Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ٥ - باب: في المراقبة فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إله إلاّ اللَّهُ العاقولي: فلا معنى لقول من قال إنه وضع يديه على فخذي النبي # وإن كان شأن تقريبه يقتضي ذلك وفيه أن ذلك القول جاء التصريح به عند النسائي، فله وجه وجيه، ومن ثم قال السيد معين الدين الصفوي: إنه أقوى دليلاً قال بل هو الوجه لأنه حينئذ يكون على نسق قوله ركبتيه إلى ركبتيه لأن اتكاء الركبة، والجلوس إليه ليسا من شأن الأدب المطلوب من المتعلم، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست هيئة تلميذ بل هيئة معلم مهتم بشأن التعليم، ووضع الكف على الفخذين طريق المتعلمين وبينهما بوق، وإن أمكن أن يقال هذا وجه آخر لتعجب الحاضرين كما في السؤل والتصديق، وقال جدي رجوع الضمير في هذه الراوية إلى رسول الله ( أولى لتتفق مع رواية النسائي اهـ. (وقال: يا محمد) ناداه باسمه مع قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾(١) زيادة في التغريب عند افتتاح الخطاب بالمسألة، على أن الملائكة ليسوا داخلين في مثل ذلك الخطاب (أخبرني عن الإِسلام) هو والإِيمان لاعتبار التلازم بين مفهوميهما شرعاً، فلا يعتبر في الخارج إيمان شرعاً بلا إسلام، ولا عكسه متحدان ما صدقا في الشرع مختلفان مفهوماً، فكل مؤمن شرعاً مسلم كذلك، وكل مسلم مؤمن، فما دل عليه حديث جبريل من اختلافهما، هو باعتبار المفهوم، إذ مفهوم الإِسلام الشرعي الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعية، والإِيمان في الشرع التصديق بالقواعد الشرعية، على أنه قد يتوسع الشرع فيهما، فيستعمل كل واحد منهما في مكان الآخر، كإطلاق الإِيمان على الأعمال الظاهرة في حديث: ((الإِيمان بضع وسبعون باباً أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله)) على أحد الوجوه في ذلك، وسيأتي ما فيه في باب الدلالة على كثرة طرق الخير، وإطلاق الإِسلام على التصديق القلبي في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإِسلام﴾(٢) قال القرطبي: وهذا الإِطلاق من باب التجوز، والتوسع وإذا حقق ذلك زاح كثير من الإِشكال الناشىء من هذا الاستعمال (فقال رسول الله وَالَ: أن تشهد أن لا إله إلا الله) خبر لمبتدأ محذوف. أي: الإِسلام أن تشهد، حذف لقرينة وجوده في السؤال، والمراد أن يقول ذلك بلسانه المتمكن من النطق فهو معتبر في الإِسلام، فمن صدق بمضمونها، ولم يأت بها مع عدم مانع من النطق فليس بمسلم، ولا مؤمن، وحكى المصنف الإِجماع عليه في شرح مسلم لكن حكى غيره قولاً أنه مؤمن عاص بترك النطق بها، ولا يعتبر النطق بها بالعربية على الصحيح مع التصديق القلبي (١) سورة النور، الآية: ٦٣. (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩. ٢٢٢ كتاب : دليل الفالحين وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ . بمضمونها، فقوله تشهد أي: تقر وتبين، وأن مخففة من الثقيلة لتقدم ما يدل على العلم عليها، وبدليل عطفها عليها في (وأن محمداً رسول الله) ولا، في لا إلَه إلا الله هي النافية للجنس نصاً ومحلها مع اسمها رفع بالابتداء واسم الله تعالى خبر لها، وعن الزمخشري : الاسم الكريم مبتدأ والنكرة خبر على القاعدة، ثم قدم الخبر ثم أدخل النفي عليه والإِيجاب على المبتدأ، وركب لا مع الخبر. وقد بسطت الكلام على إعراب هذه الكلمة في باب فضل الذكر من شرح الأذكار. وحكم الإِسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين. قال ابن الصلاح: وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها، لكونها أظهر شعائر الإِسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وانقياده، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده، فالمقصود من ذكر الأركان الخمسة في الحديث بيان كمال الإِسلام، وتمامه فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادتين، أما أصل الإِسلام فالشهادتان كافيتان فيه. (وتقيم) بالنصب عطف على تشهد، خلافاً لمن زعم رفعه وما بعده استئنافاً إيماء إلى أن الإِسلام يكفي في حصوله الشهادتان وحدهما، وتقدم أن المذكور في الحديث الإِسلام الكامل (الصلاة) أي: تعدل أركانها. أو تديم إقامتها. والصلاة: لغة الدعاء بخير. وشرعاً: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة غالباً، وأصلها ((فعلة)) بفتحات ولامها واو، واختار بعض المحققين أنها مأخوذة من الصلا، عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب ويمتد منه عرقان في كل ورك عرق يقال لهما ((الصلوان)) فإذا ركع المصلي انحنى صلاه، وتحرك ومنه سمي ثاني خيل السباق مصلياً لأنه يأتي مع صلوى السابق وعلم مما مر أنها بمعنى الدعاء حقيقة لغوية، مجاز عرفي علاقته تشبيه الداعي في تخشعه ورغبته بالمصلي (وتؤتي الزكاة) الواجبة من الأنواع الواجبة، هي فيها المقررة في كتب الفقه. والزكاة لغة: النماء، والتطهير. وشرعا اسم للمخرج من ذلك (وتصوم) من الصوم. وهو لغة: الإِمساك. وشرعاً: إمساك مخصوص (رمضان)(١) صريح في عدم كراهة ذلك مطلقاً، وهو الأصح وسمي شهر الصوم بذلك لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها كما جاء ذلك في خبر مرفوع (وتحج البيت) أي: تقصده بنسك حج، أو عمرة إذ الأصح وجوبها على أنه جاء عند ابن حبان زيادة: وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء. وقال: وتفرد بهذه الزيادة سليمان التيمي. (١) أي أن قولنا رمضان من غير إضافة كلمة شهر غير مكروه. ع ٢٢٣ ٥ - باب: في المراقبة سَبِيلاً))، قَالَ صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! فَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمانِ؟ والحج لغة: القصد. وشرعاً: قصد الكعبة للنسك، والبيت. علم بالغلبة على الكعبة كالنجم للثريا (إن استطعت إليه سبيلاً) صح عند الحاكم وغيره أنه وَّر فسر السبيل في الآية، بالزاد والراحلة لكن ضعفه آخرون. وسبيلاً منصوب على التمييز. وإنما قيد الحج بالاستطاعة مع أن ما مر مقيد بها أيضاً، اتباعاً للنظم القرآني فإنه لم يقيد بهذا اللفظ غيره. أو إشارة إلى أن فيه من المشاق ما ليس في غيره. وأيضاً فعدم الاستطاعة في الحج يسقط وجوبه من أصله بخلافه في نحو الصلاة فإنما يسقط وجوب الأداء فقط دون أصل الوجوب (قال:) جبريل (صدقت) قال عمر (فعجبنا له) أي: منه أو لأجله (يسأله ويصدقه) إذ السؤال يدل على عدم علم السائل، والتصديق يدل على علمه، وجملة يسأله في محل الحال ((تنبيه)) - الإِسلام له في الشرع إطلاقان: يطلق على الأعمال الظاهرة، كما في هذا الحديث وعلى الاستسلام، والانقياد، والتلازم بينه وبين الإِيمان باعتبار لما صدق شرعاً إنما هو باعتبار المعنى الثاني، وأما باعتبار المعنى الأول. فالإِيمان ينفك عنه إذ قد يوجد التصديق والاستسلام الباطني بدون الأعمال المشروعة، أما الإِسلام بمعنى الأعمال المشروعة، فلا يمكن أن ينفك عنه الإِيمان لاشتراطه، لصحتها وهي لا تشترط لصحته خلافاً للمعتزلة (قال:) جبريل (فأخبرني عن الإِيمان) هو لغة: مطلق التصديق من آمن بوزن أفعل لا فاعل، وإلا لجاء مصدره فعالاً، وهمزته للتعدية كأن المصدق جعل الغير آمنا من تكذيبه، أو للصيرورة، كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره. ويضمن معنى اعترف، وأقر فيعدّى بالباء، كما في الحديث. وأذعن فيعدى باللام نحو: ﴿فآمن له لوط﴾(١). وشرعاً: التصديق بالقلب فقط أي قبوله وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد بصّر، وتعريفه بما ذكر هو قول جمهور الأشاعرة وعليه الماتريدية، وقيل يشترط أن ينضم لذلك إقرار اللسان، وعمل سائر الجوارح فيكفر من أخل بواحدة من هذه الثلاثة وهو مذهب الخوارج، فلا صغيرة عندهم. وقيل: يعتبر ضمها إليه على وجه التكميل لا الركنية وهو مذهب المحدثين. وقيل: تصديق بالجنان وإقرار باللسان. واشتهر عن أصحاب أبي حنيفة، وبعض محققي الأشاعرة، لأن التصديق لما اعتبر بكل منهما كان كل منهما جزءاً من مفهوم الإِيمان، لكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط، بنحو خرس، أو إكراه، واستدل الركنيته عند القدرة بخبر: ((حتى يقولوا أو يشهدوا، أن لا إله إلا الله)) ورد بأنه لا يدل لخصوصية، (١) سورة العنكبوت، الآية: ٢٦ . ٨ مود ٢٢٤ كتاب : دليل الفالحين قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وكنية القول التي النزاع فيها، بل كما يحتملها يحتمل أنه شرط لإِجراء أحكام الإِسلام، وما تقدم عن المصنف من نقله اتفاق أهل السنة من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين على أن من آمن بقلبه، ولم ينطق بلسانه مع قدرته كان مخلداً في النار، فقد اعترض بأنه لا إجماع على ذلك وبأن لكل من الأئمة الأربعة قولاً بأنه مؤمن عاص بترك التلفظ، بل الذي عليه جمهور الأشاعرة، وبعض محققي الحنفية، أن الإِقرار باللسان إنما هو شرط لإِجراء الأحكام الدنيوية فحسب (قال:) وَل مفسراً للإِيمان بذكر متعلقاته ولم يفسر لفظه، بل أعاده بقوله (أن تؤمن) لأنه كان معروفاً عندهم أنه لغة: مطلق التصديق. وشرعاً: التصديق بالأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فمن تلك المتعلقات التي يجب الإِيمان بها الإِيمان (بالله) أي: بأنه تعالى واحد في ذاته وصفاته، وأفعاله لا شريك له في الألوهية، وهي استحقاق العبادة منفرد بخلق الذوات بصفاتها، وأفعالها، وبقدم ذاته، وصفاته الذاتية(١) وبأن ذاته لها صفات واجبة لها قديمة، وهي الحياة، والعلم، والقدرة والإِرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وهذه الصفات ليست أعراضاً، ولا عين ذاته، ولا غيرها بناء على أن الغيرين ما ينفك أحدهما عن الآخر، والحاصل أنه يجب الإِيمان بأنه تعالى متصف بكل كمال، متنزه عن كل وصف لا كمال فيه واجب الوجود لذاته، منفرد باستحقاق العبودية على العالمين (وملائكته) جمع ملك نظراً إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة أي: الرسالة، والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع، أو التأنيث الجمع، وقدم الملائكة على الكتب مراعاة للترتيب الواقع؛ لأنه تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسل، ولا حجة فيه لتفضيلهم عليهم، وإلا للزم تفضيلهم على الكتب، ولا قائل به أي: فيجب الإِيمان بأنهم عباد الله مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. والملائكة باعتبار، الأحوال والأعمال، أقسام ذكرتهم في أوائل شرح الأذكار (وكتبه) أي: بأنها كلام الله تعالى الأزلي، القديم، القائم بذاته، المنزه عن الحرف والصوت، بأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفظ حادثة في ألواح، أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حق وصدق، وأن بعض أحكامها نسخ، وبعضها لم ينسخ، قال الزمخشري وغيره: وهي مائة كتاب وأربعة كتب، خمسون (١) في ابن حجر قال الحنفية: وأفعاله ككونه خالقاً رازقاً فإن هذا الوصف ثابت له في الأزل والأشعرية يردون ذلك إلى صفة القدرة. ش ٢٢٥ ٥ - باب: في المراقبة قَالَ صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسانِ؟ قَالَ على شيث. وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم. وعشرة على إبراهيم، والتوراة والإِنجيل، والزبور والفرقان، وهو مخالف في التفصيل لما تقدم(١)، وذلك هو الذي ذكره السمرقندي وغيره (ورسله) أي: بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته، وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا يفرق بين أحد منهم في الإِيمان به وأنه تعالى نزههم عن كل وصمة ونقص، فهم معصومون من الكبائر والصغائر، قبل النبوة وبعدها على المختار بل هو الصواب، وأخرج الإِمام أحمد في مسنده عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله كم وفاء عدد الأنبياء قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، أرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً (واليوم الآخر) وهو يوم القيامة وصف بذلك لأنه لا ليل بعده، ولأنه آخر أيام الدنيا، وفي رواية: والبعث الآخر، ووصفه بالآخر، تأكيد كأمس الدابر، أي: بوجوده وما اشتمل عليه من الحساب، والميزان، والصراط والجنة والنار وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة الثابتة (وتؤمن بالقدر خيره وشره) أي: أن الجميع بتقدير الله ومشيئته، وأعاد العامل ومتعلقه تنبيهاً على الاهتمام بالتصديق به لأنه موضع مزلة أقدام الضعفاء، الراكنين إلى مشاهدة ظواهر أفعال البشر، وأكده بالإِبدال منه فقال: خيره وشره وفي رواية لمسلم: وبالقدر كله؛ لأن البدل توضيح مع توكيد، لتكرير العامل. وحقيقة الإيمان بالقدر الاعتراف بأن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأنها مرادة له، وأنها مكتسبة للعبد. والقضاء عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، والقدر إيجاده إياها على قدر مخصوص، وتقرير معين في ذواتها وأفعالها، أو انقضاء علمه أولاً بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، والقدر إيجاده إياها على ما يطابق العلم. واعلم أن الإِيمان بالقدر على قسمين: أحدهما: الإِيمان بأنه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشر وما يجازون به، وأنه كتب ذلك عنده وأمضاه(٢)، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه، ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلها من خير وشر، وهذا القسم تنكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غلاتهم (قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإِحسان) قال القرطبي: أل فيه للعهد الذهني، وهو الذي قال فيه تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإِحسان﴾(٣) ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ (٤) فلما تكرر الإِحسان في القرآن، وترتب عليه هذا الثواب (١) أي في آخر باب الصبر. ش (٢) وفي نسخة وأحصاه. ع (٣) سورة الرحمن، الآية: ٦٠. (٤) سورة البقرة الآية: ١٩٥. ٢٢٦ كتاب : دليل الفالحين (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: ((مَا المَسْؤُولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ العظيم، سأل عنه جبريل ليعلمهم بعظيم ثوابه، وكمال رفعته اهـ. وهو مصدر أحسنت كذا إذا حسنته، وكملته متعدياً بالهمزة وبحرف الجر، أو أحسن متعدياً بحرف الجر فقط، كأحسنت إليه إذا فعلت معه ما يحسن فعله والمراد هنا الأول إذ حاصله راجع إلى اتقان العبادة بأدائها على وجهها المأمور به، مع رعاية حقوق الله تعالى، ومراقبته، واستحضار، عظمته، وجلاله، ابتداء واستمراراً، وهو على قسمين؛ أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحق كما (قال:) وَيقرّ الإِحسان (أن تعبد الله) من ((عبد)) أطاع، والتعبد التنسك، والعبودية: الخضوع، والذل (كأنك تراه) قيل: أصله كأنك تراه، ويراك، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وهذا من جوامع كلمه وَّر؛ لأنه جمع فيه مع وجازته بيان مراقبة العبد ربه في إتمام الخضوع، والخشوع، وغيرهما في جميع الأحوال، والإِخلاص له في جميع الأعمال والحث عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما، والثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق مطلع عليه ومشاهد له وقد بينه وَلل بقوله (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا من جوامع الكلم أيضاً أي: فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك، وما أحسن ما قيل: خلوت ولكن قل علي رقيب إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل وقوله: كأنك، مفعول مطلق، أو حال من الفاعل، ثم هذان الحالان هما ثمرتا معرفة الله تعالى وخشيته، ومن ثم عبر بها عن العمل في خبر: ((الإِحسان أن تخشى الله كأنك تراه)» فعبر عن المسبب باسم السبب توسعاً (قال: صدقت) وأخر الإِحسان عما قبله؛ لأنه غاية كمالهما، بل والمقوم لهما: إذ بعدمه يتطرق إلى الإِسلام بمعنى الأعمال الظاهرة الرياء، والشرك، وإلى الإِيمان، النفاق، فيظهره رياء أو خوفاً. ومن ثم قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾(١) ((ثم اتقوا وآمنوا)) ((ثم اتقوا وأحسنوا)) فشرطه فيهما (قال: فأخبرني عن الساعة) أي: عن زمن وجود يوم القيامة، سمي بذلك مع طول زمنه اعتباراً بأوله، فإنها تقوم بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها على طولها عند الله كساعة من الساعات عندنا (قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) بل كلانا سواء في عدم العلم بالزمن المعين، لوجودها وقيل: هذا كان أولاً، ثم أطلعه الله عليها، وأمره (١) سورة البقرة، الآية: ١١٢ ٢٢٧ ٥ - باب: في المراقبة السَّائِلِ)) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَاراتِها؟ قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الَأَمَةُ رَبَّتَها،، وَأَنْ تَرَى الحُفاةَ الْعُراةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلونَ فِي الْبُنْيَانِ!)) بكتمها، نقله السيوطي في أنموذج اللبيب عن أهل الحق، وعبر بما ذكره في الجواب، لتتأكد فائدة التعميم في استواء كل سائل ومسؤول في عدم العلم بوقت وقوعها المعين، وفيه أنه ينبغي للمفتي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، قال بعض السلف: إذا أخطأ العالم لا أدري أصیبت مقاتله، «فائدة» وقع هذا السؤال والجواب بین عیسی ابن مریم وجبریل، لكن عيسى كان سائلاً، وجبريل كان مسؤولاً، أخرج الحميدي في أفراده عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة فانتفض بأجنحته وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ذكره السيوطي في التوشيح (قال: فأخبرني عن أماراتها) بفتح الهمزة أي: أشراطها، وعلاماتها الدالة على اقترابها، وربما روي أمارتها (قال: أن تلد الأمة) أي: القنة. وأل فيها للماهية وكذا ما يأتي بعد، دون الاستغراق، لعدم اطراد ذلك في كل أمة (ربتها) أي: سيدتها. وفي رواية: ((ربها)) أي سيدها، وفي أخرى: ((بعلها)» بمعنى ربها كناية إما عن كثرة التسري اللازمة، لاستيلائنا على بلاد الكفرة حتى تلد السرية بنتاً، أو ابناً لسيدها، فيكون ولدها سيدها كأبيه، فالعلامة استيلاؤنا على بلادهم، وكثرة الفتوح والتسري، أو عن كثرة بيع المستولدات، لفساد الزمان حتى تشتري المرأة أمها وتسترقها جاهلة أنها أمها، فتكون العلامة غلبة الجهل الناشىء عنها بيع أم الولد الممنوع منه (وأن ترى الحفاة) جمع حاف بالمهملة، وهو من لا نعل برجليه (العراة) جمع عار. وهو من لا شيء على جسده. وفي رواية الحفاة أي: الخدمة وال هنا وإن احتملت الاستغراق، إلا أن العادة القطعية دالة على تخصيصه وأن كل واحد منهم لا يحصل له ذلك، فالأولى كون أل للماهية (العالة) بتخفيف اللام، جمع عائل وهو الفقير، من عال افتقر، وأعال كثرت عياله (رعاء) بكسر أوله وبالمد جمع راع، ويجمع أيضاً على رعاة بضم أوله وهاء آخره مع القصر. والرعي: الحفظ (الشاء) الغنم واحده شاة بالهاء، كشجر وشجرة. وخص مطلق الرعاء لأنهم أضعف الناس ورعاء الشاء لأنهم أضعف الرعاء ومن ثم قيل: رواية رعاء الشاء أنسب بالسياق من رعاء الإِبل فإنهم أصحاب فخر وخيلاء، وليسوا عالة، ولا فقراء غالباً، ويجاب بأن فخرهم، إنما هو بالنسبة لرعاء الشاء، لا لغير الرعاء، فالقصد حاصل بذكر مطلق الرعاء ولكنه برعاء الشاء أبلغ، (يتطاولون في البنيان) وهو كناية عن إسناد الأمر لغير أهله، وصيرورة الأسافل من ضعفاء أهل البادية الغالب عليهم الفقر ملوكاً، أو كالملوك حتى يشرئبون لانقلاب الأحوال، واتساع الدنيا عليهم بعد ضيقها، إلى تشييد المباني، وهدم ٢٢٨ كتاب: دليل الفالحين ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيَأْ ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلّمُكُمْ أركان الدين، بعدم العمل بآي المثاني، وفي الحديث: ((من أشراط الساعة أن توضع الأخيار، وترفع الأشرار)) وفي حديث آخر مرفوعاً، وهما صحيحان: لا تقوم الساعة حتى یکون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع، أي: لئيم بن لئيم. وفي حديث آخر: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)) ولبعضهم: واكتست أعزتها ذلاً وساد مسودها إذا عزفي الدنيا الأذلاء ولا أمرعت أرض ولا اخضر عودها هناك فلا جادت سماء بصوبها واقتصر في الجواب على أمارتين مع شمول السؤال الأكثر، ومع أن لها أمارات أخر صغاراً وعظاماً، كالدجال، والمهدي، وعيسى ◌َّر، وغير ذلك مما ألف في استقصائه كتب مدونة تحذير للحاضرين. وغيرهم منهما لاقتضاء الحال ذلك، ولعل منهم من تعاطى شيئاً منهما، فزجره عنه، وإن قلنا: إن جعل الشيء أمارة للساعة لا يدل على ذمه؛ لأن معناه كما هو ظاهر، أنه لا يستلزم ذلك، وإلا فالغالب أنه ذم (ثم انطلق) أي: جبريل (فلبثت) زماناً (ملياً) بتشديد الياء أي: كثيراً، من الملوين؛ الليل، والنهار. أما المهموز فمن الملاءة أي : اليسار. وهو هكذا بتاء المتكلم، وفي نسخة من مسلم فلبث بحذفها، يعني أقام النبي وَار بعد انصرافه حيناً، وعلى الأول فهو إخبار من عمر عن نفسه. وجاء في رواية أبي داود، والترمذي وغيرهما: ((فلبثت ثلاثاً) وظاهره، أنه ثلاث ليال، وفي رواية أبي عوانة: ((فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله وَّر بعد ثلاث)) ولابن حبان: ((بعد ثالثة)) ولابن منده: ((بعد ثلاثة أيام)) وقد ينافيه خبر البخاري: ((فأدبر الرجل فقال النبي ◌َّ: ردوه فأخذوا يردونه فلم يجدوا شيئاً فقال هذا جبريل)) وأجيب بأنه يحتمل أن عمر لم يحضر قوله هذا، بل كان قد قام فأخبر به بعد ثلاث، (ثم قال: يا عمر أتدري من السائل) فيه ندب تنبيه العالم تلامذته والكبير من دونهم على فوائد العلم وغرائب الوقائع، طلباً لنفعهم وتيقظهم (قلت: الله ورسوله أعلم) فيه ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حسن الأدب معه وَّه برد العلم إلى الله وإليه، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك كما تقدمت الإِشارة إليه (قال: فإنه جبريل) اسم أعجمي سرياني فيه لغات عديدة بينتها ونظمتها وأوردتها في أوائل شرح الأذكار، قيل معناه عبد الله. وقيل عبد الرحمن، والفاء في قوله: ((فإنه)) جواب شرط مقدر، أي: أما إنكم حيث لم تسألوا عن الرجل وفوضتم الأمر إلى الله ورسوله، فإنه جبريل، على تأويل الإِخبار أي: ٢٢٩ ٥ - باب: في المراقبة دِينَكُمْ)) رَوَاهُ مُسلِمٌ. تفويضكم هو سبب الإِخبار، لكم بأنه جبريل، وقرينة الشرط قوله: الله ورسوله أعلم. وظاهر رواية البخاري أنه لم يعرفه إلا في آخر الأمر، وورد: ((ما جاءني في صورة لم أعرفه إلا في هذه المرة) وفي رواية ابن حبان: ((والذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرته هذه وما عرفته حتى ولى)) ورواه كذلك ابن خزيمة، وأما رواية النسائي: ((وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي)) فوهم من الراوي، وشذوذ مخالف للمحفوظ في باقي الروايات، فإن دحية معروف عندهم وقال عمر: ((ما يعرفه منا أحد)) وفيه دليل على أن الله مكّن الملك أن يتمثل فيما شاء من الصور البشرية، وقد كان يتمثل جبريل للنبي وَل في صورة دحية، ولم يره ◌َّل على صورته الأصلية غير مرتين كما صح الحديث بذلك (أتاكم يعلمكم) بسبب سؤاله، وإسناد التعليم إليه مجاز، إذ المعلم بالحقيقة النبي وم طهر (دينكم) أي: قواعده، أو كليات دينكم. وفي رواية ابن حبان: ((يعلمكم أمر دينكم فخذوا عنه)) ففيه أن الدين مجموع الإِسلام، والإِيمان، والإِحسان، ولا ينافيه أن الإِسلام وحده يسمى ديناً كما في آية: ﴿إِن الدين عند الله الإسلام﴾(١) لأنه كما يطلق على هذا المجموع، يطلق على هذا الفرد بالاشتراك، أو بالحقيقة والمجاز، أو التواطؤ، أو غير ذلك، وحكمة مجيء جبريل لتعليمهم أنهم كانوا أكثروا السؤال على النبي وَ لَ، فنهاهم كراهية لما قد يقع من سؤال تعنت، أو تجهيل، فألحوا، فزجرهم، فخافوا، وأحجموا، واستسلموا امتثالاً، فلما صدقوا في ذلك أرسل لهم من يكفيهم المهمات، ومن ثم قال لهم : هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا (رواه مسلم) فهو من إفراده عن البخاري فلم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئاً ورواه الأربعة إلا الترمذي، وأخرجاه عن أبي هريرة. وهو حديث متفق على عظم موقعه، وكثرة أحكامه. قال القاضي عياض: وقد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإِيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال القرطبي: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه إنه أم السنة، لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمل معاني القرآن اهـ. ومن ثم قيل: لو لم يكن في السنة كلها غير هذا الحديث لكان وافياً بأحكام الشريعة، لاشتماله على جملها مطابقة، وعلى تفصيلها تضمناً، فهو جامع لها علماً ومعرفة، وأدباً ولطفاً، ومرجعه من القرآن والسنة كل آية تتضمن ذكر الإِسلام أو (١) سورة آل عمران، الآية: ١٩. ٢٣٠ كتاب : دليل الفالحين ومَعْنى: ((تَلِدُ الأُمَةُ رَبَّتَهَا)): أَيْ سَيِّدَتَها. وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَكْثُرَ السَّرَارِي حَتَّى تَلِدَ الَمَةُ السَّريَّةُ بِنْتاً لِسَيِّدِها وَبِنْتُ السَّيِّدِ فِي مَعْنِى السَّيِّدِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. و((العَالَةُ)): الفُقَراءُ. وَقَوْلُهُ ((مَلِيّا)) أَيْ زَمَاناً طَوِيلاً، وَكَانَ ذَلِكَ ثَلاثً(١). ٦١ - الثَّانِي عَنْ أَبِي ذَرِّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةً وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ الإِيمان، أو الإحسان، أو الإِخلاص، أو المراقبة، أو نحو ذلك (ومعنى أن تلد الأمة ربتها) بالمثناة الفوقية (أي سيدتها ومعناه) أعاده تأكيداً لطول الكلام بين معنى الذي هو مبتدأ وخبره أعني (أن تكثر السراري) وذلك ناشىء عن الاستيلاء على بلاد الكفار، فيكون الاستيلاء هو العلامة عليها كما تقدم (حتى تلد الأمة السرية) فعلية من السر، وهو الخفية لخفاء أمرها بالنسبة إلى الأزواج (بنتاً لسيدها وبنت السيد في معنى السيد وقيل غير ذلك) من ذلك أنه كناية عن عقوق الأولاد لأمهاتهم فيعاملونهم معاملة السيدة لأمتها من الإِهانة، والسب، ويستأنس له برواية: ((وأن تلد المرأة))، وبحديث: ((لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غليظاً))، وقيل: إنه كناية عن كثرة بيع السراري، حتى يتزوج الإِنسان أمه، وهو لا يدري، وهذا بناء على رواية بعلها أي: زوجها وقيل غير ذلك (والعالة) بتخفيف اللام. جمع عائل (الفقراء وقوله ملياً) بتشديد الياء (أي زمناً طويلاً وكان ذلك) الزمن كما جاء عند أبي داود، والترمذي، وغيرهما (ثلاثاً) ظاهره من الليالي. ويحتمل أن يكون من الأيام، وحذفت التاء لحذف المعدود فهو كحديث: ((وأتبعه ستاً من شوال)) ويؤيده رواية ابن منده السابقة. ٦١ - (الثاني عن أبي ذر) بتشديد الراء (جندب) بضم الجيم وسكون النون وتثليث الدال المهملة وآخره موحدة (ابن جنادة) بكسر الجيم(٢) وبالنون وإهمال الدال وقيل برير(٣) بن جندب وقيل جندب بن عبد الله وقيل جندب بن السكن وعلى كل فهو غفاري، يجتمع مع النبي 18َّ في كنانة. روي عنه أنه قال: ((أنا رابع الإِسلام)) ويقال: ((خامس الإِسلام)) أسلم بمكة قديماً، وخبر إسلامه في صحيح مسلم، ثم رجع إلى قومه ثم هاجر إلى المدينة، ووصفه و ﴿ في عدة أحاديث بأنه أصدق الناس لهجة، وهو أول من حيا النبي وصهر بتحية (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإِسلام والإِحسان ووجوب الإِيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى وبيان الدليل الكبرى ممن لا يؤمن بالقدر وإغلاظ القول في حقه. (٢) الذي في ابن حجر وكتب اللغة أنه بضم الجيم. ع. (٣) بضم الباء وراء مكررة اهـ. شبراخيتي. ٢٣١ ٥ - باب: في المراقبة اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَخِ، قَالَ: ((اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ الإِسلام، وقال علي في حقه: ((وعاء ملىء علماً ثم أوكىء عليه فلم يخرج منه شيء حتى قبض)) روي له عن النبي وسير مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً. اتفقا منها على اثني عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. مات بالربذة سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين (وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل) الأنصاري أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة، وبدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله صل. روي له عن رسول الله وَّ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديثين(١)، ومسلم بواحد. وورد أنه وسلم قال: ((أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) وأنه قال: يا معاذ إني أحبك. فقال: وأنا أحبك والله يا رسول الله قال: ((فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) وأنه قال: ((يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة)) أي: رمية بسهم. وقيل بحجر. وقيل بميل. وقيل حد(٢) البصر وفضائله كثيرة، وقد ذكرت جملة منها في ترجمته في شرح الأذكار مات بناحية الأردن في طاعون عمواس - بفتح أوليه، قرية بين الرملة والقدس. نسب إليها لأنه أول ما ظهر منها - سنة ثماني عشرة وهو ابن ثلاث وقيل أربع وقيل ثمان وثلاثين سنة، وقبره بغور بيسان في شرقيه (رضي الله) تعالى (عنهما عن رسول الله وَّر قال:) أي: لكل منهما: لأبي ذر لما أسلم، ولمعاذ لما انطلق إلى اليمن وقد جاء التصريح بذلك (اتق الله ) أمر من التقوى، وهي امتثال أوامره تعالى، واجتناب نواهيه، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾(٣) أي: غضبه، وهو أعظم، ما يتقى، لما ينشأ عنه من العقاب الدنيوي والأخروي: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾(٤) (حيثما كنت) أي: في أي مكان كنت حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، اكتفاء بنظره تعالى قال تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾(٥) ومن ثم قال وب لير لأبي ذر: ((أوصيك بتقوى الله في سرائرك وعلانيتك)) وهذا من جوامع كلمه ◌َّر؛ فإن التقوى وإن قل لفظها، جامعة لحقوقه تعالى، إذ هي اجتناب كل منهي عنه، وفعل كل مأمور به، فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين شرفهم الله تعالى في كتابه بأنواع من الكمالات يأتي ذكرها أول باب التقوى إن شاء الله تعالى (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) وجه مناسبتها لما قبلها، أن العبد مأمور بالتقوى في كل حال، ولما كان ربما يفرط، إما بترك بعض المأمورات، أو فعل بعض المنهيات، (١) الذي في ابن حجر: وانفرد البخاري بثلاثة. ش. (٢) الذي في ابن حجر: وقيل بمد البصر. ش. (٣) سورة المائدة، الآية: ١١٢ . (٤) سورة آل عمران، الآية: ٢٨ . (٥) سورة النساء، الآية: ١. ٢٣٢ كتاب : دليل الفالحين تَمْحُها، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). وذلك لا ينافي وصف التقوى كما دل عليه نظم سياق: ﴿أعدت للمتقين﴾(٢) إلى أن قال في وصفهم: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾(٣) الخ أمره بما يمحو به ما فرط فيه، وهذا الحديث على حد: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (٤) وظاهر قوله ((تمحها)) وقوله تعالى: ﴿يذهبن السيئات﴾ أن الحسنة تمحو السيئة من الصحف، وقيل: عبر به عن ترك المؤاخذة بها فهي موجودة فيها بلا محو إلى يوم القيامة، وهذا تجوز يحتاج لدليل، وإن نقله القرطبي في تذكرته وقال بعض المفسرين: إنه الصحيح عند المحققين. ثم هذا في الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، أما الكبائر فلا يكفرها على الصحيح إلا التوبة بشروطها، وحينئذ يصح إدخالها في الحديث بأن يراد بالسيئة ما يعم الكبيرة، وبالحسنة ما يشمل التوبة منها، وأما التبعات فلا يكفرها إلا إرضاء أصحابها (وخالق الناس بخلق حسن) جماعه ينحصر كما ذكر عن الترمذي، وغيره في طلاقة الوجه لهم وكف الأذى عنهم، وبذل المعروف إليهم. وقال بعضهم: هو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فتجتمع القلوب، ويتفق السر والعلانية، وحينئذ يأمن كيد الكائد، وذلك جماع الخير وملاك الأمر. وقد جاءت أحاديث كثيرة في مدح الخلق الحسن، وسيأتي بعضها (رواه الترمذي وقال حديث حسن) زاد المصنف في الأربعين: وفي بعض النسخ يعني نسخ الجامع: حسن صحيح. وأشار بهذا إلى اختلاف نسخ الترمذي في التحسين والتصحيح. فقد يوجد عقب حديث في بعضها حسن وفي بعضها صحيح وفي أخرى حسن صحيح، وفي أخرى حسن غريب، وسبب ذلك اختلاف الرواة عنه والضابطين لكتابه. ثم تحسينه لهذا الحديث مقدم على ترجيح الدارقطني إرساله للقاعدة المقررة: إن المسند لزيادة علمه يقدم على المرسل، وإما تصحيحه في تلك النسخة فيوافقه قول الحاكم إنه على شرط الشيخين، لكن وهم بأن ميموناً أحد رواته لم يخرج له البخاري شيئاً، ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة، فلم يوجد فيه شرط البخاري، فحكمه بأنه على شرط الشيخين من تساهله المعروف. قال السخاوي ودونه حكم العراقي عليه في أماليه بالصحة. ويؤيد تحسين الترمذي له، أنه ورد لهذا الحديث طرق متعددة، فرواه أحمد، والبزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي وابن (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس (الحديث: ١٩٨٧). (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣. (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥. (٤) سورة هود، الآية: ١١٤. ٢٣٣ ٥ - باب: في المراقبة ٦٢ - الثَّالثُ عَنْ ابْنِ عَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َ يَوْمَاً، فَقَالَ: ((يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَّ كَلِماتٍ : عبد البر، وغيرهم من طرق يفيد مجموعها الحسن له ففي الجامع الصغير للسيوطي أن الحديث رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، والبيهقي عن أبي ذر، وأحمد، والترمذي والبيهقي عن معاذ بن جبل، وابن عساكر عن أنس. وذكر السخاوي في تخريج أحاديث الأربعين أن الأصح كون الحديث من مسند أبي ذر وإلى ذلك أشار البيهقي ثم بسط في بيان ذلك . ٦٢ - (الثالث عن) عبد الله (بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي وَّة) أي: على دابته، كما جاء في رواية، ففيه جواز الإِرداف على الدابة إن أطاقته. وقد تتبعت الذين أردفهم النبي ◌َّه معه على دابته فبلغت بهم فوق الأربعين، وجمعتهم في جزء سميته تحفة الأشراف بمعرفة الأرداف. وقد نظمت اسم جماعة منهم وأوردته آخر ذلك الجزء وها هو: فسن لنا الإِرداف إن طاق مركب لقد أردف المختار طه جماعة سهيل سويد جبرئيل المقرب معاذ وقيس والشريد المهذب وزيد أبو ذر سما ذاك جندب كذاك أبو الدرداء في العد يكتب صدي بن عجلان حذيفة صاحب ألوفاً من الأخبار تروى وتكتب هو ابن عمير ثم عقبة يحسب إياس وأنثى من غفار تقرب وما سميا فيما روى يا مهذب لقد شرفوا طوبى لهم يا مقرب أبو بكر عثمان علي أسامة صفية والسبطان ثم ابن جعفر وآمنة مع خولة وابن أكوع معاوية زيد وخوات ثابت وأبناء عباس وابن أسامة كذلك جافيهم أبو هر من روى وعد من الأرداف يا ذا أسامة وأردف غلماناً ثلاثاً كذا أبو وأردف شخصاً ثم أردف ثانياً أولئك أقوام بقرب نبيهم (يوماً) أي: في ساعة منه كما يدل عليه تنكيره (فقال: يا غلام) بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وتقدم أنه هو الصبي من حين يفطم إلى البلوغ، وسنه إذ ذاك كان نحو عشر سنين (إني أعلمك كلمات) ينفعك الله بهن كما في رواية أخرى. وذكره ذلك لينبه السامع، فيشتد شوقه، ويلقي سمعه، فيقع في نفسه فيكمل نفعه. وجاء بها بصيغة القلة، ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ فيسهل حفظها، ومنونة إيذاناً بعظم خطرها ورفعة حملها، وتأهيله لهذه الوصايا الرفيعة ٢٣٤ كتاب: دليل الفالحين احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتِ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ واعْلَمْ أَنَّ الْأَمَّةَ . المقدار الجامعة من العلوم والمعارف ما يفوق الحصر، دليل على أنه # علم ما يؤول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة، وكمال الأخلاق، وحسن الأحوال (احفظ الله) بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه، وما لا يرضاه (يحفظك) بالجزم، في نفسك، وأهلك، ودنياك، ودينك، لا سيما عند الموت: إذا الجزاء من جنس العمل ومنه: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾(١) وهذا من جوامع كلمه وَلقر فقد جمعت سائر أحكام الشريعة قليلها، وكثيرها (احفظ الله) بما ذكر (تجده تجاهك) أي: تجده معك، بالحفظ والإحاطة، والتأييد والإِعانة. حيثما كنت فتأنس به وتغنى به عن خلقه، فهو كالتأكيد لما قبله، وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة التي هي مدلول ((تجاه)) عليه تعالى. وتجاه بضم التاء وأصله وجاه بضم الواو وكسرها، فأبدلت فوقية كما في ترات ومعناه أمام، كما جاء ذلك في الرواية الآتية، أي: تجده معك بالحفظ فهو نظير: ﴿أن الله مع المتقين﴾(٢) ونحوه: إذ هي معية معنوية، لا ظرفية، وخص الأمام من بين باقي الجهات الست بالذكر، إشعاراً بشرف المقصد، وبأن الإِنسان مسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكان المعنى تجده حيثما توجهت وتيممت من أمر الدنيا والآخرة (إذا سألت) أي: أردت السؤال (فاسأل الله) أن يعطيك مطلوبك قال تعالى: ﴿وسئلوا الله من فضله﴾(٣) ولا تسأل غيره، فإن خزائن الوجود بيده تعالى وأزمتها إليه إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد ويسأل، ولا فائدة في سؤال الخلق، إذ لا يملكون نفعاً ولا ضراً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم، وما أحسن قول الأستاذ أبي الحسن الشاذلي: ((أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيئس من نفع غيري بنفسي، ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي)) وإنما يميل القلب إلى المخلوق، ويركن إليه، لضعف يقينه ووقوعه في الغفلة عن حقائق الأشياء، وبقدر بعده من مولاه يكون ركونه لمن سواه، ولما نجا من تلك الهوة وتيقظ من تلك الغفلة أصحاب التوكل واليقين أعرضوا عن السوى، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرم وجود المولى: لأنه المتكفل لكل متوكل بما يحب ويتمنى قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾(٤) (وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدارين (فاستعن بالله) لأنه القادر على كل (١) سورة البقرة، الآية: ٤٠ (٢) سورة التوبة، الآية: ٣٦. (٣) سورة النساء، الآية: ٣٢. (٤) سورة الطلاق، الآية: ٣. ٢٣٥ ٥ - باب: في المراقبة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَّعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ، شيء، وغيره عاجز عن كل شيء، فمن أعانه تعالى فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) كنزاً من كنوز الجنة، لتضمنها براءة النفس من حولها وقوتها إلى حوله وقوته، وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: ((لا تستعن بغيره تعالى يكلك الله إليه)) (واعلم أن الأمة) المراد بها هنا سائر المخلوقين، كما صرحت به رواية أحمد: ((فلو أن الخلق جميعاً أرادوك إلخ)) وأما مدلولها وضعاً؛ فالجماعة وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المقتدي به، والدين والملة نحو: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾(١) والزمان نحو: ﴿وادكر بعد أمة﴾(٢) والرجل المنفرد بدينه الذي لم يشركه فيه أحد كقوله تعالى: ((بيعت زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده)) فالأمة لفظ مشترك، ومن جملة معانيه الأم كهذه أمة زيد أي: أم زيد (لو اجتمعت) لو هنا بمعنى إن إذ المعنى على الاستقبال، ونكتة العدول أن اجتماعهم على الإمداد من المستحيلات، بخلاف اجتماعهم على الأذى فإنه ممكن (على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن) عبر بها بدل لو تفننا في التعبير (اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾(٣) والمعنى وحد الله في لحوق الضر والنفع، فهو الضار النافع ليس معه أحد في ذلك (٤) لما تقرر أنه القادر لا سواه، فأزمة المخلوقات بيده يتصرف فيها بما يشاء، فهذا تقرير وتأكيد لما قبله من توحيد الله تعالى في لحوق النفع والضر على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحث على التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور، وعلى شهود أنه الفاعل المختار، النافع الضار، وغيره ليس له من ذلك شيء، وعلى الإِعراض عما سواه. وفي بعض الكتب الإلهية: ((وعزتي وجلالي لأقطعن أمل من يؤمل غيري، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأحجبنه عن قربي، ولأبعدنه عن وصلي ولأجعلنه متفكراً حيران، يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني)) (رفعت الأقلام) أي: تركت الكتابة بها الفراغ (١) سورة الزخرف، الآية: ٢٣ (٢) سورة يوسف، الآية: ٤٥. (٣) سورة يونس، الآية: ١٠٧. (٤) عبارة ابن حجر: ليس لأحد معه في ذلك شيء ش ٢٣٦ كتاب: دليل الفالحين وَجَفَّتِ الصُّحْفُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوايَةٍ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: ((احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، الأمر وانبرامه (وجفت) بالجيم بالبناء للمفعول(١) (الصحف) التي فيها تقادير الكائنات، كاللوح المحفوظ، أي: فرغ من الأمر، وجفت كتابته فلم يمكن أن يكتب فيها بعد ذلك تبديل، أو نسخ لما كتب من ذلك واستقر لأنها أمور ثابتة لا تبدل، ولا تغير عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب، والسنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته، هان عليه التوكل على خالقه والإِعراض عما سواه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال السخاوي في تخريج أحاديث الأربعين: حديث حسن. وبين ذلك ثم قال: وبالجملة فالحديث ثابت من حديث الليث، وغيره ممن قدمناه، ولذا أورده الضياء في المختارة من هذا الوجه بل صححه العراقي في أماليه تبعاً للترمذي. وقال ابن منده: إسناده مشهور ورواته ثقات اهـ. وقد أورده جماعة من طرق عن ابن عباس، وجاء أنه رَّ وصّاه بذلك، وعن علي وأبي سعيد رواه العسكري في كتاب الأمثال وسهل بن سعد رواه ابن مردويه، وعبد الله بن جعفر رواه ابن عاصم في السنة. وقد خرج طرقها كلها السخاوي وقال: قال أبو جعفر العقيلي: كل أسانيد هذا الحديث لينة وبعضها أصلح من بعض. وليس هذا بجید، فحديث ابن عباس حسن جيد، وأصح طرقه رواية حنش كما صرح به ابن منده وغيره وهي التي أخرج الترمذي الحديث من طريقها (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبد بن حميد في مسنده لكن بإسناد ضعيف وقد رواه أحمد بإسنادين منقطعين، ولفظه أتم من حديث عبد بن حميد، وقد أوردته في شرح الأذكار (احفظ الله تجده أمامك تعرف) بتشديد الراء أي: تحبب (إلى الله في الرخاء) بالدأب في الطاعات. والإِنفاق في وجوه القرب والمثوبات، حتى تكون متصفاً عنده بذلك معروفاً به (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيق فرجاً ومن كل هم مخرجاً بواسطة ما سلف منك من ذلك التصرف، وقيل إنه على حذف مضاف أي: تعرف إلى ملائكة الله في الرخاء بالتزام طاعته تعالى، والتزام عبوديته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك، وتعقب بأنه تكلف. فالأول أولى. ومعرفة العبد ربه ضربان: عامة وهي الإقرار بوحدانيته وربوبيته والإِيمان به، وخاصة وهي الانقطاع إليه والأنس به، والطمأنينة بذكره والحياء منه، وشهوده في (١) عبارة الشبراخيتي: وجفت بالجيم أي يبس اهـ، وفي المختار وغيره: جف الثوب بفتح الجيم. ع ٢٣٧ ٥ - باب: في المراقبة واعْلَمْ أَنّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنّ النَّصْرَ كل حال، ومعرفة الله تعالى كذلك عامة، وهي علمه بعباده واطلاعه على أعمالهم، وخاصة وهي محبته لعبده، وتقريبه إليه، وإجابة دعائه وانجاؤه من الشدائد فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلى بتلك الخاصة (واعلم أن ما أخطأك) من المقادير فلم يصل إليك (لم يكن) مقدراً عليك (ليصيبك) أي: محال أن يصيبك، لأنه بان بأنه أخطأك أنه مقدر على غيرك، وفيه مبالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدر على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدر عليك إذ لا يصيب الإِنسان إلا ما قدر عليه. ومعنى ذلك أنه فرغ مما أصابك وأخطأك من خير أو شر فما إصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة. فلا يمكن أن يصيبك؛ لأنها سهام صائبة وجهت من الأزل، فلا بد أن تقع مواقعها، وما أحسن ما قيل : فسيان التحرك والسكون جرى قلم القضاء بما يكون فلم يبق سوى التوكل على الله سبحانه، والسكون تحت جري المقادير وما أحسن ما قیل : بلا شك فيه ولا مرية ولما رأيت القضا جاريا وأسلمت نفسي مع الجرية توكلت حقاً على خالقي ففي الحديث تقرير وحض على تفويض الأمور كلها إلى الله تبارك وتعالى مع شهود أنه الفاعل لما يشاء وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدى حده المقدر له وهذا راجع إلى قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾(١) ثم مدار هذه الوصية على هذا الأصل، إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه: فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له وإن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئاً البتة على أن الله وحده هو الضار النافع فأفرده بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه ورجاه، وأحبه وأفرده بالاستعانة والسؤال له، والتضرع إليه والرضا بقضائه في حالة الشدة والرخاء (واعلم) تنبيه على أن شأن هذه الدار لا سيما مع الصالحين الأخيار، كثرة الأعراض والأنصاب، فينبغي الصبر للظفر بجزيل الثواب والرضا بالقضاء والقدر (أن النصر) من الله (١) سورة الحديد، الآية: ٢٢. ٢٣٨ كتاب : دليل الفالحين مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً))(١). للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه كائن (مع الصبر) على طاعة الله وعن معصيته، وقيل: الصبر على نكايتهم، وعدم الانتصار منهم لنفسه (وأن الفرج) وهو كما في الصحاح: الخروج من الغم اهـ. حاصل سريعاً (مع الكرب) هو الغم الذي يأخذ بالنفس فلا دوام للكرب وحينئذ، فينبغي لمن نزل به ذلك، أن يكون صابراً محتسباً راجياً سرعة الفرج مما نزل به، حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فإنه أرحم به من كل راحم، إذ هو أرحم الراحمين، (وأن مع العسر يسرا) كما نطق به قوله تعالى: ﴿فإن مع العسريسراً * إن مع العسريسراً﴾(٢) ومن ثم ورد عنه ◌َلير: ((لن يغلب عسر يسرين)) أي: لأن النكرة إذا كررت كانت الثانية غير الأولى، والمعرفة إذا أعيدت كانت الثانية عين الأولى غالباً فيهما، وليست الآية من غير الغالب خلافاً لمن فهم ذلك فقال: وفي الآية عسران أيضاً؛ عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، ولا ينافي وقوع العسر لنا - كما صرحت به هذه الآية، عدم وجود وقوعه كما صرح به قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾(٣) لاختلاف المراد بالعسرين لأن المثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد بما لا يلائم نفسه كضيق الأرزاق، ونحوها، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٤) ثم اليسر السهولة، ومنه اليسار، لأنه تسهل به الأمور، والعسر نقيضه، وفي الصحاح: كل ثلاثي أوله مضموم ووسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. وما تقرر في ((مع)) في محالها الثلاث من أنها على بابها، هو الظاهر، إذ أواخر أوقات الصبر، والكرب، والعسر هي أول أوقات النصر، والفرج، واليسر، فقد تحققت المقارنة بينهما، ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر، أن الكرب إذا اشتد وتناهى أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (٥) والحديث بطريقيه أصل عظيم في مراقبة الله، ومراعاة حقوقه والتفويض لأمره، والتوكل عليه، وشهود توحيده، وتفرده، وعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إليه. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، (باب: ٥٩) (الحديث: ٢٥١٦). (٢) سورة الشرح، الآيتان: ٦،٥. (٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٥. (٤) سورة الحج، الآية: ٧٨. (٥) سورة الطلاق، الآية: ٣. ٢٣٩ ٥ - باب: في المراقبة ٦٣ - الرَّابِعُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ((إِنَّكُمْ لَتَعْمَلونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَ﴿ مِنَ الْمُوِقَاتِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: ((المُوبِقَاتُ)): المُهْلِكَاتُ(١). ٦٤ - الخَامِسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. و((الغَيْرَةُ)) بِفَتْحِ الغَيْنِ وَأَصْلُها: الأَنَفَةُ(٢) ٦٣ - (الرابع. عن أنس رضي الله عنه قال:) مخاطباً للمتساهلين في الأعمال (إنكم لتعملون أعمالاً) تستهونونها لعدم نظركم إلى عظم المعصي بها (هي) لذلك (أدق في أعينكم من الشعر) استخفافاً بها (كنا نعدها) لكمال الخشية الناشئة عن كمال المعرفة بالله، الحاصلة بحلول نظر النبي لة (على عهد) زمن (رسول الله ◌َيهر من الموبقات) وهذا كما جاء في الخبر الآخر: ((لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظم من عصيت)) وفي الخبر الآخر: ((المؤمن يرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب يمر على أنفه)) وفي الحديث كمال مراقبة القوم لله تعالى وكمال استحيائهم منه، حتى أنهم يرون تلك الأمور التي استهون غيرهم الوقوع فيها، مهلكات لهم، لعظم شهودهم جلال الله تعالى وعظمته. أحيا الله قلوبنا من موت الغفلة بمنته (رواه البخاري، وقال:) أي: البخاري (الموبقات) بضم الميم (المهلكات) وفيه أن الإِنسان ينبغي له أن يحذر من صغار الذنوب فلعلها تكون المهلكة له في دينه كما يحترز من يسير السموم، خشية أن يكون فيها حتفه. ٦٤ - (الخامس: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَلّ قال: إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه) أي: منعه أن يأتي ذلك (متفق عليه) ورواه أحمد، والترمذي كلهم بزيادة: ((والمؤمن يغار)) ورواه بإسقاطها البخاري (والغيرة بفتح الغين) المعجمة وسكون التحتية، بعدها راء مهملة (وأصلها) في وضع اللغة (الآنفة) بفتح أوليه أي: الامتناع من الضيم ونحوه، وفي شرح مسلم ((أصلها المنع)) والرجل غيور على أهله، يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو غيره، ومعنى غيرة الله تعالى، منعه الناس من الفواحش (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: ما يتقى من محقرات الذنوب (٢٨٣/١١). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح (٢٨٢/٩) باب الغيرة. وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: غيرة الله تعالى. وتحريم الفواحش (الحديث: ٣٦). ٢٤٠ كتاب: دليل الفالحين ٦٥ - السَّادِسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إنَّ ثَلاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرائِيلِ أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنً حَسَناً أي: وسائر المحرمات كما في حديث الباب لكن الغيرة في حق الناس يقارنها تغير حال الإنسان وانزعاجه، وهذا مستحيل في حق الله تعالى اهـ. ٦٥ - (السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع) كلام (النبي ◌َّ- يقول:) تقدم أن جملة يقول بدل اشتمال من مفعول سمع، أو جملة حالية من المفعول المحذوف الذي قدرته، وأتي به مضارعاً بعد سمع الماضي، إما حكاية لحال وقت السماع، أو لإِحضار ذلك في ذهن السامع (إن ثلاثة من بني إسرائيل) أي: أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم (أبرص) أي: به وضح، وهو بالنصب بدل من ثلاثة، وخبر إن محذوف، أي: أقص عليكم شأنهم، ولو روي بالرفع لكان على القطع، والفاء في فأراد الله التعقيب المفسر للمجمل، ويصح عند من جوز دخول الفاء في خبر إن أن يكون الخبر الجملة بعدها وكذا على حذفها كما في نسخة (وأقرع) أي: من ذهب شعر رأسه من آفة (وأعمى) العمي عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً (فأراد الله أن يبتليهم)(١) أي: يعاملهم معاملة المبتلى، المختبر، وإلا فعلمه أزلي شامل للموجود وللمعدوم قبل وجوده (فبعث) أرسل (إليهم ملكاً) بفتح اللام في صورة إنسان (فأتى) الملك (الأبرص) بدأ به، ثم بالأقرع اهتماماً بالتسجيل عليهما، وتعجيلاً للانتقام منهما، وقدم الأبرص لأن داءه أقبح وأشنع ولونه أعظم (فقال: ) له (أي شيء أحب إليك قال: لون حسن) بالتنوين على الوصف (و) كذا (جلد حسن) لم يقتصر على طلب اللون الحسن؛ لأن جلد البرص يحصل له من التقلص، والتشنج، والخشونة، ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون عن طلب حسن الجلد (ويذهب) عطف على ما قبله بتقدير أن (عني) الداء (الذي قد قذرني) بكسر الذال أي: تباعد عني وكرهني (الناس) أي: بسببه، والعائد محذوف أي: به، قال الكرماني وفي نسخة ((قذروني)) على لغة أكلوني البراغيث (قال:) وَّ (فمسحه) الملك، أي: أمرّ يده عليه (فذهب عنه قذره) أي: سبب قذره، وهو البرص الذي كان به (وأعطي لوناً حسناً وجدداً حسناً، قال) الملك له (فأي المال) معروف وتصغيره مويل، (١) في بعض نسخ مسلم (يبليهم) بإسقاط المثناة فوق ومعناهما الاختبار. اهـ. شرح مسلم.