Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٧٩ - باب: في الوالي العادل مُعَاوِيَّةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ(١). ٧٩ - باب: في الوالي العادل قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، الآيَة. وَقَالَ تَعَالى (٣): ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾. حد الضرورة بحيث لو لم تحصل لاختل أمره، والخلة ما كان فوق ذلك مأخوذ من الخلل ولم يبلغ حد الاضطرار والفقر هو الاضطرار التام مأخوذ من الفقار؛ كأنه كسر فقاره اهـ. وكأنه باعتبار المراد في الحديث وما أشرنا إليه باعتبار موضوع اللفظ لغة إذ الفقر مطلق الحاجة، وكذا الخلة والله أعلم. قال العاقولي: المراد باحتجابه منع أرباب الحاجات من الوصول إليه فيعسر عليهم إنهاءها (احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره) أي: لم يجب له دعاء ولم يحقق له أملاً (يوم القيامة) ظرف لاحتجب الثاني (فجعل معاوية) أي: عقب سماع ذلك منه (رجلاً على حوائج الناس) أي: ايصالها إليه وإبلاغه إياها، لتخف عنه المؤنة فلا يصعب عليه الأمر (رواه أبو داود) في الخراج من سننه (والترمذي) في الأحكام من جامعه. باب فضل الوالي العادل عبر بالوالي ليشمل كل ذي ولاية (قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإِحسان الآية) بالنصب، أي: أتم الآية، وبالرفع أي: الآية المعروفة (٤)، وبالجر على حذف الجار والباء عمله وهذا شاذ (إلى آخرها) وقد سبق الكلام على معناها في الباب قبله (وقال تعالى وأقسطوا) بفتح الهمزة، أي: اعدلوا من الإِقساط العدل (إن الله يحب) أي: يثيب ويوفق (المقسطين) العادلين. (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: فيما يلزم الإِمام من أمر الرعية [والحجبة عليه]، (الحديث: ٢٩٤٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في إمام الرعية، (الحديث: ٣٣٢) (٢) سورة النحل، الآية: ٩٠. (٣) سورة الحجرات، الآية: ٩. (٤) (المعروفة) لعله (معروفة). ع ١٢٢ كتاب: دليل الفالحين ٦٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا في اللّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ أَمْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمُ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيَاً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٦٥٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌ّ قال سبعة) أي: من أصناف الناس فهو مبتدأ مسوغ الابتداء ما أشرنا إليه وقوله: (يظلهم الله في ظله) خبره وقوله: (يوم لا ظل إلا ظله) ظرف له وهو القيامة (إمام عادل) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هم والعطف سابق على الربط، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لمن قال من هم، وذكر الإِمام لأنه الأشرف والأفضل(٢) العادل يشمله وغيره من الولاة كما تومىء إليه ترجمة المصنف (وشاب نشأ في عبادة الله) مخلصاً لله سبحانه (ورجل قلبه معلق بالمساجد) فهو من عمارها المشهود لهم بالاهتداء، وتعلق قلبه بها ليعبد الله تعالى فيها بصلاة واعتكاف ونحو ذلك فلذا قرنه بما قبله (ورجلان تحابا في الله) في تعليله أي: لله لا لغرض ولا لعرض وفي الحديث: ((أفضل الحب الحب في الله)) (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) جملة صفة بعد صفة للنكرة قبلها، أو حال منها لتخصيصها بالوصف (ورجل دعته امرأة ذات) صاحبه (منصب) أشارة لغناها (وجمال) إشارة لما يدعو لموافقتها ومع ذلك كف نفسه عنها (فقال إني أخاف الله) أي: وخوفه يمنع من المعصية التي منها الزنى، فذكر السبب وأراد المسبب (ورجل تصدق بصدقة) هي: ما يتبرع به لمحتاج تقرباً إلى الله سبحانه (فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي: أنه من شدة الإِخفاء لو كان بجانبه(٣) إنسان نبيه فطن لما فطن بصدقته إلى من عن يمينه (ورجل ذكر الله) أي: جلاله وعظمته (خالياً) قيد به؛ لأنه حينئذ أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإِخلاص وإلا فالمراد البكاء خوفاً من الله مخلصاً له سواء كان في الخلا أو في الملأ (ففاضت عيناه) من هيبته وجلاله، أو ذكر نعماء الله عليه وتقصيره فى أداء شكرها ففاضت عيناه حياءً من الله تعالى (متفق عليه) تقدم تخريجه مع بسط الكلام في شرحه في باب فضل (١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب صلاة الجمعة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (١١٩/٢، ١٢٤)، سبق تخريجه. وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل اخفاء الصدقة، (الحديث: ٩١). (٢) (والأفضل) تحريف ولعل الصواب (وإلا فلفظ). ع. (٣) (بجانبه) المراد (جانبه الأيسر). ع. ١٢٣ ٧٩ - باب: في الوالي العادل ٦٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((إِنَّ المُقْسِطِيْنَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ: الَّذِيْنَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيْهِمْ وَمَا وُلُّوا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٦٦٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَيَقُولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الذِيْنَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُونَكُمْ، الحب في الله تعالى. ٦٥٩ - (وعن عبدالله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء تخفيفاً، وتقدم بيان وجهه مراراً (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّر: إن المقسطين) أي: العادلين (عند الله) عندية شرف ومكانة وهو محتمل لكونه خبر إن، وقوله: (على منابر من نور) في محل الحال من الضمير المستقر فيه، أو خبر بعد خبر، أو هو خبر والظرف قبله حال من الضمير المستقر فيه. ومن نور صفة منابر مخصصة لبيان الحقيقة، ويجوز أن يكون حالاً بعد حال على التداخل. قال العاقولي: هذا يحتمل الحقيقة وهي جمع منبر سمّي به لارتفاعه، ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة والمراد بذلك كرامتهم، ولذا قال عند الله فهو كناية عن ارتفاع شأنهم في معارج القدس (الذين يعدلون في حكمهم في أهليهم وماولوا) صفة المقسطين، أو خبر محذوف، أي: الممدحون، أو مفعول أمدح مقدراً وفي حكمهم صلة يعدلون وفي أهليهم صلة حكم، ويجوز كونه ظرفاً مستقراً، أي: حال كون الحكم كائناً في أهلهم. قال العاقولي: أي: إن هذا الفضل إنما هو لذي العدل فيما قلده من أمر دنيوي أو أخروي، كلي أو جزئي في أهله وغيره، وهو ملخص من كلام المصنف في شرح مسلم (رواه مسلم) وأحمد والنسائي وعندهم زیادة: ((عن یمین الرحمن» بعد قوله من نور. ٦٦٠ - (وعن عوف بن مالك) هو الأشجعي كما في أطراف المزي (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ( يقول خيار) بكسر المعجمة فتحتية مخففة، قال في المصباح: جمع خير ضد الشر كسهم وسهام ومنه خيار المال الكرائم (أئمتكم) بهمزتين وتخفف بقلب الثانية ياء جمع إمام، وأصله أأممة على وزن أفعلة فنقلت الكسرة إلى الساكن قبلها وأدغمت الميم الساكنة في المتحركة (الذين تحبونهم) لحسن سيرتهم فيكم ورفقهم بكم (ويحبونكم) وذلك لأن المحبة رابطة من الجانبين؛ ولذا عجب ◌ّ من حب زوج بريرة لها وبغضها إياه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الامارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ١٨)، أحمد: (١٦٠/٢). ١٢٤ كتاب: دليل الفالحين وَيُصَلُون عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمَتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضِونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ!)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ؟ قَالَ ((لَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَةِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئَاً تَكْرَهُونَهُ فَأْكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدَأْ مِنْ طَاعَةٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (تُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ)) تَدْعُونَ لَهُمْ (١). ٦٦١ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لِ يَقُولُ: (وتصلون عليهم) أي: تدعون لهم بخير وعدي بعلي لتضمنه معنى الحنو والعطف (ويصلون عليكم) أي: يدعون لكم لامتثالكم ما أمر الله بامتثاله، واجتنابكم ما نهى الله عنه، ويصلون عليكم إذا متم (٢) وتصلون عليهم كذلك، قال العاقولي: وإن حمل على الدعاء فحسن، أي: تدعون لهم ويدعون لكم وذلك إنما يكون عند التقارب والتآلف والتناصف، وكلا المعنيين قريب وكل منهما يلزم الآخر اهـ. وكونه يلزم من كل منهما الآخر في محل المنع والله أعلم. (وشرار أئمتكم) بكسر المعجمة جمع شر ضد الخير كما تقدم) (الذين تبغضونهم) لشقهم عليكم وعدم رفقهم بكم (ويبغضونكم) كما تقدم في نظيره (وتلعنونهم) أي: تدعون عليهم بالبعاد من الرحمة لسوء أعمالهم، ولا يلزم منه جواز الدعاء بلعن المعين؛ لأن هذا بيان عادة الناس مع أمراء السوء لا أن ذلك مشروع (ويلعنونكم) مجازاة لما فعلتم معهم (قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم) أي: أنطيعهم على سوء وصفهم المذكور فلا ننابذهم، أي: نخالفهم بترك الطاعة لهم (٣) (قال: لا) أي: لا تنابذوهم (ما) مصدرية ظرفية (أقاموا فيكم الصلاة) أي: مدة إقامتهم لها فیکم. وفيه دليل تعظيم الصلاة، ويؤخذ منه أن ترك إقامة الصلاة كالكفر البواح لقوله في حديث عبادة: ((لا إلا أن تروا كفراً بواحاً)) وقد تقدم في باب الأمر بالمعروف، وكذا تقدم فيه من حديث أم سلمة: ((قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة)) رواه مسلم، وبه يتبين تفسير تنابذهم في حديث الباب. الحرب كاشفته إياها وجاهرته بها لأن تفسير السنة بالسنة أولى، وفي المصباح نابذ (رواه مسلم تصلون عليهم تدعون لهم) أي: بخير كما يدل عليه تعدية دعا باللام، وهذا أحد المحتملين في ذلك كما تقدم. ٦٦١ - (وعن عياض بن حمار) بكسر أول كل منهما، وهو مهمل وتخفيف التحتية والميم (١) أخرجه مسلم في كتاب: الامارة، باب: خيار الأئمة وشرارهم، (الحديث: ٦٥). (٢) في الأصول (هم) بدل (متم) وهو تحريف ظاهر. ع. (٣) لعل هنا سقطاً وهو لأم ننابذهم. ١٢٥ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور ((أَهْلُ الجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُوَقَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيْقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَقِّفٌ ذُو عِيَالٍ)) رَواهُ مُسْلِمٌ (١). ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية وآخر الأول ضاد معجمة والثاني راء، وقد تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب فضل الاختلاط بالناس (قال: سمعت رسول الله وَ الر يقول: أهل الجنة ثلاثة) مفهوم العدد غير معتبر عند الأصوليين، والاقتصار على ذلك لعله لدعاء المقام حين التكلم إليه. والتمييز محذوف، أي: ثلاثة أصناف (ذو) أي: صاحب (سلطان) أي: تسلطن بالولاية في شيء من أمور المسلمين (مقسط) بالرفع صفة ذو أي عادل (موفق) أي: لمراضي الله سبحانه وتعالى من امتثال أوامره واجتناب مناهيه وقد جاء في حديث: ((عبادة ساعة من الملك العادل تعدل عبادة سبعين سنة من غيره)). والتوفيق لغة: جعل الأسباب موافقة للمسببات. وشرعاً: خلق قدرة الطاعة في العبد، وقيل: خلقها فيه بالفعل (ورجل رحيم) من الرحمة وهي ميل نفساني إلى جانب المرحوم (رقيق القلب) بقافين من الرقة خلاف الغلظ والعنف، أي: أنه لصفاء قلبه ورحمته اللتين قامتا به خال عن الغلظ والعنف على الخلائق بل يحنو عليهم ويشفق في أحوالهم. وقوله: (لكل ذي قربى ومسلم) تنازعه الوصفان قبله ففيه إيماءً إلى صلته للرحم؛ لأن الداعي لها موجود مع فقد المانع فكأنه قال الثاني واصل رحمه فذكر السبب مراداً به المسبب (وعفيف) بالطبع عن السؤال بحسب أصل طبعه (متعفف) مبالغ في ذلك بالاكتساب، ففيه إيماءً إلى أن الأخلاق غريزية باعتبار أصلها وإنما تزكو وتنمو بالمزاولة (ذو عيال) أي: أنه لكمال يقينه ووثوقه بمولاه لتضمنه بأرزاق العباد فضلاً منه لا يسأل أحداً، وإن كان قام بسبب السؤال من كثرة العيال المؤذن بها الإِتيان بذي التي هي أبلغ من صاحب وبصيغة جمع الكثرة (رواه مسلم). باب وجوب طاعة ولاة الأمر مفهوم الجمع غير قيد في وجوب الطاعة، بل المراد ذي الولاية (١) سواء كان إماماً أو سلطاناً أو ملكاً أو أميراً أو عاملًا (في غير معصية) متعلق بطاعة، والأمر فيما عدا المعصية (١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا ... (الحديث: ٦٣). (٢) (ذي الولاية) أي: (طاعة ذي الولاية). ع ١٢٦ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الَأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. ٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَِّ ﴿ قَالَ: ((عَلَى المَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيَمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّ أَن يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَ طَاعَةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). لتجتمع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوال الدين والدنيا قاله المصنف. (وتحريم طاعتهم) أي: طاعة كل منهم (في المعصية) دخل في شق الوجوب الواجب والمندوب والمباح والمكروه، فتجب طاعة أمر ولي الأمر به، والثاني قاصر على المحرمٍ صغيرة كانت أو كبيرة. (قال الله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ذكر طاعته تعالى تشريفاً الرسول وَله، وإيماءً إلى أن طاعة الرسول طاعة له (وأولي الأمر منكم) ولعل حكمة إعادة العامل في المعطوف الأول دون الثاني الإِيماء إلى مزيد الاهتمام بطاعته، والانقياد لأمره؛ لأن ذلك علامة الإِيمان، كما قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾(٣) الآية. وطاعة ولاة الأمور وإن كانت واجبة أيضاً للآية ولغيرها إلا أنها ليس الإِخلال بها مخلا بالإِيمان والله أعلم. ٦٦٢ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر قال: على المرء المسلم) أي: يجب عليه (السمع والطاعة) أي: القبول والانقياد لقول ولي الأمر (فيما أحب) المرء إن كان موافقاً لمراد المأمور أيضاً (وكره) بأن كان مخالفاً لمراده، والعائد محذوف إن كانت ما موصولاً اسمياً، فإن أعربتها مصدرية فلا خلاف في حبه وكراهيته، والمصدر بمعنى اسم المفعول (إلا أن يؤمر بمعصية) كقتل محترم (فإن أمر بمعصية) أتي به ظاهراً والمقام للضمير زيادة في الإِيضاح ورفع الإِلباس، وبنى الفعل للمجهول ليعم كل آمر من ولي أمر وأبوين وغيرهم (فلا سمع ولا طاعة) بناء الاسمين استغراقاً لإِفراد كل منهما، أي فلا يطلب شيء من هذين حينئذ بوجه بل يحرم ذلك على من كان قادراً على الامتناع وهو نفي بمعنى الخبر، أي: فلا تسمعوا ولا تطيعوا وهو أبلغ كأنه امتثل وانتفي ما أمر بتركه فأخبر عنه بما يخبر به عن المنفي (١) سورة النساء، الآية: ٩د. .(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: السمع والطاعة للإِمام ما لم تكن معصية، وفي الجهاد باب: السمع والطاعة للإِمام (١٠٩/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء ... (الحديث: ٣٨). ١٢٧ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور ٦٦٣ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ عَلَى السَّمَعِ والطّاعةِ يَقولُ لَنا: ((فِيما اسْتَطَعْتُمْ)). مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١). ٦٦٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ : ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ خَلَعَ يَدَأَ مِنْ طاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الفتن، وأخرجه مسلم في كتاب المغازي (٢). ٦٦٣ - (وعنه رضي الله عنه قال: كنا إذا بايعنا رسول الله وَ لر) الإتيان بصيغة المفاعلة لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم من الله تعالى على يده، وباعهم ما أعده الله لهم من نعيم الآخرة (على السمع والطاعة) لولاة الأمر (يقول لنا) ملقناً (فيما استطعتم) أي: خصصوا المبايعة بقولكم فيما استطعنا، وذلك شفقة منه عليهم ورحمة لئلا يدخل في عموم بيعته مالا يطيقون، وهو نحو قوله وقال: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون)) قال العاقولي: وفيه إشكال على قولنا يجب إحضار الاستثناء على خاطر المستثني قبل تمام المستثنى منه. ((قلت)) ولا إشكال ولعلهم أعادوا المبايعة ليقيدوها بذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإِحكام، ومسلم في آخر المغازي، ومداره عندهما على عبدالله بن دينار عن ابن عمر. ورواه الترمذي في السير من جامعه. وقال: حسن صحيح، والنسائي في السير وفي البيعة من سننه، هذا ما ذكره المزي في أطرافه. ثم الحديث في الصحيحين بضمير الواحد المخاطب وليس فيه ميم الجماعة، فلعل ما في نسخ الرياض من زيادة الميم من تحريف الكتاب وإلا فسبق قلم بلا ارتیاب. ٦٦٤ - (وعنه قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: من خلع يداً من طاعة) أي: خرج عنها بالخروج على الإِمام وعدم الانقياد له في غير معصية بأي وجه كان أطلق خلع اليد وأراد به لازمه وهو إبطال المبايعة بالخروج عن الطاعة مجازاً مرسلاً. وقال العاقولي: يكنى بخلع اليد عن مكث العهد؛ لأن المعاهد يضع يده في يد من عاهده غالباً (لقي الله يوم القيامة ولا (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: السمع والطاعة للإِمام (١٦٧/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: بيان البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، (الحديث: ٩٠). (٢) (قوله في كتاب المغازي) أقول هو في كتاب الإِمارة بعد كتاب المغازي وكذا جميع أحاديث الباب التي يقول الشارح أنها في كتاب المغازي. ع. ١٢٨ كتاب: دليل الفالحين حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِيْ عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مَيْنَةً جَاهِلِيَّةً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّة)). ((المِينَة)) بِكَسْرِ الميم(١). ٦٦٥ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِن اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِبَةٌ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). حجة له) أي: لا حجة له يومئذ فيما فعله من نبذ الطاعة ولا عذر له فيه (ومن مات وليس في عنقه بيعة) أي: للإِمام بالسمع والدخول في طاعته والجملة في محل الحال من فاعل مات قيد له (مات ميتة جاهلية) هي صفة ميتة، أي: مات على الضلالة كما يموت أهل الجاهلية عليها من جهة أنهم كانوا لا يدخلون تحت طاعة أمير ويرون ذلك عيباً، بل كان ضعيفهم نهباً لقويهم (رواه مسلم) في المغازي من صحيحه منفرداً به عن باقي الستة (وفي رواية له) أي : لمسلم عن ابن عمر مرفوعاً (ومن مات وهو مفارق للجماعة) هو شامل لعدم المبايعة والدخول في الطاعة ابتداءً، وللخروج عنها بعد الدخول فيها. والمراد بالجماعة الإِمام وجيش الإِسلام، ويجوز أن يراد به مفارقة الجماعة فى الصلوات كالروافض، فإنه لبدعتهم لا يرون الدخول تحت طاعة أئمة الحق والانقياد لهم، إلا اضطرارا وتقية (فإنه يموت ميتة جاهلية) أي: مات على هيئة موت أهل الجاهلية فإنهم كانوا أفراداً لا إمام يردعهم ولا جماعة تجمعهم. قال المصنف: (الميتة بكسر الميم) للنوع والحالة. ٦٦٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله مسلم: اسمعوا) ما قال أمراؤكم (وأطيعوا) أي: أطيعوهم في غير معصية (وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) أي: أمر عليكم في نحو سرية أو جيش أو كان عاملاً لا الإِمامة العظمى، وإن أريد به الإِمامة فيكون على ضرب المثل للمبالغة نحو: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت على سبيل الفرضِ لا الوقوع. قلت: أو كان ذلك على سبيل التغلب عليها فإنها تنعقد حينئذ ولو لم يكن جامعاً لشروطها، ثم الجملة وصلية قيل: معطوفة على مقدر، وقيل: في محل الحال: وقوله: ((كأن رأسه زبيبة)) جملة في محل الحال من عبد لتخصيصه بالوصف، أو وصف بالجملة بعد الوصف بالمفرد ومعنى كأن رأسه إلخ أي: أسود صغير قطط فيكون أبلغ في حقارته (رواه البخاري) في كتاب الصلاة وكتاب الأحكام من صحيحه، ورواه ابن ماجه في الجهاد من (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... (الحديث: ٥٨) (٢) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة، باب: إمامة العبد والمولى وباب: إمامة المفتي وكتاب الأحكام = ١٢٩ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور ٦٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((عَلَيْكَ السَّمَعَ والطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثْرَةٍ عَلَيْكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٦٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي سَفَرٍ فَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّ مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ وَ﴿: الصَّلاةَ جَامِعَةٌ، سننه . ٦٦٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: عليك) اسم فعل بمعنى الزم (السمع) أي: لقول الأمير (والطاعة) له فيما لا معصية فيه لله تعالى (في عسرك ويسرك) بضم أولهما وسكون ثانيهما، أي: في فقرك وغناك (ومنشطك ومكرهك) بفتح أولهما وثالثهما وسكون ثانيهما. قال القرطبي في الفهم: هما مصدران، أي: ما تحب وما تكره مما هو موافق لنشاطك وهواك، أو مخالف له مما ليس معصية. فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة للأحاديث المصرحة به المحمول المطلق عن التقييد بذلك على المقيد به (وأثرة عليك) بفتح الهمزة والمثلثة. ويقال: بضم وبكسر فسكون فيهما لغات ثلاث حكاهن في المشارق. قال القرطبي: ورويناه بفتحهما وبضم الهمزة وكلاهما بمعنى وهو كما تقدم الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا، أي: عليكم الطاعة وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم (رواه مسلم) ورواه أحمد والنسائي كذا في الجامع الصغير. ٦٦٧ - (وعن عبد الله بن عمرو (٢) رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله﴿ في سفر فنزلنا منزلاً) بفتح فسكون فكسر. قال في المصباح: هو موضع النزول (فمنا من يصلح خباءه) بكسر المعجمة وتخفيف الموحدة بعدها ألف ممدودة. هو ما يعمل من وبر أو صوف وقد يكون من شعر، وجمعه أخبية بغير همز ككساء وأكسية، ويكون على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت، كذا في المصباح (ومنا من ينتضل) بفتح التحتية والفوقية وسكون النون بينهما ثم ضاد معجمة، أي: يرمي بالسهام تدرباً ومداومة (ومنا من هو في جشرة إذ) ظرف لكنا بناء على دلالتها على الحدث كما هو الصحيح (نادى منادي رسول الله صل: الصلاة جامعة) برفعهما مبتدأ وخبر ونصبهما الأول على الاغراء والثاني على الحالية ورفع الأول = باب: السمع والطاعة للإِمام (١٠٨/١٣). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير ... (الحديث: ٣٥). (٢) في نسح الشرح وبعض نسخ المتن (ابن عمر) بدل (ابن عمرو) وهو خطأ. ع. ١٣٠ كتاب : دليل الفالحين فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ قَبْلِي إِلَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرٍ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِها، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءُ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتَنٌ يُرَفِّقُ بَعْضُهَا بَعْضَاً، وَتَجِيءُ مبتدأ محذوف الخبر، أي: مدعو إليها ونصب الثاني حالاً وعكسه ونصب الأول على الأغراء ورفع الثاني خبر محذوف، أي: هي حاضرة. قال المصنف في شرح مسلم: هو بنصب الجزأين، أي: من حيث الرواية وما ذكرناه هو من حيث الدراية إن لم تدفعه رواية وإلا فهي المقدمة. قال القرطبي: خبر بمعنى الأمر؛ كأنه قال: اجتمعوا للصلاة. قلت: هذا منه يقتضي أنهما مرفوعان إذ لو نصبا لكان من الطلب لا من الخبر بمعنى الطلب. قال القرطبي : وكأن الوقت کان وقت صلاة فلما جاءوا معه صلوا معه وسکت الراوي عن ذلك، وإلا فمن المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة ولا صلاة (فاجتمعنا إلى رسول الله واليوم فقال: إنه لم يكن) أي: يوجد (نبي قبلي) ويصح كونها ناقصة وقبلي صفة للاسم والخبر محذوف، أي: متحلياً بشيء من الأحوال، أبدل منه قوله: (إلا كان حقاً) أي: واجباً (عليه) خبر مقدم والاسم (أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم) بضم التحتية من الإِنذار (شر ما يعلمه لهم) لأن ذلك حكمة الإِرسال والبعثة ليسوق العباد إلى نفعهم ويدفع عنهم ضررهم؛ ولأنه من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان، والاستثناء كما علم مما قررناه مفرغ (وإن أمتكم هذه) يعني: الأمة المحمدية (جعل عافيتها) أي: سلامتها من فتن الدين (في أولها) قال القرطبي : المراد به زمان الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان فهذه كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة واستقامة أمرها وعافية دينها، فلما قتل عثمان هاجت الفتن ولم تزل ولا تزال إلى يوم القيامة، وعليه فأول الآخر مابعد مقتل عثمان وهو آخر بالنسبة لما قبله من زمن العافية ويدل له قوله وأمور تنكرونها والخطاب للصحابة فدل على أن منهم من يدرك أول ما سماه آخراً، وكذلك كان اهـ. قلت: ويحتمل أن يراد بالأول زمن الصحابة والتابعين، وبالآخر ما بعدهما، وذلك بشهادة قوله ◌َله: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)) الحديث. ولحديث: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) وذلك أن غلبة أشعة الأنوار المحمدية حينئذ مخمدة لسائر ظلمات البدع والشكوك والفتن الدينية (وسيصيب) بالسين فيه لتأكيد تحقيق ما دخلت عليه (آخرها بلاء) بالمد اسم مصدر من الإبتلاء ومثله البلية بمعنى المحنة، قاله في المصباح (وأمور تنكرونها) لمخالفتها للشرع، وجملة وسيجيء إلخ معطوفة على خبر إن وجملة (وتجيء فتن يرقق) فيه روايات XOX ١٣١ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور الفِتْنَةُ فَيُقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ؛ وَتَجِيءُ الفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَن يُزْحْزَحَ عَنِ النَّارِ ويُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلى النَّاسِ الّذِي يُحِبُ أَنْ يُؤْنَى إِلَيْهِ، يأتي بيانها (بعضها بعضاً) يجوز أن تكون مستأنفة لتأكيد ما قبلها من تتابع الفتن، وأن تكون معطوفة كالتي قبلها فيقدر رابط، أي: وتجيء فيها فتن (وتجيء الفتنة) أي: العظيمة في الدين كما يومىء إليه قوله: (فيقول المؤمن هذه مهلكتي) بضم الميم وكسر اللام بصيغة اسم الفاعل، وإسناد الإِهلاك إليها مجازي من الإِسناد للسبب (ثم تنكشف) أي: تذهب (وتجيء الفتنة) أي: غير الأولى، ولا يخالف قاعدة أن المكررين إذا كانا معرفتين أو كان الثاني كذلك كان الثاني عين الأول؛ لأن أل فيه جنسية والمحلى بها نكرة من حيث المعنى، فكأن المكررين نكرتين وإذا تكررت النكرة كان الثاني غير الأول على أن القاعدة أغلبية وإلا فهي مشكلة (فيقول المؤمن هذه هذه) أي: هذه الفتنة هي الفتنة العظمى. فهما وإن اتحدا لفظاً تغايرا اعتباراً وذلك كاف في تغاير المسند والمسند إليه فاسم الإِشارة لتعظيم الأمر وفخامته، ثم فرع على ذلك قوله: (فمن أحب أن يخرج نفسه من النار ويدخل الجنة) أي: يتسبب في عدم دخوله النار ابتداءً مجاوراً عنها إلى الجنة فأطلق الخروج مراداً به المباعدة مجازاً مرسلاً، أي: أحب الخروج منها وعدم التأبيد في العذاب بل الحلول في الجنة، أي: أحب الموت على الإِسلام (فلتأته منيته) بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتية، أي: الموت كما في النهاية (وهو يؤمن بالله واليوم الآخر) جملة خالية من فاعل مات، والمراد ليدم على الإِيمان بذلك حتى يأتيه الموت وهو كذلك فهو في الحقيقة أمر بدوام الإِيمان ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾(١) (وليأت) اللام فيه للأمر وكسرها هو الأصل وتسكن بعد الواو والفاء وثم وهو مضارع أتى مقصوراً، أي: ليجيء (إلى الناس الذي يحب أن يؤتي) بالبناء للمفعول أي: يجاء (إليه) قال في المصباح: أتى الرجل يأتي أتياً جاء وأتيته، يستعمل لازماً ومتعدياً. أي: ليجئهم في الأفعال بما يحب أن يأتوه بمثلها. قال المصنف: هذا من جوامع كلمة 18 وبدائع حكمه، وهذه قاعدة ينبغي الاعتناء بها وهي أن الإِنسان يلتزم ألا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه معه. قال القرطبي: وهذا مثل قوله وَله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) والناس هنا الأئمة والأمراء؛ فيجب عليه لهم من السمع والطاعة والنصرة والنصيحة ما يجب له عليهم لو كان هو الأمير. (١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢ ١٣٢ كتاب: دليل الفالحين وَمَنْ بَايَعَ إماماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: ((يُنْتَضِلُ)): أَيْ يُسَابِقُ بِالرَّمْيِ بِالنَّبلِ والنَّشَابِ. و((والجَشَرُ)) بِفَتحِ الجِيمِ والشِّينِ المعْجَمَةِ بِالرَّاءِ وَهِيَ: الدَّوابُِّ التِي تَرْعَى وَتَبِيتُ مَكَانَهَا. وَقَولُهُ(يُرَقِّقُ (قلت)) وكأن هذا التخصيص باعتبار سابق الكلام، ولو أبقى على العموم وشمل ما ذكره لما كان بعيداً، وهو الذي مشى عليه المصنف كما نقلناه عنه (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده) هو كالبيان للبيعة فهو كقولهم توضأ فغسل وجهه إلخ. فالفاء فيه للترتيب الذكري، والصفقة بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها قاف ضرب اليد على اليد، وكانت عادة العرب إذا أوجبت(١) ضرب أحدهما على يد صاحبه، ثم استعملت الصفقة في العقد فقيل بارك الله في صفقة يمينك كذا في المصباح. وقال القرطبي: أصلها الضرب بالكف على الكف أو بإصبعين على الكف (وثمرة) بفتح المثلثة (قلبه فليطعه) قال القرطبي: دل على أن البيعة لا يكتفي فيها بمجرد عقد اللسان بل لا بد من الضرب باليد، كما قال تعالى في آية المبايعة : ﴿يد الله فوق أيديهم﴾(١) لكن ذلك في الرجال فقط، وعقد القلب وإلزام البيعة به وترك الغش والخديعة فذلك من أعظم العبادات (إن استطاع) قيد في الأمور(٢) أي: يطيعه فيما يطيقه، وهذا كما تقدم من تلقينه 1 حال البيعة على السمع والطاعة بقوله فيما استطعت (فإن جاء آخر ينازعه) أي: خرج عن طاعنه ونازعه في الملك (فاضربوا عنق الآخر) أي : إن لم يندفع عن ذلك لا بذلك فافعلوه ولو بأن تحاربوه وتقاتلوه، ولا ضمان على قاتله حينئذ لأنه ظالم متعد في قتاله (رواه مسلم) في المغازي من صحيحه وزاد فيه. فقال عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة فدنوت منه فقلت أنشدك الله أأنت سمعت هذا من رسول الله ◌َّ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي، ورعاه قلبي، والحديث رواه أبو داود في الفتن، والنسائي في البيعة، وابن ماجه في الفتن قاله المزي في الأطراف (قوله: ينتضل) مضارع يفتعل من النضل بالمعجمة (أي: يسابق بالرمي بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة، السهام العربية لا واحد لها من لفظها بل الواحد سهم فهي مفردة اللفظ مجموعة المعنى (والنشاب) بضم النون وتشديد المعجمة. قال في الصحاح: السهام الواحدة نشابة اهـ. وعليه فهو من عطف العام على الخاص؛ لأن النشابة تعم العربية وغيرها بخلاف النبل (والجشر بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها) وفي (١) سورة الفتح، الآية: ١٠. ١٣٣ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور بَعْضُهَا بَعْضَاً)): أَي يُصَيِّرُ بَعْضُهَا بَعْضَاً رَقِيْقَاً: أَي خَفِيْفَاً لِعِظَمِ مَا بَعْدَهُ فَالثَّانِ يرَقِّقُ الَأوَّلَ. وَقِيْلَ مَعْنَاهُ: يَسُوقُ بَعْضُهَا بَعْضَاً بِتَحْسِينِهَا وَتَسْوِيلها، وَقِيْلَ: يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضَاً(١). المشارق للقاضي عياض: الجشر المال يخرج به أربابه في مكان يمسك فيه قال الأصمعي قال جشر(٢) إذ كان بمرعاه ولا يأوي أهله، قال غبرة: وأصله أن الجشر نقل الربيع، وقال أبو عبيدة: الجشر الذين يثبتون مكانهم لا يرجعون إلى بيوتهم. وبه يعلم أن المصنف تبع قول الأصمعي، كما أن قول النهاية: الجشر قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعي ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت اهـ. تابع لأبي عبيدة (وقوله: يرقق بعضها بعضاً) روي بوجوه أحدها ما اقتصر عليه المصنف هنا، وقال في شرح مسلم: إنه الذي نقله عياض عن جمهور الرواة يرقق بضم التحتية وفتح الراء وبقافين (أي: يصير بعضها بعضاً رقيقاً أي خفيفاً لعظم ما بعده فالثاني يجعل الأول رقيقاً) الأنسب: فالبعض يجعل البعض ليشمل ما إذا كان الثاني أشد وهو ما ذكره المصنف والعكس (وقيل: يسوق بعضها بعضاً بتحسينها وتسويلها) هو ما اقتصر عليه القرطبي في المفهم فقال: ورواه أكثر الرواة بالراء المفتوحة والقاف الأولى مكسورة، أي: يسبب بعضها بعضاً ويشير إليه كما في المثل ((عن صبوح ترقق)) ويزحزح عن النار، أي: ينحى عنها ويؤخر منها (٣) قال المصنف في شرح مسلم (وقيل) معناه (يشبه بعضها بعضاً)(٤) وقيل: يدور بعضها في بعض ويذهب ويجيء به. قال: والثاني من وجوه رواياته بفتح التحتية وسكون الراء وضم الفاء بعدها قاف، والثالث يدقق بدال بدل الراء والفاء مكسورة وبالقاف، أي: يدفع ويصب، والدفق الصب، قال القرطبي: وهذه رواية الطبري عن الفارسي، قال ومعناه يدفق، أي: يدفع أي: إن الفتن كموج البحر الذي يدفق بعضه بعضاً. قال: وشبه المؤمن فيها بالعائم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة قال: هذه مهلكتي ثم تروح عنه تلك فتأتيه أخرى فيقول: هذه هذه، أي: التي تغرق إلى أن يغرق بالكلية وهذا تشبيه واقع اهـ. (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة ... (الحديث: ٤٦). (٢) (قال جشر) لعله (يقال له جشر). ع. (٣) قوله: (ويزحزح عن النار أي: ينحى عنها ويؤخر منها) لعل هذه الجملة من المتن الذي شرح عليه الشارح ووضعت في هذا المكان خطأ والصواب أن توضع بعد انتهاء كلام الشارح. ع. (٤) وهذا القول في نسخ المتن المجرد أيضاً. ع. ١٣٤ كتاب: دليل الفالحين ٦٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُنْدَةً وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيْدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ ويَمْنَعوناحَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اسْمَعُوا ٦٦٨ - (وعن أبي هنيدة) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها دال مهملة ثم هاء، ويقال بلا هاء (وائل) بالهمزة بعد الألف (ابن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم آخره راء، ابن ربيعة بن يعمر الحضرمي (رضي الله عنه) كذا قال ابن عبدالبر. وقال الحافظ: أبو القاسم بن عساكر وائل بن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل بن ضمعج بن وائل بن ربيعة بن وائل بن النعمان بن زيد. قال: وقبل غير ذلك كان من ملوك حمير ويقال للملك منهم قيل بفتح القاف وسكون التحتية جمعه أقيال وكان أبوه من ملوكهم وفد على رسول الله ور وكان ◌َيهر بشر أصحابه قبل قدومه بأيام وقال يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعاً راغباً في الله وفي رسول الله وهو بقية الأقيال، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه وأجلسه إليه مع نفسه وقال: اللهم بارك في وائل وولده وأصعده معه على المنبر وأثنى عليه واستعمله على بلاده وأقطعه أرضاً وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان وقال أعطه إياها. روى له عن رسول الله وشلي أحد وسبعون حديثاً روى مسلم منها ستة، ولم يرو البخاري له شيئاً. نزل الكوفة وعاش إلى أيام معاوية ووفد عليه فأجلسه معه على السرير، وشهد مع علي(١) صفين وكانت معه راية حضرموت اهـ. من التهذيب للمصنف (قال: سأل سلمة) بفتح أوليه (ابن يزيد) بفتح التحتية وكسر الزاي وسكون التحتية الثانية. ابن مشجعة بن المجمع بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن حريم بضم المهملة وفتح الراء ابن جعفي (الجعفي) بضم الجيم وسكون المهملة بعدها فاء. نسبة لجده المذكور، وما ذكره المصنف في اسمه أحد قولين فيه؛ قال ابن عبدالبر: اختلف الشعبي وأصحاب سماك في اسمه، فقيل: سلمة بن يزيد، وقيل: يزيد بن سلمة (رسول الله ◌َ ﴿ فقال: يا رسول الله أرأيت) بفتح الفوقية، أي: أخبرني (إن قامت علينا أمراء يسألونا) كذا في الأصول من الرياض، وصحيح مسلم بنون واحدة هي نون الضمير، وحذف نون الرفع من الأفعال الخمسة. قال المصنف في شرح مسلم، لغة وهذا منها والجملة صفة، أي: أمراء طالبون (حقهم) أي: من السمع والطاعة (ويمنعونا حقنا) من العطاء والاهتمام بمصالحنا والنصيحة في أمرنا (فما تأمرنا) أي: فأي شيء تأمرنا (فأعرض عنه) لما (١) قوله: (مع على) عبارة التهذيب (معه) والضمير عائد إلى معاوية فليحرر. ع. ١٣٥ ٨٠ - باب: في وجوب طاعة ولاة الأمور وَأَطِيْعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٦٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَ: ((إِنَّها سَتَكُونُ بَعْدِي أَثْرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها!)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: ((تُؤْدُّونَ الحَقَّ الذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ٦٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، رأى من المصلحة في ذلك أو لينتظر الوحي به (ثم سأله فقال رسول الله وَ ل: اسمعوا وأطيعوا) أي: أعطوهم مالهم وإن لم يعطوكم مالكم (فإنما عليهم ما حملوا) من المأثم وإثمهم لا يمنع من أدائهم معهم ما عليهم (٣) من الحق (وعليكم ما حملتم) أي: فلا يمنعكم من أداء ما عليكم تفريطهم بعدم أداء ما لكم (رواه مسلم) في المغازي، ورواه الترمذي في الفتن. ٦٦٩ - (وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلل إنها) ضمير القصة (ستكون بعدي أثرة) أي: استئثار من ولاة الأمر بالأموال على المسلمين المستحقين فيها؛ فيفضل غيركم عليكم في الفيء أو الغنيمة وغيرها، وتقدم ضبطه أثرة قريباً (وأمور تنكرونها) أي: لقبحها شرعاً، وقد ظهر ما أخبر عنه مثّل كما أخبر فهو من جملة معجزاته (قالوا : يا رسول الله كيف تأمرنا) أي: أي حال تأمرنا أن نكون عليها حينئذ (قال: تؤدون) بحذف المفعول الأول، أي: تعطونهم (الحق) أي: الواجب (الذي عليكم) من السمع والطاعة (وتسألون الله الذي لكم) أي: تسألونه أن يوصل إليكم حقكم بأن يلهم الأئمة ذلك أو يوجد من يفعل ذلك لكم منهم ويولي من ينصفكم وهو دليل على عدم التعرض للأئمة وإن جاروا، والاعتماد على مكافأة الله تعالى (متفق عليه) أخرجه البخاري في علامات النبوة، ومسلم في المغازي، ورواه الترمذي في الفتن من جامعه، وقال: حسن صحيح . ٦٧٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ليل: من أطاعني فقد أطاع الله) (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، (الحديث: ٤٩). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة، وفي الفتن باب: سترون بعدي أموراً (٤/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، (الحديث: ٤٥). (٣) (معهم ما عليهم) في نسخة (حقهم ما لهم). ع. ١٣٦ كتاب : دليل الفالحين ومَن عَصاني فَقَدْ عَصى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأميرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْص الأميرَ فَقَدْ عَصَانِي)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٦٧١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيْرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْراً مَاتَ مِينَةً جَاهِلِيَّةً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). قال الله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) (ومن عصاني) وأعرض عما أمرت به وخالف ما نهيت عنه (فقد عصى الله) قال الله تعالى: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (٤) أي: ومن تولى بالإِعراض فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فالآية والحديث من واد واحد (ومن يطع الأمير) عند مسلم: أميري (فقد أطاعني ومن يعص الأمير) فما أمر مما ليس معصية الله (فقد عصاني) لأن رسول الله وَ ل أمر بطاعته فيما ليس كذلك فطاعته طاعة للرسول ونهى عن معصيته، كذلك فمعصيته معصية للرسول (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأحكام، ومسلم في المغازي. وعند البخاري في الجهاد من طريق آخر من حديث أبي هريرة: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني وإنما الإِمام جنة)). ٦٧١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﴿ ﴿ قال من كره من أميره شيئاً) دنيوياً كان كاستئثار عليه وظلم له، أو ديني كأن فسق بعد عدالته فلا ينعزل الإِمام الأعظم بفسقه، نعم إن كفر انعزل بكفره كما تقدم من حديث: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً» فمن رأى ما لا ينعزل له الإمام وما يكرهه (فليصبر) أي: بعدم الخروج على الأمير أما الإِنكار عليه بمراتبه إذا لم يؤد إلى شق العصا والخروج عليه فمطلوب لحديث ((أفضل الشهداء حمزة، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله)) فإنه الضمير فيه للشأن والجملة بعده تفسير وذلك تعليل للأمر بالصبر على ما يكرهه (من خرج من السلطان) أي من طاعته (شبراً) كناية على القلة، أي : وإن كان الخروج يسيراً كأن بعد عنها لو كانت محسوسة قدر شبر (مات ميتة) بكسر الميم (جاهلية) فإنهم كما تقدم شأنهم عدم الإِئتمار (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والجهاد باب: يقاتل من وراء الإِمام (٩٩/١٣). أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب طاعة الامراء ... (الحديث: ٣٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الفتن، باب: قول النبي وسلاسل سترون بعدي أموراً تنكرونها والأحكام باب السمع والطاعة للإِمام (٥/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين، (الحديث: ٥٥). (٣) سورة النساء، الآية: ٨٠ . ١٣٧ ٨١ - باب: في النهي عن سؤال الإمارة ٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَهَانَ السُّلْطَانَ أَهَانَهُ اللَّهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). وَفِي البَابِ أَحَادِيثُ كَثْرَةٌ في الصَّحيحِ . وَقَدْ سَبَقَ بَعضَها فِي أَبْوابٍ. ٨١ - باب: في النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدع حاجة إليه للأميربل ضعيفهم نهب للكبير (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأحكام ومسلم في المغازي . ٦٧٢ - (وعن أبي بكرة) نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي (رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ◌ََّ يقول من أهان السلطان) مستخفاً بشأنه غير سامع ولا مطيع لأمره، وأل فيه للاستغراق، أي: كل ذي سلطنة وولاية لشيء من أمور المسلمين (أهانه الله) أي: في الدنيا بالذل لسعيه في إذلال من أعزه الله وفي الآخرة لصيانة مولاه سبحانه بالعذاب المهين إن لم يعف الله عنه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن وفي الباب) أي: وجوب طاعة الإِمام في غير معصية (أحاديث كثيرة في الصحيح) المراد منه ما يشمل الصحيحين وإن كان الغالب انصرافه لصحيح الحافظ؛ لأن المحلى بأل عند الإطلاق ينصرف للفرد الكامل، وهو أصح من مسلم كما تقدم أول الكتاب (وقد سبق بعضها في أبواب) فلينتبه مريد ذلك لها وليطلبها منه . باب النهي عن سؤال الإِمارة مصدر مضاف لمفعوله، أي: طلبه من الإِمام الإِمارة (واختيار الولايات (٢)) عطف على سؤال (إذا لم يتعين عليه) بأن لم يكن، ثم متأهل للإِمارة سواه بشهادة العقلاء من أولي الحل والعقد وإلا فيجب عليه حينئذ سؤالها واختيارها (و) إذا (لم تدع حاجته إليها) أي: عند عدم التعين، أي: وما لم تدعه الحاجة للاسترزاق بالعمل ولا كسب لائق في ذلك فله الطلب حينئذ وإن لم يكن متعيناً دفعاً للحاجة. (قال الله تعالى تلك) أتى باسم الإِشارة (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، [باب: ٤٧]، (الحديث: ٢٢٢٤). (٢) (واختيار) في بعض النسخ (واجتناب) وفي بعضها كالمتن (واختيارترك) وكلتاهما لا تناسب كلام الشارح. ع. ١٣٨ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تَعالَى (١): ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِيْنَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّاً في الأُرْضِ وَلَا فَسَادَاً والْعَاقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ . ٦٧٣ - وَعَنْ أَبي سَعيدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يا عَبْدَ الرَّحمَنِ بْنَ سَمْرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعطِيْتَها عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيَتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ الموضوع للبعيد إيماءً لفخامتها وعلو رتبتها (الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً) تكبراً واستكباراً (في الأرض ولا فساداً) عملاً بالمعاصي (والعاقبة) الحسنى (للمتقين) عن معاصيه. والآية تقدم الكلام في معناها في باب تحريم الكبر والإِعجاب. ٦٧٣ - (وعن أبي سعيد عبدالرحمن بن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف كذا نسبة ابن عبدالبر، والبخاري في آخرين، وزاد مصعب والزبير في نسبة ربيعة بعد حبيب. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: الصحيح الأول، وهو قرشي عبشمي المكي ثم البصري (رضي الله عنه) أسلم يوم الفتح وصحب النبي ريَّ، كان اسمه عبدالكعبة، وقيل: عبدكلال، فسماه رسول الله وَلّر عبدالرحمن، سكن البصرة وغزا خراسان في زمن عثمان وفتح سجستان سنة ثلاث وثلاثين. روي له عن رسول الله وصلل أربعة عشر حديثاً اتفقا على حديث وانفرد مسلم بحديثين. توفي سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين بالبصرة، وقيل: توفي بمرو وإنه أول من دفن بها من الصحابة. والصحيح الأول: كان متواضعاً فإذا وقع المطر لبس البرنس وأخذ المسحاة وكنس الطريق (قال: قال لي رسول الله وَالر: لا تسأل الإمارة) يحتمل صدوره منه وسيل بعد أن سأل منه أن يوليه عملاً فيكون كحديث أبي موسى الآتي، ويحتمل أن النبي وَلّ علم منه أنه جاء لذلك باطلاع الله على ما في قلبه فقال ذلك. قال القرطبي : والنهي ظاهره التحريم ويدل عليه ظاهر قوله بعد: (إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله أو حرص عليه)) لما سيأتي فيه والكلام في السؤال الممنوع كما علم من الترجمة، والإِمارة بكسر الهمزة ويقال الإِمرة بالكسرة أيضاً هي الولاية قاله في المصباح. وعلل النهي بقوله على سبيل الاستئناف البياني (فإنك أن أعطيتها) بالبناء للمفعول. وترك ذكر الفاعل للعلم به حقيقة، أي: أعطاكها الله ولعدم التعيين باعتبار الصورة، أي: أعطاكها ذو الإِمامة العظمى (من غير مسألة) منك لها (أعنت عليها) بالبناء للمجهول، أي: أعانك الله تعالى بالتسديد والتوفيق للصواب. قال المهلب: جاء تفسير (١) سورة القصص، الآية: ٨٣. ١٣٩ ٨١ - باب: في النهي عن سؤال الإمارة فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّر عَنْ يَمِينِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). الإعانة عليها في حديث أنس رفعه: ((من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله له ملكاً يسدده)) أخرجه ابن المنذر. قال في فتح الباري: وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخرجه الحاكم من الطريق التي اتفق الثلاثة على إخراج الحديث منها وصححه، وتعقب بأن ابن معين لين خيثمة وضعف عبدالأعلى وكذا قال الجمهور في عبدالأعلى، وهو الثعلبي أنه ليس بقوي، قال المهلب وفي معنى الإِكراه أن يدعى إليه فلا يرى نفسه أهلاً لذلك هيبة له وخوفاً من الوقوع في المحذور فإنه يعان عليه إذا دخل فيه ويسدد، والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله (وإن أعطيتها عن مسألة) أي: سؤال (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف مخففاً ومشدداً وسكون اللام ومعنى المخففة صرفت إليها ومن وكل إلى نفسه هلك. ومعنى وكله بالتشديد استحفظه، أي: من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته من أجل حرصه عليها. قال في فتح الباري: من المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلاً بل إذا كان كامناً وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإِعانة ولا يخفى ما جاء فيه من الفضل (وإذا حلفت على يمين) أي: بها أو على محلوفها (فرأيت) أي: علمت (غيرها خيراً منها) لحسن ثمرة ذلك الغير (فأت الذي هو خير) أي: افعله وإن حلفت على تركه (وكفر عن يمينك) فيه تأخير الكفارة عن الحنث وهو أفضل، وهذه رواية مسلم. وعند البخاري في الأيمان والأحكام بلفظ: ((فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)). قال الشراح: والعبارة للتحفة للشيخ زكريا الواو ولا تقتضي الترتيب فيجوز تقديم التكفير على إتيان المحلوف عليه وإن كان تأخيره أفضل. واستثنى الشافعي (٢) هذه الجملة لما قبلها أن الممتنع من الإمارة قد يؤدي به الحال إلى الحلف على عدم القبول مع كون المصلحة فيها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأيمان والأحكام، ومسلم في الأيمان والنذور، ورواه أبو داود في الخراج مقتصراً على قصة الإِمارة فقط من (١) أخرجه البخاري في كتاب: أوائل الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث وبعده، والأحكام باب من لم يسأل الامارة أعانه الله عليها (١٣ /١١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: ندب من حلف يميناً ... (الحديث: ١٩). (٢) قوله: (والشافعي هذه) ظاهر أن بين هاتين الكلمتين سقطاً ولعل الأصل ((واستثنى الشافعي الصوم فلا يجوز تقديمه، ثم مناسبة هذه الجملة إلخ)). ع. ١٤٠ كتاب: دليل الفالحين ٦٧٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَقَالَ: ((يَا أَبَاذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفَاً، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ تَوَلَيَنَّ مَالَ يَتْمٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٦٧٥ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ ◌ِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّها أَمَانَةٌ، وَإِنَّها يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ سننه، والترمذي في النذور والأيمان من جامعه وقال حسن صحيح والنسائي قصة الإِمارة فقط في القضاء والسير وقصة اليمين في الأيمان والنذور. ٦٧٤ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: يأبا ذر إني أراك ضعيفاً) أي: عن القيام بوظائف الولايات فتعجز عن تنفيذ أمورها ورعاية حقوقها (وإني أحب) أي : أرضى (لك ما أحب) العائد محذوف أي: ما أحبه (لنفسي) وهذا تلطف من النبي داخلية وتحريض على سماع قوله (لا تأمرن) بفتح الهمزة والميم المشددة وإحدى التائين محذوفة من أوله أي: لا تتأمرن (على اثنين) أي: لا تصيرن حاكماً بينهما وأميراً عليهما (ولا تولين) بفتح أوليه مع تشديد ثالثه، أي: لا تتولين وهو بإثباتهما في نسخة من المشارق. قال ابن مالك: هو من الولي، أي: القرب، أي: لا تقربن (مال يتيم) أي: سواء كان من أقربائك أم بعيداً منك، وسواء كان ذكراً أو أنثى. والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن الاستيلاء عليه (رواه مسلم) في المغازي، وأبو داود والنسائي في الوصايا من سننهما. ٦٧٥ - (وعنه) أي: أبي ذر (قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني) أي: تصيرني عاملاً كاستحجر الطين إذا صار حجراً (فضرب بيده على منكبي) بوزن مسجد وهو مجتمع رأس العضد والكتف سمي بذلك لأنه يعتمد عليه كذا في المصباح. ثم هو بتخفيف الموحدة، وكأنه فعل ذلك به ليتنبه من سنة غمرة طلبه لذلك وتوهمه في نفسه الاستعداد له (ثم قال یأبا ذر إنك ضعيف) أي: عن القيام بالإِمارة ووظائف العمل. قال القرطبي: ووجه ضعفه عنها أن الغالب عليه كان الزهادة واحتقار الدنيا والإِعراض عنها ومن كان كذلك لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها، وبمراعاتها ينتظم مصالح الدين ويتم أمره، وقد أفرط أبو ذر في الزهد حتى أفتى بتحريم جمع المال وإن أديت زكاته، فلما علم ◌َّ منه ذلك نصحه ونهاه عن الإِمارة وولاية مال الأيتام (وإنها) أي: الإمارة (أمانة) أي: في الدنيا، أي: ائتمان من (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: كراهية الإمارة بغير ضرورة، (الحديث: ١٦).