من أفرادهما صدقة، ولو عرفا لاحتمل أن المراد الجنس أو فرد معهود فلا يفيد النص على
ذلك، ثم سكت في الحديث عن التعرض للصدقة الحقيقية. أي: إخراج المال تقرباً
إلى الله تعالى لوضوحها. بخلاف ما ذكر في الخبر، فإن في تسميته صدقة وإجزائه عن
الصدقة الحقيقية المتبادر إرادتها من ظاهر الخبر خفاء، وسيأتي أن هذا الإِطلاق مجازي؛
وبيان علاقة المجاز في حديث أبي ذر المذكور بعد في الباب، وليس المراد حصر أنواع
الصدقة بالمعنى الأعم فيما ذكر في الخبر، بل التنبيه على ما بقي منها ويجمعها كل ما فيه
نوع نفع للنفس أو غيرها (ويجزي) قال العراقي في شرح التقريب: يجوز فتح أوله بغير همز
آخره، وضمه مع همزه. فالفتح من جزى يجزي أي كفى، والضم من الإِجزاء. وبهما ضبط
في هذا الحديث اهـ. (من ذلك) أي(١): عما ذكر أو بدله (ركعتان بركعهما من) صلاة
(١) قوله أي إلخ بيان لمرجع اسم الإِشارة وإن من إما بمعنى عن كقوله تعالى لا تجزي نفس عن نفس أو
بمعنى بدل كقوله ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾. ش.

٣٥٢
كتاب: دليل الفالحين
((السُّلَامِى)) بِضَمِّ السّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّمِ وَقَتْحِ الْمِيمِ: المَفْصِلُ(١).
١١٩ - الثَّالِثُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ
(الضحى) وظاهر الخبر إجزاؤهما عما ذكر قبله، وأن تمكن منه. لكن في خبر عند أبي داود
تقييد الإِجزاء عن ذلك بعدم الوجدان، وجمع بأن ما في خبر أبي داود محمول على لحال
الأكمل، والعمل الأفضل إذ لا يبعد أن يكون الإِتيان بثلثمائة وستين صدقة أفضل من ركعتي
الضحى، وإن كانت الصلاة أفضل الأعمال. وما في خبر الباب بالنسبة لأصل الاكتفاء،
وظاهر أن الذي تقوم ركعتا الضحى مقامه من الأمر بالمعروف وقرينه إنما هو المندوب كان
قام بالفرض منه غيره، وكان في كلامه تأكيد لذلك الأمر وتقوية له، وأما الواجب فلا تقوم
الركعتان مقامه، ولا ترفعان عنه إثم الترك وفي الحديث عظم فضل صلاة الضحى لتحصيلها
هذا الثواب الجزيل، وقيامها مقام هذه الأفعال، فينبغى المداومة عليها. وكان سبب قيامها
مقام ذلك اشتمال الركعتين على جميع ما تقدم حتى الأخيرين إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ولا منع من تخصيص ذلك بصلاة الضحى دون نحو ركعتي الفجر على ما قاله الولي
العراقي وإن كان المعنى المذكور موجوداً فيهما، لأن للشارع نظراً خاصاً في الأعمال باعتبار
أوقاتها وأمكنتها، ولعل من جملة وجوه اختصاصها بذلك تمحضها للشكر، بخلاف نحو
الرواتب. فإنها لجبر نقص الفرائض، فلم يتمحض فيها القيام بالشكر على تلك النعم
الباهرة (رواه مسلم) وأخرجه أبو داود والنسائي وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان (السلامى
بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم) في النهاية أنها جمع سلامية، وهي الأنملة
من أنامل المفصل. وقيل: جمعه ومفرده واحد، ويجمع على سلاميات اهـ. (المفصل)
بكسر أوله وفتح ثالثه المهمل، وتفسيرها بالمفصل، لوروده في محل السلامى والمراد بها:
العضو، وعليه اقتصر في الأذكار. وفي النهاية قيل: هي التي بين كل مفصلين من أصابع
الإِنسان. وقيل: كل عضو مجوف من عظام الإِنسان. وقيل: إن آخر ما يبقى فيه المخ من
البعير إذا عجف السلامى والعين. وقيل غير ذلك. وظاهر أن ما ذكر في بيان معناه لغة وإلا
فالمراد منه هنا كما قال المصنف في شرح مسلم سائر عظام البدن ومفاصله، وكذا قال
العراقي وأيده بخبر مسلم: ((خلق الإِنسان على ستين وثلاثمائة مفصل ففي كل مفصل
صدقة)) وسيأتي فيه زيادة في باب الإصلاح بين الناس.
١١٩ - (وعنه رضي الله عنه قال النبي (: عرضت) بالبناء للمفعول (عليّ) بتشديد الياء
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتين
وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أوست والحث على المحافظة عليها. (الحديث: ٨٤).

٣٥٣
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
أُمَّتِي حَسَنُها وَسَيِّثُها، فَوَجَدْتُ فُي مَحاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَريقِ،
وَوَجَدْتُ فِي مَساوِىءٍ أَعْمَالِهَا النُّخاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
١٢٠ - الرَّابِعُ عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاساً قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ
بِالْأُجُورِ: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ،
(أعمال أمتي حسنها وسيئها) بدل مما قبله بدل مفصل من مجمل (فوجدت) أي: رأيت (في
محاسن أعمالها الأذى) كالحجر والشوك (يماط) بالبناء للمفعول أي: ينحى (عن الطريق)
لئلا يؤذي المارة ففيه التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضرراً (ووجدت في
مساوىء) بفتح الميم أي: سيئات (أعمالها) السيئة فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف
(النخاعة) قال في مختصر النهاية وهي : البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي النخاع.
والنخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة اهـ. (تكون في
المسجد) في محل الصفة أو الحال. لأن أل في النخاعة للماهية (فلا تزال) بدفن أو كشط.
قال: المصنف ظاهره أن الذم لا يختص بصاحب النخاعة، وإن كان إثمه أكثر، بل يدخل
فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها ((فائدة)) قال ابن رسلان: سمعت من بعض المشايخ، أنه
ينبغي لمن أزال قذاة أو أذى عن طريق المسلمين أن يقول عند أخذه لإِزالتها: لا إله إلا الله.
ليجمع بين أدنى شعب الإِيمان وأعلاها وهي كلمة التوحيد، وبين الأفعال والأقوال، وإذا
اجتمع القلب مع اللسان كان ذلك أكمل (رواه مسلم) في الجامع الصغير بعد إيراده كذلك
إلا أنه قال ورأيت في سبىء أعمالها النخاعة في المسجد، فلم تدفن. رواه أحمد ومسلم
وابن ماجه .
١٢٠ - (وعنه أن أناساً) هذا أصل ناس، وتحذف همزته ويعوض عنها أل. ولذا لا يجمع
بينهما، وهو اسم جمع كرجال. إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع، مأخوذ من أنس كعلم،
لأنهم يأنسون بأمثالهم أو أنس كضرب، لأنهم ظاهرون مبصرون، واختار صاحب القاموس
أن لفظ الناس قد يقع على الجن أيضاً، ونوزع فيه. وذكر المصنف في الأربعين: وصف
الناس بأنهم من أصحاب النبي ◌َّ وسكت عن ذلك هنا لعلمه من السياق، فإن سؤالهم له
المتفرع على اجتماعهم مسلمين به، وهو المراد من الصحابي يدل عليه (قالوا: يا رسول الله
ذهب أهل الدثور بالأجور) لكثرة أعمالهم (فإنهم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة
وغيرها. (الحديث: ٥٧).

٣٥٤
كتاب: دليل الفالحين
ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: ((أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ بِهِ؟
إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وِكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً،
وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُ عَنْ
ويتصدقون بفضول أموالهم) أي بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، وقيدوا بذلك بياناً لفضل
الصدقة، فإنها بغير الفاضل عن الكفاية لمن لا قدرة له على الصبر. إما مكروهة أو محرمة
على التفصيل المقرر في محله. وقولهم المذكور، غبطةً ومنافسةً فيما يتنافس فيه المتنافسون
من طلب مزيد الخير ومنتهاه لشدة حرصهم على العمل الصالح ورغبتهم فيه، ولما فهم
منه مَ﴿ ذلك (قال:) لهم جواباً وجبراً لخاطرهم وتقريراً لأنهم ربما ساووا الأغنياء (أو ليس)
أي: أتقولون ذلك فالهمزة للإنكار وليس بمعنى لا، أي: لا تقولوه فإنه (قد جعل الله لكم
ما تصدقون) بتشديد الصاد والدال كما هو الرواية أي: لا تتصدقون. فأدغمت إحدى التاءين
في الصاد، وقد تحذف إحداهما فتخفف الصاد (به أن) لكم (بكل تسبيحة) أي: قول
سبحان الله أي: بسببها كقوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾(١)
(صدقة) ولا تنافي الحديث السابق في باب الاستقامة ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله))
الحديث، لما تقدم فيه. أو لأن الآية في نيل الدرجات، فهي بسبب الأعمال وتفاوتها. وذلك
الحديث في أصل دخول الجنة فهو لمحض الفضل، إذ لا يكافئه عمل. أو أن الإِسلام هو
المتكفل بدخول الجنة وهو محمل الآية، وبقية الأعمال سبب في نيل درجاتها لا في
دخولها، وهو محمل الحديث (وكل) بجره، وكذا ما بعده عطفا على ما قبله. أو رفعه
استئنافاً (تكبيرة) أي: قول الله أكبر (صدقة) بنصبه كالذي بعده عطفاً على ما قبله ورفعه
استئنافاً (وكل تحميدة) أي: قول الحمد لله (صدقة وكل تهليلة) أي: قول لا إلّه إلا الله
(صدقة وأمر) بالرفع مبتدأ وتقدم في حديث قريباً مسوغ الابتداء مع نكارته وإيثارها على
تعريفه (بالمعروف) عرفه إشارة إلى تقرره وثبوته وأنه مألوف (صدقة ونهي عن منكر) نكره
إشارة إلى أنه في حيز العدم والمجهول الذي لا ألف للنفس به. أي: عن المنهي عنه شرعاً
بشرطه كونه مجمعاً على تحريمه، أو يعتقده الفاعل (صدقة) وتسمية ما ذكر وما يأتي صدقة
مجازاً، لمشابهتها لها. أي: إن لهذه الأشياء أجراً كأجر الصدقة في الجنس. لأن الجميع
صادر عن رضا الله تعالى مكافأة على طاعته، أما في القدر أو الصفة، فيتفاوت بتفاوت مقادير
(١) سورة الزخرف، الآية: ٧٢ .

٣٥٥
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ
وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا
وَضَعَهَا فِي الْحَلَاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)»
الأعمال وصفاتها وغاياتها وثمراتها، وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه وتأخير الأمر والنهي
عما قبلهما من باب الترقي، لوجوبهما عيناً أو كفاية بخلافه، ولا شك أن الواجب بقسميه
أفضل من النفل، لحديث البخاري السابق: ((وما تقرب إليَّ عبدي بأفضل من أداء ما
افترضته عليه)) قيل: في الحديث إيماء إلى أن الصدقة للقادر عليها لتعدي نفعها، أفضل من
هذه الأذكار. ويؤيده أن العمل المتعدي نفعه أفضل من القاصر غالباً، وإلى أن تلك الأذكار
إذا حسنت النية فيها ربما يساوي أجرها أجر الصدقة بالمال، سيما في حق العاجز عنها
(وفي) سببية بمعنى الباء الموحدة كهي في حديث: ((عذبت امرأة بالنار في هرة)) أي بسبب
هرة. ويحتمل بقاؤها على الظرفية لكن بتجوز. كأن البضع لما ترتب عليه الثواب الآتي صار
له كالظرف (بضع) بضم الموحدة وسكون الضاد المعجمة آخره عين مهملة. أي فرج أو
جماع (أحدكم) لحليلته (صدقة) إذا قارنته نية صحيحة، كإعفاف نفسه أو زوجته عن نحو
نظرٍ أو فكرٍ أو همٍ محرمٍ أو قضاء حقها من معاشرتها بالمعروف المأمور به، أو طلب ولدٍ
يوحد الله تعالى، أو يتكثر به المسلمون، أو يكون له فرطاً إذا مات بصبره على مصيبته، فعلم
أن في النية الصالحة ما يصير المباضعة صدقة على المسلمين باعتبار ما ينشأ عنها من وجود
ولد صالح يحمي بيضة الإِسلام، أو يقوم ببيان العلوم الشرعية والأحكام، ويستفاد من
الحديث أن جميع أنواع فعل الخير والمعروف والإِحسان صدقة، ويوافقه خبر مسلم: ((كل
معروفٍ صدقة)) وخبر ابن ماجه والبزار: ((ما من يومٍ ولا ليلةٍ ولا ساعةٍ إلا الله فيها صدقة يمنّ
بها على من يشاء من عباده وما منّ الله على عبد مثل أن يلهمه ذكره)). (قالوا: يا رسول الله
أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر) استبعدوا نظراً إلى أن الأجر إنما يحصل غالباً في
عبادة شاقة على النفس مخالفة لهواها حصوله بفعل هذا المستلذ (قال: أرأيتم) أي:
أخبروني (لو وضعها في حرام أكان عليه وزر) أي: إثم وتقدير الكلام: قالوا: نعم. وسكت
عنه لظهوره وجاء في رواية أحمد بن حنبل وأحمد بن منيع وغيرهما لهذا الحديث عن أبي ذر
التصريح بذلك قال: ((قلت نصيب شهوتنا ونؤجر قال: أرأيت إن وضعته في غير حقه ما كان
عليك وزر قال: قلت: بلى قال: فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير)). قال وسلم: (فكذلك
إذا وضعها في الحلال كان له أجر) بالرفع. وروي بنصبه. وهما ظاهران، وظاهر الخبر

٣٥٦
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الدُّثُورُ)) بِالنَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: الأَمْوالُ، وَاحِدُها دَثْرٌ (١).
١٢١ - الْخَامِسُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ
الْمَعْروفِ شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجٍْ طَلِيقٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
١٢٢ - السَّادِسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كُلُّ
حصول الأجر بوطء حليلته مطلقاً. لكن في خبرٍ عند الإِمام أحمد تقييد ذلك بما تقدم من
النية الصالحة، وفي الحديث دليل لجواز القياس سيما قياس العكس المذكور فيه، وهو
إثبات ضد الحكم لضد الأصل، كإثبات الوزر المضاد للصدقة للزنى المضاد للوطء المباح
أي: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال. ومخالفة بعض الأصوليين في
قياس العكس ضعيفة، وأهل الظاهر في القياس من أصله، أو في غير الجلي منه مخالف لما
أطبق عليه العلماء كافة من جوازه مطلقاً، بشرطه المقرر في الأصول (رواه مسلم) ورواه
أحمد وأبو داود والنسائي وأبو عوانة والطبراني والبيهقي، وطرقهم مختلفة. بينها السخاوي
في تخريج الأربعين التي جمعها المؤلف، وهو حديث عظيم لاشتماله على قواعد نفيسة من
قواعد الدين (الدثور) بضم الدال المهملة و(بالتاء المثلثة الأموال) الكثيرة (وأحدها دثر)
بفتح فسکون. یوصف به الواحد وما فوقه، يقال مال دثر وأموال دثر.
١٢١ - (وعنه) رضي الله عنه (قال: قال لي النبي (وَلل: لا تحقرن) بكسر القاف. أي:
تستقل (من المعروف شيئاً) فتتركه لقلته. فقد يكون سبب الوصول إلى مرضاة الله تعالى،
كما في الحديث: ((وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات)) رواه
أحمد والبخاري من حديثٍ لأبي هريرة مرفوعاً (ولو) كان ذلك المعروف (أن تلقى أخاك
بوجه طلق) بفتح المهملة وكسر اللام (رواه مسلم) وفي رواية لمسلم أيضاً: ((طليق)) بزيادة
ياء. وهما بمعنى أي بوجهٍ ضاحكٍ مستبشرٍ. وذلك لما فيه من إيناس الأخ المؤمن ودفع
الإِبحاش عنه وجبر خاطره، وبذلك يحصل التأليف المطلوب بين المؤمنين.
١٢٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: كل سلامى) أي:
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف. (الحديث:
٥٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء. (الحديث:
١٤٤).

٣٥٧
١٣ -باب: في بيان كثرة طرق الخير
سُلَامِى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمِ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ
صَدَّقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْها أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطََِّّةُ
صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلى الصَّلَةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)
مفصل وجزء (من الناس عليه) أي: على صاحبه أي الإِنسان المكلف حق مؤكد في أداء
شكر سلامة ذلك (صدقة) بعدد المفاصل. وذكر الضمير مع أنه عائد على سلامى المؤنثة
باعتبار العضو أو المفصل، أو على أنه عائد على صاحب مقدر قبل سلامى، لا لرجوعه لكل
كما قيل به، لأنها بحسب ما تضاف إليه. وهي هنا أضيفت لمؤنث، فلو رجع إليها لأنث (كل
يوم تطلع) بضم اللام (فيه الشمس) أتى به دفعاً لتوهم الاكتفاء في أداء شكر نعم هذه
الأعضاء بالإِتيان بما في الحديث مرة فنبه على أن ذلك مطلوب من الإِنسان كل يوم شكراً
لسلامتها فيه (تعدل) بالفوقية في محل المبتدأ، وكذا الفعلان الآتيان بعده بالوجهين السابقين
في قوله: تعين صانعاً أي: عدلك (بين الاثنين) المتهاجرين أو المتخاصمين أو
المتحاكمين، بأن تحملهما لكونك حاكماً أو محكماً أو مصلحاً بالعدل والإِنصاف والإِحسان
بالقول والفعل على الصلح الجائز، وهو كما في الحديث: ((الذي لا يحل حراماً ولا يحرم
حلالً)) (صدقة) عليهما لوقايتهما مما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال، ومن ثم
عظم فضل الصلح وجاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة بين المسلمين (وتعين الرجل)
أي: إعانتك إياه (في دابته فتحمله عليها أو) للتنويع (ترفع له متاعه عليها صدقة) عليه
(والكلمة الطيبة) وهي كل ذكرٍ ودعاءٍ للنفس والغير وسلامٌ عليه وثناء عليه بحق، ونحو ذلك
مما فيه سرور السامع واجتماع القلوب وتألفها. وكذا سائر ما فيه معاملة الناس بمكارم
الأخلاق ومحاسن الأفعال، ومنه ما في حديث أبي ذر المذكور آنفاً: ((لا تحقرنًّ من
المعروف شيئاً) إلخ. (صدقة) لصاحبها (وبكل خطوة) بفتح المعجمة المرة الواحدة
وبضمها ما بين القدمين (تمشيها إلى الصلاة صدقة) فيه مزيد الحث على حضور الجماعات
والمشي إليها. وعمارة المساجد بها، إذ لو صلى في بيته فاته ذلك (وتميط) بضم أوله
(الأذى) أي: إماطته (عن الطريق) يذكر ويؤنث ويقال لها: السبيل والصراط (صدقة) على
المسلمين. وأخرت هذه لأنها أدون مما قبلها، كما يشير إليه الخبر الآتي: ((وأدناها إماطة
الأذى عن الطريق))، وحمل الأذى على المظالم ونحوها. والطريق على طريقه تعالى، وهو
شرعه وأحكامه تكلف بعيد، بل قوله فيما يأتي: ((وأدناها إماطة الأذى)) إلخ. صريحٌ في رده

٣٥٨
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضاً مِنْ رِوَايَةٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِمِائَةٍ مَفْصِلٍ، فَمَنْ
كَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجْراً عَنْ
طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْماً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ
لأن الإماطة بهذا المعنى من أفضل الشعب لا أدناها، ثم شرط الثواب على هذه الأعمال،
خلوص النية فيها وفعلها لله وحده قال تعالى: ﴿إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين
الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجراً عظيماً﴾(١) وقال وزير بعد أن ذكر
جملاً من أعمال البر: ((والذي نفسي بيده ما من عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يريد بها ما عند الله
إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة)) رواه ابن حبان في صحيحه. وبهذا يرد ماورد
عن الحسن وابن سيرين أن فعل المعروف يؤجر عليه وإن لم تكن فيه نية (متفق عليه) ورواه
أحمد وأبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجهما والطبراني في مكارم الأخلاق. وابن حبان في
صحيحه وغيرهم. (ورواه) أي: الحديث (مسلم أيضاً) أي: انفرد به عن البخاري (من
رواية عائشة رضي الله عنها) بنحوه وحديثها (قالت: قال رسول الله وَّ: إنه) أي: الشأن
(خلق) بالبناء للمجهول للعلم بالفاعل وروايته كذلك في أصل مصحح. ويحتمل أن يكون
الضمير المنصوب عائداً لله تعالى، لدلالة المقام عليه. ويضبط الفعل حينئذ بالبناء للفاعل
إلا أن تثبت رواية بأحدهما فيرجع إليها (كل إنسان من) بيانية (بني آدم) غير منصرف للعلمية
ووزن الفعل بناء على أنه عربي، وهو الذي نقله المصنف عن أبي منصور الجواليقي أولها
وللعجمة بناء على أنه أعجمي (على ستين وثلاثمائة مفصل) أي: عظم كما جاء في رواية
البزار. قال قال تعالى: ((للإِنسان ثلاثمائة وستون عظماً)) الحديث. (فمن كبر الله) بنحو: الله
أكبر (وحمد الله) بكسر الميم. بنحو: الحمد لله (وهلّل الله) أي قال: لا إله إلا الله، أو إلا
هو (وسبح الله) بنحو سبحان الله (واستغفر الله) أي: سأله غفر الذنب بنحو قوله استغفر الله،
أو اللهم اغفر لي (وعزل حجراً عن) كذا في النسخ المصححة. وهو الذي في الصحيح.
وفي نسخة من الرياض ((على)) ومكتوب عليها ((صح)) فإن صحت به رواية، فحروف الجر
تنوب مناب بعض عند الكوفيين. وعلى المنع من ذلك كما هو مذهب البصريين فالتضمين
شريعة موروده (طريق الناس أو عزل شوكة أو عظماً عن طريق الناس) أعاد قوله أو عزل.
(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.

٣٥٩
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
مُنْكَرٍ عَدَدِ السّتِّينَ وَالثَّلاثِمِائَةِ، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ))(١).
١٢٣ - السَّابِعُ عَنْهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((مَنْ غَدا إِلَى الْمَسْجِدِ
أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلَا كُلَّمَا غَدَا أَوْرَاحَ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((النّزُلُ)):
وقوله عن طريق الناس اهتماماً بشأن التنحية، لما فيها من إبعاد الضرر عن الناس وعموم
النفع للمارة فيها، وذكر الأكثر ضرراً وهو الحجر، والأقل وهو الشوكة، تنبيهاً على أن فضل
تنحية المؤذي عن الطريق يحصل بتنحية ما عظم ضرره فيها وما كان دون ذلك (وأمر) بصيغة
الماضي. معطوف على مدخول من. ثم هو في بعض النسخ هكذا بالواو وفي بعض بأو،
وهو الأنسب بما قبله (بمعروف أو نهي عن منكر عدد الستين والثلثمائة) أي: من أتى بهذا
العدد ولو من مجموع أنواع الطاعات، بأن أتى من كل نوع بطاعة حتى وصل لهذا القدر
(فإنه يمسي) بضم الياء التحتية (يومئذ وقد زحزح) أي: باعد (نفسه عن النار) بالتقرب
لمولاه بأنواع الطاعات، وشكر ما أنعم به عليه من إيجاد تلك الأعضاء سالمة. وقد سبق أنه
يجزي عن ذلك كله ركعتا الضحى. وفي حديث آخر: ((تكف شرك)) إلخ. وهو يفيد أنه
يكفيه ألا يفعل شيئاً من الشر، ويلزم من ذلك القيام بالواجبات وترك جميع المحرمات،
وهذا هو الشكر الواجب، وهو كاف في شكر هذه النعم وغيرها. أما الشكر المستحب
فبالزيادة على ذلك بنوافل العبادات القاصرة كالأذكار، والمتعدية كالبذل والإِعانة. وليس
المراد من الحديث حصر أنواع الصدقة بالمعنى الأعم فيما ذكر فيه، بل التنبيه به على ما
بقي منها ويجمعها كل ما فيه نفع للنفس أو للغير.
١٢٣ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ قال: من غدا) هو في
الأصل السير أول النهار (إلى المسجد) طلباً لأداء صلاة فيه أو اعتكاف، أو قراءة أو درس
علم طلباً لمرضاة الله (أو راح) هو في الأصل السير آخر النهار (أعد) بتشديد الدال. أي:
هيأ (الله له) ثواب عمله من محض فضله (في الجنة نزلاً) بضمتين (كلما) منصوب على
الظرفية وما متصلة بكل في الرسم حينئذ (غدا أو راح متفق عليه) ورواه أحمد (والنزل)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح باب (فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم) والجهاد باب: فضل
من حمل متاع صاحبه في السفر (٢٦٦/٥ و٦٣/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقه يقع على كل نوع من المعروف.
(الحديث: ٥٤ - ٥٥ - ٥٦).

٣٦٠
كتاب : دليل الفالحين
الْقُوتُ وَالرِّزْقُ وَمَا يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ (١).
١٢٤ - الثَّامِنُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ
لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِها وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الجَوْهَرِيُّ : الْفِرْسِنُ مِنَ الْبَعِيرِ
بضمتين (القوت) أي: ما يقتات به (والرزق) وهو ما ينتفع به ولو محرماً (وما) أي: الذي
(يهيأ) بضم التحتية الأولى. يعد (للضيف) من الكرامة. والمراد هنا المعنى الأخير فإنه أبلغ
في التكريم .
١٢٤ - (وعنه) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله مَلل: يا نساء المسلمات) بنصب نساء
وجر المسلمات، من إضافة الصفة إلى الموصوف قال الباجي : وبهذا أي: نصب الأول وجر
الثاني. رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو الأعم
إلى الأخص. وهو عند الكوفيين لا حذف فيه اكتفاءً بتغاير اللفظين، وهو جائز على ظاهره،
وعند البصريين يقدر فيه محذوف وتقديره هنا. يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات
وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال: هؤلاء رجال القوم أي : ساداتهم. ويجوز فيه
رفع نساء. قال الحافظ في الفتح: قال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى
مفرد، ويجوز في المسلمات الرفع على أنه صفة على اللفظ، على معنى: يأيها النساء
المسلمات قلت: قال الباجي: وكذا يرويه أهل بلدنا. والنصب على أنه صفة على
الموضع، وكسر التاء علامة النصب. وأنكر ابن عبد البر رواية الإضافة. ورده ابن السيد بأنها
قد صحت نقلاً وساعدتها اللغة فلا معنى للإِنكار. وقال ابن بطال: يمكن تخريج يا نساء
المسلمات بالإِضافة على تقدير بعيد كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات. والمراد
بالأنفس: الرجال. ووجه يعده أنه يصير مدحاً للرجال. وهو مُحَّ إنما خاطب النساء قال إلا
أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معاً وأطال في ذلك، وتعقبه ابن التين (لا تحقرن جارة)
أسدت (لجارتها) شيئاً من المعروف فتمتنع منه لقلته (ولو) كان (فرسن شاة) كناية عن
القلة، ويحتمل أن يكون نهياً للمعطاة أي: لا تحتقر المعطاة الشيء القليل، بل تشكر ذلك.
ففي الحديث: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) (متفق عليه قال) أبو نصر إسماعيل بن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: فضل من غدا إلى المسجد (١٢٤/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به
الدرجات. (الحديث: ٢٨٥).