Indexed OCR Text
Pages 21-40
صلى الله عليه وسلّم قائلاً : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، أو نفسه))(١). - وحَدّثَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وفدَ عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه وأخبروه من وراءكم))(٢). - وحثّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً على الأكل بيمينه، فقال -مترفعاً- لا أستطيع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا استطعت))، فلم يستطع بعد ذلك رفعها إلى فيه!(٣). مع أن الأمر بالأكل باليمين ليس مذكوراً في القرآن. والمراد من الأحاديث الستة السابقة إثبات العناية النبوية بالسنة. الوجه الثالث: اهتمام الصحابة بسنّةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم - في تلك المرحلة. إنّ جولة سريعة على النصوص الصحيحة التي تنقل لنا حال أصحاب رسول الله مع سنته في حياته، تبيّن لنا المَحَلَّ السامي التي تحتله السنة من نفوسهم، بل إن بعضهم كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما)، قال: ((كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد(٤) وأبو داود(٥) -رحمهما الله تعالی- بإسناد جيد. ولذلك؛ فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما من (١) صحيح البخاري (٩٩). (٢) صحيح البخاري (٨٧). (٣) صحيح مسلم (٢٠٢١). (٤) مسند الإمام أحمد (٦٥١٠) بنحوه. (٥) سنن أبي داود (٣٦٤٦). ٢١ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو-، فإنه كان يكتب ولا أكتب))(١). وحين خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة في تحريم مكة، قام رجل من أهل اليمن، يقال له: أبو شاه، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا لأبي شاه. (٢) وتجد الصحابة - أيضًا- يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عمّا يَعْرِض لهم مما ليس مذكوراً في القرآن، فلو كانوا يعتقدون أنه لا حاجة لأي حكم لم يذكر نصا في القران لما سألوا! فهذا علي -رضي الله عنه- يقول: ((كنت رجلاً مذاء؛ فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ... ))(٣). وكسؤال المستحاضة، والسؤال عن حكم الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة. وهذا كله يظهر عناية أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بكل ما يقوله ويفعله، وليس فقط بالقرآن. ولم يكن يخطر ببال أحدهم -وقد سمعوا ما أنزل الله من الأمر بطاعة رسوله والنهي عن مخالفته- أن يفرّق بين ما جاء عن رسول الله من القرآن، وبين ما كان يقضي به زائداً على نصّ القرآن. وممَّا ينبغي أنْ يُذكَر ونحن نتحدّث عن العناية بالسنّة في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ هذه المرحلة تأسس فيها: مبدأ التثبّت في الرواية، وقد جاء ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِهَا فَتَبَيَنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾ [الحجرات: ٦]. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إنّ كذبًا علي لیس ککذبٍ (١) صحيح البخاري (١١٣). (٢) صحيح البخاري (٢٤٣٤). (٣) صحيح البخاري (١٧٨). ٢٢ على أحد، من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار))(١)، وقال: ((لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار (٢)، وقال: ((من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار (٣). وهذه نصوص مهمّة جداً في تاريخ علم الحديث، فإنها اللّنة الأولى التي بنى عليها المحدّثون علمهم، فهذا الوعيد الوارد في الحديث كان نصب أعينهم. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه-، قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: ((من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)) (٤). و-أيضًا- أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيراً؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تعمد علي كذبا، فليتبوأ مقعده من النار))(٥). ومن هنا نستطيع أن نقول: إن التأسيس لعلم الحديث -الذي يعنى بتمييز الصحيح من السقیم- قد ابتدأ من وقت النبي بهذا التحذير من الكذب علیه صلی الله عليه وسلم. وقد جاء في صحيح مسلم في المقدمة أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم)) (٦)، قال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)): ((وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن في أمته ممن يجيء بعده كذابين؛ فحذر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، (١) صحيح البخاري (١٢٩١). (٢) صحيح البخاري (١٠٦). (٣) صحيح البخاري (١٠٧). (٤) صحيح البخاري (١٠٧). (٥) صحيح البخاري (١٠٨). (٦) مقدمة صحيح مسلم (٧). ٢٣ فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطًا للدين، وحفظًا للشريعة من تلبيس الملحدين))(١) أهـ. صَلىالله وَسَلام المرحلة الثانية: عناية الصحابة بالسنة بعد وفاة الرسول کما اعتنى أصحاب رسول الله بسنته وأحاديثه في حیاته، فإن عنایتهم بها استمرت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقبل أن أذكر وجوه العناية فإن ما ستقرؤه من نصوص كثيرة هنا، ونقولٍ متظافرة عنهم، ليس الغرض منها السردُ والجمعُ المجرد، وإنما إثبات حقيقة واضحة؛ ألا وهي أنّ العناية بالسنةً، واعتبارها مصدراً تشريعيا للأحكام، ليس أمراً مبتدعً، وإنما هو عمل أفقه هذه الأمة وأبرها بعد نبيها، وقد ظهرت هذه العناية من وجوه: الوجه الأول: أن طلبهم للحدیث لم ينتهِ بوفاة رسول الله صلی الله علیه وسلم ؛ بل كانوا يتتبعون حديثه، مما لم يسمعه أحدهم، ويتطلّبونه ممن سمعه. قال البخاري في صحيحه ((باب الخروج في طلب العلم)): ((ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر؛ إلى عبد الله بن أُنيس في حديثٍ واحد))(٢). وحين نقرأ في كتب السنة تمرّ بنا رواية الصحابة بعضهم عن بعض، وهذا يدلّ على أنهم كانوا يسمعون الحديث بعد رسول الله فيما بينهم. ولذلك؛ تجد ابن عباس (رضي الله عنهما) -مثلاً - مع أنه لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم - إلا أحاديث قليلة، إلا أنه روى عنه كثيرًا من الأحاديث، إذْ سمعها من الصحابة، ثم حَدّث بها عن النبي صلى الله علیه وسلم. الوجه الثاني: أنهم لم يقتصروا في فتاواهم وأقضيتهم على ما في القرآن، بل ضمّوا إليه السنّة كمصدر تشريعي. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا. ومن أهم ما يمكن أن يذكر في ذلك ما ثبت عن أفضل هذه الأمة بعد رسول - الله صلى الله عليه وسلم - وهو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، في القصة المعروفة بينه وبين فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - ؛ وذلك أنها جاءته تطلب (١) الکفایة في علم الرواية (٣٥). (٢) صحيح البخاري (١ / ٢٦). ٢٤ ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّا معشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا صدقة)).(١) وقال أبو بكر لفاطمة: ((لست تاركا شيئا؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملتُ به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ)) (٢). وكل هذا مع أن الحكم الوارد في حديث: (( ... لا نورث ما تركنا صدقة)) ليس مذكوراً في القرآن إلا أنّ أبا بكر - رضي الله عنه - شدد فيه هذا التشديد، بالرغم من أنه كان في حرج من ردّ طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو ترَكَه! وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتوقّف في أخذ الجزية من المجوس، حتی شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ، فعمل بذلك(٣). وهذا بناء لحكم عام يتعلق بالدولة الإسلامية على حديث سمعه من شخص واحد وهو عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -. وحين يُبلّغ أحد الصحابة حديثا عن رسول الله، ثم يرى تهاوناً في الأخذِ به، فإن موقفه يكون شديداً تُجاه المتهاون، ولهم في هذا مواقف متعددة، منها -على سبيل المثال - أنّ ابن عمر - رضي الله عنه - قد حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،أنه قال: ((لا تمنعوا نساءكم المساجدَ إذا استأذنّكم إليها)) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنَّ، قال: فأقبل عليه عبد الله: فسبه سبّاً سيئًا؛ ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلی الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن(٤). الوجه الثالث: أنهم لم يكتفوا بمجرّد جمع الحديث وإنما حرصوا على تبليغه لمن بعدهم. - فهذا أحدهم يأتي بماء في إناء؛ ليعلّم التابعين وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.(٥) (١) يُنظر: صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩). (٢) يُنظر: صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩). (٣) يُنظر: صحيح البخاري (٣١٥٦ -٣١٥٧) (٤) صحيح مسلم (٤٤٢). (٥) يُنظر: صحيح البخاري (١٨٥). ٢٥ - والآخر يصلّي أمامهم، وما يريد بذلك إلا تعليمهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في قصّة مالك بن الحويرث رضي الله عنه (١) - وكتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كتابًا لأنس بن مالك - رضي الله عنه -، فيه مقادير الزكاة، وتفاصيل أحكامها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا في صحيح البخاري. (٢) - وكتب جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً. كما في صحيح الإمام مسلم (٣). - وكتب عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - لعمر بن عبيد الله كما في صحيح البخاري (٤). - وكان بعضهم يبلغ أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلّم - في مقام عامّ ، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا عمر (رضي الله عنه) - كما في صحيح البخاري - قام خطيبًا في مسجد رسول الله ، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حدّ الرجم على الزاني، وقال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ألا وقد ((رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.(٥) فهذه ثلاثة أوجه تتضمن مواقف كثيرة، تُظهر عناية أصحاب رسول الله -صلی الله علیه وسلم- بالسنة، وهم أكثر الناس تعظيمًا لرسول الله، وأعلمهم بمراده. المرحلة الثالثة: عناية التابعين بسنة النبي وعلى الله . تظهر عناية التابعين بسنة المصطفى وأحاديثه من وجوه: (١) يُنظر: صحيح البخاري (٨٠٢). (٢) يُنظر: صحيح البخاري (١٤٥٤). (٣) يُنظر: صحيح مسلم (١٨٢٢). (٤) يُنظر: صحيح البخاري (٢٨١٨). (٥) صحيح البخاري (٦٨٢٩). ٢٦ الوجهُ الأوّل: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم. فقد عُرِفَ كثير من الصحابة بأن لهم جماعة من التلاميذ ؛ من (التابعين) يأخذون عنهم الحديث ويضبطونه، فتجد أحدهم يلازم الصحابي مدة طويلة يسمع منه الحديث. ويحصل لهذا التابعي خبرة بأحاديث هذا الصحابي، حتى أنك تجد المحدثين يذكرون مراتب هؤلاء التلاميذ في قوة معرفتهم بحديث الصحابي. فمثلًا: - عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما): نجد أن الذين رووا عنه كثير جدا، ولكنّ المحدثين يذكرون ابنه سالمًاً، ونافعاً مولاه، كأثبت من روى عنه، واختلفوا في أيهما أضبط مع اتفاقهم على تقدّمهما، ومن دقة المحدثين أنهم يُدّلون على كلامهم، إذا قدموا فلانًا أو فلانًا. فقد قال النسائي: ((اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلُّ من نافع (يعني قدرًا وعلمًا)، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب)) انتهى من كتاب ((تهذيب التهذيب)) (١) لابن حجر - رحمه الله -. - وفي تلاميذ أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال أبو حاتم الرازي ،كما في كتاب ((تهذيب التهذيب)): ((أثبتُ أصحاب أنس: الزهري))(٢). - وفي شأن عائشة (رضي الله عنها) نجد عروة بن الزبير -وهو من أشهر الرواة عن عائشة، وهي خالته (رضي الله عنها) -: ((لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج [يعني سنين]؛ أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وعيتُه)) أهـ، وهذا منقول من كتاب ((تهذيب التهذيب)) (٣) أيضاً. - وهكذا تجد ممن عُرف بملازمة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ابناه الحسين ومحمد بن الحنفيّة، وعبيدة السلماني. - وممن عُرف بالأخذ عن ابن عباس - رضي الله عنه - والخبرة بحديثه: سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. - وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: عطاء، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير. (١) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢١١/٤). (٢) تهذيب التهذيب، لابن حجر (١/ ٢٦٢) (٣) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٩٣/٣). ٢٧ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سیرین، وأبو سلمة عبد الرحمن بن عوف، وأبو صالح السمّان والأعرج. - وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - : الأسود، وعلقمة، ومسروق ، وأبو وائل. رضي الله عن الجميع، وليست الأسماء السابقة مجرد ذِكر للرواة عنهم، كلا؛ فهم أكثر من ذلك بكثير، وإنما ذكرت بعض (المُختَصِّين) فقط في أحاديث هؤلاء الصحابة، الذين كانت لهم عناية (استثنائية) بأحاديث المذكورين منهم. وهذه القضية تُظهر لنا؛ أن السنّة لم تمر بمرحلة فراغ بين وقت الصحابة ووقت أصحاب الكتب والمصنّفات، إذْ إنّ بعض الجهال يقولون: إن السنة مرّت بمرحلة فراغ مجهولة، وهذا غير صحيح. الوجه الثاني: کتابة الحدیث في زمن التابعین. كتَبَ كثيرٌ من التابعين ما سمعوه من الحديث عن أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم كان يرى تقديم الحفظ على الكتابة، وقد تتبّع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه ((دراسات في الحديث النبويّ وتاريخ تدوينه))، أسماء الذين نُقل عنهم كتابة الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وقام بجهد كبير في هذا التتبع. ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثةً وخمسين ممّن كتبوا، أو كُتب عنهم. ومن تابعي القرن الثاني تتبّع تسعة وتسعين تابعيًا ممن كتبوا، أو كُتب عنهم. وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، وهذا من عنايتهم بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الخطيب في كتابه ((تقييد العلم)) -وهو كتاب مهم في قضية تدوين السنة النبوية - عن سعيد بن جبير، أنه قال: ((كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفي))(١). الوجه الثالث: أن مرحلة التابعين كانت مرحلة التدوين الرسميّ للأحاديث. فقد تبنّت الخلافة على يد الإمام الخليفة التابعيّ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الاهتمام بقضية تدوين السنّة، قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم، ((باب کیف یقبض (١) تقييد العلم (١٠٢) ٢٨ العلم)): وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفتُ دروس العلم -أي اندثاره وذهابه - وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم ، فإن العلم لا یهلك حتی یکون سرًا))(١) أ.هـ إذن فهذه ثلاثة أوجه مشرفة لعناية التابعين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن جهة أخرى فقد استمرت في هذه المرحلة قضية الاحتياط في الرواية والتدقيق فيها، وعُرف بعض التابعين بالتفتيش في الأسانيد والرواة. وقد كان التابعي الجليل محمد بن سيرين - رحمه الله - مِن أشهر مَن اعتنى بذلك. قال علي ابن المديني - رحمه الله -: ((كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحدًا أولَ منه: محمدُ بن سيرين، ثم كان أيوب وابنُ عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن)) وهذا نقله ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) (٢). وثبت عن ابن سيرين أنه قال: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)) (٣). المرحلة الرابعة : السنة في وقت أتباع التابعين . تظهر العناية بالسنّة في هذه المرحلة من وجوه : الوجه الأول: ظهور التصنيف للمكتوب من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو: ترتيب الأحاديث على الأبواب، وهذا لم يكن معروفًا في السابق. قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)): ((والذي كان يُكتَب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مرتبًا مبوبًا، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صُنَّفت التصانيف)) (٤). ومن المصنفات المشهورة جدًا في هذه المرحلة: موطأ الإمام مالك. والموطأ مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلام بعض الصحابة، وكلام مؤلفه -أعني الإمام مالك -. (١) صحيح البخاري (١/ ٣١). (٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٣٥٥). (٣) مقدمة صحيح مسلم (١٥). (٤) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٣٤١/١). ٢٩ وسأذكر بعض مَن صنّف في هذه المرحلة: فمنهم: ابن جريج - رحمه الله -: حيث صنف في السنن والطهارة والصلاة وتوفي عام (١٥٠ هـ). ومنهم محمد بن إسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام (١٥١هـ) -على خلاف في سنة وفاته -. وكذلك معمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع وتوفي عام (١٥٣ هـ). وابن أبي عروبة: صنف السنن والتفسير وتوفي عام (١٥٧ هـ). وكذلك ممن صَنّف في هذه المرحلة سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهما -رحمهم الله جميعاً - . الوجه الثاني : تطور قواعد علم الحديث. إن من المهم معرفته: أن علم الحديث لم ينشأ في بيئة منعزلة عن واقع الرواية، فهو وإن كان قد تأسست أصوله مع نزول الوحي وذلك بالتأكيد على التثبت في الأنباء وتغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن تطوّره وتشعّبه جاء مواكباً لقَدر التحديات المحيطة بواقع الرواية. ففي المراحل الأولى في زمن الصحابة وكبار التابعين؛ لم تكن سلسلة الإسناد طويلة، حيث كان الصحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون واسطة بينهما، وربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم. والتابعون الكبار يروون عن الصحابة مباشرة. ثم بدأت السلسلة تطول نوعًا ما؛ في وقت صغار التابعين. فقد يروي أحدهم حديثاً عن تابعيّ ثانٍ عن ثالثٍ، عن صحابي، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وربما أكثر من ذلك. وظلّت السلسلة في امتداد مع تأخر الزمن، ودخل في الرواية أناس كثير، منهم المعروفون ومنهم المجهولون، وبدأ انتشار الكذب في الروايات، وكَثُر الوهم لكثرة الرواة على اختلاف مستوياتهم، ولأجل ذلك كله؛ طوّر العلماء والمحدثون الأدوات الضامنة لمعرفة ما صحّ من الرواية، مما لم يصحّ، وتفرّغ أناس من الجهابذة لهذه المهمة العظيمة، وتوفرت لديهم الآلة المناسبة، وهي: أخذُ الحديث عن أهله، وملازمة أئمة الرواية، وسعة الحفظ مع دقة الفهم والنظر، وبذل أقصى الجهد في الرحلة والدراسة والمقارنة. ومن أبرزهم -في هذه المرحلة - أمير المؤمنين في الحديث: شعبة بن الحجاج. ٣٠ وشعبةُ بن الحجاج - رحمه الله -عاش في القرن الثاني، وتوفي عام ١٦٠ للهجرة، وهو من تابعي التابعين، وأخذ الرواية عن عدد من كبار المحدثين في زمنه، من مختلف البلدان، منهم عمرو بن دينار من مكة، وقتادة بن دعامة السدوسي من البصرة، والأعمش وأبو إسحاق السبيعي من الكوفة، وهؤلاء الأربعة الذين هم مشايخ شعبة؛ قال فيهم إمام علم العلل (علي بن المديني) كلامًا يُظهر أهميتهم المحورية في قضية الرواية، حيث قال: ((نظرتُ، فإذا الإسناد يدور على ستّة .. -وذكر منهم هؤلاء الأربعة شيوخ شعبة-))(١)، وقد أخذ شعبةُ أيضاً عن يحيى بن أبي كثير أيضًا، وهو أحد الستة الذين ذكرهم عليّ بن المديني، ولكنه لم يلازمه طويلاً، وقد بذل الإمام شُعبة جهداً كبيراً في توظيف علمه لتنقية الرواية من الشوائب، وكان يدقق في سماعات الشيوخ ليعرف الأحاديث المنقطعة أو المدڵّسة (والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه شيئاً لم یسمعه منه) و کان یشدد في التدليس، ويرى أنه أخو الكذب، وكان ممن يعتني بنقد المتن، فقد قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: ((إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه یكذب))(٢). وعاش هذا الإمام حياة علميّة حافلة، حتى لقي الله -سبحانه- حاملاً شرف الدفاع عن سنة نبيه صلی الله عليه وسلم. ولم یکن شعبةُ وحده في هذه المرحلة، فقد كان معه عدد من العلماء؛ الذين اعتنوا بتنقية السنة، وضبط قواعدها، منهم: الإمام مالك - رحمه الله - الذي عُرف بأنه لا يروي إلا عن ثقة. ولذلك فإنك تجد المحدثين إذا أرادوا تزكية راوٍ من الرواة؛ يقولون: روى عنه مالك. وقد توفي الإمام مالك عام ١٧٩ هـ. ولأن هذا العلم يحمله كابر عن كابر؛ فقد انتقلت هذه الخبرات إلى الجيل التالي. فعلى يدي الإمام شعبة تخرج جماعة من المحدثين الكبار، من أشهرهم وأبرزهم الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. وتستمر سنّة التلقي، ويمتد انتقال الخبرات ، إلى الجيل الجديد. فعلى يدي يحيى القطان تخرّج كبار علماء الحديث، (١) العلل لابن المديني (ص ٣٩). (٢) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهر مزي (٣١٦/١). ٣١ وأئمته ونجومه، وهم: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، والإمام علي بن المديني. الوجهُ الثالث: دوائر التلقي والضبط. اشتهر جماعةٌ من رواة السنة بالحفظ والعلم وكثرة الأحاديث؛ التي تلقوها عن الصحابة أو كبار التابعين، ومن ثم تجد أن كلّ واحد من هؤلاء قد أحيط بدائرة من التلاميذ اليقظة؛ الذين يلازمونه في كل وقت، حتى صارت لديهم خبرة تامة بأحاديثهم، كما أن هؤلاء الشيوخ في ذاتهم كانوا قبل ذلك يشكلون دوائر مع مشايخهم. والعجيب أن نُقاد الحديث الذين جاؤوا بعد هذه المرحلة، کان لهم علم دقيق بهذه الدوائر وتفصيلاتها بالأرقام!، فتجدهم يفندونها دائرة دائرة، ويستطيعون ترتيب التلاميذ داخل الدائرة الواحدة. وإليك بعض الأمثلة: ١ - الإمام الزهري: وهو تابعي مدنيّ، يروي عن أنس بن مالك، نجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، وأتقنوها، تشمل قائمة من أبرزهم: الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس بن يزيد، وعُقيل، وشعيب، والزبيدي، وصالح بن کیسان، و کلهم من الثقات. ٢- أبو إسحاق السبيعي: وهو تابعي كوفي، يروي عن جماعة من الصحابة، ونجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، وأتقنوها؛ تشمل شعبة بن الحجاج، وسفيان بن سعيد الثوري، وإسرائيل بن يونس، وكلهم من الثقات. ٣- عمرو بن دينار: وهو تابعي مكي، يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ونجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، وأتقنوها، تشمل: شعبة بن الحجاج - أيضاً-، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زید. ٤- قتادة السدوسي: وهو تابعي بصريّ، يروي عن أنس بن مالك، نجد أن دائرة تلاميذه الكبار الذين لازموه، وضبطوا أحاديثه، وأتقنوها، تشمل قائمة من المحدثين، ٣٢ منهم: شعبة بن الحجاج -أيضاً-، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهمام بن يحيى العَوذي. وليس الشأن في معرفة هذه الدوائر -فقط- وإنما في العلم الدقيق بمراتبهم، وتقديم بعضهم على بعض. فتجد المحدثين يفاوتون بين رواة الدائرة الواحدة؛ فالأضبطُ في الزهري مثلاً على الإطلاق: الإمام مالك. وفي أبي إسحاق: سفيان الثوري. وهكذا تستمر القائمة. وبعد هذه النبذة الاستطرادية المهمة، أعود - أيها القارئ الكريم - لأقول: إن العناية بالسنة في هذه المرحلة تطوّرت بشكل كبير في : - تدوينها (بظهور المصنفات). - وفي قواعد تنقية الأخبار (قواعد علم الحديث). - وفي دوائر الضبط والتلقي. المرحلة الخامسة : العناية بالسنّة في القرن الهجري الثالث (العصر الذهبي للسنّة): اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ علماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصرٍ قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء متمكّنين من الحديث والأسانيد والعلل والرجال. فقد اجتمع فيه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين. ومن جهة تدوين السنة ؛ فقد بلغ التصنيف في السنة ذروته في هذا العصر، وتنوعت المُصنفات بين المسانيد والسنن والأبواب، وابتدأ جمع الصحيح. فصنّف البخاري ومسلم صحيحيهما، وفي هذا العصر صنّف الإمام أحمد مسنده، وصنّف أصحاب السنن الأربعة سننهم، ودُوّنت أصول الأحاديث الصحيحة في كتب هذا العصر. ومن مظاهر العناية بالسنة في هذه المرحلة: عناية المُحدّثين بالكلام على علل الأحاديث، ورواتها، وأسانيدها، والقواعد والقوانين التي تحكم ذلك، ونُثِرِ ذلك كله في مُصنّفاتهم. ٣٣ فالإمام البخاري صنف كتاب ((التاريخ الكبير))، وهو من أكبر الكتب في رواة الحديث ،وفيه كلام في العلل أيضاً. والإمام عبدُ الرحمن بن أبي حاتم صنف كتاب ((الجرح والتعديل))، وصنّف كتاب العلل ، ونَقَل في هذين الكتابين خلاصةَ عِلْمِ اثنين من أبرز علماء الحديث في ذلك العصر، وهما: أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي. ففي كتاب الجرح والتعديل نقل كلامهما في تعديل الرواة وتجريحهم، وفي كتاب العلل نقل كلامهما في تعليل الأحاديث. واهتم كثير من طلاب الحديث في هذا العصر بتدوين كلام مشايخهم من أئمة الحديث، في مواضيع الرواة، والعلل، وقوانين الرواية. فظهر ما يُعرَف بكتب السؤالات والتواريخ، كسؤالات أبي داود للإمام أحمد، وسؤالات البرذعي لأبي زرعة، وسؤالات ابن أبي شيبة لابن المدیني، وتاریخ ابن معين رواية الدُّوري، وغيرها الكثير. والخلاصة أن هذا القرن كان العصر الذهبي للسنّة والحديث رواية وتصنيفًاً ونقداً. المرحلة السادسة: العناية بالسنّة بعد القرن الثالث: في القرن الرابع استمرّ التصنيف في كتب السنة المُسندة (أي التي يُروى الحديث فيها بالإسناد من صاحب الكتاب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-) ، وظهر فيه عدد من الكتب المهمة في ذلك، كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وإن لم تكن بأهمية الكتب المصنّفة في القرن الثالث. وبعد القرن الرابع قلّت الكتب الحديثية المُسنَدة وظهرت الكتب التي تُعنى بجمع الأحاديث من كتب السنّة المصنفة في القرون السابقة ، ولكن دون أسانيد. مثل كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، وكتاب (جامع الأصول) لابن الأثير، ثم الكتب المختصرة مثل (عمدة الأحكام) و (بلوغ المرام). وكذلك فقد امتدت عناية أهل العلم في نقد الأحاديث ورواتها في القرن الرابع، وظهر عدد من العلماء الكبار في هذا المجال، كأبي جعفر العُقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي الحسن الدار قطني، الذين ساروا في قوانين النقد والتصحيح ؛على طريقة العلماء في العصر الذهبي. ولكن هذا القرن لم يكن حافلاً بالعدد الكبير من المُختصّين الذين حفل بهم القرن الذي قبله. ٣٤ كما اعتنى العلماء بالتصنيف في علم الحديث، حيث ظهر في القرن الرابع الهجري أول مصنّف (مستقل) في علم الحديث، وهو كتاب (المحدث الفاصل) لأبي محمد الرامهرمزي، ثم تبعه أبو عبد الله الحاكم في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) وهو أوسع من كتاب الرامهر مزي. ثم جاء الخطيب البغدادي في القرن الخامس؛ فألف كتاب ((الكفاية في علم الرواية)) ، وهو من أوسع الكتب المصنفة في تلك المرحلة من جهة التنوع. وتتابعت المصنفات بعد ذلك، حتى جاء الإمام أبو عمرو بن الصلاح فأملى كتابه ((علوم الحديث))، وهو المشهور بـ (مقدمة ابن الصلاح)، والذي ذكر فيه خمسة وستين نوعاً من أنواع علوم الحديث. وما أنْ ظهر هذا الكتاب حتى دار العلماء بعده في فلكه، كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه ((نزهة النظر)): ((فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظِم له ومختصِر، ومستدرِك عليه ومقتصِر، ومعارض له ومنتصر))(١). امتدت التصانيف في كل أنواع علوم الحديث، وقلّ فنّ من فنون الحدیث إلا و فيه کتاب مستقل. كما اعتنى العلماء في القرن الرابع وما بعده بشروح الأحاديث؛ التي جمعها العلماء قبل ذلك. فشرح الإمام أبو سليمان الخطابي والذي توفي عام (٣٨٨هـ) صحيح البخاري في كتابه (أعلام الحديث). وشرح سنن أبي داود في كتابه (معالم السنن) ثم توالت الشروح لكتب السنة وكثرت، حتى صار لصحيح البخاري وحده عشرات الشروح. وامتدت العناية حتى عصرنا هذا، الذي ظهر فيه الاهتمام بتحقيق كتب السنّة، وإخراجها على أصحّ النسخ، وخدمة أحاديثها، وتقديم البحوث المتخصصة في مجالات الحديث، وظهرت فيه بعض الكتب الموسوعية ككتاب ((المسند المصنّف المعلل)) الذي قام عليه عدد من الباحثين تحت إشراف د. بشار عواد (وفقه الله) في واحد وأربعين مجدداً، ولا يعرف قدر هذا المُسنَد إلا المعتني بالسنّة وعلومها. (١) نزهة النظر، لابن حجر (٢٠). ٣٥ وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرحلة التي لو أردنا الوقوف عند معالمها لطالت، وهذا ما فعله جماعة من أهل العلم؛ الذين أرادوا الاستيعاب. ولكن المقصد في هذا الكتاب: الاختصار دون إخلال، حتى يعلم الناظر مدى العناية بهذه السنّة الشريفة على مرّ التاريخ دون انقطاع. ٣٦ الطريقة الثانية لبناء حجية السنة: عرض أدلة القرآن والسنة والإجماع على ذلك وبيان وجود دلالتها. إن إثبات حجية السنة لم يقم على برهان واحد ولا برهانين، وإنما على براهين كثيرة، نستطيع أن نُرجعها إلى أنواع، وهي: - إثبات حجيتها من القرآن الكريم. - إثبات حجيتها من السنة النبوية. (وسأبين الحكمة من ذكر الأدلة من السنة على حجیتھا) - إثبات حجيتها من عمل الصحابة - إثبات حجيتها من الإجماع وسأفصّل في كل نوع من هذه الأنواع : ٣٧ النوع الأول : إثبات حجيتها من القرآن الكريم. وهذا النوع من البرهان مهم جدًا؛ لأنّ أكثر الذين ينكرون السنة يدّعون أنهم يؤمنون بالقرآن، فإن أقمنا الدليل عليهم من القرآن انقطعت حجتهم. ودلالة القران على حجية السنّة من وجوه : الوجه الأول: الآيات القرآنية التي فيها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصیانه. ويظهر وجه الدلالة منها بالتأكيد على مقدّمتين ونتيجة. فالمُقدمة الأولى هي: أن الله أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة، لا على الذين كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم -فقط-، ولا على العربي دون الأعجمي، وإنما على الجميع، فما كان في القرآن من أمرٍ أو نهي أو تحذيرٍ عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم فنحن مخاطبون به، کما کان أصحاب النبي صلی الله عليه وسلم مخاطبین به، فنحن من أمة محمد، كما هم من أمة محمد، ونحن مأمورون باتباعه، كما هم مأمورون باتباعه، فلا خصوصية. المقدمة الثانية: أن الألفاظ الواردة في الآيات الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت مطلقة غير مقيدة، أعني ليست مقيدة بما بلغه الرسول من القرآن فقط. فإذا تأسّسَت هاتين المقدمتين، فالنتيجة هي: أن امتثالنا لهذه الآيات لا يتحقق إلا باتباع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه ((جماع العلم): ((فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزّ وجلّ في اتّباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحد قبلك أو أحد بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟))(١) فإن نازع منازع في ثبوت هذه الأحاديث عنه صلی الله عليه وسلم، فردُّنا عليه تقدم في مراحل العناية، وسيأتي في فصل إقامة البرهان على صحة علم الحديث ما هو أظهر دلالة من مراحل العناية -بإذن الله- (١) جماع العلم للشافعي (ص ٢١ - ٢٢). ٣٨ الوجه الثاني : النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [ النساء: ٥٩] . فقوله: ﴿فَإِ نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ﴾، يشمل كل شيء، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. المراد بالردّ إلى الله: الرد إلى كتابه -وهذا واضح لكل أحد-، وكذلك فإن الردّ إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته، وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم. قال ابن حزم رحمه الله تعالى: ((والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلَق، ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس))(١) وقال ابن القيم رحمه الله: (الناس أجمعوا أن الرد إلی الله سبحانه هو الرد إلی کتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته)).(٢) وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] فكل شيء يشجر بين المؤمنين -أي يتنازعون فيه؛ فإنهم مأمورون في هذه الآية بأن يتبعوا حكم الرسول في هذا التنازع. وقد نقل الثقات لنا أقضية الرسول وأحكامه في کثیر من قضايا النزاع؛ فهل حُكْم الرسول صلى الله عليه وسلم يبطل بموته؟ !. ونستفيد من هذه النصوص -أيضًا- أن السنة لا تقتصر على معاني الأدب والأخلاق والأذكار فقط، بل هي شاملة؛ لأنه إذا لم يكن فيهما فصل النزاع في كل ما نختصم فيه، لَمْ يأمرنا الله بالرد عند التنازع إليها وإلى القرآن !. الوجه الثالث: ما جاء في كتاب الله مِن أنّ للقرآن بيانًا، وهذا البيان هو السنّة. قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وحمل ذلك جماعة من العلماء على بيان السنّة للقرآن؛ فإن بيان الأمور المجملة في القرآن إنما عرفناه عن طريق السنة، كتفصيلات أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج. (١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١ / ٩٧). (٢) إعلام الموقعين، لابن القيم (٣٩/١). ٣٩ قال ابن حزم رحمه الله ((الوحي ينقسم من الله عزّ وجلّ إلی رسوله صلی الله علیه وسلم على قسمين: أحدهما وحيّ متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن، والثاني وحي مروي منقول ، غير مؤلف ولا معجز النظام ، ولا متلو لكنه مقروء؛ وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبيّن عن الله عز وجل مراده منّا. قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤])) انتهى. فالله سبحانه وتعالى ذكر الفرائض في كتابه، وأوقف صحة أداء هذه الفرائض على ما جاء في السنة. فلا يمكن أبدًا أن نقيم فرض الصلاة على الصورة التي تُقْبَل بها، إلا عن طريق أدائها على صفتها التي جاءت في السنة؛ إِذْ لم يُذكر في القرآن عددُ ركعاتها ولا أوقاتُها، وفي الزكاة لم يذكر النِّصاب، ولا قدر ما يخرج من المال. فهل نخرج كل المال! أم نصفه؟ أم عُشره؟، أم أقل من ذلك؟ ما المقدار الذي تبرأ به الذمّة؟ وما الجزء الذي إذا أخرجه المسلم لا يُعَدّ داخلاً في هذا الوعيد: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيِ ﴾ [التوبة: ٣٤]؟. فنقول: إن الله قد رضي للسنة من المنزلة أنْ جَعَل صحة الفرائض متوقفة على ما جاء في تفصيلها وبيانها. وبهذا نعرف أن من يدعي أنه قرآني ولا يأخذ بالسنّة فهو كاذب؛ لأن القرآن كله يدعو إلى اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. الوجه الرابع : أن الله سبحانه وتعالى امتنّ علينا بالسنة. وهذا الامتنان في أمر ديني؛ فهل یکون بعد ذلك ليس له قيمة وشأن؟ ويظهر ذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران : ١٦٤]. وقد ذكر جماعة من أهل العلم ؛أن المراد بالحكمة إذا جاءت بهذا السياق: السنة. ومن أشهر من قال ذلك الإمام الشافعي - رحمه الله -، ولم يقله عن رأيه فقط، وإنما قال: ((فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله))(١) ثم (١) الرسالة، للشافعي (٣٤). ٤٠