Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٤٥ - باب: في زيارة أهل الخير العُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ: ((لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ)) فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لي بِها الدُّنْيا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((أَشْرِكْنا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). استئذان التلميذ لأستاذه والمريد لشيخه في مهماته إذا كان مع من ذكر في أمر جامع بهم يجمعهم طاعة الله ليكون على ذهنه إذا تفقده، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ (٢) (فأذن لي) في ذلك ودعا لي بالمغفرة، قال ابن رسلان: روى الثعلبي عن ابن أبي حمزة الثمالي واسمه ثابت بن أبي صفية: ((كان رسول اللّه ◌َ﴿ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يقضي الحاجة لم يخرج من المسجد حتى يقوم بحيال رسول الله و ﴿ حيث يراه فيعرف رسول الله وَلقر أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم)) (وقال: لا تنساني يا أخي) بفتح الياء المشددة وكسرها قراءتان في السبع في يا بني، وظاهر أنهما على ضم الهمزة والتصغير، وعليه اقتصر الشربيني الخطيب في شرح جمع الجوامع وفي شرح جمع الجوامع للمحلي بعد ذكر الحديث، وأخي بضم الهمزة مصغر لتقريب المنزلة، أي: لا للتحقير وبفتحها روايتان اهـ. (من دعائك) فيه دليل على استحباب طلب المقيم من المسافر ووصيته له بالدعاء في مواطن الخير ولو كان المقيم أفضل من المسافر، وإن كان يعرف أنه يدعو له فلا بأس أن يذكره بالدعاء له لا سيما إن كان سفره عبادة كحج أو عمرة أو غزو، فتتأكد الوصية كما تقدم، وفي الحديث: ((يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج)) والعمرة في معنى الحج، وهذا الحديث يؤيده (وفي رواية) هي لأبي داود، قال بعد إيراد الحديث كما تقدم من طريق شعبة: قال شعبة: ثم لقيت عاصماً بعد بالمدينة فحدثته (فقال) في حديثه (أشركنا) بفتح الهمزة، أي: اجعلنا شركاء معك (يا أخي) بالوجهين (في) صالح (الدعاء حديث صحيح رواه أبو داود) في باب الدعوات آخر كتاب الصلاة (والترمذي) في الدعوات من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) لعل صحته لغيره وإلا ففي سند أبي داود والترمذي عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ليس من رجال الصحيح، إنما روى له البخاري في كتاب خلق الأفعال، وفي سند الترمذي أيضاً سفيان بن وكيع وهو الراوي، وقد تكلم فيه من قبيل دخوله (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في الدعاء (الحديث: ١٤٩٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ١١٠ (الحديث: ٣٥٦٢). (٢) سورة النور، الآية: ٦٢ ٢٤٢ كتاب : دليل الفالحين ٣٧٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَزُورُ قُبَاءُ رَاكِباً في صنعة الوراقة، وقد رواه ابن ماجه في الحج من سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عاصم أيضاً، والله أعلم. (وقال: عمر فقال) أي: رسول الله وَلّ (كلمة) أراد بها معناها اللغوي وهو الجمل المفيدة، وهل هو مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل؟ أو استعارة مصرحة شبه الكلام بالكلمة في توقف فهم المراد على تمام كل منهما فأطلق عليه اسمها؟ وجهان ذكرهما شيخنا الشيخ المحقق عبد الرحمن الحساني، والمشهور في كتب النحو الأول منهما، وعليه اقتصر ابن رسلان في شرح السنن (ما يسرني أن لي بها) أي: بدلها، فالباء فيه بمعنى البدل، ومنه قول الحماسي : فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا (الدنيا) وما فيها، قال ابن رسلان: فيه فضل الدعاء بظهر الغيب واستحبابه للحاج إذا حضر في الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء لنفسه ولإخوانه في الله تعالى بأعيانهم ومن سأله الدعاء ووعده فيتعين ويتأكد عليه الدعاء له اهـ. وهذا الحديث دليل قول المصنف في الترجمة، وطلب الدعاء منهم وذكر لدليل ندب زيارة المواضع المأثورة قوله ٣٧٤ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي ◌َّله يزور قباء) بضم القاف وتخفيف الباء وبالمد، وهو مذكر منون مصروف في اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى صاحب المطالع وغيره فيه لغة أخرى وهي القصر، حكاها في المطالع عن الخليل، وأخرى وهي التأنيث وترك الصرف، والمختار ما قدمت وهو الذي قاله الجمهور ونقله صاحب المطالع عن أبي عبيد البكري وعن أبي علي القالي كذا في التهذيب للمصنف، وجمعت هذا كله من عبارة المغني للشيخ محمد طاهر الهندي الفتني قباء، بالمد والتذكير والصرف أشهر من أضدادهن، وبضم القاف وخفة الموحدة، وفي المصباح: هو بضم القاف ويقصر ويمد ويصرف ولا يصرف، وفي عبارته إبهام تساوي الوجوه، وقد علمت الأشهر منها، قال السمهودي : هو قرية حوالي المدينة، قال ابن جبير: مدينة كبيرة كانت متصلة بالمدينة المقدسة، وفي خط المداعي: إنما سميت قباء ببئر كانت هناك تسمى قباراً فتطيروا منها فسموها قباء كما نقله ابن زبالة، قال الباجي: على ميلين من المدينة، ونقله النووي عن العلماء، وفي مشارق عياض ثلاثة أميال، وهو معنى قول الحافظ ابن حجر على فرسخ من المدينة، قال السمهودي: وقد اختبرت ذلك فرأيته على فرسخ من باب جبريل إلى باب مسجد قباء اهـ. (راكباً وماشياً) أي: تارة وتارة، ويحتمل أن يكون باعتبار بعض المسافة، ٢٤٣ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه وَمَاشِياً فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتينٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِباً وَمَاشِياً، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ(١). ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه وماذا يقول له إذا أعلمه والأول أقرب لقربه (فيصلي فيه) أي: في مسجده (ركعتين، متفق عليه) وقد ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء أحاديث كثيرة أوردها السمهودي في فضل مسجد قباء من تاريخه، منها ما رواه الترمذي عن أسد بن ظهير الأنصاري عن النبي صَلّر قال: ((الصلاة في مسجد قباء كعمرة)) قال الترمذي: حديث حسن غريب ولا نعرف لأسيد شيئاً يصح غير هذا الحديث، ثم أورد السمهودي أحاديث في كونها فيه كعمرة (وفي رواية) هي للبخاري والنسائي من حديث ابن عمر (كان النبي لير يأتي مسجد قباء كل سبت) وعند ابن حبان في صحيحه: ((كل يوم سبت)) قال السمهودي: فيرد به على من قال: السبت الأسبوع (راكباً وماشياً) أي: للصلاة فيه كما تقدم فيما قبله (وكان ابن عمر يفعله) قال السمهودي: ولابن أبي شيبة عن شريك عن عبد الله بن عمر مرسلاً: ((أن النبي و ﴿ كان يأتي قباء يوم الاثنين)) وعن ابن أبي عروبة قال: ((كان عمر بن الخطاب يأتي مسجد قباء يوم الاثنين ويوم الخميس)) الحديث. ففيه استحباب زيارته ومثله سائر الأماكن المأثورة في الحرم المكي وغيره. باب فضل الحب بضم المهملة وتشديد الموحدة، وهو كما في القاموس: الود كالحباب والحب بكسرها، وفي المصباح: أن الحب بالضم اسم مصدر حابب من باب قاتل (في الله) أي: لأجله لا لغرض آخر، ففي تعليلية (والحث) بتشديد المثلثة، أي: التحريض (عليه وإعلام) عطف على فضل مصدر مضاف إلى فاعله وهو: (الرجل من يحبه أنه يحبه) على تقدير الباء، وحذف الجار من أن وإن وكي المصدريات مقيس بغير خلاف (وماذا يقول) أي: المحبوب (له) أي: للرجل المعلم (إذا أعلمه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب التطوع، باب: من أتى مسجد قباء كل سبت (٥٦/٣). وأخرجه مسلم في كتاب : الحج ، باب : فضل مسجد قباء (الحديث: ٥١٥). 5 ٢٤٤ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (قال الله تعالى: محمد رسول الله) جملة مبينة للمشهود به في الآية قبلها، ويجوز أن يكون رسول الله صفة ومحمد خبر محذوف أو مبتدأ (والذين معه) معطوف عليه، وخبرهما: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) وأشداء جمع شديد، ورحماء، جمع رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ (٣) (تراهم ركعاً سجداً) لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) الثواب والرضى (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود فعلاً، من سامه إذا علمه، وقد قرئت ممدودة ومن أثر السجود بيانها أو حال من المستكن في الجار (ذلك) إشارة إلى الوصف المذكور أو إشارة مبهمة يفسرها كزرع (مثلهم في التوراة) صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها (ومثلهم في الإِنجيل) عطف عليه، أي: ذلك مثلهم في الكتابين، ثم التوراة والإنجيل إسمان أعجميان، قال البيضاوي: ومن زعم عربيتهما واشتقاقهما فهو متكلف، وقوله: (كزرع) تمثيل مستأنف أو تفسير، ومثلهم في الإنجيل مبتدأ وكزرع خبره (أخرج شطأه) أي: فراخه، يقال اشتطأ الزرع إذا فرخ (فآزره) فقواه من المؤازرة بمعنى المعاونة، أو من الأيزار وهو الإعانة (فاستغلظ) فصار من الرقة إلى الغلظ (فاستوى على سوقه) فاستقام على قصبه، جمع ساق (يعجب الزراع) بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره، وهو مثل ضربه الله للصحابة: قلوا في بدء الإِسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس (ليغيظ بهم الكفار) علة لتشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه، أو لقوله: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك، ومنهم للبيان، ولما قال المصنف (إلى آخر السورة) تكلمنا على خاتمتها بجملتها (وقال تعالى: والذين تبوءو الدار والإِيمان) عطف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار فإنهم لزموا المدينة والإِيمان وتمكنوا فيهما، وقيل: المعنى تبوءوادار الهجرة ودار الإِيمان، فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام، أو تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله : (١) سورة الفتح، الآية: ٢٩. (٢) سورة الحشر، الآية: ٩. (٣) سورة المائدة، الآية: ٥٤ ٢٤٥ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه ٣٧٥ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ بَ، قَالَ: ((ثَلاثٌ مِنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ علفتها تبناً وماءً بارداً وقيل سمّى المدينة بالإِيمان لأنه مظهره ومصيره (من قبلهم) أي: من قبل هجرة المهاجرين، وقيل: تقدير الكلام ((والذين تَبَوَّءُوالدار من قبلهم والإِيمان)) (يحبون من هاجر إليهم﴾) ولا يثقل عليهم. ٣٧٥ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (وَ لّر قال: ثلاث) أي: من خصال، أو ثلاث خصال، أو خصال ثلاث (من كنّ) أي: وجدن، فهي تامة و (فيه) ظرف لغو متعلق به، كذا أعربه الحافظ في الفتح، ويجوز أن تكون كان ناقصة والظرف الخبر (وجد) من الوجدان، بكسر الواو في المصدر (بهن حلاوة الإيمان) قال المصنف: المراد من حلاوة الإِيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في الدين وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد الله تحصل بفعل طاعته وترك معصيته وكذا الرسول اهـ. وقال الحافظ: فيه استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإِيمان بشيءٍ حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله تعالى شبه الإِيمان بالشجرة في قوله: ﴿مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾(١) فالكلمة هي كلمة الإِخلاص، والشجرة أصل للإِيمان، وأغصانها اتباع الأوامر واجتناب النواهي، وزهرها ما يهم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الشجرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها (أن يكون الله ورسوله أحب) بالنصب خبر يكون (إليه مما سواهما) قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاصٍ آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعاً له، ويلتذ بذلك التذاذاً عقلياً، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة، وشاهد هذا الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم﴾(٢) إلى أن قال: ﴿أحب إليكم من الله (١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٤. (٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤ . ٢٤٦ كتاب: دليل الفالحين لاَ يُحِبُّهُ إِلَّاللَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ...- ورسوله﴾(٢) ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله: ﴿فتربصوا﴾(٣) قال المصنف: إنما قال مما سواهما ولم يقل ممن ليعم من يعقل ومن لا يعقل، وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: ومن يعصمها فقال: بئس خطيب القوم أنت، فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإِيضاح، وأما هنا فالمراد الإِيجاز في اللفظ ليحفظ، وثم أجوبة أخرى، قال الحافظ في الفتح: من محاسنها أن تثنية الضمير هنا إيماء إلى أن المعتبر المجموع المركب من الجهتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، وأما أمر الخطيب بالإِفراد فلأن كلاً من العصيان مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (٤) فأعاد أطيعوا في الرسول دون أولي الأمر؛ لأنهم لاستقلالهم في الطاعات كاستقلال الرسول ا هــ ملخصاً من كلام البيضاوي والطيبي. (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه) الإِنقاذ أعم من العصمة منه ابتداء بأن يولد على الفطرة ويستمر، أو بالإِخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإِيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: يعود على معنى الصيرورة بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره، وعدى العود بفي دون إلى لتضمنه معنى الاستقرار، كأنه قيل: ويستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ (٥) (كما يكره أن يقذف في النار) الكاف في محل المفعول المطلق، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فصبر وترك التقية حتى قتل، قال الحافظ: وأخرجه البخاري في الأدب في فضل الحب في الله بلفظ: ((وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله تعالى منه)) وهو أبلغ من لفظ حديث الباب؛ لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الآخرة (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال المصنف: هو حديث عظيم من أصول الدين. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: حلاوة الإيمان (٥٦/١، ٥٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان خصال من اتصف ... (الحديث: ٦٧). (٤) سورة النساء، الآية: ٥٩ (٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤ . (٣) سورة التوبة، الآية: ٢٤ . (٥) سورة الأعراف، الآية: ٨٩ ٢٤٧ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه ٣٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((سَبْعَةٌ يَظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ ، ٣٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَّر قال: سبعة) أي: سبعة أنفس، فلذا صح الابتداء به، ويجوز أن يعتبر مسوغ آخر ومفهوم العدد ليس بحجة على الصحيح عند الأصوليين فلا يشكل عليه أن الذين يظلون تحت العرش يوم القيامة فوق السبعين، وقد جمع في ذلك جزأً الحافظ السخاوي، وكذا الحافظ السيوطي (يظلهم الله في ظله) أضافه إليه تشريفاً، قيل: المراد بظله كرامته أو حمايته كما يقال: أنا في ظل فلان، وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض، وقيل: المراد في ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)) فذكر الحديث، وإن أريد ظل العرش استلزم كونه في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح وبه جزم القرطبي، ويؤيده التقييد بيوم القيامة في رواية ابن المبارك، فترجح أن المراد ظل العرش لا ظل طوبى وظل الجنة، خلافاً لمن زعم، لأن ذلك إنما يكون بعد دخول الجنة وهو عام لكل داخلها، ومقصود الحديث ما اختص به أصحاب تلك الخصال (يوم لا ظل إلا ظله) وجه الكرماني الحصر في السبعة المذكورة بما ملخصه: ((إن الطاعة إما أن تكون بين العبد والرب أو بينه وبين الخلق، فالأول باللسان وهو الذكر أو بالقلب وهو المعلق بالمسجد أو بالبدن وهو الناشىء في العبادة، والثاني إما عام وهو الإِمام العادل أو خاص بالقلب وهو التحاب أو بالمال وهو الصدقة أو بالبدن وهو العفة)) (إمام عادل) اسم فاعل من العدل، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلحق به من ولي شيئاً من أمر المسلمين فيعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم من حديث ابن عمر ورفعه: ((أن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)) وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه بغير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به (وشاب) بتشديد الموحدة، اسم فاعل (نشأ في عبادة الله) زاد ابن زيد في روايته ((حتى توفي على ذلك))، وعند سلمان: ((أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله)) وفيه إيماء إلى فضل من لم يزاول المعصية أصلاً على من أقلع وتاب منها (ورجل قلبه معلق في المسجد) ظاهره أنه من التعليق كأنه شبه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلاً إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه، ويدل عليه رواية الحوفي: ((كأنما قلبه في المسجد)) ويحتمل أن يكون من العلاقة شدة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: (متعلق بالمساجد)) ورواية الكشميهني بزيادة فوقية بعد الميم وكسر اللام، زاد ٢٤٨ كتاب: دليل الفالحين وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) سلمان: من حبها، وزاد مالك: إذا خرج منه يعود إليه (ورجلان تحابا) بتشديد الموحدة وأصله تحابيا، أي: اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما صاحبه حقيقة لا ظاهراً فقط، وفي قوله: (في الله) تعليلية (اجتمعا عليه) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((اجتمعا على ذلك)) والمشار إليه ومرجع الضمير هو الحب المدلول عليه بقوله تحابا (وتفرقا عليه) المراد أنهما داما على المحبة ولم يقطعاها لعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت، وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان؛ لأنها لا تتم إلا باثنين، ولما كان المتحابان بمعنى واحد كان عد أحدهما مغنياً عن الآخر؛ لأن الغرض عد الخصال لا عد جميع المتصف بها وهذا مقصود الترجمة (ورجل دعته امرأة ذات منصب) أي: أصل وشرف (وجمال) وصفها بالأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وقل من يجتمع فيها ذلك من النساء، والمراد: دعته إلى نفسها كما زاد ابن المبارك في روايته، وعن البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة: ((فعرضت نفسها عليه)) والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي، ولم يحك غيره، وقال بعضهم: يحتمل أنها دعته إلى التزويج فخشي أن يشغله عن عبادة مولاه الافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب لها، والأول أظهر، ويؤيده وجود الكناية في قوله إلى نفسها، ولو كان المراد التزويج لصرح به، والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكبر المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها سيما وقد أغنت عن مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها (فقال إني أخاف الله) زاد في رواية كريمة: ((رب العالمين)) والظاهر أنه يقول بلسانه ليزجرها وتعتبر بقلبها، ويحتمل أنه بقلبه، قاله عياض، قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله ومتين تقوى وحياء (ورجل تصدق) بلفظ الماضي، قال الكرماني: جملة حالية بتقدير قد (بصدقة) نكرها ليشمل كل ما تصدق به من قليل وكثير، وظاهره يشمل المفروضة والمندوبة، لكن نقل المصنف أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها (فأخفاها حتى لا تعلم) بضم الميم وفتحها (شماله ما تنفق يمينه) هكذا في معظم الروايات في البخاري وغيره، ووقع في صحيح مسلم مقلوباً ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وقد بسط الحافظ في الفتح في بيان من وهم بذلك، وما في البخاري هو الصواب وهو وجه الكلام؛ لأن السنة في الصدقة إعطاؤها باليمين، والقصد من الحديث الحث على المبالغة في إخفاء الصدقة، بحيث إن شماله مع قربها من ٢٤٩ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه يمينه وتلازمها لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه، ويؤيده أنه جاء في رواية ((تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه عن شماله)) ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، أي: حتى لا يعلم ملك شماله (ورجل ذكر الله) أي: بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر (خالياً) أي: عن الخلق؛ لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء، أو المراد خالياً عن الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ، ويؤيده رواية البيهقي: ((ذكر الله بين يديه)) ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد ((ذكر الله خلاء)) أي: في موضع خال وهي أصح (ففاضت عيناه) أي: فاضت الدموع منهما، وإسناد الفيض إليهما مبالغة كأنها هي التي فاضت، قال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وما ينكشف له، فبكاؤه خشية من الله تعالى حال أوصاف الجلال وشوقاً إليه سبحانه حال أوصاف الجمال، قال الحافظ في الفتح: وذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له فيما ذكر إلا إن أريد بالإِمام العادل الإِمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم ويخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاتها في بيتها أفضل من المسجد وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن. ((فائدة)) أورد الحافظ السخاوي في جزئه المسمى بالخصال الموجبة للظلال تسعة وثمانين خصلة ذكر أدلة ذلك، وما ورد فيه في آخره أن الأديب معمر بن عبد القوي المكي المالكي نظمها على ترتيب لها في جزئه فقال: أناس روينا في الصحيحين سبعة وقد حازهم زين الهدى شيخ وقته محب عفيف نشيء متصدق وزاد عليه شيخ الإِسلام عدة وأبرزها نظماً فقال ونظمه وزد سبعة إصلال غاز وعونه وحامي غزاة حين ولوا وعون ذي وزد مع ضعف سبعتين إعانة وكره وصبر ثم مشي لمسجد وكافل ذي يتم وأرملة وهت وحزن وتصبير ونصح ورأفة يظلهم الرحمان في برد ظله أبو شامة في النظم منه بقوله وباك مصل والإِمام بعدله ثلاثة سبعات رواها بنقله هو الدر لا نظم يكون كمثله وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله غرامة حق مع مكاتب أهله لا خرق مع أخذ لحق وبذله وتحسين خلق ثم معظم فضله وتاجر صدق في المقال وفعله تربع بها السبعات من فيض فضله ٢٥٠ xXXX كتاب: دليل الفالحين وقد زاد فيما بعد ستاً ولم تقع وفي نظمها حكم لغير كنفسه وترك الزنا ترك الرياء ورشوة فأربعة صار الجميع وقبلها وزاد عليها حافظ العصر شيخنا عنيت السخاوي الذي كل عالم ثمانية من بعد خمسين خصلة فدونكها نظماً ليحسن حفظها فأولها في العد من هو ساكت ومن حفظ القرآن في حال صغره مراقب شمس للمواقيت تاجر عيادة مرضى ثم تشييع ميت وقبض يد عن غير حق وغضة وترك غريم ثم فضل لمعسر وواصل رحم ثم رحمة أيم وصانع طعم لليتيم وموقن محب لخلق الله يبغي جلاله ومحيي طريقاً للنبي ومكثر وحامل قرآن قراءة أصفيا وإفراد إبراهيم بالذكر منهم مريض وذو جوع وصوم وهائم مصل بقرآن أتى بعد مغرب ونجل رسول الله ذكرنابه وتارك مشى بالنميمة ظاهر منيب لذا ذكر الإِله وغاضب وعمار بيت الله جل جلاله ومذكور رب الناس ذاكره كذا معلم أبناء وأخبار ديننا منظمة منه كسابق قوله محب لسيف الله شيعة عدله وأول إنعام نهاية كله ثلاثون فاقرأ العلم تحظ بنبله وعلامة الإِسلام جامع شمله يروي صداه من تفيض فضله تتبعها فيما رواه وأصله فأحسن تعليم يكون بسهله بحلم وذو ثبت بعلم وعقله وقاد كبيراً في الأنام بحمله أمين بلا مدح وذم لرحله ومن لم يخف في الله لوماً لعدله لطرف عن المحظور قصداً لحله وإشباع ذي جوع يتوق لأكله بأيتامها تعني بيتم وشغله عليه رقيقاً في ارتحال وحله مؤذن فراج ((لكرب)) وكله صلاة عليه في النهار وليله كذا أنبياء الله أكرم بأهله علي ونجلاه فطوبى لنجله ثلاثة عشر من مرحب حوله وأطفال أتباع النبي وسبله وغير حسود والعقوق لأصله بريء ومذكور بذكر الموله بحرمته ثم المحب لأجله ومستغفر الأسحار يا طيب قوله شهيد ومن في أحد فاز بقتله أمانة أمر بالجميل وفعله ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه ٢٥١ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٣٧٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى يقولُ يومَ القِيامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّ ظِلِّي)). النبيين حب الله أكرم رسله ونهى وداعي الخير واختم بخاتم وآل وأصحاب كرام بوصله عليه صلاة الله ثم سلامه مبينه جاءتك من فيض فضله وقد كملت تسعين تعجز واحد يصيرنا ممن يظلهم بظله ونسأل مولانا الكريم إلهنا اهـ. (متفق عليه) ورواه أحمد والنسائي كلهم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، ورواه مسلم أيضاً عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً كذا في الجامع الصغير. ٣٧٧ - (وعنه قال: قال رسول الله وَالقول: إن الله تعالى يقول) فيه رد على من يكره أن يؤتى بالمضارع في القول المحكي عنه تعالى؛ لأن كلامه قديم أزلي، والجواب أن الإِتيان به للدلالة على أنه مستمر أبدي (يوم القيامة أين المتحابون لجلالي) والسؤال عنهم مع علمه بمكانهم وغيره من أحوالهم لينادي بفضلهم في ذلك الموقف ويصرح به، (تحذف) واللام فيه للتعليل، أي: تحابوا لجلاله وعظمته لا لغرض سوى ذلك من دنيا أو نحوها، وروى بجلالي، قال العاقولي: أي: في جلالي، فالباء بمعنى في، وخص الجلال بالذكر لدلالته على الهيبة والسطوة، وأنهم في حبهم لله قائمون بحق تعظيمه والخوف منه مطرقون إجلالاً لهيبته، فجمع بينهما هذا الوصف العظيم لا كما يجمع حب أهل المتحابين على شهواتهم الخسيسة الباعثة على ترك الهيبة وإلقاء جلباب الحياء، هيهات كم بين المحبتين اهـ. (اليوم أظلهم في ظلي) قال القاضي عياض: إضافة الظل إليه تعالى إضافة ملك، قال الحافظ: ولو قال إضافة تشريف لكان أولى والمراد ظل العرش، وجاء في غير مسلم ((ظل عرشي)) قال القاضي: ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهيج الموقف وأنفاس الخلق، قال: وهذا قول الأكثر، وقال عيسى بن دينار: معناه أمنه من المكاره وأنه تعالى يكرمه ويجعله في كنفه وستره، ومنه قولهم: ((السلطان ظل الله في أرضه)) وقيل: الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم يقال هذا عيش ظليل، أي: طيب (يوم لا ظل إلا ظلي) أي: لا يكون في (١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب صلاة الجمعة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (١١٩/٢، ١٢٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (الحديث: ٩١). ٢٥٢ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٣٧٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ ﴿ِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا، أَوَلاَ أَدُلَّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَقْتُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). ذلك اليوم من له ظل مجازاً كما في الدنيا (رواه مسلم) وأحمد، وهو من الأحاديث القدسية، وقد جمع منها الحافظ العلائي أربعين حديثاً وفي روايته طريقتان، إحداهما: كما ذكر المصنف، ((والثانية)): أن يقال عن النبي وَل عن ربه تعالى أنه قال، والفرق بين الحديث والقرآن من وجوه انتفاء الإِعجاز، وجواز روايته بالمعنى، وعدم تعلق ثواب بقراءة ألفاظه، وجواز مسه وحمله مع الحدث وقراءته مع الجنابة وغير ذلك. ٣٧٨ - (وعنه قال: قال رسول الله رَ طاهر: والذي نفسي بيده) أقسم لتأكيد الأمر وتحقيقه والقسم یندب لذلك (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا) أي: يؤمن كل منكما صاحبه بوائقه كما جاء في الحديث (ولا تؤمنوا) قال المصنف: هكذا في جميع الأصول والروايات بحذف النون وهي لغة معروفة صحيحة اهـ. وفي التسهيل: وحذفها لغير ناصب وجازم نادر، قال المرادي في شرحه: وقال بعض النحويين أنه ضرورة، قال العاقولي : وأما إثبات النون في بعض نسخ المصابيح فمن إصلاح الناظرين، وحذف النون نظراً لحذفها فيما قبله فأتبعه ما بعده مشاكلة وإعادة ليعلق عليه حكماً آخر، والمراد: لا تؤمنوا إيماناً كاملاً ولا يؤمن بعضكم بعضاً (حتى تحابوا) بحذف إحدى التاءين تخفيفاً وتشديد الموحدة، والأصل تتحابوا، لأن المحب يأمن من محبوبه (أو لا أدلكم) الهمزة للاستفهام والواو عاطفة على محذوف مقدر بعد الهمزة، أي: أتتركوا التحاب ولا أدلكم (على شيء إذا فعلتموه تحابيتم) فالاستفهام وارد على الهيئة المجموعية (أفشوا) بقطع الهمزة المفتوحة (السلام بينكم) فيه الحث على إفشاء السلام وبذله للمسلم من عرفت ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف ومفتاح استجلاب المودة، وفي إنشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس والتواضع وإعظام حرمات المسلمين (رواه مسلم) في كتاب الإِيمان من صحيحه، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، قاله المنذري في الترغيب. (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: في فضل الحب في الله (الحديث: ٣٧). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان أن لا يدخل الجنة ... (الحديث: ٩٣) ٢٥٣ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه ٣٧٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخاَّ لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً) وَذَكَرَ الحَدِيثَ إِلَى قَولِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْيَبْتَهُ فِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ(١) ٣٨٠ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ في الْأَنْصَارِ: ((لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّ مُؤمِنُ وَلَ يُبْغِضُهُمْ إِلَّ مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) ٣٨١ - وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ. ٣٧٩ - (وعنه عن النبي ◌َّر أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً وذكر) أي: أبو هريرة (الحديث) المذكور في الباب قبله (إلى قوله إن الله قد) للتحقيق (أحبك) أي: أراد بك خيراً (كما أحببته فيه رواه مسلم وقد سبق في الباب قبله) لكن لما تعلق عرض الترجمة بقوله منه إن الله قد أحبك ... الخ أورده. ٣٨٠ - (وعن البراء) بتخفيف الراء والمد (ابن عازب) صحابي بن صحابي، ولذا نبه عليه بقوله: (رضي الله عنهما عن النبي - أنه قال في) حق (الأنصار) هم أولاد الأوس والخزرج، وتقدم أنه اسم إسلامي، سموا به لنصرهم الإِسلام ومبالغتهم فيها (لا يحبهم إلا مؤمن) لأن لهم في الإِسلام الأيادي الجميلة من النصر والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإِسلام حق القيام، وحبهم النبي ◌َّ وحبه إياهم وبذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإِسلام (ولا يبغضهم) مع ذلك (إلا منافق) ومحل ذلك إن أبغضهم من الحيثية المذكورة، أما إذا كان بغضه لأحد منهم لخصام أو لأمر اقتضاه معه بخصوصه فلا (من أحبهم) أي: لله تعالى (أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) كما يدين الفتى يدان (متفق عليه) ٣٨١ - (وعن معاذ) - بضم الميم وبالعين والذال المعجمة - هو ابن جبل (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: قال الله عز وجل: المتحابون) بتشديد الموحدة، أي: (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: في فضل الحب في الله، (الحديث: ٣٨). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الأنصار (٨٧/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار ... (الحديث: ١٢٩) ٢٥٤ كتاب: دليل الفالحين فِي جَلائِي لَهُمْ مَنابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ(١). ٣٨٢ - وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتَّىَّ بَرَّاقُ الثَّنَايا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَروا عَنْ رَأْيِهِ، المتحابون (في جلالي) في تعليلية كما تقدم (لهم منابر من نور) يجلسون عليها، وفي حديث الطبراني عن أبي أيوب مرفوعاً: ((المتحابون في الله على كراسي من ياقوت حول العرش)) والمنابر جمع منبر - بكسر فسكون ففتح - من النبر وهو الغلو (يغبطهم النبيون والشهداء) الغبطة تمني مثل ما للغير من الخير من غير زواله عن صاحبه، فدل هذا الحديث القدسي على أن لهؤلاء العباد منازل شريفة عظيمة في الآخرة، ولا يلزم من تمني الأنبياء أن يكون أولئك أفضل من الأنبياء؛ لأنه قد يكون لك مائة فرس من العتاق ثم ترى لأخيك فرساً فتشتهي أن تشتريه منه أو تشتري مثله وهذا من هذا القبيل، ويجوز أنه لم يقصد النظر إلى معنى الغبطة أصلاً وإنما أريد بيان فضلهم وشرفهم عند الله فقط (رواه الترمذي) في الزهد من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح). ٣٨٢ - (وعن أبي إدريس) اسمه عايد الله - بتحتية ومعجمة - ابن عبد الله (الخولاني) نسبة إلى خولان، بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن يشخب، قبيلة نزلت الشام، كذا في لب اللباب للأصبهاني، ولد أبو إدريس (رحمه الله) عام حنين وهو من كبار التابعين، روى عنه الزهري، توفي سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (قال: دخلت مسجد دمشق) بكسر الدال المهملة وفتح الميم، وحكى في المطالع كسرها، أعظم بلاد الشام (فإذا فتى براق) بتشديد الراء (الثنايا) أي: أبيض الثغر حسنه، وقيل: معناه كثير التبسم (وإذا الناس معه) أتباع له لكونه صحابياً عالماً فقيهاً (فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه فسألت عنه فقيل هو معاذ بن جبل) هو الأنصاري الذي قال في حقه وثير: ((أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)) وقال السيوطي: قال الباجي، قال أحمد بن خالد، وهو أبو حازم، وفي هذا القول نظر، وإنما هو عبادة بن الصامت، فقد رواه شعبة عن يعلى عن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أبي إدريس الخولاني ((قال: لقيت عبادة بن الصامت)) فذكر الحديث، وقال ابن عبد البر: زعم قوم أن هذا الحديث خطأ وأن مالكاً وهم فيه وأسقط من إسناده أبا مسلم الخراساني، وزعموا أن أبا إدريس رواه عن (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الحب في الله، (الحديث: ٢٣٩٠). ٢٥٥ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلَتَهُ ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لََّحِبُّكَ للَّهِ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقْتُ: أَللَّهِ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ، فَأَخَذَنِي بِحَبْوَةٍ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِليْهِ فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِينَ فِيَّ، أبي مسلم عن معاذ، وقال آخرون: وهم فيه أبو حازم، قال: وهذا كله تخرص، وقد روي عن أبي إدريس من وجوه شتى غير طريق أبي حازم أنه لقي معاذاً وسمع منه، فلا شيء في ذلك على مالك ولا على أبي حازم ا هـ. قلت: وحديث أبي مسلم عن معاذ رواه ابن حبان في صحيحه بنحو حديث أبي إدريس (فلما كان) أي: حصل (من الغد هجرت) أي: إلى المسجد (فوجدته قد سبقني بالتهجير) لمسارعته إلى طريق البر واهتمامه به (ووجدته يصلي) نافلة (فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه) فيه تنبيه على أن الأدب لمن ورد على مشغول بالله تعالى أن لا يشغله ويلهيه عما هو فيه، فقد ورد: ((من أشغل مشغولاً بالله أدركه المقت في الوقت)) وفيه أن الأدب قصد الإِنسان من قبل وجهه، كما يستحب الدخول إلى البيت من باب السلام؛ لأنه من جهة وجه البيت (فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك) القسم للتأكيد وكأنه طلباً لاقباله عليه (فقال الله) بهمزة الاستفهام الممدودة المعوض بها عن حرف القسم فلذا وجب جر ما بعدها (قال) أبو إدريس (الله) ضبطه المصنف بالهمزة المقصورة وهو مجرور لنيابة الهمزة مناب صرف القسم (فقال) أي: تأكيداً للقسم (آلشه؟ فقلت الله فأخذ بحبوة ردائي) يحتمل أن تكون الإِضافة بيانية، ويحتمل أن تكون بمعنى اللام، والحبوة من الاحتباء (فجبذني إليه) قال في النهاية: الجبذ لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه، وفي المصباح: جبذه جبذاً من باب ضرب مثل جذبه، قيل: مقلوب منه لغة تميمية، وأنكره ابن السراج وقال: ليس أحدهما مأخوذ من الآخر لأن كل واحد يتصرف في نفسه (فقال: أبشر) بقطع الهمزة وكسر الشين، ويجوز وصل الهمزة وفتح الشين وضمها، قال في المصباح: بشر بكذا يبشر من باب فرح وزناً ومعنى وهو الاستبشار أيضاً، ويقال: بشرته أبشره من باب قتل في لغة تهامة، وتكون البشرى في الخبر السار، واستعمالها في الشر قليل للتهكم اهـ. وحذف المبشر به لدلالة الحديث عليه وهو قوله: (فإني سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يقول: قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي) من الوجوب وهو الثبوت، أي : ذلك كائن لا محالة (للمتحابين فيّ) أي: من أجلي لا لعرض ولا لغرض (والمتجالسين فيّ ٢٥٦ كتاب: دليل الفالحين وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِينَ فِيَّ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ في الْمُوَطٍَّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ. قَولُهُ: ((هَجَّرْتُ)): أَيْ بَكَّرْتُ. وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قَوْلُهُ: ((آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ) الْأُولُ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ للاسْتِفْهامِ والثاني بِلَا مَدِّ(١). والمتزاورين فيّ) تفاعل من الزيارة (والمتباذلين فيّ) تفاعل من البذل، قال الباجي: أي: الذين يبذلون أنفسهم في مرضاتي من الإِنفاق على عدوه(٢) وغير ذلك مما أمروا به، والمراد: أنا فاعل كل من هذه الأمور من الجانبين، كما يدل عليه صيغة التفاعل إذا كان لوجه الله تعالى لا لعرض فانٍ ولا لغرض، فإنه تجب له محبة مولاه، وهذا أعظم الجزاء وأشرف الحياء، فيدل على شرف هذا، وقد ورد: ((من أحب الله وأبغض لله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل الإِيمان)) كما تقدم (حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح) فإنه رواه فيه عن أبي حازم عن أبي إدريس الخولاني، قال الحافظ المنذري في الترغيب: وأخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه (وقوله هجرت أي: بكرت) ومنه حديث: ((لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه)) (وهو بتشديد الجيم) قال في النهاية: التهجير التكبير إلى كل شيء والمبادرة إليه، يقال: هجر تهجيراً فهو مهجر، وهي لغة حجازية (قوله آلله فقلت الله الأول بهمزة ممدودة والثاني بلا مد) قال الشيخ نفيس الدين العلوي: ومن خطه نقلت سماعاً في الموطأ بالمد فيهما، ثم إن المصنف سكت عن بيان إعرابهما قال النحاة: والعبارة للرضى في شرح الكافية إذا حذف حرف القسم الأصلي أعني الباء، فإن لم يبدل منه فالمختار النصب بفعل القسم، ويختص لفظ الله بجواز الجر مع حذف الجار بلا عوض، ((قلت)): عبارة الجامع الصغير تومىء إلى وجوب الجر حينئذ، ويختص لفظ الله بتعويض لفظها، أو همزة الاستفهام من الجار، وكذا عوض من الجار فيها قطع همزة الله في الدرج وكأنها حذفت للدرج ثم ردت عوضاً من الحروف وجار الله: جعل هذه الأحرف عوضاً من الواو، ولعل ذلك لاختصاصها بلفظ الله، ثم قال: وإذا دخلت همزة الاستفهام على الله فإما أن تبدل همزة الله ألفاً صريحة وهو الأكثر، وتسهل كما هو القياس في الرجل ونحوه، ولا تحذف للبس ولا تبقى للاستثقال، قال: ودليل كون هذه الثلاثة إبدالاً معاقبتها لحرف القسم ولزوم الجر معها دون النصب، مع أن النصب بلا عوض أكثر اهـ. ملخصاً. وفي شرح الجامع الصغير: المغاربة كما قال أبو حيان، يعبرون عن هذه الهمزة بهمزة الاستفهام، والمراد الصورة لا معنى الاستفهام، قال: وقد قرىء ﴿ولا نكتم شهادة اللّه﴾(٣) بتنوين شهادة (١) الموطأ: (٩٥٣/٢)، ابن حبان وصححه (٢٥١٠). (٢) هكذا في الأصل في جميع النسخ فليحرر. ع. (٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٦ . ٢٥٧ ٤٦ - باب: في فضل الحب في الله والحث عليه ٣٨٣ - وَعَنْ أَبِي كَرِيمَةَ الْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَه قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٣٨٤ - وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَخَذَ بِيْدِهِ، وَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لَأَحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: وقطع الهمزة؛ فلذا سموها ألف القطع، وليس المراد إلا قطع همزة الوصل التي مع لام التعريف في الاسم المعظم؛ لأن هناك ألف قطع جيء بها عوضاً من حرف القسم لكنهم يتسامحون فيعبرون عنها بألف القطع كذلك اهـ. ٣٨٣ - (وعن أبي كريمة) بوزن حليمة، وقيل: أبو يحيى (المقداد) بكسر الميم وسكون القاف وبالدال المهملة (ابن معدي كرب) بكسر الدال وفتحها وسكون الياء تخفيفا، ويجوز في كرب لغات: منع الصرف وإضافة الأول إليه مصروفاً وممنوعاً، وأصل معنى معدي كرب في لغة قحطان أو حمير، وجه الفلاح، وفي لغة غيرهم معنى معدي كرب: يا من جاوز الحد، نبه على الأول السهيلي وعلى الثاني الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح، ابن سناد بن عبد الله بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن ثور بن عفير الكندي (رضي الله عنه) كذا نسبه ابن عبد البر، وقيل غير ذلك، وهو أحد الوفد الذين قدموا على النبي وَّر من كندة بالشام، توفي سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة، روي له عن النبي وَله سبعة وأربعون حديثاً، كذا في المستخرج المليح لابن الجزري (عن النبي ◌َّ قال: إذا أحب الرجل أخاه) في الله الله تعالى (فليخبره) ندباً، وعند بعضهم فليعلمه (أنه يحبه) على تقدير الجار، وحكمته أنه سبب لمزيد الحب وتأكده (رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح) ورواه أحمد بسند صحيح والبخاري في الأدب المفرد، ولفظه كما قال السخاوي في المقاصد ((أنه أحبه))، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه. ٣٨٤ - (وعن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله ور أخذ بيده) تأنيساً وتلطفاً معه (وقال: يا معاذ والله) أتى به للتأكيد المطلوب لأجله القسم (إني لأحبك ثم أوصيك يا معاذ) وهذا الحديث أوفى شاهد على فضل معاذ وكمال استقامته واهتمامه بأمور ديانته، حيث حصل له هذا المقام الأسنى من المصطفى وذكره توطئة وبعثاً له على امتثال أمره بعده، قال بعضهم: لما صحت محبة معاذ للنبي وير جاراه بأعلا منها كما هو عادة الكرام، ولا أكرم منه وَلَه، (١) أخرجه أبوداود في كتاب: الأدب، باب: إخبار الرجل بمحبته إياه الحديث: ٥١٢٤). وأخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ماجاء في إعلام الحب (الحديث: ٢٣٩٢ أ). ٢٥٨ كتاب: دليل الفالحين لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). ٣٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ الَّبِيِّ وَ فَمَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ رَ: ((أَأَعْلَمْتَهُ؟)) قَالَ: لَاَ، قَالَ: ((أَعْلِمْهُ))، فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ في اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْيَبْتَنِي لَّهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ (٢). ولذا أكده بإن واللام (لا تدعن) أي: لا تتركن (في دبر) بضم المهملة والموحدة، أي: عقب (كل صلاة) أي: مفروضة (تقول) أي: أن تقول، أو قولك، فهو كما تقدم نظير قولهم: ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)) وهو في محل المفعول لتدع (اللهم أعني) بقطع الهمزة (على ذكرك) الشامل للقرآن وسائر الأذكار (وشكرك) أي: شكر نعمتك الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية التي لا يمكن إحصاؤها (وحسن عبادتك) أي: بالقيام بشرائطها وأركانها وسننها من خضوع وخشوع وإخلاص واستغراق وتوجه تام (حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح) بل قال الحاكم في موضعين من مستدركه إنه على شرط مسلم، وتعقبه الحافظ في تخريج الأذكار النووية فقال: أما قوله إنه صحيح فمسلم، وأما قوله على شرطهما ففيه نظر، فلم يخرجا لبعض رواته وأخرج الحديث أيضاً أحمد والطبراني في كتاب الدعاء وابن حبان في صحيحه. ٣٨٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: إن رجلاً كان عند النبي مّ فمر رجل) وهو عند النبي ◌َ* (فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا) كان الداعي إلى التأكيد التردد الناشىء مما يدل عليه حاله (فقال له النبي ◌َّ أعلمته) بتقدير همزة الاستفهام قبله (قال: لا قال: أعلمه) أي: ندباً، ويحتمل أن يكون أمر ذلك بخصوصه على سبيل الوجوب لتهاجر كان بينهما أو تقاطع (فلحقه فقال: إني أحبك في الله) أي: لله تعالى (فقال) أي: ذلك المعلم (أحبك الذي أحببتني له) عدل إليه عن الإتيان بالاسم الجامع إعلاماً بسبب حبه تعالى لذلك وإيماء إليه، قال العاقولي: والجملة دعائية أخرجها مخرج الماضي تحققاً له وحرصاً على وقوعه (رواه أبو داود بإسناد صحيح) G. (١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: إخبار الرجل بمحبته إياه (الحديث: ٥١٢٥) وأخرجه النسائي في كتاب السهو، باب: نوع آخر من الدعاء (الحديث: ١٣٠٢). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: إخبار الرجل بمحبته أخاه (الحديث: ٥١٢٥). ٢٥٩ ٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد ٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها والسعي في تحصيلها قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ باب علامات حب الله تعالى العبد بالنصب مفعول المصدر، ويجوز جره باللام المقوية للعامل لضعفه (والحث) عطف على علامات، والتحريض (على التخلق بها) أي: بتلك الخصال للمحبوب (والسعي في تحصيلها) ليستدل به بوجودها على وجوده، فإن شأن العلامة الاطراد. (قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) أي: تدعون محبته، نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه، أي: إن كنتم كذلك فاتبعوني، فعلامة حبه تعالى العبد توفيقه لاتباع المصطفى و 18 قولاً وفعلاً، وقوله: (يحببكم الله) جواب الشرط المقدر، أي: إن تتبعوني يحببكم الله (ويغفر لكم ذنوبكم) ولا يخفى ما في هذه الآية من الوعد للمتبعين بالمحبة من المولى وغفران الذنب، وهذه تقدم الكلام عليها في باب المحافظة على السنة وآدابها، وفي باب النهي عن البدع، وزاد هنا خاتمة الآية، أي: قوله: (والله غفور رحيم) وهو كالدليل لما تضمنه قوله: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ (٣) (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم) بالكفر (عن دينه) قال البيضاوي: وهذا من الكائنات التي أخبر الله عنها قبل وقوعها، وقد ارتد من العرب في آخر عهد رسول الله وَالر بنو مدلج وبنو حنيفة وبنو أسد، فقتل العنسي رئيس بني مدلج الذي تنبأ ليلة قبض النبي وسل، قتله فيروز وأخبر به النبي وليه فسر به المسلمون، وأتى الخبر بذلك أواخر ربيع، ومسيلمة رئيس بني حنيفة، وادعى النبوة، قتله وحشي قاتل حمزة، وبنو أسد قوم طليحة بن خالد، تنبأ فبعث إليه النبي وقلة خالد بن الوليد ففر إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه، وقد ارتد في عهد الصديق سبع فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة، وبنو سليم قوم الفجاجة ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر (٤) المتنبئة زوجة (١) و(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١ (٢) سورة المائدة، الآية: ٥٤ (٤) المعروف أنها بنت الحارث. ع ٢٦٠ كتاب : دليل الفالحين يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنوا بكر بن وائل قوم الحطم وكفى الله أمرهم على يده، وفي إمرة عمر غسان قوم جبلة ابن الأيهم، تنصر وسار إلى الشام (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قيل: هم أهل اليمن لما روي أنه عليه السلام ((أشار إلى أبي موسى وقال هم قوم هذا)) وقيل: سلمان لما روي ((أنه سئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه)) وقيل: الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء الناس، والراجع إلى من محذوف والتقدير: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم (أذلة على المؤمنين) عاطفين عليهم متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل، واستعماله مع على إما لتضمين معنى العطف والحنو أو التنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين حافظون لهم أو لمقابلة (أعزة على الكافرين) أي: شداد متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه، وقرىء بالنصب على الحال (يجاهدون في سبيل الله) صفة أخرى لقوم، أو حال من الضمير في أعزة (ولا يخافون لومة لائم) عطف على يجاهدون، بمعنى أنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دين الله، أو حال، بمعنى أنهم يجاهدون وحالهم خلاف المنافقين، فإنهم يخرجون مع المسلمين في الجهاد خائفين ملامة أوليائهم من اليهود فلا يعلمون ما يلحقهم به لوم من جهتهم، واللومة المرة من اللوم، وفي تنكير لائم مبالغتان (ذلك) أي: ما تقدم من الأوصاف (فضل الله يؤتيه) يمنحه ويوفق له (من يشاء) من خلقه (والله واسع) كثير الفضل (عليم) بمن هو أهله. ٣٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي لها أن الله تعالى قال:) هكذا أورده هنا بصيغة الماضي، وفى الأربعين يقول بصيغة المضارع، وعلله بعض الشراح بقوله مضارعا لأن المضارع يدل على الحال الخاص (من عادى لي ولياً) من الولي بسكون اللام وهو القرب والدنو، فهو القريب من الله لتقربه إليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أو من الموالاة ضد المعاداة، فهو من: ((تولى الله بالطاعة والتقوى فتولاه بالحفظ والنصرة)) وقدم الظرف للاختصاص، أي: من اتخذ ولياً لي لا لغيري عدواً (فقد آذنته) بالمد، أي: أعلمته (بالحرب) أي: أني محارب له عنه، أي: مهلكه بأخذه على غرة، وهذا وعيد شديد