Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ٢٤٨ -باب: في الذكر عند الصباح والمساء حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٤٥٣ - وعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَ﴿ إِذَا أَمْسى قَالَ: (أَمْسَيْنا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، لا إِلَهَ إِلّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ)) قَالَ الرَّاوي: أُراهُ قَالَ فِيهِنَّ: (لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قَدیرٌ، رَبُّ لزيادة الفائدة (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في السلاح: اللفظ لأبي داود، ورواه النسائي والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وزاد الترمذي من طريق آخر ((وأن نقترف على أنفسنا سوءاً أو نجره إلى مسلم)) . ١٤٥٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان نبي الله مَلل إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله) الظرف محتمل لأن يكون تنازعه كل من الفعلين قبله على أنه خبر لكل منهما، وهذا على أنه ناقص وإن كان الأول: تاماً بمعنى دخلنا في المساء فهو في موضع خبر. الثاني: والملك بضم الميم القهر والعظمة، وهو أبلغ من الملك بكسرها، لأن كل ملك مالك ولا عكس ويناسب الأول قوله (الواجب القهار) فإن ذلك من شأن الملك (والحمد لله) يحتمل كونها في محل الحال من المستقر في الظرف قبله ويحتمل كونها معطوفة على قوله الملك لله، وحينئذ فيكون من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وعليه فهو من عطف العام على الخاص؛ لأن الملك من جملة أوصاف الكمال المثنى بها عليه بالحمد ((فإن قلت)) ما معنى أمسى الملك لله؟ والملك له أبداً وكذا الحمد ((قلت)) هو بيان حال القائل أي: عرفنا أن الملك والحمد له تعالى لا لغيره فالتجأنا إليه واستغنينا به عن غيره وخصصناه بالعبادة والثناء عليه والشكر له (لا إله إلا الله وحده) أي: منفرداً لا نظير له في ذاته (لا شريك له) في صفة من صفاته، ولا في فعل من أفعاله، ولا في ملك شيء من مملوكاته. وفصل جملة التهليل إيماء إلى أفضليتها على ما قبلها ودفعاً لما قد يتوهم من تأخيرها عنها، واتباعها لها من مفضوليتها، وتقدم في باب الذكر الدليل على أفضليتها (قال الراوي) يحتمل أن يكون ابن مسعود فيكون الضمير البارز في قوله (أراه) للنبي صل وأن يكون غيره، فيحتمل البارز عوده للنبي وير أو لابن مسعود، وهو بضم الهمزة أي: أظنه (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، (الحديث: ٥٠٦٧) وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ١٤]، (الحديث: ٣٣٩٢) ٢٦٢ ١٤ - كتاب: الأذكار أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وخَيْرَ مَا بَعْدَها، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وشَرِّ مَا بَعْدَها، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرٍ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابٍ في النَّارِ وَعَذابٍ فِي الْقَبْرِ)) وإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أيْضاً: ((أَصْبَحْنا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للَّهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٤٥٤ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ خُبَيْبٍ بِضَمِّ الْخاءِ المعجمةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وَهِ: ((اقْرَأْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وحَينَ تُصْبِحُ ثَلاثَ (قال فيهن) أي: معهن متصلًا بآخرهن (له الملك وله الحمد) وملك الغير عرضي وحمد الغير صوري (وهو على كل شيء) أي: مشيء ممكن تعلقت به إرادته (قدير) فلا يعجزه شيء، ولا يعجز عن شيء (رب أسألك خير ما في هذه الليلة) إضافة خير تعميمية فيشمل خيري الدارين من الخير الدنيوي والأخروي (وخير ما بعدها) دفع لتوهم اختصاص(١) خير تلك الليلة بالسؤال دون خير ما وراءها (وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها) قدم الخير، لأنه مقصود بالذات، مطلوب بالأصالة، والشر إنما هو عرضي لا تلتفت النفس إليه إلا لطلب دفعه ورفعه (رب أعوذ بك من الكسل) بفتحتين (وسوء الكبر) قال في النهاية : يروى بسكون الباء وفتحها. فالسكون بمعنى البطر والفتح بمعنى الزمالة والحزن، قال المظهري: والفتح أصح (أعوذ بك من عذاب) التنوين فيه للتقليل وإذا أستعيذ منه فمن الكثير أولى (في النار وعذاب في القبر) أي: مدة المقام في البرزخ (وإذا أصبح قال ذلك أيضاً) وأبدل قوله أمسينا وأمسى الملك لله بقوله (أصبحنا وأصبح الملك لله) والباقي سواء (رواه مسلم) قال في السلاح: ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية لمسلم أيضاً: اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، وفتنة الدنيا وعذاب القبر. ١٤٥٤ - (وعن عبد الله بن خبيب بضم الخاء المعجمة) الجهني حليف الأنصار (رضي الله عنه) الأولى عنهما ففي أسد الغابة لابن الأثير: أنه وأباه صحابيان، قال: عداده في أهل المدينة روي له عن رسول الله وهو ثلاثة أحاديث. وقال البرقي: له حديثان وسيأتي مثله في السلاح (قال: قال لي) اللام فيه للتبليغ (النبي ◌َله: اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين) بكسر (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (الحديث: ٧٤). ٢٦٣ ٢٤٨ - باب: في الذكر عند الصباح والمساء مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كِلِّ شَيْءٍ)) رواهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٤٥٥ _ وعَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَقولُ في صَباحِ كلِّ يَوْمٍ ومَساءِ كلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ ولا في السَّماءِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلَّا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ)) رواهُ أَبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢). الواو وإسناد التعويذ إليهما مجازي لأنه بهما (حين تمسي وحين تصبح) بضم الفوقية فيهما (ثلاث مرات) ظرف لأقرأ أو مفعول مطلق له (تكفيك) كذا هو بإثبات التحتية في الأصول لكونه لم يقصد الجزاء للأمر السابق (من كل شيء) من فيه ابتدائية، أو زائدة، على ما ذهب الأخفش المجوز زيادتها في الإِيجاب، وإسناد الكفاية إليها مجازي نظير ما قبله (رواه أبو داود) قال في السلاح واللفظ له (والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في السلاح: وليس لعبد الله بن خبيب في السنة سوى هذا الحديث، وقال البرقي: له عن النبي وَلّ حديثان، وقال أبو الفرج ابن الجوزي: له ثلاثة أحاديث، اهـ. ١٤٥٥ _ (وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: ما من) مزيدة لتأكيد استغراق العموم المفهوم من (عبد) لنكارته في سياق النفي (يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) أي: أتحصن، أو أحتمي باسم العزيز الذي يحتمى باسمه عن كل سوء من معنى، أو عين جماد، أو دابة، أو جني، أو شيطان، أو حيوان عاقلاً أو غير عاقل، وهو السميع الأحوال الكائنات العليم بها في سائر أزمنتها، فلا يقع فيها شيء إلا بقدر أزلي (ثلاث مرات إلا لم يضره شيء) استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي: ما من عبد يقول ذلك يكون في حال من الأحوال، إلا حال عدم أضرار شيء له (رواه أبو داود والترمذي) واللفظ له (وقال: حديث حسن صحيح) ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك وابن حبان في (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، (الحديث: ٥٠٨٢). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ١١٧]، (الحديث: ٣٥٧٥). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، (الحديث: ٥٠٨٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذ أمسى، (الحديث: ٣٣٨٨) ٢٦٤ ١٤ - كتاب: الأذكار ٢٤٩ - باب: فيما يقوله عند النّوم قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ واخْتِلافِ الَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لُأُولِي الََّلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامَاً وقُعوداً وعَلى جُنوِهِمْ﴾ الآيات. ١٤٥٦ _ وعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ قَالَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيا وأَمُوتُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). صحيحه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. روي أن أبان بن عثمان راوي الحديث عن أبيه، كان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: أما إن الحديث كما حدثتك ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله على قدره. رواه من ذكر من رواة المرفوع، وفيه تأكيد الإِتيان بهذا الذكر؛ ليوقى بقدر الله من جميع البأس والضر. باب ما يقوله أي: ما يقول الإنسان من الذكر (عند النوم) أي: عند إرادته. (قال الله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات) دلالات عظيمة على عظم مولانا واتصافه بكل كمال، ومنه التنزه عن النقص (لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) تقدم ذكر بعض الفوائد المتعلقة بها في باب ذكر الله قائماً وقاعداً وغيره وقوله (الآيات) أي: إلى قوله: ﴿وقنا عذاب النار﴾(٣). وفيه إيماء إلى أنه ينبغي لمريد النوم الإتيان بها لأن ذلك ذكر في معرض الثناء عليهم ١٤٥٦ - (وعن حذيفة وأبي ذر رضي الله عنهما أن رسول الله - كان إذا أوى) بالقصر (إلى فراشه) أي: الإِرادة النوم (قال: باسمك اللهم أحيا وأموت رواه البخاري) وغيره وتقدم شرحه في باب آداب النوم وغيره (١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠، ١٩١ (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام، وفى التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى (٩٦/١١، ١١١/٩٧) (٣)) سورة آل عمران، الآية: ١٦ ٢٦٥ ٢٤٩ - باب: فيما يقوله عند النوم ١٤٥٧ - وعَنْ عَلَيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ لَهُ وَلِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (إِذَا أَوَيْتُمَا إلَى فِراشِكُمَا أَوْ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضاجِعَكُمَا فَكَبِّرا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وسَبِّحَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ؛ واحْمِدا ثَلاثَاً وثلاثينَ)) وفي رِوايَةٍ: التّسْبِيحُ أَرْبَعاً وَثَلاثينَ، وفي رِوايَةٍ: التَّكْبِيرُ أَرْبَعَاً وَثَلاثِينَ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ(١). ١٤٥٨ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِراشَهِ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ ١٤٥٧ - (وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صل﴿ قال له ولفاطمة رضي الله عنهما) لما جاءته تشكو ما تجد من الخدمة وتسأل خادماً يكفيها ذلك (إذا أويتما) بالقصر (إلى فراشكما أو) شك من الراوي أقال ذلك أم قال، (أخذتما مضاجعكما) جمع مضجع بفتح أوله وثالثه مكان الإضجاع وجمع على حد قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾(٢) كراهة لتوالي تثنيتين (فكبرا ثلاثاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين) هذا واللفظ للبخاري، وفي رواية الطبراني عن علي واختماها ((بلا إله إلا الله)): وزاد فهذا خير لكما من خادم (وفي رواية التسبيح أربعاً وثلاثين وفي رواية) أي: لهما ولأبي داود والنسائي كما في السلاح (التكبير أربعاً وثلاثين) بالنصب ثاني مفعولي جعل مقدراً (متفق عليه) أي: على هذا الأخير قال العيني: وفي رواية هبيرة عن علي فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان وفي رواية للطبراني من طريق هبيرة: أن التهليل أربع وثلاثون، ولم يذكر التحميد، وفي بعض طرق النسائي: أن التحميد أربع وثلاثون، ورويا عن سفيان: إحداهن أربع وثلاثون. قال في السلاح: زاد أبو داود في بعض طرقه ((فقالت رضيت عن الله عز وجل وعن رسول الله وَ لات)). قال بعض العلماء: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات يعني في الوقت المذكور لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ونحوه. ١٤٥٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله و سر: إذا أوى أحدكم) أي: إذا أنى (إلى فراشه) لينام عليه (فلينفض فراشه بداخلة إزاره) المراد: بالداخلة طرف الإِزار (١) أخرجه البخاري في كتاب: النفقات، باب: عمل المرأة في بيت زوجها وفي الدعوات (باب التكبير والتسبيح عند المنام) (٥٩/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ٨٠). .. ، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، (الحديث: (٢) سورة التحريم، الآية: ٤ ٢٦٦ ١٤ - كتاب: الأذكار فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وبِكَ أَرْفَعُهُ؛ إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْها، وإِنْ أَرْسَلْتَها فَاحْفَظْهَا بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) ... الذي يلي الجسد. قال البيضاوي: إنما أمر بالنفض بالداخلة؛ لأن الذي يريد النوم يحل بيمينه خارج الإِزار وتبقى الداخلة معلقة فينفض بها، وقال في التوشيح: قيل: حكمته أنه يستر بالثياب فيتوارى ما يناله من الوسخ (فإنه لا يدري ما خلفه) بفتح الخاء المعجمة، واللام بصيغة الماضي (عليه) أي : أنه يستحب نفض الفراش قبل الدخول فيه، لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر، ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك، وقال الطيبي: معنى لا يدري ما خلفه لا يدري ما وقع في فراشه بعدما خرج منه من تراب، أو قذاره أو هوام (ثم يقول: باسمك ربي) الظرف متعلق بقوله وضعت، وفي نسخة من البخاري رب بحذف الياء اجتزاء، بدلالة الكثرة عليها، وفي رواية القطان: اللهم باسمك، وفي رواية أبي حمزة: ثم يقول: سبحانك ربي بك (وضعت جنبي وبك أرفعه) حكمة ترك الإتيان بالمشيئة في مثله مما قدم فيه الظرف على متعلقه، أن مقصود الكلام إنما هو الظرف لا متعلقه فعمدة الكلام هو الظرف، والمعنى أن الرفع كائن باسمك. قال الشيخ تقي الدين السبكي: فافهم هذا السر اللطيف ولا تنظر إلى قولهم الجار والمجرور فضلة في الكلام لا عمدة وتأخذه على إطلاقه بلا تأمل موارد تقدمه، وتأخره في الكتاب والسنة، وكلام الفصحاء، يتبين لك أنه إذا قدم المتعلق كان الظرف فضلة، وإذا قدم الظرف كان عمدة الكلام. قال: وقواعد العربية تقتضي أن الظرف فضلة في الكلام لا عمدة، وإن الفعل هو المخبر به والاسم هو المخبر عنه، هذا هو الأصل والوضع ثم قد یکون ذلك مقصود المتكلم، وقد لا یکون فإنه قد یکون جزءا الإِسناد معلومين، أو كالمعلومين، ويكون محط الفائدة في كونه على الصفة المستفادة من الظرف، كما فيما نحن فيه، فإن وضع المضطجع جنبه معلوم ورفعه كالمعلوم، ولم نقل معلوم لأنه قد يموت وإنما المراد الإِخبار بكونه باسم الله. اهـ ملخصاً، وقد سقته بلفظه في شرح الأذكار (إن أمسكت نفسي) إمساكها كناية عن الموت بدليل (فارحمها) لأن الرحمة تناسبه وفي رواية الترمذي فاغفر لها (وإن أرسلتها) من الإِرسال كناية عن الإِبقاء في الدنيا (فاحفظها) أي من سائر المكاره ديناً ودنيا (بما تحفظ به عبادك الصالحين) قال الطيبي : الباء فيه مثل الباء في قولك كتبت بالقلم، وكلمة ما مبهمة وبيانها ما دلت عليه صلتها (متفق عليه) (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: التعوذ والقراءة عند المنام وفي التوحيد (١٠٧/١١، = ٢٦٧ ٢٤٩ - باب: فيما يقوله عند النوم ١٤٥٩ _ وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِهِ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي يَدِيْهِ وَقَرَأَ بِالمُعَوِّذَاتِ ومَسَحَ بِهما جَسَدَهُ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وفي رِوايَةٍ لَهما: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِما: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) و ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)) و((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) ثُمَّ مَسَحَ بِهِما مَا اسْتَطاعَ مِنْ جَسَدِهِ؛ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ ومَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. قَالَ أَهْلُ. ورواه أصحاب السنن الأربعة كما في السلاح. ١٤٥٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ لل كان إذا أخذ مضجعه) أي: بالاضطجاع أو بالجلوس لذلك فيه (نفث) بالنون والفاء والمثلثة (في يديه) أي: كفيه طلباً البركة ما يقرؤه (وقرأ) ظاهره أن القراءة بعد النفث ولفظ الرواية بعده صريح فيما ذكر (بالمعوذات) بكسر الواو أي: قل هو الله أحد والمعوذتين، فهو من باب التغليب، وقال العيني: أو أريدهما وما يشبههما من القرآن أو أقل الجمع اثنان. قلت: والأول أولى لأنه صرح به في الرواية الآتية، والروايات يفسر بعضها بعضاً، والتغليب في مثله معروف (ومسح بهما) أي: بيديه (جسده متفق عليه) خالف في السلاح فإنه بعد أن أورده باللفظ الذي عزاه المصنف لهما، قال: رواه الجماعة يعني الستة إلا مسلماً، ولعل مراد المصنف أن أصل الحديث عند مسلم لا بخصوص هذا اللفظ فيوافق ما في السلاح (وفي رواية لهما أن النبي ◌َّ كان إذا أوى إلى فراشه) أي: المعد للنوم (كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس) لعل حكمة قراءة سورة التوحيد مع خلوها عن التعويذ، الثناء عليه تعالى بما تضمنه من أنه لا إلّه سواه، ومن كان كذلك يستعاذ به دون غيره، فكان كالدليل على قصر العوذ عليه (ثم يمسح بهما) أي: بكفيه (ما استطاع) أي: ما استطاعه (من جسده) فمن بيانية ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي: قدر استطاعته فمن للتبعيض متعلق بمسح (يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده) ثم بالمدبر منه (يفعل ذلك(١) ثلاثاً) وفي رواية ثلاث مرات (متفق عليه) تقدم ما فيه (قال أهل = ١٠٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، (الحديث: ٦٤). (١) أي كلاً من الجمع والنفث والقراءة كما قال ابن حجر والمناوي في شرح الشمائل. ٢٦٨ ١٤ - كتاب: الأذكار اللُّغَةِ: النَّفْثُ: نَفْخْ لَطيفٌ بِلا ريقٍ(١). ١٤٦٠ _ وعَنِ الْبَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِهِ قَالَ: (إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلْصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِليْكَ، وأَجَأْتُ ظَهْرِي إِليْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الّذِي أَنْزَلْتَ، اللغة: النفث نفخ لطيف بلا ريق) وقال الصغاني في العباب: النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، وقد نفث الراقي ينفث وينفث يعني بكسر الفاء وضمها، ومثله في القاموس. ١٤٦٠ - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي) اللام فيه التبليغ أي قال: (رسول الله (1) مخاطباً لي (إذا أتيت مضجعك) أي: أردت إتيانه (فتوضأ وضوءك للصلاة) أي: مثله وأتى بذلك للتنبيه على أنه ليس المراد من الوضوء معناه اللغوي من مطلق النظافة، بل الوضوء الشرعي المشتمل على النية المعتبرة (ثم اضطجع) أصله اضتجع لأنه من باب الافتعال فأبدلت التاء طاء (على شقك) بكسر المعجمة أي: جانبك (الأيمن) لئلا تستغرق في النوم، كما تكون حال النوم على الشق الأيسر (وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك) أي: جعلتها منقادة لك، تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا جلب ما ينفعها ولا دفع ما يضرها عنها، وينبغي أن يكون حاله وقت نطقه بذلك كذلك غير مهتم بأمر ولا منكر فيما يأتي بعد، وإلا كان كاذباً متعرضاً للمقت والطرد (وفوضت أمري إليك) أي: رددته إليك (وألجأت ظهري إليك) أي اعتمدت عليك في أموري كما يعتمد الإِنسان بظهره إلى ما يستند إليه (رهبة ورغبة إليك) أي: خوفاً من عقابك وطمعاً في ثوابك. قال ابن الجوزي : أسقط من مع ذكر الرهبة وأعمل إلى مع ذكر الرغبة، وهو على طريق الاكتفاء، وانتصابهما على المفعول له على طريق اللف والنشر (لا ملجأ) بالهمز وجاء تخفيفه (ولا منجا) أصله ألاّ يهمز، ولكنه لما قرن بما قبله جاز همزه للازدواج، وجاز ترك الهمز، فيهما لذلك، وهمز المهموز دون الآخر، ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة (٢) ثم إن كان هذان اللفظان (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: التعوذ والقراءة عند المنام (١٠٠/٨ و٥٦/٩). وفي فضائل القرآن فضل المعوذتين أي رواية مسلم. وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوذات والنفث، (الحديث: ٥٠). (٢) (قوله خمسة) اقتصر القسطلاني على وجه واحد وهو همز الأول وعدم همز الثاني ولعله لأنه الذي وردت به الرواية. ٢٦٩ ٢٤٩ - باب: فيما يقوله عند النوم وَبِنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ واجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرَ كَلامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وأَنْتَ عَلى الْفِطْرَةِ قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لَأَسْتَذْكِرَهُنَّ فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتْ. قَالَ: ((قُلْ آمَنْتُ بِنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ (١). ١٤٦١ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ قَالَ: (الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنا وَسَقانَا وَكَفانًا وَآوانًا فَكَمْ مِمِّنْ لا كافيَ لَهُ ولا مُؤوي)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). مصدرين فقد تنازعا قوله (منك) وإن كانا اسمي مكان فلا، إذ اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجأ إلا إليك وقوله (إلا إليك) استثناء مفرغ (آمنت بكتابك) يحتمل أن يراد به القرآن، وأن يراد به كل كتاب إلّهي (الذي أنزلت) في رواية أبي زيد المروزي أنزلته بالهاء (وبنبيك) أعاد الجار لاختلاف النوعين (الذي أرسلت) وعند أبي زيد أرسلته (فإن مت مت على الفطرة) أي: الدين وعند مسلم: فأنت على الفطرة، ووقع عند البخاري في التوحيد بزيادة: وإن أصبحت أصبت خيراً. قال العيني: أي: صلاحاً في الحال وزيادة في الأعمال (واجعلهن آخر ما تقول) أي: آخر أقوالك تلك الليلة، أي: اختم بها القول ليكون ختماً حسناً (متفق عليه) ورواه الأربعة. ١٤٦١ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي وسلم كان إذا أوى) بالقصر (إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا) ذكرهما، لأن المنام إنما يحصل بعد حصول الحاجة منهما (وكفانا) من الكفاية (وآوانا) بالمد أي: جعل لنا مأوى أي: مسكناً نأوي إليه (فكم) فكثير (ممن) أي: من شخص، ومن فیه لتأکید التکثیر المتضمن له کم (لا کافي له ولا مؤوي) له بضم الميمم بصيغة الفاعل، بل هو دائم الحاجة عظيم الفاقة، والمعنى لا راحم له ولا عاطف عليه. قال المظهري: والمؤوي هو الله يكفي بعض الخلق شر بعض ويهيء لهم المأوى والمسكن. كذا في قوت المغتذي. ففيه تعداد العبد للنعم عليه والنظر إلى من جعلهم الله دونه في المظاهر الدنيوية؛ ليعظم ما فيه العبد عنده فيزداد شكراً (رواه مسلم) (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام، وباب: إذا بات طاهراً، وباب: النوم على الشق الأيمن، والتوحيد (٩٣/١١، ٩٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، (الحديث: ٥٦) . (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، (الحديث: ٦٤). ٢٧٠ ١٤ - كتاب: الأذكار ١٤٦٢ _ وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ كانَ إِذَا أَرادَ أَنْ يَرْقُدَ وضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقولُ: ((اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌّ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوايَةِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقولُهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ(١) . ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربع. ١٤٦٢ - (وعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله وَير كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده) أي: الأيمن، ومن لازمه الاضطجاع على الجانب الأيمن (ثم يقول) أي: بعد الاضطجاع (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) هذا منه ولو خضوع كذلك لمولاه وأداء لحق مقام الربوبية المطلوب من العبد أداؤه، وتنبيه للأمة أن لا يأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (رواه الترمذي) في كل من الجامع والشمائل (وقال) في الجامع (حديث حسن) زاد في السلاح: صحيح (ورواه أبو داود) في سننه (من رواية حفصة) أم المؤمنين (رضي الله عنها وفيه) أي: حديثها المروي من طريقها (أنه كان يقوله ثلاث مرات) قال في السلاح: ورواه الترمذي من حديث البراء بن عازب بمعناه وليس فيه ذكر التثليث، وقال: حديث حسن غريب. من هذا الوجه. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات [باب: ١٨]، (الحديث: ٣٣٩٨). وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول عند النوم، (الحديث: ٥٠٤٥). ١٥ - كتاب: الدعوات ٢٥٠ - باب: في فضل الدعوات قال اللَّهُ تعالى (١): ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ آدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ كتاب الدعوات بفتح المهملتين جمع دعوة، بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة يقال: دعوت فلاناً فسألته، والدعاء إلى الشيء الحث على فعله، وفي شرح الأسماء الحسنى للقشيري ما ملخصه: الدعاء جاء في القرآن على وجوه منها العبادة نحو ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾(٢) وومنها الإستعانة نحو ﴿وادعوا شهداءكم﴾(٣) منها: السؤال نحو (ادعوني أستجب لكم) ومنها: القول نحو ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ (٤) ومنها النداء نحو ﴿يوم يدعوكم﴾(٥) ومنها الثناء نحو ﴿قل ادعوا الله (٦) أو ادعوا الرحمن﴾(٧) إ هـ قال اللّه تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) قال في فتح الباري: هذه الآية ظاهر في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء وأجابوا الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير الآتي عن النبي ﴾ ((الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾(١) أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي والحاكم قال الحافظ: وعمدة من أول الدعاء في الآية بالعبادة أن كثيراً يدعو فلا يجاب فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف، (١) سورة غافر، الآية: ٦٠. (٢) سورة يونس، الآية: ١٠٦. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣. (٤) سورة يونس، الآية: ١٠. (٥) سورة الإِسراء، الآية: ٥٢. (٦) الذي في البيضاوي أن الدعاء هنا بمعنى التسمية. (٧) سورة الإِسراء، الآية: ١١٠. ٢٧٢ ١٥ - كتاب: الدعوات وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿آدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . والجواب أن كل داع مستجاب له، لكن تتنوع الإِجابة فتارة تقع بعين المدعو به، وأخرى بعوضه أو بشرط اجتماع شروط الإِجابة، وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب، وأجاب الجمهور عن الحديث السابق بأن المراد أن الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر ((الحج عرفة)) ويؤيده حديث الترمذي عن أنس مرفوعاً ((الدعاء مخ العبادة)) وقد تواترت الآثار عن النبي وسير بالترغيب في الدعاء، والحث عليه، ثم ساق أحاديث يأتي بعضها وقال: قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك: عن عبادتي، فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكباراً ومن فعل ذلك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحض عليه. قال الحافظ في الفتح: وقد دلت الآية الآتية قريباً في السورة المذكورة أن الإِجابة مشروطة بالإِخلاص، وهو قوله تعالى: ﴿وادعوه مخلصين له الدين﴾(٢) وحكى القشيري في الرسالة الخلاف في المسئلة فقال: اختلف أي الأمرين أولى الدعاء أو السكوت والرضا؛ فقيل: الدعاء وهو الذي ينبغي ترجيحه؛ لكثرة الأدلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل. ثم نقل شبهة هذا القول وأجاب عنها بما يرجع حاصله إلى أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، ثم نقل عن طائفة أنه ينبغي أن يكون داعياً بلسانه راضياً بقلبه. قال القشيري: والأولى أن يقال إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أفضل، وبالعكس، وقال الحافظ في الفتح: القول الأول أعلى المقامات وهو أن يدعو بلسانه، ويرضى بقلبه، والثاني لا يتأتى من كل أحد فينبغي أن يختص به الكمل. قال القشيري: ويصح أن يقال ما: كان لله أو للمسلمين فيه نصيب، فالدعاء أفضل وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل، وعبّر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره، ويترك لنفسه. (وقال تعالى: ادعوا ربكم تضرعاً) أي: ذوي تضرع وابتهال (وخفية) والأصح أن يكره الصياح والنداء في الدعاء (إنه لا يحب المعتدين) المتجاوزين في شيء أمروا به ومنه الإطناب في الدعاء مثل مسألة على الجنة ونعيمها وإستبرقها وأمثال ذلك (وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) أي: فقل (١) سورة الأعراف، الآية: ٥٥. (٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٩. ٢٧٣ ٢٥٠ - باب: في فضل الدعوات وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿وَإِذَا سَأَلَكْ عِبَادِى عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعانٍ﴾ الآيةً. وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿أَمِّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية. ١٤٦٣ _ وعَنِ النَّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الدُّعاءُ هُوَ الْعِبادَةُ)): إني قريب أي: بعلمي أطلع على جميع أحوالهم قال أعرابي: يا رسول لله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. وروي لما نزل قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾(٣) قال الناس: لم نعلم أي الساعة ندعو فنزلت (أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي) أي فليجيبوا لي إذا دعوتهم إلى الطاعة، كما أجبتهم لمهماتهم (وليؤمنوا بي) أمر بالثبات والدوام (لعلهم يرشدون) راجين إصابة الرشد. (وقال تعالى: أم من يجيب المضطر إذا دعاه) وكانت الكفرة معترفة بذلك، لا تلجأ حال الاضطرار إلا إليه سبحانه (ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) أي: سكانها يهلك قوماً وينشىء آخرين (أإلّه مع الله قليلاً ما تذكرون) ما صلة أي: تذكرون تذكراً قليلاً لا يترتب عليه نفع، والمراد من القلة العدم وفسرنا الآيتين بكمالهما الإِشارة المصنف لكل بقوله (الآية). ١٤٦٣ - (وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي وَر قال: الدعاء هو العبادة) تقدم أن الحصر فيه غير حقيقي، بل ادعائي، نظير حديث ((الحج عرفة)) وجرى عليه أيضاً بعض المحدثين من شراح الحصن، وحمله في الحرز على الحصر الحقيقي كما هو المتبادر من تعريف الجزأين، وضمير الفصل قال: وذلك لأن إظهار العبد العجز والاحتياج عن نفسه، والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء باستجاب أم لم يستجب كريم غني لا بخل له، ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه، ويمنعه من عباده هو عين العبادة، كما روي عن أنس أن النبي وسلم قال: ((الدعاء مخ العبادة)) رواه الترمذي وقال: غريب من هذا الوجه. ومخ الشيء خالصه وما يقوم به كمخ الدماغ الذي هو نقيه. ومخ العين شحمها، والمعنى أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإِنسان لا يقوم إلا بالمخ. وقال القاضي: أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله والإِعراض عما (١) سورة البقرة، الآية: ١٨٦. (٢) سورة النمل، الآية: ٦٢ (٣) سورة غافر، الآية: ٦٠. ٢٧٤ ١٥ - كتاب: الدعوات رَوَاهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٤٦٤ _ وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَسْتَحِبُّ الْجَوامِعَ مِنَ الدُّعاءِ ويَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رَواهُ أبو داوُدَ بِإِسْنادٍ جَيِّدٍ(٢). ١٤٦٥ _ وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ أكْثَرُ دُعاءِ النَّبِيِّ وَّرِ: «اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنا عَذَابَ النَّارِ) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. زادَ مُسْلِمٌ في سواه. اهـ (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وتقدم أنه رواه أيضاً النسائي وابن ماجه، وأن الحاكم صححه أيضاً، وفي الحصن ورواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن حبان والإمام أحمد في مسنده زاد شارحه وأخرجه البخاري في تاريخه، والطبراني في كتاب الدعاء له. ١٤٦٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت رسول الله وَ لثر يستحب) أي: يحب وصيغة الافتعال للمبالغة (الجوامع من الدعاء) أي: الدعاء الجامع للمهمات والمطالب، فيكون قليل المبنى جليل المعنى (ويدع) أي: يترك (ما سوى ذلك) وذلك لأن القوى البشرية تعجز عن الدوام على القيام بأداء الآداب المستحقة للربوبية المطلوبة من الداعي، فندب له الإتيان باللفظ اليسير لسهولة القيام بالآداب زمنه، وندب أن يكون جامعاً ليصل لمطلوبه بأسهل طریق (رواه أبو داود بإسناد جيد) ورواه الحاكم في مستدركه وصححه، وقال الحافظ السخاوي في تتمة تخريج أحاديث الأذكار: وقد أخرجه من طريق الطبراني ما لفظه: هذا حديث حسن أخرجه أحمد وغيره. ١٤٦٥ _ (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي (يسار) أي: أكثر ما يداوم عليه من الدعاء (اللهم) أي: يا الله (آتنا)(٣) أي: أعطنا (في الدنيا حسنة) يدخل فيها كل خير دنيوي وصرف كل شر (وفي الآخرة حسنة) مثل ذلك (وقنا عذاب النار) تخصيص بعد (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعاء، باب: ما جاء في فضل الدعاء، (الحديث: ٣٣٧١). وهو عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال رسول اللّه وَالر قال: ((الدعاء مخ العبادة)). وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء، (الحديث: ١٤٧٩). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء، (الحديث: ١٤٨٢). (٣) قوله (اللهم آتنا) للكشميهني اللهم ربنا آتنا اهـ قسطلاني. ٢٧٥ ٢٥٠ - باب: في فضل الدعوات رِوايَتِهِ قَالَ: وكانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعا بِها، فَإِذَا أَرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدُعاءٍ دَعا بِها فِیهِ(١) . ١٤٦٦ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَ﴿ كَانَ يَقولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدى والتُّقَى وَالْعَفافَ وَأَلْغِنى)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). تعميم، لأنه هو الفوز، وبعض السلف خصص الحسنة في الموضعين بشيء خاص والتعميم أولى (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود (زاد مسلم في روايته) للحديث على البخاري (قال:) أي: الراوي (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة) بفتح الدال مرة من الدعاء (دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها) أي: بهذه الدعوة (فيه) أي: في جملته وذلك اقتداء به وله الإكثاره منها لقلة ألفاظها وإحاطتها بخير الدارين. ١٤٦٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي وير كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى) بضم الهاء وفتح الدال، ضد الضلالة (والتقى) بضم الفوقية بمعنى التقوى(٣)، وهي اسم مصدر من قولهم اتقيت الله اتقاءً، وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي (والعفاف) بفتح المهملة وبالفاءين، مصدر عف من باب ضرب أي: الكف عن المعاصي والقبائح (والغنى) بكسر المعجمة والقصر، أي: الاستغناء عن الحاجة إلى الخلائق، وقدم الهدى لأنه الأصل، والتقى مبني عليه، وعطف عليه العفاف عطف خاص على عام اهتماماً به، لأن النفس تدعو إلى ضده فسأل من الله الإعانة على تركه، وبعد أن أتم مطالب الدين توجه لبعض مطالب الدنيا، وهو الغنى أي: عدم الحاجة إلى الناس (رواه مسلم) قال الحافظ السخاوي في تتمة تخريج أحاديث الأذكار: ورواه أبو داود والطيالسي، وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: قول النبي ◌ّ ر ربنا آتنا في الدنيا حسنة (١٤٠/٨) و (١٦١/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة ... ، (الحديث: ٢٦). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (الحديث: ٧٢). (٣) في النسخة جمع التقوى والذي في الصحاح التقوى والتقى واحد والواو مبدلة من الياء اهـ. ٢٧٦ ١٥ - كتاب: الدعوات ١٤٦٧ - وعَنْ طَارِقٍ بِنِ أَشْيَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَم عَلَّمَهُ النّبِيُّ وَهِ الصَّلاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤلاءِ الْكَلِماتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واهْدِنِي وَافِي وارْزُقْنِي)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لَهُ عَنْ طَارِقٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ لَهُ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ ربّي؟ قَالَ: ((قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وعَافِي وارْزُقِنِي؛ فَإِنَّ هَؤلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْياكَ وَآخِرَتَكَ))(١). ١٤٦٨ _ وعَنِ ابنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ١٤٦٧ - (وعن طارق) بالطاء المهملة والراء والقاف (ابن أشيم) بوزن أحمد، والشين فيه معجمة بعدها تحتية ابن مسعود الأشجعي (رضي الله عنه) والد أبي مالك صحابي، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه أبي مالك، أخرج عنه البخاري في التاريخ، ومسلم في الصحيح، والترمذي والنسائي، وابن ماجه. روي له عن رسول الله صلهو أربعة أحاديث، فيما نقله ابن الجوزي عن البرقي انفرد به مسلم فروى عنه حديثين (قال: كان الرجل إذا أسلم) أي: دخل في الإِسلام (علمه النبي ◌َّ الصلاة) اهتماماً بها؛ ولأنها دعامة الإِسلام (ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات) وبينها بقوله (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني) بدأ بالمغفرة، لكونها كالتخلية بالمعجمة لما فيها من التنزيه من قذر المعصية، وعقبها بالرحمة لكونها كالتحلية بالمهملة، وعطف عليه عطف خاص على عام. قوله: واهدني لأنه من أعظم المقاصد والمطالب، وبعد تمام المطلب سأل العافية ليقدر على شكر الرحمة والقيام بدعائم الهداية، والرزق لتستريح نفسه عن الهم بتحصيله المشغل عن القيام بالطاعة (رواه مسلم) في الدعوات (وفي رواية له) أي: لمسلم ولابن ماجه أيضاً (عن طارق أنه سمع النبي ◌َ﴿ وأتاه رجل) جملة حالية بإضمار قد (فقال: يا رسول الله كيف أقول حين أسأل) أي: أدعو (ربي قال) جملة حالية من النبي وَّ ر كالتي قبلها (قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني) زاد مسلم: وجمع أصابعه إلا الإِبهام وقال (فإن هؤلاء) أي: الكلمات (تجمع لك دنياك وآخرتك) أي: مطالبهما، فإن الرزق والعافية والرحمة تعمهما، والغفران يخص الآخرة. ١٤٦٨ - (وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلقر) ((إن قلوب (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (الحديث: ٣٤) وهو عن أبو مالك الأشجعي. ٢٧٧ ٢٥٠ - باب: في فضل الدعوات (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلوبِ صَرِّفْ قُلوبَنَا عَلى طَاعَتِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٤٦٩ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقاءِ وَسُوءِ الْقَضاءِ وشَماتَةِ الْأَعْدَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفى رِوايَةٍ قَالَ بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال وَطّ)) (اللهم مصرف القلوب) أي: مغيرها من شأن إلى شأن آخر کالهداية بعد الضلالة وعكسه (صرف قلوبنا) أي: غيرها من حال إلى حال (على طاعتك) ظرف لغو متعلق بصرف أي: صرف على طاعتك، قلوبنا فلا تزغها بعد الهدى (رواه مسلم) ورواه النسائي. ١٤٦٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَير قال: تعوذوا) عدل إليه عن عوذوا، للمبالغة (بالله من جهد البلاء) الجهد بفتح الجيم وضمها المشقة، وكل ما أصاب الإِنسان من شدة المشقة، وما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه عن نفسه، فهو من جهد البلاء. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن جهد البلاء، فقال: قلة المال وكثرة العيال، وقال الحافظ في الفتح: الحق أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء. وقيل: هو ما يختار الموت عليه، والبلاء بفتح الموحدة والمد (ودرك الشقاء) بفتح الدال والراء ويجوز إسكان الراء، فبالفتح مصدر(٢) وبالإِسكان اسم مصدر. قال في السلاح: هو الإِدراك واللحاق، والشقاء بالفتح والمد الشدة والعسر، وهو ضد السعادة، ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك(٣) (وسوء القضاء) أي: المقضي إذ حكم الله من حيث هو حكمه، كله حسن لا سوء فيه. والقضاء هو الحكم بالكليات على سبيل التفصيل فيما لا يزال (وشماتة الأعداء) هي الحزن بفرح عدوه، والفرح بحزنه وهي مما ينكا في القلب ويؤثر في النفس تأثيراً شديداً، وإنما دعا النبي * بذلك تعليماً (٤) لأمته، وهذه دعوة جامعة لأن المكروه إما أن يلاحظ من جهة المبدأ وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد(٥)، وهو درك الشقاء، إذ شقاوة الآخرة هي (١) أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، (الحديث: ١٧). (٢) الظاهر أنه اسم مصدر سواء أفتحت راؤه أم أسكنت لأن الفعل أدرك. (٣) ويطلق على نفس الهلاك كما في القسطلاني وغيره. (٤) لا يخفى أن لفظ الحديث تعوذوا بالله الخ فهذا الكلام إنما يتأتى في حديث كان النبي و # يتعوذ إلخ وهي إحدى روايات هذا الحديث في البخاري ومسلم. (٥) هذا إنما يتأتى على تفسير الشقاء بالهلاك كما سبق. ٢٧٨ ١٥ - كتاب: الدعوات سُفْيَانُ: أَشُكُ أَنِّي زِدْتُ واحِدَةٌ مِنْها (١). ١٤٧٠ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَيَقولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي الشقاء الحقيقي، أو من جهة المعاش وذلك أما من جهة غيره وهو شماتة الأعداء، أو من جهة نفسه وهو جهد البلاء، وإنما تعوذ وَلّ من هذه الأمور تعليماً لأمته وإلا فإن الله تعالى أمنه من ذلك أجمع، أو أنه أتى به دفعاً لوقوع ذلك بأمته (متفق عليه) ورواه النسائي (وفي رواية) أي: للبخاري في الدعوات، وكذا هو عند مسلم باللفظ الذي ساقه المصنف (قال سفيان) هو ابن عيينة راوي الحديث المذكور (أشك أني زدت واحدة منها) أي: الأربع ولا أدري أيتهن المزيدة. قال الحافظ في فتح الباري: أخرجه ابن الجوزي من طريق علي بن عبد الله بن هاشم عن سفيان فاقتصر على ثلاثة، ثم قال: قال سفيان: وشماتة الأعداء. وأخرجه الإسماعيلي من طريق أبي عمير عن سفيان، وبيّن فيه أن المزيدة هي شماتة الأعداء، وعرف منه تعين الخصلة المزيدة، اهـ، قال الكرماني : كيف جاز له خلط كلامه بكلام رسول الله وَلقر بحيث لا يفرق بينهما، ثم أجاب بأنه ما خلط، ولكن اشتبهت عليه تلك الثلاثة بعينها، وعرف أنها من هذه الأربعة فذكرها تحقيقاً لرواية الثلاثة قطعاً إذ لا مخرج عنها، ولفظ البخاري قال سفيان: الحديث ثلاث وزدت واحدة فصارت أربعاً، وقد أخرجه البخاري في القدر عن سفيان بالخصال الأربع بغير تمييز وأجاب الحافظ عما أورده الكرماني بأن سفيان كان إذا حدث عينها، ثم طال الأمر فطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه، قبل أن يطرقه السهو، ثم بعد أن طرقه السهو وخفي عليه تعيينها تذكر كونها مزيدة، مع إبهامها، ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا تعييناً ولا إبهاماً على أن يكون ذهل عن ذلك، أو عين وميز فذهل بعض من سمع منه، ويترجح كون الخصلة المزيدة هي الشماتة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاث اهـ. ومن الخبط العجيب قول القارىء في الحرز جلالة سفيان تمنعه أن يزيد من قبل نفسه ما يدرج في لفظ النبوة، بل إنما هي زيادة في روايته على سائر الروايات وزيادة الثقة مقبولة، وستأتي هذه الزيادة في حديث آخر. اهـ. وذلك لأنه قد ثبت عنه التصريح بأنه أدرج ذلك فما بقي لغيره مجال. ١٤٧٠ - (وعنه قال: كان رسول الله وَلل يقول: اللهم أصلح لي ديني) بأن توفقني للقيام (١) أخرجه البخاري في كتاب: القدر، باب: من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء، (٤٤٩/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره ، (الحديث: ٥٣). ٢٧٩ ٢٥٠ - باب: في فضل الدعوات دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْري، وأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتِي فِيها مَعاشِي وَأَصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتِي فِيها مَعادي واجْعَلِ الْحَياةَ زِيادَةٌ لي في كلُّ خَيْرِ، واجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةٌ لي مِنْ كلَّ شَرِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٤٧١ - وعَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قُل: اللَّهُمَّ اهْدِني وسَدِّدْنِي)) وفي رواية: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى والسَّدَادَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). بآدابه على الوجه الأكمل الأتم (الذي هو عصمة أمري) أي: ما أعتصم به في جميع أموري، وفي الصحاح: العصمة المنع والحفظ، وقيل: هو مصدر بمعنى الفاعل، وقد قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾(٣) (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشيٍ) أي: مكان عيشي وزمان حياتي، أي: بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه، وبأن يكون حلالاً ومعيناً على طاعة الله (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) أي: مكان عودي، أو زمان إعادتي باللطف والتوفيق، على العبادة والإِخلاص في الطاعة وحسن الخاتمة (واجعل الحياة) أي: طول عمري (زيادة لي في كل خير) أي: من إيقان العلم، وإتقان العمل (واجعل الموت) أي: تعجيله (راحة لي من كل شر) أي: من الفتن والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة، ومحصل آخر هذا الدعاء: اجعل عمري مصروفاً فيما تحب، وجنبني ما تكره، وهو من الأدعية الجوامع (رواه مسلم). ١٤٧١ - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله وَله: قل: اللهم اهدني وسددني) من التسديد في الأمر الإِتيان به سديداً (وفي رواية: اللهم إني أسألك الهدى والسداد رواه مسلم) وفي مسلم زيادة: واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم. قال المصنف: السداد بفتح السين وسداد السهم تقويمه، ومعنى سددني وفقني، واجعلني مصيباً في جميع أموري، وأصل السداد الاستقامة والقصد في الأمر، وأما الهدى هنا فهو الرشاد، يذكر ويؤنث، ومعنى اذكر بالهدى الخ أي: تذكر ذلك في حال دعائك (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (الحديث: ٧١). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (الحديث: ٧٨). (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣. ٢٨٠ ١٥ - كتاب: الدعوات ١٤٧٢ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، والْجُبْنِ وَالْهَرَمِ والْبُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ الْقَبْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيا وَالْمَماتِ)) وفي رِوايَةٍ: ((وضَلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةٍ الرِّجالِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) . بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم له رميه حتي يقومه، وكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد عمله وتقويمه ولزومه السنة، وقيل: ليتذكر بهذا اللفظ السداد والهدى لئلا ينساه. اهـ. ١٤٧٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَليل يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز) هو هنا عدم القدرة على الخير، وقيل: ترك ما يجب فعله، والتسويف به وكلاهما يستحب التعوذ منه، قاله ابن الجوزي (والكسل(٢)) تقدم (والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، ويضمان على ما في القاموس، هو الخوف وضعف القلب، فهو ضد الشجاعة (والهرم) بفتحتين الكبر والضعف، والمراد به صيرورة الرجل خوفاً من كبر السن، بحيث لا يميز بين الأمور المعتدلة المحسوسة، والمعقولة كما قاله المظهري (والبخل) بضم فسكون ويفتحتين، منع أداء ما يطلب أداؤه (وأعوذ بك من عذاب القبر) أي: العذاب الكائن فيه، وفي الحديث ((القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار)). وفي آخر القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن حسن فيما بعده أحسن، وإن قبح فما بعده أقبح، وعذاب القبر ينشأ عن فتنته أي سؤال الملكين فيه (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) أي: الحياة والموت. قال ابن الجزري: واختلف في المراد بفتنة الموت فقيل: فتنة القبر، وقيل: فتنة الاحتضار. اهـ وتقدم بسطه في كتاب الأذكار (وفي رواية) أي: لمسلم (وضلع الدين) قال الحافظ: هو بفتح المعجمة واللام الاعوجاج يقال ضلع بفتح اللام، أي: مال والمراد به ههنا ثقل الدين وشدته، بحيث لا يجد من عليه الدين وفاءه، ولا سيما مع المطالبة، فقد قال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلباً إلّ ذهب من العقل ما لا يعود إليه (وغلبة الرجال) بفتح الغين المعجمة، واللام مصدر مضاف قيل: إلى فاعله، وقيل: إلى مفعوله فكأنه إشارة إلى العوذ من أن يكون مظلوماً أو ظالماً. وفيه إيماء إلى العوذ من الجاه المفرط والذل المهين (رواه مسلم) وفي السلاح: عزوه بعد إيراده بلفظه المذكور أولاً إلى قوله والممات. رواه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء ... ، باب: التعوذ من العجز والكسل وغيره، (الحديث: ٥٠). (٢) قال النووي هو عدم انبعاث النفس بخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه. 22008