Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
٢ - باب: في التوبة
فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: ((مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ
ظَهرَكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي واللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا
لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ
لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَديث كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يُسْخِطُكَ عَليَّ، وَإِنْ حَدَّثْتُكَ
حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيْهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؛ واللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ
لأداء أوامره وَلّ (أمشي) جملة حالية (حتى) غاية لما قبله (جلست بين يديه فقال لي: ماذا)
أي: ما الذي (خلفك) أي: ما كان سبب تخلفك عن الخروج معي لتبوك. وإسناد التخليف
إليه مجاز عقلي (ألم تكن قد ابتعت) أي: اشتريت (ظهرك) الظهر هي الإِبل التي تركب
وجمعه ظهران بالضم (قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا
لرأيت أني سأخرج من سخطه بـ) -ذكر (عذر) أبديه مورياً، أو موجهاً (لقد أعطيت) بالبناء
للمجهول (جدلاً) بفتح أوليه الجيم فالمهملة، أي: فصاحة، وقوة في الكلام، وبراعة
بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي إذا أردت ثم أكد ما قبله بقوله: (ولكني والله لقد علمت
أني لئن حدثتك اليوم حديث كذب) بفتح فكسر (ترضى به عني) لفصاحته، وبراعته الموهمة
أنه كذلك في الواقع (ليوشكن الله أن يسخطك علي) يوشك بضم التحتية، وكسر المعجمة
مضارع أوشك وهو أكثر استعمالاً منه حتى أنكر الأصمعي مجيئه ماضياً، وإن كان مردوداً
بمجيئه كذلك في كلامهم، وهو من أفعال المقاربة، ثم اللام في لقد علمت لام جواب
القسم، وفي لئن مؤذنة بقسم مقدر أتي به تأكيداً للمقام، وقوله: ليوشكن جوابه، واستغنى
به عن جواب الشرط، وجملة القسم، وجوابه علق عنها فعل العلم والقسم الأول، وجوابه
ساد مسد خبر لكن علة له، والتقدير ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يجلي
لك الأحوال، ويظهر لك الصادق، والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي
فإنها، وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مرة المجني منقصة
في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته (وإن حدثتك حديث صدق تجد) بكسر
الجيم، وتخفيف المهملة أي: تغضب (عليَّ فيه) أي: لأني ملوم بسببه واقع في المخالفة
به، وهذه الجملة الشرطية معطوفة على الأولى الواقعة بعد اللام المؤذنة بالقسم فقوله: (إني
لأرجو فيه) ) أي: الصدق (عقبى الله عز وجل) جواب القسم، والعقبى بضم العين المهملة
وسكون القاف أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يعقبني خيراً بتوبته علي،
وإرضاء نبيه وَ﴿ عني، وقد حقق الله له رجاءه (والله ما كان لي من) مزيدة لاستغراق النفي

١٢٢
كتاب : دليل الفالحين
عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ: فَقّالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِي اللَّهُ فِيكَ)) وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ
بَنِي سَلَمَةَ فَاتَّبِعُونِي فَقَالُوا لِي: واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا! لَقَدْ عَجِزَتَ فِي
أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ
ذْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤْنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ
أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِيَ مِنْ
أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانٍ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ.
(عذر) أي: حقيقي في التخلف، فاعتذر به (والله ما كنت قط) بفتح القاف، وتشديد
المهملة المضمومة على الأفصح (أقوى) أي: في البدن (ولا أيسر) أي: في المال (مني)
هو المفضل عليه، وتفضيل الشيء على نفسه باختلاف الزمان (حين) أي: وقت (تخلفت
عنك فقال رسول الله مثل : أما) بفتح الهمزة، وتشديد الميم حرف فيه معنى الشرط،
والتفصيل (هذا فقد صدق فقم) الفاء فيه فصيحة، أي: حيثما صدقت فقم (حتى يقضي الله)
أي: يبدي في عالم الشهادة ما سبق به قضاؤه الأزلي (فيك) أي: في شأنك، أي: من
المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر، أو العفو عنه، أو التوبة عليه والرضى
عنه لما تجرعته من مرارة الصدق الشاق عليك، لما ترتب عليه فقمت (وثار) بالمثلثة أي:
وثب (رجال من بني سلمة) بفتح المهملة، وكسر اللام بطن من الأنصار (فاتبعوني فقالوا:
والله ما علمناك أذنبت ذنباً) الجملة في محل المفعول الثاني لعلم (قبل هذا) التخلف (لقد
عجزت) بفتح الجيم على الأفصح (في) تعليلية نحو: ﴿لمسكم فيما أفضتم﴾(١) (ألا تكون
اعتذرت) أي: بسبب عدم اعتذارك (إلى رسول الله وي القر بما) أي: بمثل الذي (اعتذر به إليه
المخلفون) فإن كان ذنباً لكونه کذباً إن لم تورِ (فقد كان كافيك) بالنصب خبر كان و (ذنبك)
مفعوله الثاني، أو منصوب على نزع الخافض (استغفار رسول الله ور لك) اسم كان وأعربه
الحافظ فاعل الوصف، وعليه تكون كان تامة، والوصف فاعلها، والاستغفار فاعله (قال:)
كعب (فوالله ما زالوا يؤنبونني) بضم التحتية، وفتح الهمزة، ثم نون مشددة مكسورة، ثم
موحدة، أي: يلومونني أشد اللوم (حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله وير فأكذب نفسي)
أي: أقول إنها كاذبة في قولي السابق ما كان لي من عذر (ثم قلت لهم: هل لقي هذا) أي:
الصدق في المقال، وذكر الواقع الذي لمتموني به (معي من) مزيدة (أحد) فيهون عليّ
(١) سورة النور، الآية : ١٤
X

١٢٣
٢ - باب: في التوبة
قَالَ: قُلْتُ مَنْ هُمَا؟ قَالوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَمْرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ:
فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُ وهُما
لي. وَنَّهَى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ
الأمر، وأجد لي مساوياً في ذلك (قالوا: نعم لقيه رجلان قالا مثل ما قلت) أي: من الأخبار
بانتفاء العذر المانع من الخروج (وقيل لهما مثل ما قيل لك) أي: من انتظار ظهور ما سبق به
القضاء في شأنهما (قال:) كعب (قلت من هما قالوا:) هما (مُرارة) بضم الميم، وتكرار
الراء (بن الربيع العامري) هذا لفظ مسلم قال المصنف في شرحه هكذا هو في جميع نسخه
((العامري))، وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط إنما صوابه («العمري)) بفتح المهملة، وإسكان
الميم من بني عمرو بن عوف وكذا ذكره البخاري وكذا نسبه ابن إسحاق وابن عبد البر
وغيرهما من الأئمة، وقال القاضي عياض: هو الصواب، ووقع عند مسلم أيضاً في النسخ:
((ربيعة))، ووقع في البخاري: ((ابن الربيع)) قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين (وهلال) بوزن
بلال (بن أمية) بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف بن امرىء
القيس بن مالك بن الأوس (الواقفي) بقاف، ففاء منسوباً إلى بني واقف المذكور في النسب
واسمه مالك، بطن من الأنصار (قال: فذكر والي رجلين صالحين قد شهدا بدراً) أي: غزوة بدراً
الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى، ثم ما ذكره من شهودهما بدراً كذا في الصحيحين. قال
ابن الجوزي في جامع المسانيد: إنه من أوهام الزهري فلم يذكرهما أحد في البدريين، وقد
سئل الشرف الدمياطي عن كلام ابن الجوزي هذا فأقره عليه، وأيده، نقله عنه أبي السبكي
في ترجمته من الطبقات الكبرى وتعقبه الحافظ في الفتح بأن الظاهر من صنيع البخاري أن
((قد شهدا بدرا)) من كلام كعب وممن جزم بأنهما شهداها، الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي،
ونسبه إلى الغلط فلم يصب، واستدل بعضهم لكونهما لم يشهداها، بما لا دليل فيه من
هجرانه لهما، وترك مثل ذلك في حق حاطب، وقد فعل ما فعل، فقال في حقه: ((إنه شهد
بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر)) الحديث فلو شهداها لصفح عنهما، كحاطب،
وليس ما يومىء إليه كلامه من عدم مؤاخذة البدري بما يعمل كذلك، وإنما صفح عن حاطب
لتبين عذره في مكاتبته، بخلاف كعب وصاحبيه، إذ لا عذر لهما في التخلف انتهى ملخصاً
(فقلت: لي فيهما أسوة) بضم الهمزة، وكسرها أي قدوة وفي العبارة تجريد إذ هما الأسوة
(قال:) كعب (فمضيت) أي: مصمماً على ما وقع مني من الأخبار بالصدق (حين ذكر وهما
لي) بمثل ذلك (ونهى رسول الله مر عن كلامنا أيها الثلاثة) ففيه وجوب هوان من ظهرت منه
المعصية، فلم يسلم عليه إلى أن يقلع، وتظهر توبته. كذا في المفهم. وأي: بالضم

١٢٤
كتاب : دليل الفالحين
مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ فَاجْتَنَ النَّاسُ، أَوْ قَالَ تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ
لي في نَفْسي الأرْضُ فَمَا هَيَ بِالأرْضِ التي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى
ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فأَمَّا صَاحِبايَ فَآَسَتَكَانَا وَقَعَدا فِي بُيُوتِهِمَا
يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ
الصَّلَةَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْواقِ، وَلَا يُكَلَّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ وَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ
والثلاثة مرفوع على الصفة لأي تبعاً للفظها ومحلها نصب على الاختصاص حكى سيبويه عن
العرب: ((اللهم اغفر لنا أيتها العصابة)) وهذا مثله (من بين) أي: دون (من) أي: سائر الذي
(تخلف عنه) وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام، وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا،
ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام
الشرعية، مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر
الحديث (قال: فاجتنبنا) بفتح الموحدة (الناس) أي: صاروا لنا مجانين (أو) شك من
الراوي (قال: فتغيروا لنا) عما كنا نعهده من الأنس، والوداد منهم (حتى تنكرت) غاية لما
قبلها، وتنكرت تغيرت (لي في نفسي الأرض) فاعل تنكر والظرفان متعلقان به أي: تغيرت
لي لا لغيري في نفسي، أي: عندها لا في نفس الأمر وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم
النفس تغير الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال (فما هي) أي: الأرض الآن (بالأرض التي
أعرف) والحاصل أنه لعظم ما اشتد عليه الأمر توهم أنه تغير عليه كل شيء حتى الأرض،
فإنها توحشت، وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك (فلبثنا) أي: أقمنا(على
ذلك) المذكور من الانتظار لما يبدو في عالم الشهادة مما سبق به القضاء، وهجر الناس لنا
(خمسين ليلة) أي: ونهاراً، وحذف اكتفاء بذكر قرينه للعلم به من السياق (فأما) بفتح الهمزة
تفصيل لبعض حاله، وحال صاحبيه (صاحباي) أي: المشاركان لي في هذا الحال
(فاستكانا) أي: خضعا (وقعدا في بيوتهما يبكيان) أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإِنسان
على خطيئته وفي الحديث: ((وابك على خطيئتك وليسعك بيتك)) (وأما أنا فكنت أشب
القوم) بالمعجمة فالموحدة أي: أصغرهم سناً (وأجلدهم) أي: أقواهم (فكنت أخرج) إلى
المسجد وغيره (فأشهد الصلاة) أي: المفروضة (مع النبي ◌ِّر) أي: أشهد الجماعة في
الصلوات المكتوبات (وأطوف) بفتح الهمزة، وبالمهملة أي: أمشي دائراً (في الأسواق)
جمع سوق، وتقدم أنها سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على
الساق، وتعقب باختلاف المادة. ولعل من حكمة طوفانه في الأسواق أنها من محال كرم الله

١٢٥
٢ - باب: في التوبة
وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدَّ السَّلَامِ أَمْ لَ؟ ثُمَّ
أُصَلّي قَرِيباً منه وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِ نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ
أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَقْوَةِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ
وجوده بتيسير تلك الأمور المباعة لطالبها، وربح جالبها، وصاحبها، فتعرض في محل
الرحمات، والفيوض المعنوية وهي المساجد. وشهوده الصلوات، وفي محل الفضل،
والعطايا الدنيوية، وهي الأسواق لنفحات الرحمن، لتعود عليه بالتوبة، ويظفر بالمرام في
الأوبة، ويتنصل عما وقع فيه من الحوبة (ولا يكلمني أحد) معطوفة على وأطوف، ويصح
كونها في محل الحال (وآتي رسول الله وَله) تشرفاً برؤيته، واستمطاراً للفيوض الربانية من
حضرته، وإراحة القلب، من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من
الأمر فيه بالتبعيد (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة) فيه الجلوس عقب الصلاة في
المصلى للذكر، والدعاء، ونحوهما والجملة في محل الحال، وأتردد هل رد عليه الصلاة
والسلام بلسانه على السلام (فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه) بفتح المعجمة أي: أقول
هل حركهما ناطقاً (برد السلام) علي كما هو قضية صفحه، وعفوه، والانزجار يحصل بعدوله
عن الجهر بذلك إلى الإِسرار (أم لا) لقضية ما صدر مني من العصيان المقتضي للهجران.
وأم هنا منقطعة بمعنى بل لعدم تقدم الهمزة عليها (ثم أصلي قريباً منه) للنافلة، والرواتب
(وأسارقه النظر) بالمهملة والقاف، أي: أنظر إليه في خفية. ففيه أن مسارقة النظر في
الصلاة، وكذا الالتفات، لا يبطلها (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي) لما ورد من إقبال
المولى سبحانه على المقبل بقلبه، وقالبه على مولاه، والمصطفى * متخلق بأخلاق الله.
ففيه أن الإقبال على مرضاة الله سبب لقبول أولياء الله (وإذا التفت نحوه) في صلاتي (أعرض
عني) إذ الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان كما ورد في الحديث مع ما ينبىء عنه من
الغفلة الشاهد بها خبر: ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)) (حتى إذا طال عليَّ ذلك)
ابتدائية على الصحيح على ما في المغني، أو غاية لمقدر أي: استمررت متصابراً حتى إذا
طال عليّ ذلك (من) بيانية لذلك (جفوة) بفتح الجيم، وسكون الفاء أي: إعراض
(المسلمين) ويجوز أن يكون المشار إليه ما تقدم، ومن ابتدائية، أو تعليلية (مشيت)
واستمررت في المشي (حتى تسورت) بتشديد الواو أي علوت سور (جدار حائط) هو
البستان إذا كان عليه دائر بناء. وفي الصحاح: التسور النزول من الارتفاع، ولا يكون إلا من
فوق، ويقال: هو الصعود إلى مكان مرتفع ١ هـ. وفيه جواز دخول الإِنسان دار صديقه وقريبه

١٢٦
كتاب: دليل الفالحين
جِدَار حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ
مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةً أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَّهِ؟ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدُتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقٍ
الذي يدل عليه، ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس هناك نحو زوجة
مكشوفة (أبي قتادة) بفتح القاف الحارث بن ربعي، بكسر الراء وسكون الموحدة، وبالمهملة
الأنصاري (وهو ابن عمي) أي: بحائل. كذا قاله الكرماني، ووجهه أنهما يجتمعان في
كعب بن سلمة، وهو الجد الخامس لكعب والسادس لأبي قتادة، وقيل: بل هو ابن عمه
حقيقة، وإن ربعياً والد أبي قتادة أخو مالك والد كعب (وأحب الناس إلي) أي: أكثرهم
محبوبية إلي لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب (فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ
السلام) لعموم النهي عن كلام كعب، وصاحبيه، ففيه عدم رد السلام على نحو المبتدع،
وإن السلام كلام فيحنث به من حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو رده عليه، وإن كان واجباً
عليه، وإيثار طاعة الله، ورسوله على مودة الصديق، والقريب، ونحوهما (فقلت له: يا أبا
قتادة أنشدك) بفتح الهمزة، وضم الشين المعجمة أي: أسألك (بالله) وأصله من النشيد وهو
الصوت (هل تعلمني) أي: بما تراه من الشواهد والآيات، فلا ينافي ما جاء من إنكاره وَالـ
على سعد بن أبي وقاص في قوله: ((مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً) فقال ويهيقول: ((أو مسلما))
أي: أن الإِيمان لكونه قلبياً لا سبيل إلى علمه، والجزم به بخلاف الإِسلام لتعلقه بالظاهر،
ولذا أجابه أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم (أحب الله ورسوله) محبتهما طاعة أمرهما،
ومنها الإِيمان وفعل الطاعات وترك مخالفتهما، وما أحسن ما قيل:
هذا لعمري في القياس بديع
تعصي الإِلّه وأنت تظهر حبه
إن المحب لمن يحب مطيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
(فسكت) عن الجواب لما تقدم (فعدت) له (فناشدته) أي: نشدته، والإتيان به من
باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) قال القاضي
عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه به لأنه منهي عن كلامه وإنما قال ذلك لنفسه لما
ناشده بالله فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده، لا ليسمعه، إذ من حلف لا يكلم فلاناً فسأله عن
شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يرد ذلك، فلا حنث اهـ. قال
القرطبي في المفهم: ويحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهي عنه إنما هو المقتضي

١٢٧
٢ - باب: في التوبة
المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيُّ مِنْ نَبَطِ الشَّامِ مِمِّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقولُ: مَنْ يَدُلُّ
عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَّ حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَاباً مِنْ
مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِباً، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ
للمباسطة وإفادة المعاني لا مثل هذا المقتضي للإِبعاد، والمنافرة، ألا ترى أنه لم يرد عليه
السلام ولا التفت لحديثه اهـ. (ففاضت عيناي) مجاز عقلي من الإِسناد للمكان، نحو نهر
جار، ومعنى فاضت عيناي أي كثرت دموع عيني (وتوليت) راجعاً من حيث أتيت (حتى
تسورت الجدار فبينا) بألف الإشباع، وقيل: هي كافة لبين عن الإضافة كما تقدم، وقيل:
أصلها بينما بما الكافة فحذفت الميم تخفيفاً (أنا أمشي في سوق المدينة) علم بالغلبة على
دار هجرته ، وسميت بذلك لأنها يطاع الله فيها والدين الطاعة (إذا نبطي) بفتح النون،
والموحدة الفلاح، سمي به لأنه يستنبط الماء أي: يستخرجه، وسيأتي فيه زيادة في باب
النهي عن تعذيب العبد، والدابة (من نبط) بفتح أوليه أي فلاحي (أهل الشام) بالهمزة
الساكنة، ويجوز تخفيفها ويقال: شآم بالهمزة بوزن يمان، وهو مذكر على المشهور وقال
الجوهري: يجوز تذكيره وتأنيثه سمي بذلك باسم سام بن نوح واسمه بالسريانية شام، وعن
ابن الكلبي: سمي شاماً بشامات له حمر وسود، وبيض، وقيل: سمي به لأنه عن شمال
الأرض(١) وقيل غير ذلك. وتقدم أن حده من العريش إلى الفرات طولاً، وقيل إلى
باياس(٢)، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة، إلى نحو أرض الروم، وما سامت ذلك من
البلاد نقله المصنف في التهذيب عن الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (ممن قدم بالطعام)
حال كونه (يبيعه بالمدينة) ويصح كونها استئنافاً بيانياً (يقول) يجوز فيه ما في الذي قبله،
والثاني أقرب (من يدل) بضم المهملة (على كعب بن مالك فطفق) أي: أخد (الناس
يشيرون له إلي حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان) بفتح المعجمة، وتشديد
المهملة آخره نون، واسمه جبلة بن الأيهم، وقيل الحارث بن أبي سمرة (وكنت كاتباً) أي:
قارئاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم(٣) (فقرأته فإذا فيه: أما بعد) بالبناء على الضم لحذف
المضاف إليه، ونية معناه (فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك) أي: أعرض عنك (ولم
(١) أي أرض الحجاز ثم هذا الوجه هو الصواب. ع.
(٢) قرية شمال إسكندرونة قرب جبل اللكام وفي القاموس أنها بوزن سحاب قال شارحه: ويروى فيه
التشدید. ع.
(٣) لعل الأولى من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. ش.

١٢٨
كتاب : دليل الفالحين
جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوانٍ وَلَ مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِك. فَقُلْتُ
حِيْنَ قَرَأْتُها: وَهذِهِ أَيْضَاً مِنَ الْبَلَاءِ! فَتَسَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُها، حَتَّى إِذَا مَضَتْ
أَرْبَعُونَ مِنَ الخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الوَحْيُ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللّهِوَهِ يَأْتِيْنِي فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعَزِلَ امْرَأَتَكَ. فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ
اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي
يجعلك الله بدار هوان) أي: منقطعاً بدار تهان فيها (ولا) بدار أو حال (مضيعة) بسكون
المعجمة ويجوز كسرها مع فتح الميم فيهما، أي: في دار أو حال يضاع فيها حقك، أي:
فإذا حصل لك ما عرض حلوله بك (فالحق) بفتح المهملة (بنا نواسك) بضم الميم، وكسر
المهملة، من المواساة وحذفت التحتية لأنه في جواب الطلب، وفي بعض نسخ مسلم
إثباتها، وهو كما قال المصنف صحيح أي: ونحن نواسيك قطعه عن جواب الأمر (فقلت
حين قرأتها:) أي: الكتابة المعبر عنها بالكتاب أو التأنيث باعتبار المعنى، إذ هو في المعنى
صحيفة (وهذه) الواقعة (أيضاً من البلاء) أي: الابتلاء، ليترتب عليه ما يليق مما يصدر عنه
من رسوخ قدم يحمد عليه، أو أمر يوجب الندم (فتيممت) أي: قصدت. ولمسلم فتأممت
وهي لغة (بها التنور) أنث الضمير في بها، وفي قوله: (فسجرتها) بمهملة وجيم وراء أي:
أوقدت الكتاب لما ذكر آنفاً، والتنور الذي يخبز فيه قال في النهاية: يقال إنه في جميع
اللغات كذلك (حتى إذا مضت أربعون) غاية لمقدر أي: استمررت على ذلك الأمر المذكور
من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة، ويوماً (من الخمسين واستلبث) أي: أبطأ
وجملة استلبث (الوحي) من زيادة مسلم على البخاري (إذا) فجائية (رسول الله (وَلخير) في
رواية الواقدي إنه خزيمة بن ثابت قال: وهو الرسول إلى هلال ومرارة بذلك (يأتيني فقال:
إن رسول الله سير يأمرك أن تعتزل امرأتك) وفي نسخة من التوشيح للحافظ السيوطي: هي
عمرة بنت جبير بن صخر اهـ. وفي نسخة من تحفة القاري على البخاري لشيخ الإِسلام
زكريا: هي عميرة بنت جبير بن صخر اهـ. وفي الأصلين المذكورين تحريف من الناسخ
فليحرر. ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أن اسمها جبرة، ثم رأيته قال في الفتح: هي
عمرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة عبد الله، وعبيد الله، ومعبد،
ويقال: اسم امرأته التي كانت عنده يومئذ خيرة بالمعجمة، ثم التحتانية اهـ. وراجعت أسد
الغابة لابن الأثير، فلم أجد فيه ذكراً لأحد من هؤلاء الثلاثة والله أعلم (فقلت) ما المراد من
اعتزالها (أطلقها) بضم الهمزة، وهمزة الاستفهام مقدرة بدليل قوله: (أم ماذا) أي: ما الذي

١٢٩
٢ - باب: في التوبة
بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتى يَقْضِي اللَّهُ في هذَا الأمْرِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ
رَسُولَ اللَّهِ وَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخُ ضَائِعٌ: لَيْسَ لَهُ
خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: ((لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّك)) فَقَالَتْ: إنَّهُ واللَّهِ مَا بِهِ
حَرَكَةٌ إِلَى شَيءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هُذَا. فَقَالَ
لِي بَعْضُ أَهْلِي :
(أفعل؟ قال لا) تطلقها (بل اعتزلها) أمر بترك مخالطتها، مخالطة الزوجات من الجماع
ومقدماته، كما فسره بقوله: (ولا تقربها وأرسل) رسول الله ويل (إلى صاحبي) بتشديد ياء
المتكلم المدغم فيها ياء المثنى يأمرهما (بمثل ذلك) أي: الاعتزال المفسر بعدم قرب
الزوجة (فقلت لامرأتي: الحقي) بهمزة وصل، وفتح المهملة بعدها قاف (بأهلك فكوني
عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) وقوله: الحقي بأهلك من كنايات الطلاق، ولكونه
لم ينوه به، لم يقع عليه (فجاءت امرأة هلال بن أمية) هي خولة بنت عاصم قاله الحافظ ابن
حجر. وقيل: اسمها عمرة بنت حبة بن صخر الأنصارية قاله ابن عبد البر (رسول الله وكل
فقالت له:) اللام للتبليغ (يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ) أي: ذو سن (ضائع)
بالمعجمة، وبعد الألف همزة، ثم عين مهملة، وفسرته بقولها (ليس له خادم) أي: من يقوم
بما يحتاجه من خدمة، يقع على الذكر، والأنثى بلفظ واحد ويقال في المؤنث خادمة، ومنه
حديث البخاري: ((عن أبي سهل إن امرأة أبي أسيد، كانت خادمتهم في عرسهم)) فإنه بالتاء
في معظم الأصول (فهل تكره أن أخدمه) بضم المهملة (قال لا) أي: لا أكره أن تخدميه
(ولكن) استدراك لما قد يتوهم من شمول الخدمة للتمتع بها (لا يقربنك) بضم الراء، وفتح
الموحدة بعدها نون توكيد، كناية عن الجماع (فقالت) لا حاجة إلى منعه من ذلك (إنه) أي :
الشأن أو هلال (والله) جملة قسمية أتى بها لتأكيد المقال (ما به حركة) وفي نسخة من حركة
بزيادة من، والحركة بفتحات. أي داعية تحركه (إلى شيء) من الجماع، ومقدماته لما هو فيه
من الكرب، ثم الجملة القسمية، وجوابها خبر إن، وفي نسخة بتقديم القسم على إن،
وعليه فإن واسمها وخبرها جواب القسم (ووالله) يحتمل العطف على جملة القسم السابقة،
ويحتمل الاستئناف (ما زال يبكي) على تخلفه المتسبب عليه ما آل إليه أمره (منذ كان من
أمره) أي: شأنه (ما كان) من تخلفه عن الخروج، وما ترتب عليه (إلى الآن) حال الإِخبار
وفي نسخة إلى يومه هذا. وسكتت عما بعده لأنه يحتمل استمراره عليه، وتركه له لما يرد
عليه مما يقتضي حالاً من تلك الأحوال قال كعب (فقال) أي: أشار (لي بعض أهلي:) لما

١٣٠
كتاب : دليل الفالحين
لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ فِي امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِنَ لِإِمْرَأَةِ هِلاَلٍ بْنِ أُمَيَّةً
أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ لا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللّهِ وَه، وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ وَ
إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ؟ فَلَبْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً
مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمَّ صَلَيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ
مِنْ بُيُوتِنا فَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي
وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأَعْلَى
أمرت امرأتي بالذهاب لأهلها قال الحافظ: لم أقف على اسمه (لو استأذنت رسول الله وَل
في امرأتك) أي: في خدمتها (فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه) وقد استشكل هذا
بنهيه ◌َّر عن كلام الثلاثة، وأجيب بأنه يحتمل أنه عبر عن الإِشارة بالقول، كما أشرت إليه،
أو أن النهي كان خاصاً بالرجال والقائل كان امرأة، أو كان هذا الكلام ممن يخدم المنهي عن
كلامه، فلم يدخل في النهي قال الحافظ في الفتح: لعله بعض ولده، أو من النساء، ولم
يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو أن الذي كلمه كان منافقاً (فقلت:
لا أستأذن فيها رسول الله وسية) وأشار إلى الفرق بين حاله، وحال هلال بقوله: (وما يدريني)
بضم التحتية (ماذا يقول رسول الله وس﴿ إذا استأذنته فيها) أي: من الإِذن في ذلك أو المنع منه
(وأنا رجل شاب) جملة حالية من فاعل يقول وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال
لكونه رجلاً شاباً، ويحتمل الإِشارة به إلى خوف الوقوع معها، لو أذن له في مقامها عنده من
حدة الشباب فيقع في المحذور أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه (فلبثت) أي :
أقمت (بذلك) أي: من ذلك المذكور من إرسال الزوجة (عشر ليال) أي: مع أيامها (فكمل)
بتثليث الميم، أي: تم بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة (خمسون
ليلة) ويوماً، واقتصر عليها في جميع ما ذكر، لأنها الأصل، والنهار تابع لها (من) ابتدائية
(حين) بفتح النون، لإِضافته إلى جملة صدرها مبني (نهي) بالبناء للمفعول أي: وقع النهي
للمسلمين غير من تقدم (عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح) منصوب على الظرفية،
أي: في صباح تلك الليلة المكملة (خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا) الظرف الأول
حال من فاعل صلى، والثاني وصف لبيت (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر) ها (الله عنا)
أي: عنا أيها الثلاثة وبينها بقوله: (قد ضاقت علي نفسي) أي: قلبي من فرط الوحشة،
والغم بحيث لا يسعها أنس، ولا سرور (وضاقت علي) بتشديد التحتية، وعند مسلم،
وضاقت بي (الأرض بما رحبت) أي: برحبها، فما مصدرية، والرحب بضم الراء، وسكون

١٣١
٢ - باب: في التوبة
صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فَأَذَنَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ النَّاسَ بِتْبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِينَ صَلَى صَلَةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ
النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبِيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَساً، وَسَعَى
سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ ، فَلَمَّا
جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ
الحاء المهملتين السعة (إذ سمعت صوت صارخ) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في
التوشيح. وفي الفتح: أنه كذلك عند الواقدي، وأن أبا بكر صاح: قد تاب الله على كعب،
وحكاه ابن عائذ بلفظ ((زعموا)) قلت: وما في الصحيح مقدم عليه، وأنه أسلمي (أوفى) بالفاء
أي صعد، وارتفع (على سلع) بفتح السين، وسكون اللام، جبل بالمدينة معروف (يقول)
جاهراً (بأعلى صوته) من إضافة الصفة إلى الموصوف، وفيه المذهب للبصريين من التأويل،
والكوفيين من إبقائه على ظاهره (يا كعب بن مالك) بنصب ((ابن)) وفي ((كعب)» الضم،
والفتحِ (أبشر) حذف المفعول، لتذهب النفس في طرق السرور كل مسلك (فخررت
ساجداً) سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال، وبلوغه إلى نعمة البشرى،
والإِقبال، وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولاً بها فيما بينهم (وعرفت) من
هذا التبشير (أنه قد جاء فرج وآذن) بالمد، والقصر أي: أعلم (رسول الله وَّر الناس بتوبة الله
علينا) أي: بتوفيقه إيانا لها، أو بتبرئته إيانا عن غفلة الذنب (حين صلاة الفجر) ظرف لآذن
(فذهب الناس يبشروننا) بالتوبة (فذهب قبل) بكسر ففتح، أي جهة (صاحبي) بتشديد الياء
(مبشرون) قال الفربري في الإِقناع: وخرج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال
يبشره، فلما أخبره سجد، ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف،
والحزن والبكاء حتى ركب حماراً، وبشر مرارة بن الربيع سلكان بن سلامة، أو سلمة بن
سلامة بن وقش فأقبل حتى توافوا، يعني الثلاثة عند رسول الله وَلايرا هـ. (وركض رجل) هو
الزبير بن العوام، وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أبا قتادة لأنه كان فارس
النبي 18َّ. أي: أجري جرياً شديداً (إليّ فرساً، وسعى ساع من أسلم) هو حمزة بن عمر
الأسلمي (قبلي، وأوفى) بالفاء مقصوراً، أي: أشرف، وطلع (على الجبل فكان الصوت)
أي: وصول الصوت المذكور أي: صوت الأسلمي المذكور بقرينة مجيئه له، وطلبه شيئاً
لبشارته (أسرع من) وصول صاحب (الفرس فلما جاءني) الأسلمي (الذي سمعت صوته

١٣٢
كتاب: دليل الفالحين
يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِيَّ فَكَسَوْتُهُما إِيَّاهُ بِبشارَتِهِ واللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا
يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ وَلـ
يَتَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فوجاً يُهَنِّئُونَنِي بِالَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ لِ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى
دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ
غَيْرَهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسول اللهِّ
يبشرني) جملة في محل الحال، ويجوز كونها مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن قائلاً يقول فيم
سمعت صوته، فقال يبشرني: (نزعت له ثوبي) بتشديد التحتية (فكسوته إياهما ببشارته)
ففيه استحباب إجازة البشير بخلعة، وإلا فبغيرها، والخلعة أحسن، وهي المعتادة، وفيه
كسوة البشير، وإن لم يملك غيره وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير، والدين وجواز البذل،
والهبات عندها (والله ما أملك غيرهما) أي: من الثياب كما في رواية بن أبي شيبة: فوالله
ما أملك ثوبين غيرهما. فلا ينافي قوله السابق: ((إن عندي راحلتين)) وقوله الآتي: ((إن من
توبتي أن انخلع من مالي صدقة)) (يومئذ) أي: وقت كسوتي له (واستعرت ثوبين) زاد
الواقدي: من أبي قتادة (فلبستهما وانطلقت أتأمم) أي: أقصد (رسول الله وق ◌ّ فتلقاني الناس
فوجاً) أي: جماعة (فوجاً) أي: تلقوني زمرة بعد زمرة وجماعة بعد جماعة (يهنئونني بالتوبة)
أي: بقبولها، أو بالتوفيق لها (ويقولون: لتهنك) بكسر النون. قال الحافظ: وزعم ابن التين
شارح البخاري أنه بفتحها قال: لأنه من هنىء. وفيه نظر (توبة الله عليك) فيه دليل على
جواز التهنئة بأمور الخير، بل على ندبها إذا كانت دينية، فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه
المسلم، وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة (حتى دخلت المسجد) غاية لمقدر أي :
فسرت وحالي ما ذكر أي: من تهنئة الناس لي إلى أن دخلت المسجد، والأصح أن نصب
المسجد لكونه اسم مكان مختص على التوسع (فإذا) فجائية (رسول الله وَير جالس) في
المسجد (حوله الناس) الظرف لغو، وحوله الناس خبر بعد خبر (فقام إلي طلحة بن عبيد الله)
أحد العشرة المبشرة (رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني) فيه استحباب مصافحة
القادم، والقيام له إكراماً، والهرولة، إلى لقائه بشاشة به، وفرحاً قال كعب (والله ما قام إلي
رجل من المهاجرين غيره) بالرفع صفة رجل ويجوز نصبه على الحال، لتخصيصه بالوصف
بالظرف (فكان كعب لا ينساها) أي: تلك الأفعال الجميلة من القيام له، والهرولة،
والمصافحة، والتهنئة (لطلحة) قال القرطبي أي: إنها أكدت في قلبه محبته، وألزمته حرمته

١٣٣
٢ - باب: في التوبة
قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرورِ: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ!))،
فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ
حتى عدها من الأيدي الجسيمة (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله وَ ل ◌ّ قال: ) أي:
بعد رد السلام (وهو يبرق) بضم الراء أي: يلمع (وجهه) بالأنوار (من) تعليله أي: بسبب
(السرور) بقبول الله تعالى توبتهم. ففيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحبور
عند ظفر أحد من أمته بنوع من الخيور، حال من فاعل قال: ومقول القول (أبشر) بقطع
الهمزة (بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) أي: سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه، لأنه
معلوم لا بد منه وقيل: لا استثناء، لأن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فهو خير من جميع أيامه،
وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى يوم إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد
عنها (فقلت أ) هذا المبشر به (من عندك يا رسول الله) أي: قلته اجتهاداً، لأنك رأيت
حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة (أم) هو وحي (من عند الله عز وجل قال: لا)
أي: ليس من عندي (بل من عند الله) قال في الإِقناع بدل قوله قال: لا ((قال من عند الله وتلا
عليهم الآيات)) (وكان رسول الله وَل﴿ إذا سر) من أمر (استنار وجهه) أي: زاد نوراً إلى نوره،
وفي النهاية: ((كان إذا سر فكأن وجهه المرآة وكأن الجدر يرى شخصها في وجهه، لشدة نوره
وصفائه)) (حتى كأنه قطعة قمر) غاية لما قبله آثر ذكر القمر؛ لأنه يتمكن من النظر إليه،
ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه، بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر، وتؤذي، ثم
تشبيه بعض صفاته بنحو القمر، والشمس، جرى على عادة الشعراء، والعرب في ذلك، أو
على سبيل التقريب، والتمثيل، وإلا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه. قيل شبه وجهه في
هذا الحديث بقطعة من القمر لا بكله، مع أن المعهود في التشبيه الثاني، لأن القصد
الإشارة إلى موضع الاستنارة، وهو الجبين، وفيه يظهر السرور، فناسب أن يشبه ببعض القمر
قالت عائشة: ((مسروراً تبرق أسارير وجهه)) ولكون مراد كعب رضي الله عنه تشبيه بعض
وجهه الر، وهو جبينه إذا سر لم يشبهه بجميع القمر، وجاء في حديث آخر عنه، تشبيه
وجهه كله بدارة القمر، فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا أحسن مما قيل سبب الاقتصار في
التشبيه على بعض القمر، الاحتراز عما فيه من السواد: لأن كون وجه التشبيه بالقمر ما فيه
من الإضاءة، والملاحة لا يخفى على أحد، ولا يتوهم من التشبيه خلافه، فلا حاجة
للاحتراز (وكنا) معشر الصحابة المراقبين لمحاسن ذاته الملاحظين لأحواله (نعرف ذلك)
أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور، وهو جبينه كما سبق من قول عائشة: مسروراً تبرق

١٣٤
كتاب: دليل الفالحين
ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ
مَالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَه: ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ
فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَقُلْتُ: أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْرَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهُ
أسارير وجهه. وفي البخاري: ((كان يعرف ذلك)) (منه) وفي نسخة: ((فيه))، والضمير يعود
إلى الوجه (فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من) شكر (توبتي) أي: من شكر الله
على توبتي، أي: التوفيق لها، وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي (أن انخلع) أي:
أخرج (من مالي) أي: من جميعه (صدقة) مفعول له، أو مطلق على تقدير أتصدق، أو في
معنى الحال، أي: متصدقاً، أو على تضمين انخلع معنى أتصدق، أي: أتصدق متقرباً بها
(إلى الله تعالى وإلى رسوله) أعاد الجار للاهتمام وتنبيهاً على أن التقرب إليه وصار مطلوب
على سبيل الاستقلال. قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾(١) وقال القرطبي:
أي: إن على ذلك فهي صيغة نذر، والتزام خرجت مخرج الشكر، وابتغاء الثواب، وأقره
عليه النبي ◌َّير فكان ذلك جائزاً، ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه، وعلى مقتضى هذا
اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً
وربما أفضى به إلى سؤال الناس، وإلى الدخول في مفاسد أمره بإمساك البعض كما قال
کعب (فقال رسول الله ێ: أمسك عليك بعض مالك) أي: دفعاً لضرر التصدق بکله (فهو
خير لك) قال القرطبي: البعض المأمور بإمساكه من ماله، هو الأكثر، والمتصدق به هو الأقل
كما قال في حديث سعد: الثلث. والثلث كثير. وفيما ذكره نظر. فإنه متوقف على نص
يشهد به، ولا دليل في حديث سعد لما ذكره لأن ما فيه، إنما هو لمن كان في حال المرض،
مراعاة لمصلحة الورثة، والقصد هنا دفع ضرر الحاجة، والفقر، وهو قد يحصل بإبقاء الأقل
من ماله، أو الشطر كما وقع من عمر رضي الله تعالى عنه لما تصدق بشطر ماله وأبقى الشطر
الآخر لنفسه، وأهله والحديث في مسلم وغيره، ثم رأيت في الفتح للحافظ، أن عند أبي
داود عن كعب: ((إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله، ورسوله صدقة، قال: لا.
قلت: نصفه قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم)) ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن
الزهري: ((فقال النبي وَليل يجزي عنك من ذلك الثلث)) اهـ. وهو شاهد للقرطبي. قال
المصنف في شرح مسلم: ولا يخالف هذا أي قوله: أمسك عليك بعض مالك. تصدق أبي
بكر بجميع ماله، أي: وقبوله وَّر له فإنه كان صابراً راضياً اهـ. (فقلت: يا رسول الله إني
(١) سورة النساء، الآية: ٨٠.

١٣٥
٢ - باب: في التوبة
تَعَالَىَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إلّ صِدْقَاً مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ
مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمِينِ أَبْلَهِ اللَّهُ تَعَالِى فِي صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهِ مَا تعمدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَى يَوْمِي هَذَا،
أمسك سهمي الذي بخيبر) بفتح المعجمة وسكون التحتية، وفتح الموحدة آخره راء مهملة
غير مصروف في أكثر الأصول مراداً به البقعة (وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني) من
وصمة إثم التخلف عن المأمور به (بالصدق) أي: بإخباري بالخبر المطابق للواقع وإن ترتب
عليه ما ترتب (وإن من) شكر، أو صدق (توبتي ألا أحدث) أي: إنساناً حديثاً ما في أي شأن
كان (إلا صدقاً ما بقيت) أي: مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع، وإلا كأن كان فيه
إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم، أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب
التوبة (فوالله ما علمت أحداً من المسلمين) عند مسلم ((ما أعلم أحداً» (أبلاه الله) أي: أنعم
عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وفي ذلكم﴾(١) أي: الإِنجاء من فرعون: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾(١)
أي: نعمة عظمى. والبلاء يستعمل أيضاً في الشر كما قيل به في الآية بناء على أن المشار
إليه ما يفعله بهم آل فرعون من قتل الأبناء، واستحياء النساء، ولكن إذا أطلق كان غالباً للشر
فإذا أريد به الخير قيد، كما قال في الحديث: ((أحسن مما أبلاني الله)) (في) ملازمة (صدق
الحديث) مصدر مضاف إلى مفعوله (منذ ذكرت ذلك) الالتزام بملازمة الصدق
(لرسول الله ( *) إبلاء (أحسن مما أبلاني الله) به أي: بتيسير الدوام على ذلك، والوفاء
بالالتزام قال الحافظ: فيه وفي قوله الآتي: ((فوالله ما أنعم)) الحديث إلى قوله: ((أعظم من
صدقي رسول الله ( 98)) شاهد على أن هذا السياق يورد ويراد به نفي الأفضلية لا المساواة،
لأن کعباً شاركه في ذلك رفيقاه، وقد نفی أن یکون أحد حصل له أحسن مما حصل له، وهو
كذلك لكنه لم ينف المساواة (والله ما تعمدت كذبة) قال المصنف بفتح الكاف، وكسرها،
كل ذلك مع إسكان الذال(٢) وفي المشارق كذبة بكسر الفاء(٣) ويقال بفتحها. وأنكر بعضهم
الكسر إلا إذا أراد الحالة، والهيئة وليس هذا موضعها اهـ. وهو في البخاري كذباً بحذف
الهاء (منذ) أي: من حين (قلت ذلك) لالتزام (لرسول الله وَلل إلى يومي هذا) فيه أن الخطأ،
(١) سورة البقرة، الآية: ٤٩.
(٢) الذي في شرح مسلم للمصنف: (قوله فوالله ما تعمدت كذبة) هي بإسكان الذال وكسرها اهـ. ش.
(٣) أي فاء الكلمة التي هي الكاف.

١٣٦
كتاب: دليل الفالحين
وَإِنِّي لأرْجُوَ أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ تَعَالِى فِيمَا بَقِيَ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى(١):
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤْوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلَّقُوا
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ﴾، قَالَ كَعْبُ: واللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ
والنسيان المحترز عنهما بالعمد غير مؤاخذ به الإِنسان، وهما لا ينقضان الالتزام (وإني
لأرجو) من فضله تعالى (أن يحفظني الله تعالى) من الكذب (فيما بقي) لأنه تعالى كريم
يستحي أن ينزع السر من أهله، قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم﴾(٢) (قال:) أي: كعب مبيناً للآية التي نزلت فيها التوبة عليه وعلى صاحبيه
(فأنزل الله تعالى) على نبيه و # وهو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الأخير من الليل، كما
جاء في كتاب التفسير من صحيح البخاري (لقد تاب الله) أدام توبته، وهي بالنسبة إلى
النبي ◌َّ تشريف مكانته، وإعلاء رتبته لا أنه عن ذنب صدر من حضرته لعصمته، وقال
بعضهم: تاب الله (على النبي) أي: تجاوز عنه (والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في
ساعة العسرة) بالعين المضمومة والسين الساكنة بعدها راء مهملات، أي: وقتها وهي حالهم
في غزوة تبوك، كان الرجلان يقتسمان التمرة، والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر
حتى شربوا الفرث(٣) (حتى بلغ) أي: كعب في قراءته (وكونوا مع الصادقين) أي: في
الآيات الثلاث وتمامها قوله تعالى: ﴿من بعد ما كاد يزيغ﴾ (٤) بالمثناة الفوقية، والتحتية أي :
تميل وتذهب ﴿قلوب فريق منهم﴾ عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة ((ثم تاب
عليهم)) بالثبات ﴿إِنه بهم رؤوف رحيم﴾ (و) تاب ﴿على الثلاثة الذين خلفوا﴾ (٥) عن التوبة
عليهم بقرينة ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ أي: مع رحبها وسعتها، فلا
يجدون مكاناً يطمئنون إليه ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ قلوبهم للغمة، والوحشة تأخير
توبتهم، فلا يسعها سرور ولا أنس: ﴿وظنوا﴾ أي: أيقنوا ﴿أن لا ملجأ﴾ يلجئون إليه ﴿من
(١) سورة التوبة: الآيات ١١٧، ١١٨، ١١٩.
(٢) سورة الرعد، الآية: ١١.
(٣) بفتح فسكون وهو السرجين ما دام في الكرش.
(٤) سورة التوبة، الآية: ١١٧.
(٥) سورة التوبة، الآية: ١١٨.

١٣٧
٢ - باب: في التوبة
لِلإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ وَ أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا
هَلَكَ الَّذِينِ كَذَبُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحِيَ شَرَّ مَا قَالَ
الله إلا إليه﴾ قال في الكشاف: لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره ﴿ثم تاب عليهم)
ألهمهم أسباب التوبة، ووفقهم لها ﴿ليتوبوا﴾ أي: ليقبلها، وقيل: تاب عليهم، قبل توبتهم
وليتوبوا، أي: يدوموا عليها. وفي تفسير سورة البقرة من البيضاوي: أصل التوبة الرجوع،
فإذا وصف بها العبد، كان رجوعاً عن المعصية إلى الطاعة، وإذا وصف بها البارىء تعالى
أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ. ﴿إن الله هو التواب﴾(١) على من تاب أي:
يقبل توبته الصحيحة فضلاً منه ﴿الرحيم﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾(٢) بترك معاصيه
﴿وكونوا مع الصادقين﴾ في الإِيمان، والعهود، بأن تلزموا الصدق.
(قال كعب:) صرح بذكره للفصل بين سياق أحواله بذكر الآي القرآنية المنزلة في
التوبة (والله ما أنعم الله على من) زائدة للاستغراق (نعمة قط) أي: في الزمن الماضي (بعد
أن هداني للإِسلام) أي: دلني عليه، وأوصلني له. وفي نسخة هداني الله (أعظم) وصف
لنعمة فتجوز قراءته منصوباً باعتبار محلها لزيادة من ومجروراً باعتبار لفظها، ويجوز رفعه
بتقدير هي أعظم (في نفسي من صدقي رسول الله # ألا أكون كذبته) كذا في الصحيحين
عند جميع رواتهما إلا الأصيلي من رواة البخاري فقال: ((أن أكون)» وليس بشيء، والصواب
الأول وتخريجه أن لا زائدة كما قال عياض، وتبعه المصنف، وغيره، ومعناه أن أكون كقوله
تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾(٣) اهـ. وهذا بناء على أنه مستأنف عما قبله، وأظهر منه
ما ذكره الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري المسماة بتحفة القاري من أنه بدل من صدقي
أي: أن لا نافية، قال: والمعنى ما أنعم الله عليّ نعمة هي أعظم من عدم كذبي فعدم
هلاكي اهـ. وكذبته بفتح الذال المخففة أي: قلت له قولاً كذباً (فأهلك) بالنصب عطف
على منصوب أن، وأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور وحكي فتحها، وهو شاذ
ضعيف (كما هلك الذين كذبوا) أي: هلاكاً كهلاك الذين كذبوا الله القول في ادعاء الإِيمان
من المنافقين، فالمفعول الثاني محذوف. قال الراغب في مفرداته: يقال: كذبته حديثاً ومنه
((كذبوا الله ورسوله)) أي: القول الذي قاله فيتعدى إلى مفعولين. نحو صدق في قوله تعالى:
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٨ .
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٩.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٢.

١٣٨
كتاب : دليل الفالحين
لِحَدٍ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لَتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
فَأَعْرِضُوا عَنْهُم إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ
لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فِإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾،
قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولِئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ
مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴿َ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ.
وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَمْرَنا حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى
﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾(٢) ١ هـ. (فإن الله قال للذين كذبوا) أي: عنهم (حين أنزل
على) النبي (الوحي شر ما قال) أي: قول قال، ويجوز أن يكون موصولاً اسمياً (الأحد) أي:
عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله (فقال تبارك وتعالى: سيحلفون بالله
لكم إذا انقلبتم) رجعتم (إليهم لتعرضوا عنهم) بترك المعاتبة (فأعرضوا عنهم) فأعطوهم
طلبتهم (إنهم رجس) قذر لخبث باطنهم، فلا يؤثر فيهم العقاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت
منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها، والاستغفار (ومأواهم جهنم) يعني تكفيهم
النار عتاباً، فلا تتكلفوا عتابهم (جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون) أي: بالله (لكم لترضوا
عنهم) أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم، لينفعهم في دنياهم (فإن ترضوا عنهم فإن الله
لا يرضى عن القوم الفاسقين) أي: عنهم، وأتى بالظاهر موضعه نداء عليهم بسوء وصفهم
المقتضي لعدم رضاه عنهم، أي: ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخط الله، بل يكونون
عرضة لعاجل عقوبته، وآجلها، في الكشاف قيل: إنما قيل لهم ذلك لئلا يتوهم متوهم أن
رضاء المؤمنين يقتضي رضاء الله عنهم (قال كعب: وكنا خلفنا) بالبناء للمجهول، أخص
(أيها الثلاثة) بتأخير أمرنا، وبيان شأننا، فلم يقض فينا بشيء (عن أمر أولئك) المعتذرين
(الذين) كذبوا الله، ورسوله و(قبل منهم رسول الله وَلّة) عذرهم في التخلف (حین حلفوا
له) أنهم صادقون فيما اعتذروا به (فبايعهم) أي: عاقدهم على الإِسلام وعاهدهم
عليه (واستغفر لهم) أي: بنحو غفر الله لكم (وأرجأ) أخر (رسول الله ولي أمرنا)
فلم يقض فيه بشيء (حتى قضى الله) أي: أبرز ما سبق قضاؤه
(فيه) وأنزل فيه الآية (فبذلك) أي: فعن ذلك التخليف (قال الله تعالى:
وعلى الثلاثة الذين خلفوا) هو معنى ما تقدم في تفسير الآية من قولنا خلفوا عن التوبة أي:
(١) سورة التوبة : الآيتان ٩٥، ٩٦.
(٢) سورة الفتح، الآية: ٢٧ .

١٣٩
٢ - باب: في التوبة
الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾(١) وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلَفْنَا تَخَلُّفُنَا عَنِ الغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ
إِيَّانا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنا عَمِّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ:
أَنَّ النّبِيِّ ◌َ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ
الخَمِيسِ . وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَا يَقْدِمُ مِنْ سَفَرٍ إلّ نَهاراً فِي الضُّحى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ
بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ(٢).
عن قبولها حالاً كما قبلت من المعذورين، وأرجأ أمر هؤلاء الثلاثة (وليس الذي ذكر) بالبناء
للمجهول (مما خلفنا) أي: من تخليفنا المخبر عنه بقوله ((خلفوا)) (تخلفنا عن الغزو، وإنما
هو تخليفه وَليّ إيانا) عمن قبله من أولئك المعتذرين (وإرجاؤه) تأخيره (أمرنا) أي: بيانه،
وإيضاحه (عن) أي: عن أمر (من حلف له واعتذر إليه) من المعذورين (فقبل منه) أفرد
الضمير باعتبار لفظ من (متفق عليه) أي: رواه الشيخان، وإن وقع بينها اختلاف يسير في
زيادة كلمة، أو نقصها، أو تقديم، أو تأخير، وكذا أخرج الحديث أبو داود، والترمذي،
والنسائي، كما في جامع الأصول في كتاب الجهاد.
(وفي رواية: أن النبي ◌َّ خرج) من المدينة (في غزوة تبوك يوم الخميس وكان يحب
أن يخرج) لسفره (يوم الخميس) وفي الصحيحن من حديث كعب: ((فلما خرج
رسول الله وَّر في سفر إلا يوم الخميس)) ورواه النسائي.
(وفي رواية) للبخاري من حديث كعب (كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً) ونهى عن
طروق المسافر أهله ليلاً ما لم يشع خبر قدومه، كأن كان في قفل، ووصلوا لقرب البلد
نهاراً، وعلم ذلك الخبر لأهل البلد، فلا بأس بالقدوم ليلاً حينئذ (في الضحا) لأنه أطيب ما
في النهار، لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء، وخروج الناس للاجتماع واللقاء،
وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا، ويلهو بإخوانه عن
إصلاح شأنه (فإذا قدم) بكسر الدال (بدأ بالمسجد) قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً
لشعائر الله تعالى، وتقديماً لحق الله تعالى على حق نفسه، وأهله، وشكراً لنعمته عليه
بسلامته من وعثاء السفر (فصلى فيه ركعتين) تحية (ثم جلس فيه) ليسلم عليه الناس.
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة براءة باب: لقد تاب الله على النبي) (٨٦/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. (الحديث: ٥٣).

١٤٠
كتاب : دليل الفالحين
٢٢ - وَعَنْ أَبِي نُجَيْدٍ ((بِضَمَّ النُّون وَفَتْحِ الحِيم)) عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ الخُزاعِيُّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِوَ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنا،
((وفي الحديث فوائد أربعون بل أكثر)) منها إباحة الغنيمة لهذه الأمة إذ قال: يريدون
عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإِمام، وجواز الحلف من غير
استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني
المتأسف عليه، ورد الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإِمام أن يؤدب بعض أصحابه
بإمساك الكلام عنه، وترك من تاب الزوجة، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أولاً ،
وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على
نفسه، وإن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وإن السلام ورده كلام،
وجواز الدخول بستان صديقه بدون إذنه، وإن الكناية لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه، وإيثار
طاعة الله، ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف
منه الوقوع في منهي عنه، إذ كعب لم يستأذن في خدمته امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة
فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة،
واجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أصحابه، والتصدق بشيء
عند ارتفاع الحزن، والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة البشير
بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية، وجواز العارية، ومصافحة القادم، والقيام له، واستحباب
سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به .
٢٢ - (وعن أبي نجيد) بضم النون، وفتح الجيم، وسكون التحتية آخره دال مهملة كني
باسم ابنه نجيد (عمران) بكسر العين المهملة (ابن الحصين) بضم الحاء، وفتح الصاد
المهملتين، وإسكان التحتية بعدها نون ابن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن
جهيمة بن عاضرة بن حبيشة بن كعب بن عمرو. كذا قاله ابن مندة وأبو نعيم. وقال أبو عمر:
عبد نهم ابن سالم بن عاضرة (الخزاعي) الكعبي (رضي الله عنهما) أسلم عام خيبر وغزا مع
رسول الله ◌َّير غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها. قال
محمد بن سيرين: لم نرَ في البصرة أحداً من أصحاب النبي ◌ّ يفضل على عمران بن
الحصين وكان مجاب الدعوة، ولم يشهد الفتنة. روي له عن النبي وَّر، مائة وثمانون
حديثاً. اتفق الشيخان منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة وكان تسلم
عليه الملائكة في مرضه فاكتوى ففقد ذلك ثم عادت إليه، وكان به استسقاء طال به سنين
وهو صابر عليه، وشق بطنه، وأخذ منه شحم وشق له سرير فبقي علية ثلاثين سنة، ودخل