Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ المقدمة الْعَبدِ ما كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ) وأَنَّه قَالَ: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرِ فَلَهُ مثلُ أجرٍ فَاعِلِه)) وأنَّه قال: وعلى سائر النبيين) فيه الصلاة على سائر الأنبياء مثل: ((صلوا على أنبياء الله ورسله فإنهم بعثوا كما بعثت)) رواه الطبراني وقد قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر﴾(١) اتباع الأمر (والتقوى) اجتناب النهي. قاله الكواشي (وصح عن رسول الله وسلم أنه قال) أي: من جملة حديث رواه مسلم، عن أبي هريرة مرفوعاً، وأخرجه الترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه وغيرهم. وما اعترض به على الحديث بأن في سنده، من هو مردود غير مقبول. (والله في عون العبد ما كان) العبد أي: مدة كونه (في عون أخيه) بقلبه، أو بدنه، أو ماله، أو غيرها. قيل: وهذا إجمال لا تسع بيانه الطروس، فإنه مطلق في سائر الأحوال، والأزمان، وفيه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه، فينبغي ألا يجبن عن إنفاذ قوله، وصدعه بالحق، إيماناً بأن الله في عونه، وأن يأمل الإعانة بدوام هذه الإعانة، فإنه لو لم يقيدها بحالة خاصة، بل أخبر بأنها دائمة بدوام كون العبد في عون أخيه (و) صح أيضاً (أنه) وَلّ (قال: من دل على خير فله مثل أجر فاعله) شك بعض رواته فقال: أو قال عامله، رواه مسلم، وأبو داود من حديث أبي مسعود البدري. وابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود. ورواه البزار من حديث أنس مختصراً بلفظ: ((الدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان)). ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (و) صح أيضاً (أنه) مَالير قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» رواه أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، كما في الجامع الصغير للسيوطي. وفي مصباح الزجاجة له أيضاً قال البيضاوي: أفعال العباد وإن كانت غير موجبة، ولا مقتضية للثواب، والعقاب، بذواتها، إلا أن الله تعالى أجرى عادته الإِلَهية بربط الثواب، والعقاب بها، ارتباط المسببات بالأسباب وليس للعبد تأثير في صدور الفعل عنه بوجه. فكما يترتبان على ما يباشره، ويزاوله يترتب كل منهما أيضاً على ما هو سبب في فعله، كالإِرشاد إليه، والحث عليه. ولما كانت الجهة التي بها استوجب المتسبب الأجر، والجزاء، غير الجهة التي استوجب بها المباشر، لم ينقص أجره من أجره شيئاً. وقال الطيبي: الهدى في الحديث ما يهتدى به من الأعمال، وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له هدى، يطلق على القليل، والكثير، فأعظمه هدى من دعا إلى الله، وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين. (١) سورة المائدة، الآية: ٢. ٤٢ كتاب: دليل الفالحين ((مَنْ دَعَا إِلَىْ هُدَىْ كَانَ لَهُ مِن الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَّبِعَهُ لَ ينقصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئً، وأَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ: ((فَوَاللَّهِ لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم)). فَرَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَراً مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يَكُونُ ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي، المنذر، حتى فضل واحد منهم على ألف عابد؛ لأن نفعه يعم الأشخاص والأعصار إلى يوم القيامة اهـ. وسيأتي في هذا المعنى مزيد إن شاء الله تعالى (و) صح أيضاً (أنه) وَّهِ (قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه) يوم خيبر: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) رواه الشيخان. وحمر النعم بفتح النون والمهملة أي: الإِبل الحمر، أنفس أموال العرب. وهذا الخطاب باعتبار ما استقر عندهم من نفاسة ذلك وكرمه. وإلا فلا مناسبة بينه، وبين الثواب المترتب على الهداية. وفي الحديث: ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) (فرأيت) الفاء فصيحة أي: أنه ورد الأمر بالتعاون على البر، والتقوى، في الكتاب والسنة. فرأيت (أن أجمع مختصراً) بوزن اسم مفعول مفعول أجمع ويقال له: الموجز وهو ما قل لفظه، وكثر معناه. ويجوز أن يقرأ بصيغة اسم الفاعل، فيكون حالاً من فاعل أجمع، ويكون قوله (من الأحاديث الصحيحة) ظرفاً لغواً متعلقاً بأجمع. وعلى الأول فهو ظرف مستقر صفة مختصراً، أي: مختصراً كائناً من الأحاديث. والأحاديث قال في المفاتيح جمع أحدوثة وهو ما يحدث به، والحديث مثله. ويجوز أن يكون جمع حديث على غير قياس. وفي الكشاف: الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله برا هـ. وتعقبه أبو حيان في النهر بأن أفاعيل ليست من صيغ اسم الجمع، وإنما ذكرها أصحابنا فيما شذ من الجمع كقطيع، وأقاطيع، وإذا حكموا على عباديد(١) بأنه جمع تكسير لا اسم جمع، وهو لم يلفظ له بواحد، فأحاديث أحرى، فالصواب أنه جمع تكسير لما ذكرنا أي: من أحدوثة، وهو ما يتحدث به الناس على جهة الغرابة، والتعجيب اهـ. والحديث المراد هنا ما يسمى بعلم الحديث رواية، وحده كما في شرح البخاري للكرماني: علم يعرف به أقوال رسول اللّهِ وَله، وأفعاله، وأحوال، قلت: وكذا تقريره، وما أضيف إليه من وصف، ككونه (١) يقال صار القوم عبابيد وعباديد وذهبوا عبابيد وعباديد، أي متفرقين لا واحد له، ولا يقع إلا في جماعة، ولا یقال للواحد عبدید. ع ٤٣ المقدمة طَرِيقاً لِصَاحِبِهِ إِلَى الآخِرَةِ، وَمُحَصِّلا لآدَابِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظّاهِرَةِ جامِعَاً لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ آدَابِ السَّالِكِينَ: مِنْ أَحادِيثِ الزُّهْدِ، وَرِيَاضَاتِ النُّفُوسِ، وَتَهْذِيبِ الأخْلاقِ، وَطَهَارَاتِ الْقُلُوبِ وَعِلَاجِهَا وَصِيَانَةِ الجوارح ليس بالطويل، ولا بالقصير، وأيام كاستشهاد عمه حمزة رضي الله عنه بأحد، وكذا تعرف به أقوال وأفعال من دونه من صحابي، وتابعي، كما ذكره شيخ الإِسلام زكريا وغيره، فكان عليه ذكره لأن الحديث يطلق على ذلك فهو غير جامع، وتعقب السيوطي هذا التعريف أيضاً، بأنه غير مانع، لشموله علم الاستنباط اهـ. قال الكرماني: وموضوعه ذات النبي من حيث إنه نبي. قال الشيخ زكريا: هذا مبني على تعريفه المقتضي لحصر الحديث في المرفوع. أما على القول بأنه أعم منه ومن الموقوف، فينبغي أن يعمم الموضوع، ليشمل ذلك وغايته، الفوز بسعادة الدارين ومراده من الصحيحة المقبولة. فتشمل الحسن، ولو لغيره، والضعيف المقبول في مواطنه (مشتملاً على ما) أي: الذي (يكون طريقاً) أي: موصلاً (لصاحبه) أي: المختصر (إلى) تحصيل (نعيم الآخرة) إن لاحظته العناية، وذلك هو الهدى (ومحصلاً لآدابه) أي: الصاحب، والآداب جمع أدب. وسبق تعريفه قريباً، أي: محصلاً لما ينبغي له استعماله، مما يحمد قولاً، وفعلاً (الباطنة) من نحو الإِخلاص، والصدق، وسائر الأخلاق الحميدة (والظاهرة) من نحو إقامة الشرائع، وترك المحرمات، والإِتيان بالمندوبات (جامعاً للترغيب) في الأعمال الصالحة، بذكر ما جاء في فضلها، وثوابها، من كتاب أو سنة، ويعبر عنها بالتبشير (والترهيب) من الأعمال المحرمة، والأخلاق الرديئة، بذكر ما جاء فيها من وعيد، أو ذم، أو نحوه. ويعبر عنه بالنذارة (وسائر أنواع آداب السالكين) من قطع العلائق، وترك العوائق، والإقبال على الخالق (من أحاديث الزهد) أي: الواردة بطلبه، وبيان فضله (ورياضات النفوس) أي: ما ترتاض، وتنخلع بمزاولته عن طبعها الذميم، ووصفها القبيح، من المجاهدات، وقطع المألوفات، والمعتادات من الحظوظ والشهوات، فإن النفس قبل رياضتها بمثابة الدابة الحرون، لا تزداد بالعلف إلا إباء وامتناعاً عن مراد سيدها، وبعد تأديبها وتهذيبها لا تزداد بذلك إلا انقياداً للمراد، ووفاقاً له على سلوك طريق السداد (وتهذيب الأخلاق) أي: تنقيتها واختيار جيدها من رديئها. والأخلاق جمع خلق بضم الخاء المعجمة، واللام. وبإسكانها أيضاً اسم للمعاني المدركة بالبصيرة. وعرف: بأنه ملكة تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت حسنة فخلق حسن، وإلا فسبىء (وطهارات القلوب) من أدناسها، كالعجب، والكبر ونحوهما من الأخلاق المذمومة (وعلاجها) من أمراضها من نحو الغفلة، وغلبة الاهتمام بشأن الدنيا (وصيانة الجوارح) أي: صونها عما لا يجوز لها ٤٤ كتاب : دليل الفالحين وَإِزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا وَغَيْرِ ذلكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَارِفِينَ . وَأَلْتَزِمَ أَنْ لَا أَذْكُرَ فِيهِ إلَّ حَدِيثاً صَحِيحاً مِنَ الْوَاضِحَاتِ، مُضَافاً إِلَى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهوراتِ، وَأُصَدِّرَ الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِآيَاتٍ كَرِيماتٍ، وَأُوَشِّحَ ما يَحْتَاجُ إِلَى ضَبْطٍ أَوْ شَرْحٍ مَعْنَّى خَفِيٍ بِنَفَائِسَ مِنَ التَّْيِهَاتِ. وَإِذَا مزاولته، ومحاولته من الأعمال (وإزالة اعوجاجها) وذلك لأن القلب إذا صلح، صلح سائر الجسد. وصلاح الظاهر عنوان صلاح الباطن، فمن تحلى ظاهره بحلى الشريعة، وتطهر باطنه بمياه الطريقة، فقد فاز بالحقيقة (وغير ذلك من مقاصد العارفين) كالإقبال على الخالق وقطع العلائق، وترك العوائق، والاشتغال به في كل حال، وطلب مرضاته في سائر الأحوال. فمن وجد مولاه لم يفقد شيئاً (والتزم فيه) أي في هذا المختصر (ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً) أي: مقبولاً. فشمل الحسن، ولو لغيره كما تقدم (من) الأحاديث (الواضحات) المعنى أي: في الجملة، ووضوحها لأن المصنف قصد عموم النفع، بكتابه حتى للعوام (مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات) وهي الصحيحان، وأكثر ما هنا منهما، والسنن لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وكذا مستدرك الحاكم (وأصدر الأبواب) أي: أجعل صدرها وبدأها (من القرآن العزيز) هو كلام الله تعالى المنزل على نبيّه محمد رَير، بقصد الإِعجاز بقدر أقصر سورة منه، المتعبد بتلاوته، ومن عزته العجز عن الإِتيان بقدر أقصر سورة منه (بآيات كريمات) أي: يجيء بها مناسبة للباب؛ لتكون كالدليل، وتعود بركتها على باقي مسائل الباب. والآيات، جمع آية، بالمدلغة: بمعنى العلامة، واصطلاحاً: طائفة من كلمات القرآن المتميزة بفصل أي: هو آخر الآية الذي يقال فيه: الفاصلة، وفي أصل آية ستة أقوال(١) قيل: إنه بفتحات، وقيل بوزن كلمة تحركت الياء فيهما، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وقيل غير ذلك، وقد بسط ذلك ابن الصائغ في شرح البردة. وكريمات أي: نفيسات ومنه كرائم الأموال (وأوشح ما يحتاج) من الكلمات (إلى ضبط) لحروفه، نحو بالفوقية أو بالتحتية، وبيان ما قد يشتبه من الحركات (أو شرح معنى) للفظ (خفي) لغموض دلالة اللفظ عليه، بأن يكون ذلك اللفظ مصروفاً عن ظاهره لمقتض، أو بأن يكون فيه غموض بحيث يعسر فهم معناه من مبناه إلا للعارف، أو نحو ذلك (بنفائس) جمع نفيسة: وهو ما يرغب فيه من علم، أو مال، أو نحو ذلك. والظرف متعلق بأوشح، وقوله (من التنبيهات) جمع تنبيه. وهو لغة: الإِيقاظ. واصطلاحاً: إعلام بما يؤخذ مما قبله (١) وقد مر ما في شرح القاموس. ٤٥ المقدمة قُلْتُ فِي آخِرِ حَدِيثٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ رواهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم. وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا الكتَابُ أَنْ يَكُونَ سَائِقَاً لِلْمُعْتَنِي بِهِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، حَاجِزاً لَهُ عَنْ أَنْوَاعِ الْقَبَائِحِ وَالْمُهْلِكَاتِ، وَأَنَا سَائِلٌ أَخَّ انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهِ أَنْ يَدْعُوَ لِي وَلِوَالِدَيِّ، وَمَشَایخِي؛ إجمالاً، وهو في محل الصفة لنفائس، وفي العبارة تشبيه ما يعقب به متن الحديث، من ضبط مبنى، أو بيان معنى بالوشاح، وهو كما في النهاية: شيء ينسج عريضاً من أديم، وربما رصع بالجواهر، والخرز تشد به المرأة بين عاتقها وكشحها اهـ. ففي العبارة استعارة تبعية مصرحة، وذكر النفائس ترشيح. وقوله من التنبيهات تجريد (وإذا قلت في آخر حديث) أي: عقبه (متفق عليه فمعناه رواه البخاري ومسلم) لا اتفاق(١) الأئمة، قال ابن الصلاح: لكن يلزم من اتفاقهما اتفاق الأئمة عليه، لأن الأمة اتفقت على تلقيهم لما روياه بالقبول (وأرجو) من الرجاء ضد اليأس، فهو تجويز، وقوع محبوب على قرب، واستعماله في غيره كما في: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراً﴾(٢) أي: لا تخافون عظمته مجاز يحتاج إلى قرينة (إن) عبر بها مع أن المناسب للرجاء إذا، إشارة إلى أنه مع رجائه ملاحظ لمقام الخوف المقتضي للتردد في التمام اللازم للمرجو (تم هذا الكتاب) الحاضر ذهناً وإن تقدم على وضع الخطبة، كما ذكره المحققون، وتقدمها يدل عليه صنيعه في مواضع وقد تم ولله الحمد (أن يكون سائقاً) اسم فاعل من السوق (للمعتني) أي: لصاحب العناية (به إلى الخيرات) وهي فعل العبادات، والتقرب إليه سبحانه بأنواع الطاعات (حاجزاً له) أي: مانعاً للمعتني به (عن أنواع القبائح) والرذائل، كالسرقة، وإخلال المروءة (والمهلكات) أي: الموقعة لصاحبها في الهلاك، والعذاب، كالعجب، والكبر والرياء، ونحو ذلك، لما اشتمل عليه هذا الكتاب من الترغيب، والترهيب، ومن أحاديث طهارات القلوب، وعلاجها (وأنا سائل أخاً انتفع بشيء منه أن يدعو لي ولوالدي) سأل المصنف من الإِخوان وهم المؤمنون، الدعاء له، ولمن ذكر معه؛ ليفوزوا بالقيام بسنة الدعاء للأخ بظهر الغيب، وليحصل لهم من الفضل، مثل ما دعوا به كما ورد في حديث أبي الدرداء المرفوع، وفي قوله سائل ما لا يخفى من مزيد التواضع، والتنزل، وفي حذف المدعو به تعميم. وأهم ما يدعى به، غفران الذنوب، ورضاء علام الغيوب (ومشايخي) جمع واحده شيخ. والمراد بالشيوخ هنا، (١) أي وليس معناه اتفاق الأئمة ع. (٢) سورة نوح، الآية: ١٣. ٤٦ كتاب : دليل الفالحين وَسَائِرٍ أَحْبابِنَا، وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَحَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، ولَ حَوْلَ وَلَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. من أخذ عنهم المصنف، وإن لم يبلغوا سن الشيوخة، ويجمع شيخ على شيوخ وأشياخ، وشيخان. وشيخه بكسر الشين المعجمة، وفتح التحتية، وسكونها. ومشيخة، بوزن مسبعة، وقد نظم ابن مالك بعض هذه الجموع وزاد غيرها فقال: شيخان أشياخ أيضاً شيخة شيخه شيخ شيوخ ومشيوخاء مشيخة وزاد في القاموس: شيوخ ومشيخة بكسر الشين فيها، ومشيخاء، وفي النوادر للحياني هؤلاء مشيخة بفتح الياء وضمها، وبه يصير له اثنا عشر جمعاً. واختلف في أشاييخ فقيل: جمع شيخ. وقيل: جمع أشياخ، كأنابيب، جمع أنباب. وقد بسطت الكلام في هذا المقام في حاشيتي على شرح الشيخ خالد الأزهري على الأجرومية (وسائر أحبابنا) أي: باقيهم. والأحباب، بتكرير الموحدة جمع حبيب، كشريف، وأشراف، وضبطه نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي بالقلم، بتشديد الموحدة بعدها مدة، ثم همزة مكسورة. أي: من أحبنا ومن أحببناه في الله تعالى بناء على جواز إطلاق المشترك على معنييه معاً (وسائر المسلمين) تعميم لأن الدعاء، كلما كان أعم، كان أتم وقوله: (أجمعين) تأكيد للإِحاطة والشمول (وعلى الله الكريم) أي: لا على غيره، كما يؤذن به تقديم ما حقه التأخير (اعتمادي) هذا وقد جعل الرضى الاستعلاء في نحو هذا من الاستعلاء المجازي، واللائق بالأدب، عدم التعبير بالاستعلاء مطلقاً، وأن يقال معنى على في ذلك ونحوه: لزوم التفويض إلى الله سبحانه، فمعنى عليه اعتمادي، لزمت تفويض أمري إلى الله تعالى واللفظ قد يخرج بشهرته في الاستعمال في الشيء عن مراعاة أصل المعنى، ذكره بعض المحققين (وإليه) لا إلى غيره (تفويضي واستنادي) في النهاية يقال: فوض إليه الأمر، إذا رده إليه، وجعله الحاكم فيه ١ هـ. (وحسبي الله) أي: محسبي، وكافيّ خبر قدم على مبتدثه، وهو الاسم الكريم لإِفادة ما ذكر وللاهتمام. وقوله: (ونعم الوكيل) معطوف إما على حسبي الخبر من باب عطف الجملة على المفرد، والمخصوص على هذا بالمدح هو الاسم الكريم، أو على جملة حسبي الله من غير تقدير شيء في الجملة المعطوفة بناء على كون تلك إنشائية معنى . إذ هي لإِنشاء التوكل فيكون من عطف إنشائية على مثلها، أو مع تقدير مبتدأ هو حذف اختصاراً. ولا حاجة على هذا لتقدير ((مقول)) في جانب الخبر لأن الأصح كما قال ابن مالك، جواز وقوع الجملة الطلبية خبراً من غير إضمار قول. وتقدير المبتدأ في الجملة ٤٧ المقدمة المعطوفة، بناء على بقاء جملة حسبي الله على وضعها. وهي الخبرية لفظاً ومعنى، فيكون من عطف خبرية على مثلها، والمخصوص على هذا محذوف كما علم مما ذكر (ولا حول) بفتح اللام ويجوز الرفع على إهمال لا لتكررها (ولا قوة) بهما، أو بالنصب عطفاً على محل حول إذا عملت لا فيه. والمعنى كما جاء في حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((لا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله)) أخرجه البزار (إلا بالله العزيز الحكيم) هذا هو الوارد في ختم هذه الكلمة في الصحيح دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم، وإن جاء في رواية كما يؤذن به بعض نسخ الحصن الحصين. والعزيز الذي لا يغالب في مراده والحكيم من يضع الأشياء في مواضعها على ما سبق في علمه . 0 ٤٩ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية بِاللهِ الرّحمن الرَحمي ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النيّة في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفيّة بسم الله الرحمن الرحيم أي أشرع في مقصود الكتاب مستعيناً باسم الله الواجب الوجود المنعم الوهاب. باب الإِخلاص الباب لغة: الفرجة التي يتوصل بها من خارج إلى داخل، وبالعكس، والوجه قيل وهو أنسب؛ لأن الباب لا يناسب بالمعنى الأول إلا إن كان اسماً للجزء الأول من الطائفة المخصوصة من الكلام، وليس كذلك، بل هو اسم للجميع، وكونه بمعنى الوجه أوجه، للاختلاف بين معنى كل باب، وغيره، كاختلاف الوجوه، لكن يصد عنه جمعهم له على أبواب دون بابات الذي هو جمع باب بمعنى الوجه، وعرفاً: طائفة مخصوصة من الكتاب مشتملة على فصول، ومسائل غالباً، وسيأتي أنه يجوز فيه الرفع، والنصب بل والجر على وجه الأصح خلافه. والإِخلاص بكسر الهمزة مصدر أخلص، قال الراغب في مفرداته: الإِخلاص التعري عما دون الله تعالى اهـ، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: الإِخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى. قال: ويصح أو يصلح أن يقال: الإِخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين (وإحضار النية في جميع الأعمال، والأقوال، والأحوال البارزة) أي: الظاهرة (و) الأعمال، والأقوال والأحوال (الخفية) والنية واجبة أول كل فعل شرعي، لتوقف صحته عليها، ودوام استحضارها إلى آخره سنة محبوبة، وأما التروك، كترك نحو الزنى، فلا يتوقف عليها، نعم لا بد في حصول الثواب من قصد الترك على وجه الامتثال، وإنما وجبت النية في الصوم مع أنه من باب التروك، لأنه ملحق ٥٠ كتاب : دليل الفالحين قَالَ اللَّهُ تعالَى(١): ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . وَقَالَ تَعالَى (٢): ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُها وَلِكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوِى مِنْكُمْ﴾ بالأفعال إذ القصد منه قمع النفس عن معتاداتها، وقطعها عن عاداتها. (قال تعالى) أي: عما لا يليق بشأنه سبحانه (وما أمروا) أي: اليهود، والنصارى في التوراة والإنجيل (إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) أي: موحدين لا يعبدون سواه، قال بعضهم: الإِخلاص تصفية العمل عن شوائب الكدر (حنفاء) مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإِسلام، أو حنفاء حجاجاً (ويقيموا الصلاة) أي: المكتوبة في أوقاتها (ويؤتوا الزكاة) عند وجوبها، ومخلصين وحنفاء حالان من الضمير في يعبدوا، والمعنى وما أمروا في كتابهم إلا ليعبدوا الله بهذا الوصف (وذلك دين القيمة) أي: الملة المستقيمة، أو دين الجماعة القيمة، أو الهاء للمبالغة، وعن الخليل: أن القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد، أو المراد بدين القيمة دين الملائكة أو ملة إبراهيم، وقرىء وذلك الدين القيمة على تأويل الدين بالملة، كذا في التفسير الكبير للكواشي، وقال الحافظ السيوطي في الإكليل: قوله تعالى: ﴿وما أمروا﴾ (٣) الخ استدل به على وجوب النية في العبادات؛ لأن الإِخلاص لا يكون بدونها اهـ. (وقال تعالى (٢): لن تنالوا البر) أي: لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، ولن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة، والرضى، والجنة. وقوله: (حتى تنفقوا مما تحبون) أي: من المال أو ما يعمه، وغيره، كبذل الحياة، ومفاداته للناس، والبذل في طاعة الله، والمهجة في سبيله، روي أنها لما نزلت، جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي بيرحاء فضعها حيث أرك الله تعالى. فقال: بخ بخ، ذاك مال رابح، أو رائح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله أسامة فقال زيد: إنما أردت أن أتصدق بها فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى قد قبلها منك)) وذلك يدل على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وإن الآية تعم الإِنفاق الواجب، والمستحب، وقوله: (وما تنفقوا من شيء) محبوب، أو غيره (فإن الله به عليم) فيجازيكم بحسبه (وقال تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله (١) سورة البيّنة، الآية: ٥. (٢) سورة الحج، الآية: ٣٧ (٣) هذه الآية ساقطة في بعض نسخ المتن والشرح. ع. ٥١ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية وقال تَعالَى(١): ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ١ - وعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَبي حَقْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاح ابْنِ عَبْدِ اللهِ قْطِ بْنِ رَزَاحِ بنِ التقوى منكم) قال القرطبي: قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يلطخون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية، والنيل لا يتعلق بالبارىء تعالى، لكنه عبر به تعبيراً مجازياً عن القبول، والمعنى لن يصل إليه، وقال ابن عباس: لن يصعد إليه، وابن عيسى: لن يصل إليه لحومها ولا دماؤها، ولكن يصل إليه التقوى منكم، أي ما أريد به وجه الله، فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه(٢)، ويثيب عليه، ومنه الحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) اهـ. (وقال تعالى: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) فهو العالم بخفيات الصدور، وما اشتملت عليه قال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق﴾(٣) فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء ولا يغيب عنه شيء سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، وفي الآيات تنبيه للموفق على الإِخلاص، وتحذير له من الرياء، ولا يغتر بخفائه ظاهراً. فإن الله تعالى عالم بخفيات الأمور، لا تخفى عليه وساوس الصدور. ١ - (وعن أمير المؤمنين) أول من لقب به من الخلفاء، أما أول من لقب به مطلقاً فعبد الله بن جحش في سرية، وقد بينت مستند ذلك في أواخر شرح الأذكار (أبي حفص) بالحاء المهملة، وهو الأسد كناه به و چ، كما في الفتح المبين، وكني به لكمال شجاعته ومزيد صلابته (عمر بن الخطاب بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية (بن عبد العزى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي بعدها ألف مقصورة (بن رياح) بكسر الراء، بعدها تحتية، وبعد الألف حاء مهملة (بن عبد الله) كذا هو في أسد الغابة، وفي نسخة من التهذيب للمصنف، بدل عبد الله هذا عدي (بن قرط) بضم القاف، وسكون الراء، وبالطاء المهملة (بن رزاح) بفتح الراء قيل: وقد تكسر وبعدها زاي، وبعد الألف حاء مهملة (بن (١) سورة آل عمران، الآية: ٢٩. (٢) أي سماع قبول. ش. (٣) سورة الملك، الآيتان: ١٣ و١٤ ٥٢ كتاب : دليل الفالحين عَدِيٌّ بْنِ كَعْبٍ بْنِ لُؤيٍّ بْنِ غَالِبِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ يَقُولُ: ((إِنَّمَا . عدي) بفتح المهملة، وكسر الثانية، وتشديد التحتية (بن كعب) بسكون المهملة بعدها موحدة (بن لؤي) بضم اللام، وفتح الهمزة تصغير اللأي قال في المواهب اللدنية: وهو الثور، وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب رسول الله وَّ (بن غالب القرشي العدوي رضي الله عنه) أشار المصنف إلى طريق النسبة إلى القبائل، وذلك أنه يبدأ بالأعم قبل الأخص فيقال: القرشي الهاشمي، ليحصل بالثاني فائدة إذ لو ذكر الأول بعد الثاني بأن قيل الهاشمي القرشي لخلا عن الفائدة: إذ يلزم من كونه هاشمياً كونه قرشياً، بخلاف العكس ذكره المصنف في تهذيبه وغيره، قال: فإن قيل: كان ينبغي ألا يذكر الأعم بل يقتصر على الأخص، فالجواب إنه قد يخفى على بعض الناس، كون الهاشمي قرشياً، ويظهر هذا الخفاء في البطون الخفية كالأشهلي من الأنصار: إذ لو اقتصر على الأشهلي لم يعرف كثير من الناس أنه من الأنصار أم لا، فذكر العام، ثم الخاص، لدفع هذا التوهم، قال: وقد يقتصرون على الخاص، وقد يقتصرون على العام، وهذا قليل اهـ. روي لعمر رضي الله عنه عن رسول الله وَّر خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثاً، وقال أبو نعيم: أسند عن رسول الله ير من المتون سوى الطرق مائتي حديث ونيفاً، كذا في التلقيح لابن الجوزي، اتفق الشيخان منها على ستة وعشرين، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، وقد أعرضنا عن بسط تراجم الرجال في هذا الكتاب طلباً للإِيجاز، وحذراً من الإِسهاب، لا سيما وقد ترجمنا معظم من ذكر من الصحابة هنا في شرح الأذكار، واقتصرنا هنا على ذكر عدة مروياته، وزمن وفاته، وبعض يسير من بيان حالاته، لعموم حاجة المحدث لذلك والله الموفق، (قال: سمعت رسول الله وسلم يقول) الجملة المضارعية، بدل اشتمال من مفعول سمعت، أو حالية تبين المضاف المحذوف قبله، أي كلامه. وأتى به مضارعاً بعد سمع الماضي: إما حكاية لحاله وقت السماع، أو لإِحضار ذلك في ذهن السامع. وما ذكر من أن ثمة مضافاً محذوفاً، والجملة بعده تبين المحذوف هو المشهور، وقيل: إن سمع يتعدى لمفعولين، فلا محذوف بل أولهما رسول، وثانيهما الجملة، واعترض بأن محل تعديتها لهما إذا كانت فيما يظن، وأجيب بمنع الحصر. ثم الحديث المذکور لم یرو من طريق صحيح عنه قّ إلا من حديث عمر رضي الله عنه وإن رواه نحو عشرین صحابياً، فهو وإن أجمعوا على صحته غریب باعتبار أوله مشهور باعتبار آخره، ولیس بمتواتر لفقد عدد التواتر في بعض طبقاته (إنما) هي لتقوية الحكم المذكور بعدها اتفاقاً، ٥٣ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، ولذا وجب كونه معلوماً للمخاطب أو في منزلته، ولإفادة الحصر وضعا حقيقة على الأصح عند جمهور الأصوليين خلافاً لجمهور النحاة. والحصر وبمعناه القصر إثبات الحكم لما بعدها، ونفيه عما عداه، لورودها لذلك في كلامهم غالباً، والأصل الحقيقة، وجواز غلبة المجاز خلاف الأصل، والقصر في الخبر من قصر المسند إليه، ويعبر عنه بالموصوف على المسند، ويعبر عنه بصفته، وهو إضافي لخروج بعض الأعمال عن اعتبار النية فيها، وفي الخبر حصر آخر، هو عموم المبتدأ إذ هو جمع محلى بأل التي للاستغراق، لا للماهية إذ المفتقر للنية إفراد العمل لا ماهيته من حيث هي ماهية، إذ لا وجود لها في الخارج، ورواية إنما العمل المبتدأ فيها مفرد محلى بأل المذكورة، فيفيد العموم، وخصوص الخبر على حد: صديقي زيد، لعموم المضاف لمعرفة وعلى هذا فجمع بينهما في هذه تأكيداً، وسقطت إنما في رواية صحيحة اكتفاء عنها بهذا الحاصر (الأعمال) هي حركات البدن فتدخل فيها الأقوال ويتجوز بها عن حركات النفس، وأوثرت على الأفعال لئلا تتناول فعل القلب غير المحتاج للنية، كالتوحيد، والإِجلال، والخوف لصراحة القصد به، والنية لئلا يلزم التسلسل، أو الدور المحال، وأل في الأعمال: قيل: للعهد الذهني، أي غير الأعمال العادية لعدم توقف صحتها على النية، وقيل: للاستغراق كما تقدم إلا أنه إضافي. والعموم مخصوص لخروج جزئيات من الأعمال عن الاحتياج إلى النية، بأدلة مقررة، كالواجب غير المتوقف على النية، من نحو قضاء دين، وكف عن محرم، والمتوقف على النية حصول الثواب في ذلك، وهو غير ما الكلام فيه إذ هو هل تلزم النية في صحة الترك بحيث يعصي بتركها، والتحقيق كما تقدم إنه لا تلزم النية فيه، وأن المجرد منها لا ثواب فيه، وإنما يحصل بالكف الذي هو فعل النفس، وهو أن يقصد الترك بقصد امتثال أمر الشارع فيه. ولا تجب النية في عمل اللسان من نحو قراءة، وذكر وأذان، إذ ليس شيء عادي من ذلك حتى يميز بالنية عنه، وصرح الغزالي بحصول ثواب الذكر اللساني، ولو مع الغفلة، نعم تجب في قراءة منذورة، ومثلها كل ذكر نذره، ليتميز الفرض من غيره (بالنيات) الباء فيه قيل للسببية، والتقدير وجود الأعمال شرعاً مستقر، أو ثابت بسببها، ويصح كونها للملابسة، وكونها للمصاحبة، قال بعض المحققين: فعلى الأول هي جزء من العبادة، وهو الأصح. وعلى الثاني شرط، وفيه نظر، بل كل منهما محتمل للشرطية والركنية إذ كل منهما يقارن المشروط، والماهية ويكون سبباً في وجودهما، وإيضاحه أن ركن الماهية لكونه جزأها مغاير لها مغايرة الجزء للكل، فتصدق عليه المصاحبة كما تصدق عليه السببية، وأما السببية، ٥٤ كتاب: دليل الفالحين وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىٍ مَا نَوَى. فصادقة مع الشرطية، وهو واضح، لتوقف المشروط على الشروط، ومع الركنية لأنه بترك جزء من الماهية تنتفي الماهية اهـ. إلا أنها إذا كانت للمصاحبة، تشعر باعتبار وجوب استصحابها إلى الآخر، لأنه الظاهر من المعية وهذا حال الشروط، بخلافها على الملابسة فإن هذا الإِشعار منتف عندها، وقال الكازروني في شرح الأربعين: الباء فيه للاستعانة اهـ. ثم قيل: لا بد من تقدير مضاف للمحصور، وهو المسند إليه، فقدره الأكثرون بالصحة أي : إنما صحة الأعمال بالنيات، وقدره آخرون بالكمال وقالوا: تقديره إنما كمال الأعمال، وقد بينت دليل القولين، ورد الثاني وتأييد القول الأول في شرح الأذكار. والأقرب كما قال بعض المحققين وقال إنه التحقيق، إنه لا حاجة لتقدير في الخبر، وليس فيه دلالة اقتضاء، بل اللفظ باق على مدلوله من انتفاء الأعمال حقيقة بانتفاء النية لكن شرعاً إذ الكلام فيه، والتقدير إنما وجودها كائن بالنية، فإذا انتفت انتفى العمل ونفي الحقيقة إنما ينتفي بانتفاء شرطها، أو ركنها، فيفيد مذهبنا من وجوبها في كل عمل إلا ما قام الدليل على خروجه، والعام المخصوص حجة في غير ما خصّ منه اهـ. والنية بالتشديد مصدر، أو اسم مصدر. لغة: القصد. وشرعاً: وهو المراد هنا، خلافاً لبعض المحققين قصد الشيء مقترناً بفعله إلا في الصوم، والزكاة للعسر، فإن تراخى الفعل سمي عزماً، ثم هي بالجمع في هذه الرواية عند الشيخين، قال الحافظ السيوطي في التوشيح: في معظم الروايات بالنية مفرداً قيل: ووجهه أن محلها القلب، وهو متحد فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر فناسب جمعها اهـ. وهذه حكمة للإفراد وإلا فهو الأصل، لأنها مصدر، وجمعت في هذه الرواية باعتبار أنواعها من الوجوب تارة وغيره أخرى (وإنما لكل امرئ ما نوى) الجملة السابقة لبيان أن الأعمال لا يعتد بها شرعاً إلا بالنية الموجدة لها، وهذه الجملة لبيان أن جزاء العامل على عمله بحسب نيته من خير، أو شر، وبيان أن العمل لا يجزىء إلا إن عينت نيته، قلت فتختص حينئذ بما يعتبر في نيته التعيين من نحو صلاة الفرض، والنفل المرتب، أو تعم مطلق العبادة المعتبر فيها النية ويراد أن الذي له من عمله الموجود شرعاً بالنية، هو ما قصده به من وجه الله سبحانه، فيثاب، أو الرياء للعباد فيمنع الثواب، وقيل: مفاد هذه الجملة امتناع النيابة في النية الشامل لها الجملة الأولى، وصحة نية الولي عن الصبي، والأجير عن المحجوج عنه لمعنى يخصه، هو عدم تأهل المنوي عنه لها فيهما، وقيل: هذه الجملة مؤكدة للأولى تنبيهاً على سر الإِخلاص، وفيه أن تنبيهها على ذلك، يمنع إطلاق كونها مؤكدة، فعلم سر تأخير هذه الجملة، وأنهما متغايرتان، وأنه لولا تعقيب تلك بهذه، ٥٥ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجِرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسولِهِ، لأوهمت تلك صحة النية بلا تعيين، وأنه يلزمها الثواب و((ما)) في ما نوى إما موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية أي ما يحصل لكل امرىء أي: إنسان إلا الذي نواه، أو شيء نواه، أو منويه، والقصر في هذه الجملة عكسه في الأولى أي: قصر المسند في المسند إليه ((لطيفة)) قد لمح العلامة تاج الدين السبكي إلى معنى هذه الجملة بقوله في مدح المصنف نفع الله بهما : ووقيت من ألم النوى لقيت خيراً يا نوى لله أخلص ما نوى فلقد نشا بك عالم فضل الحبوب على النوى وعلى سواء فضله (فمن كانت هجرته) هو تفصيل لبعض الإِجمال فيما قبله، والتقدير: إذا تقرر أن لكل امرىء منويه، من طاعة، وغيرها، فلا بد من مثال يجمع الأعمال كلها، أمرها ونهيها، وذلك الهجرة إذ هي منضمة لذلك: أما الكف عن المنهي فظاهر، ومن ثم قال تيار: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) وإما الأمر فلأنه لا يتم بل لا يمكن الإتيان به إلا بهجره دواعي النفس، والهوى، ولتضمن الهجرة هذا الأمر العام آثر ه# ذكرها مفرداً لها بالفاء الداخلة على الجزاء إن جعلت من شرطية أو الخبر إن جعلت موصولة لمشابهة الموصول للشرط في العموم، أو تضمنه له. والهجرة لغة: الترك. وشرعاً: مفارقة دار الكفر إلى دار الإِسلام خوف الفتنة، ووجوبها باق، وخبر: (لا هجرة بعد الفتح)) المراد لا هجرة بعد فتح مكة منها لأنها صارت دار الإِسلام. وحقيقتها مفارقة ما يكرهه الله إلى غيره للحديث المذكور وكانت أول الإِسلام إما من مكة إلى الحبشة، أو منها، ومن غيرها إلى المدينة، والمراد بها هنا مفارقة الوطن إلى غيره، سواء مكة، وغيرها، ولا يضر في التعميم، كون الحديث له سبب خاص كما سيأتي بيانه؛ لأن صورة السبب لا تخصص لكنها داخلة قطعاً (إلى الله ورسوله) أي: قصداً ونية، فهو كناية عن الإِخلاص، والظرف هنا، وفيما يأتي متعلق بهجرة، إن جعلت كان تامة، أو بمحذوف هو خبرها إن قدرت ناقصة (فهجرته إلى الله ورسوله) ثواباً، وخيراً، فالجزاء كناية عن شرف الهجرة وكونها بمكانة عنده تعالى، أو عن كونها مقبولة مرضية، فلا اتحاد بين الشرط والجزاء، لأنهما وإن اتحدا لفظاً اختلفا معنى، وهو كاف في اشتراط تغاير الجزاء، والشرط، والمبتدأ، والخبر، وذكرت وجوهاً أخر لهذا التكرار في شرح الأذكار، والمراد بكان هنا وفيما يأتي أصل الكون لا بالنظر لزمن مخصوص، أو وضعها الأصلي من المضي ٥٦ كتاب : دليل الفالحين وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرِ إِلَيْهِ)) أو هنا من الاستقبال، لوقوعها في حيز الشرط، وهو يخلص الماضي للاستقبال ويقاس به الآخر للإجماع على استواء الأزمنة في الحكم التكليفي إلا لمانع (ومن كانت هجرته لدنيا) اللام للتعليل، أو بمعنى إلى لقوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، واستظهر الأول، وحكمة التغاير في التعبير هنا باللام وثمة بإلى إفادة أن من كانت هجرته لأجل تحصيل ذلك، كان هو نهاية هجرته لا يحصل له غيره. والدنيا بضم أولها وحكي كسره جمعها دني، من الدنو أي : القرب لسبقها على الآخرة أو لدنوها إلى الزوال. قال المصنف: الأظهر أنها كل المخلوقات من الجواهر، والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة وقد تطلق على كل جزء منها مجازاً، ثم المراد منها عرضها، ومتاعها، فالتعبير بها مجاز مرسل من تسمية الشيء باسم محله كقوله تعالى: ﴿فليدع ناديه﴾(١) (يصيبها) حال مقدرة أي: قاصداً إصابتها، وفي ذكر المصيبة عند ذكر الدنيا لطيفة ونصيحة (أو) كانت هجرته لأجل (امرأة ينكحها) أي: يتزوجها كما في رواية، من باب عطف الخاص على العام، إشعاراً بأن النساء أعظم ضرراً قال والقر: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) وتنبيهاً على سبب الحديث، وإن كان لا يخصص كما تقدم، وسببه كما في التوشيح للحافظ السيوطي ما رواه سعيد بن منصور في سننه بسند على شرطهما عن ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له مثل أجر رجل هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل له: مهاجر أم قيس. وفي فتح الإِلّه: السبب ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود قال: ((كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس)) قيل واسمها فتيلة (٢) بوزن قبيلة، ولم يعين اسمه ستراً عليه، وإن كان ما فعله مباحاً لما يأتي، وعلى هذا فذكر الدنيا، إما زيادة على السبب تحذيراً من قصدها، أو لأن أم قيس انضم لجمالها المال فقصدهما مهاجرها، أو لأن السبب قصده نكاحها، وقصد غيره دنيا (فهجرته إلى ما هاجر إليه) الظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ ويصح تعلقه بنفس المبتدأ، فيكون خبره محذوفاً، أي فهجرته قبيحة إذ ليست من الله في شيء وذلك حظه، ولا نصيب له في الآخرة. وإيراد الموصول لإفادة التحقير وذم فاعل ما ذكر كما يشعر به السياق مع كون مطلوبه مباحاً، لأنه أظهر قصد الهجرة إلى الله وأبطن خلافه، وهذا ذميم، والحكمة في (١) سورة العلق، الآية: ١٧ . (٢) الذي في الشبرخيتي: قيلة بفتح القاف وسكون المثناة التحتية. ٥٧ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية مُتَّفَقْ عَلَى صِحَّتِهِ(١) رَوَاهُ اتحاد الشرط، والجزاء لفظاً في الأولى التبرك بذكر الله، ورسوله، والتعظيم لهما بتكراره، وبكونه أبلغ في الهجرة إليهما إذ من سعى لخدمة ملك تعظيماً له، أجزل عطاء ممن سعى لينال كسرة من مأدبة، وتركه في الثانية إظهار عدم الاحتفال بأمرهما، والتنبيه على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصدهما، فكأنه قال: إلى ما هاجر إليه، وهو حقير مهين لا يجدي، وأيضاً فأعراض الدنيا لا تنحصر فأتى بما يشملها، وهو ما هاجر إليه بخلاف الهجرة إلى الله، ورسوله، فإنه لا تعدد فيها فأعيدا بلفظهما تنبيهاً على ذلك، وقال أرباب الإشارات من العارفين: ((إنما الأعمال بالنيات)) يتعلق بما وقع في القلوب من أنوار الغيوب. والنية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له، وألا يسنح في السر ذكر غيره، وللناس فيما يعشقون مذاهب: فنية العوام في طلب الأعراض، مع نسيان الفضل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء، ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله، وعند الناس، ونية العلماء إقامة الطاعات لحرمة ناصبها، لا لحرمتها، ونية أهل التصوف، ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولد عبودية(٢) ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) من مطالب السعداء، وهي الخلاص عن الدركات السفلى والفوز بالدرجات العليا، وهي المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق المحمودة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته، أو من مقاصد الأشقياء، وهي ما يبعد عن الحق ((فمن كانت هجرته)) أي خروجه من مقامه الذي هو فيه، سواء كان استعداده الذي جبل عليه، أو منزلاً من منازل النفس ((إلى الله)) لتحصيل مراضيه ((ورسوله)) باتباع أمره، وأخلاقه ((فهجرته إلى الله ورسوله)» فتخرجهم العناية الإِلَهية من ظلمات الحدوث، والفناء إلى نور الشهود، والبقاء ((ومن كانت هجرته إلى دنيا)) أي لتحصيل شهوة الحرص على المال، والجاه، والخيلاء، وغيرها، فيبقى مهجوراً عن الحق في أوطان الغربة، له نار الفرقة، نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا الجلد ولا تخلص إلى القلب، انتهى كلامهم، نقله الكازروني في شرح الأربعين للمصنف (متفق عليه) ثم فسره بقوله رواه إلى آخره، وكذا (١) أخرجه البخاري في بدء الوحي وفي الإِيمان (باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى) (٧/١ و١٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: قوله ﴿ ((إنما الأعمال بالنية)) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، (الحدیث: ١٥٥). (٢) عبارة العلقمي نقلًا عن الطيبي، ونية أهل الحقيقة في ربوبية تولدت عن عبودية. ش ٥٨ كتاب: دليل الفالحين إِمَامَا المُحَدِّثِينَ: أبو عَبْدِ اللّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَة بْنِ بَردِزْبه الْجُعْفِيُّ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ الْنَيْسَابُورِيُّ رواه أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، وابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة، وابن الجارود، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والبيهقي في السنن، ووهم ابن دحية في زعمه، أن مالكاً أخرجه في الموطأ كذا في شرح عمدة الأحكام للقلقشندي ومن خطه نقلت (رواه إماما المحدثين) بإثبات ألف التثنية خطاً، وحذفها لفظاً، لالتقاء الساكنين أي: المقتدى بهما ورعاً، وزهداً، واجتهاداً في تخريج الصحيح وإيداعه دون غيره كتابيهما، حتى ائتم بهما في ذلك الأئمة الذين حذوا حذوهما (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة) بضم الميم، وكسرها (بن بردزبة) بموحدة مفتوحة فراء ساكنة، فمهملة مكسورة بعدها زاي ساكنة، فموحدة فهاء تأنيث، وهو بالعربية الزراع. قال في فتح الباري: كان بردزبة المذكور مجوسياً، وكان في بخارى وال يقال له اليمان الجعفي، فأسلم المغيرة بن بردزية على يديه، فمن ثم قيل للبخاري الجعفي، وأما إبراهيم بن المغيرة، فلم نقف على شيء من أحواله، والظاهر أنه لم ينظر في العلم، وأما إسماعيل، فذكر له ابنه ترجمة في تاريخه وقال: إنه سمع من مالك وحماد بن زيد وابن المبارك، وذكره كذلك ابن حبان في الطبقة الرابعة من ثقاته، وزاد: روى عنه العراقيون اهـ. (الجعفي) أي: مولاهم لما ذكر من أن جده المغيرة أسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي، فنسب إليه ولاء، فأشار المصنف إلى أنه يقدم النسب إلى القبيلة، ولو ولاء على النسب إلى البلاد عند الجمع، وعبارة التهذيب للمصنف، إذا جمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قدم النسب إلى القبيلة. انتهت (البخاري) ولد ثالث عشر شوال سنة ١٩٤ أربع وتسعين، ومائة، وكتب عن ابن حنبل، ويحيى بن معين وخلائق يزيدون على ألف، وروى عنه مسلم خارج صحيحه، وأبو زرعة، والترمذي، وابن خزيمة، والنسائي، ومناقبه جمة ذكرت جملة منها في شرح الأذكار، توفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ ست وخمسين، ومائتين، ودفن بخرتنك(١) قرية على فرسخين من سمرقند، ومن مناقبه ما حكي أنه عمي صبياً فرأى في نومه إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فتفل في عينيه أو دعا له، فأبصر، فمن ثم لم يقرأ كتابه في كرب إلا فرج. ثم الحديث المذكور في سبعة مواضع من (١) بكسر فسكون ففتح فسكون. ٥٩ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِى كِتَابَيْهِمَا اللّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ صحيح البخاري (وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري) نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرة، وقشير أيضاً بطن من أسلم، منهم سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (النيسابوري) نسبة إلى نيسابور، أحسن مدن خراسان، وأجمعها للخيرات. قال الأصفهاني في لب الألباب: قيل لها ذلك لأن سابور لما رآها قال يصلح أن يكون ها هنا مدينة، وكانت قصباً فأمر بقطع القصب وأن تبنى مدينة، فقيل نيسابور، والنيّ القصب اهـ. ولد الإمام مسلم سنة ٢٠٤ أربع ومائتين، ومات في رجب سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين، وأخذ عن أحمد وحرملة، وخلائق، روى عنه جماعة منهم من هو في درجته، كأبي حاتم الرازي، والترمذي، فروى عنه حديثاً واحداً، وابن خزيمة وخلائق (في كتابيهما) المشهورين بالصحيحين، المعروفين بذلك كنار على علم (اللذين) بلامين، وفتح الذال المعجمة مثنى الذي وكتب بلامين، فرقا بينه وبين الذين الجمع (هما أصح الكتب) بلا شك ولا مرية، كما أطبق عليه من بعدهما لا سيما المحدثون، حيث جعلوا الصحيح سبعة أقسام، أعلاها ما خرجاه، فما انفرد به البخاري فما انفرد به مسلم، فما كان على شرطهما، فما كان على شرط البخاري، فما كان على شرط مسلم، فما صحيحه معتبر وسلم من المعارض، وقول الشافعي: لا أعلم كتاباً بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك، إنما كان قبل ظهورهما، فلما ظهرا كانا بذلك أحق، والجمهور على أن ما أسنده البخاري في صحيحه دون التراجم، والتعاليق، وأقوال الصحابة والتابعين أصح مما في مسلم، لأنه كان أعلم منه بالفن اتفاقاً، مع كون مسلم تلميذه وخريجه، ومن ثم قال الدارقطني: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء، هذا وإن لم يلزم منه أرجحية المصنف(١) إلا أنها الأصل، قال الحافظ ابن حجر في نكته على كتاب ابن الصلاح بعد ذكر نحو ما ذكرنا: هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فيترجح كتاب البخاري على كتاب مسلم بأن الإِسناد الصحيح مداره على اتصاله وعدالة الرواة، وكتاب البخاري أعدل رواة وأشد اتصالاً، وبيانه إن الذين انفرد لهم بالإِخراج دون مسلم، أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم نحو الثمانين، والذين انفرد مسلم بهم ستمائة وعشرون رجلًا، المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلاً، ولا شك أن من سلم من التكلم فيه رأساً أقوى ممن تكلم فيه وإن لم يعول على ما تكلم به فيه، على أن المتكلم فيهم في (١) بفتح النون المشددة .. ع. ٦٠ كتاب : دليل الفالحين الْمُصَنَّفَةِ. ٢ - وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَغْزُو جَيْشٌ البخاري لم يكثر من تخريج أحاديثهم، بخلاف مسلم، وأيضاً فأكثرهم شيوخه الذين هو أعرف بهم من غيره، لكونه لقيهم وخبرهم، وخبر حديثهم، وأما المتكلم فيهم في مسلم فأكثرهم من المتقدمين الذين لم يخبرهم، وأيضاً فالبخاري غالباً إنما يخرج للمتكلم فيه في المتابعات، والشواهد بخلاف مسلم، وأما ما يتعلق بالاتصال فمسلم كان مذهبه كل نقل فيه الإجماع في أول صحيحه، أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن، والمعنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما، ولو مرة واحدة، ومن ثم قال النووي: وهذا المذهب مما يرجح به كتاب البخاري قال: وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله بهذا المذهب في صحيحه لكونه يجمع طرقاً كثيرة يبعد معها وجود هذا الحكم الذي جوزه اهـ وجمعه لتلك الطرق هو الغالب، وفيما لم يجمع فيه طرقاً جلالته قاضية بأنه إنما جرى على الأحوط من ثبوت الاتصال انتهى(١) ملخصاً مع يسير زيادة. وقوله (المصنفة) اقتفى به أثر الإِمام الشافعي رضي الله عنه في قوله: بعد كتاب الله، ليحترز بذلك عنه أيضاً. ٢ - (وعن أم المؤمنين) أي: في الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، دون نحو النظر، والخلوة، وكذا سائر أمهات المؤمنين، وهو ◌َّلي أب للمؤمنين في الرأفة والرحمة، والمراد من نفي أبوته في الآية أبوة النسب والتبني (أم عبد الله) كناها وَّر بابن اختها أسماء ((عبد الله بن الزبير)) وقيل: بسقط لها منه، واستبعد (عائشة) الصديقة بنت أبي بكر الصديق عبد الله، بن أبي قحافة عثمان (رضي الله عنها) وعن أبيها وجدها، تزوجها وَّر بمكة، وهي بنت ست سنين، بعد تزوجه بسودة بشهر، وقبل الهجرة بثلاث سنين، ودخل بها في شوال منصرفه(٢) من بدر سنة ثنتين من الهجرة وهي بنت تسع سنين، وتوفي وّر وهي بنت ثماني عشرة سنة، وعاشت بعده ◌َّ ر أربعين سنة وتوفيت سنة سبع، أو ثمان وخمسين، لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر، وصلى عليها أبو هريرة لإمارته على المدينة حينئذ من قبل مروان، روي (١) أي كلام الحافظ بن حجر. :(٢) بضم الميم وفتح الراء أي زمان انصرافه.