Indexed OCR Text

Pages 1-8

دفاع عن الحديث النبوي والسيرة
في
الرد على جهالات الدكتور البوطي في كتابه
(( فقه السيرة»
بقَلم
محمد ناصر الدين الألباني
منشورات
مؤسسة ومكتبة الخافقين
محمد مفيد الخيمي
دمشق - هاتف : ١١٥٣٧٦ ص.ب ٥٢٧٩

مِ اللَّهِ الرَّحْمِنِ الرَّحِيمْ
كلمة بين يدي الرسالة
الحمد الله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على ..
نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ، فبين يديك أيها القارئ الكريم بحوث علمية حديثية، في نقد
كتاب (( فقه السيرة)) للدكتور محمد سعيد البوطي الأستاذ في كلية الشريعة في
جامعة دمشق ، كان وضعه لطلاب السنة الثانية في الكلية ، وكنت نشرت هذا
النقد في مجلة التمدن الاسلامي الغراء بحوثاً متتابعة ، وجوت منها أن يجد الطلاب
وغيرهم فيها ((نموذجاً صالحاً للنقد العلمي النزيه . القائم على البحث والالتزام
القواعد العلمية الصحيحة، عسى أن يزيدهم ذلك عناية بدراسة الحديث الشريف
دراسة عملية ، وبذلك يجيون ما كاد يندرس من هذا العلم العظيم ، بسبب اقتصار
المدرسين والأسائذة على تدريسه دراسة نظرية محمضة ، وإصدارهم على أساسها
تأليفاتهم التي يؤلفونها لطلابهم أو لغيرهم ، غير مراعين فيها أبط تلك القواعد
العلمية ، من اختيار النصوص الصحيحة ، والأحاديث الثابتة ، من المصادر الموثوقة
والمراجع المعتمدة، مع العزو اليها، وتخريجها تخريجاً علمياً دقيقاً، فترى أحدهم -
وهو أستاذهذه المادة: الحديث - يورد حديثاً نبوياً، أو خبراً متعلقاً بديرته عليه
الصلاة والسلام أو أخلاقه؛ يقول في تخريجه: (( رواه أبو داود )) أو ( رواه ابن
هشام في ( السيرة ) !! وهو يظن أنه بذلك قد أدى الأمانة العلمية المطوقة في
عنقه ، وأنه نصح لطلابه ! هيهات هيهات! فإن التزام المنهج العلمي المشار اليه
في الدراسة الحديثية يوجب عليه قبل هذا التخريج المقتضب أن يدرس إسناد ذلك
الحديث أو الخبر، وبتتبع رجاله، ويتعرف عليه ، وأقوال أهل الاختصاص
- أ -

خيه ثم يحكم عليه بما تقتضيه هذه الدراسة من صحة أو ضعف ، ثم يقدم خلاصتها
إلى طلابه مع التخريج المذكور ، وإلا فمثل هذا التخريج المبتور الذي جرى
عليه الأستاذ المشار اليه ؛ ما لا يعجز عنه أحد من الطلاب أنفسهم إن شاء
الله تعالى )).
ذلك ما كنت كتبته في مقدمة رسالتي ((نقد نصوص حديثية في الثقافة
العامة (١) للشيخ محمد المنتصر الكتاني، وهو ينطبق على الدكتور البوطي تمام الانطباق
بل إن هذا زاد على الشيخ فادعى لكتابه ((فقه السيرة)) من الصحة ما ليس له
كما كنت أشرت إلى ذلك في التعليق على المقدمة المذكورة فقلت مانصه :
(ثم وقفت على كتاب ((فقه السيرة)) للاستاذ الفاضل الدكتور محمد سعيد
رمضان البوطي، فرأبته نحا فيه نحو الأستاذ الكتاني ، فأورد فيه كثيراً من
الأحاديث الضعيفة والمنكرة ، بل ومالا أصل له ألبتة ، ولكنه زاد عليه فنص
في المقدمة أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار ! ولكن دراستي
الكتاب بينت أنها دعوى مجودة، وأن جل اعتماده كان على كتاب فضيلة الشيخ محمد
الغزالي: ((فقه السيرة)) الذي لم يقتصر الدكتور على أن يأخذ اسمه فقط ، بل زاد
علية فاستفاد منه كثيراً من بحوثه ونصوصه ، بل وعناوينه ! كما استفاد من
تخريجي إياه المطبوع معه، مع اختصار له مخل ، ليستر بذلك ما قد فعل ، وقد
انتقدني في ثلاث مواطن منه تمنيت - يشهد الله - أن يكون مصيباً ولو في واحد
منها، ولكنه على العكس من ذلك ، فقد كشف بذلك كله أن هذه الشهادات
العالية، وما يسمونه بـ (الدكتوراه ) لا تعطي لصاحبها علماً وتحقيقاً وأدباً،
وإني لأرجو أن تتاح لي الفرصة،لأتمكن من بيان هذا الاجمال والله المستعان)).
(١) نشرت أولاً في مجلة النمدن الاسلامي الغراء (مجلد ٣٣ و٣٤) ثم
أفردت في رسالة ، وذلك قبل عشر سنين .
- ب -

٢
ثم أتيحت لي الفرصة، فبينت الإجمال المشار إليه في هذه الرسالة ، التي يعود
الفضل الأول في نشرها للسادة القائمين على مجلة التمدن الاسلامي الغراء . وبخاصة
منهم الأستاذ أحمد مظهر العظمة شفاء الله وقواه ، فقد نشرت فيها تباعاً في مقالات
متسلسلة من العدد ( ٧ - مجلد ٤٢ - ٢ - مجلد ٤٤)، ثم أفردتها في هذه الرسالة
ليعم النفع بها ، ويطلع عليها من لم يتمكن من متابعتها في المجلة الغراء.
هذا ، وقد نفي إلي أن بعض الأساتذة رأى في ردي هذا على الدكتور شيئاً
من الشدة والقسوة في بعض الأحيان ، مما لا يعهدون مثله في سائر كتاباتي
وردودي العلمية ، وتمنوا أنه لو كان رداً علمياً محضاً .
فأقول : إنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنني لم أفعل إلا ما يجوز لي شرعاً، وأنه
لاسبيل لمنصف إلى انتقادنا، كيف والله عز وجل يقول في كتابه الكريم في
- وصف عباده المؤمنين: ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة
سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ، ولمن انتصر بعد
ظلمه وأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في
الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم . ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم
الأمور). فان كل من يتقبع ما يكتبه الدكتور البوطي في كتبه ورسائله ويتحدث
به فى خطبه ومجالسه يجده لا يفتأ يتهجم فيها على السلفيين عامة ، وعلي من دونهم
خاصة، ويشهر بهم بين العامة والغوغاء، ويرميهم بالجهل والضلال ، وبالتبله
والجنون، ويلقبهم بـ ( السفليين) و (السخفيين ) !! وليس هذا فقط ، بل هو
يحاول أن يغير الحكام ضدهم برميه إياهم بأنهم عملاء للاستعمار: إلى غير ذلك من
الأ كاذيب والترهات التي سجلها عليه الأستاذ محمد عيد عباسي في كتابه القيم
((بدعة التعصب المذهبي)) (ص ٢٧٤ - ٣٠٠) وغيرها، داعماً ذلك بذكر
الكتاب والصفحة التي جاءت فيها هذه الأكاذيب .
ومن طاماته وافتراءاته قوله في (فقه السيرة)) (ص ٣٥٤ - الطبعة الثالثة)
بعد أن نبزهم بلقب الوهابية: ((ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله
:

صَ لِّ وراحوا يستنكرون التوصل بذاته مِنَّ له بعد وفاته)). وهذا كأنه.
اجترار من الدكتور لفرية ذلك المتعصب الجائر: ((إن هؤلاء الوهابيين تتقزز
نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر إسم محمد عبد ال)).(١)
والدكتور حين يلفظ هذه الفرية يتذكر أن الواقع الذي هو على علم به -
يكذبها فإن السلفيين وأمثالهم بفضل الله تعالى - من بين المسلمين جميعاً - شعارهم.
اتباعهم النبي صَّ له وحده دون سواه؛ وهو الدليل القاطع على حبهم الخالص له
الذي لازمه حبهم الله عز وجل ، كما قال: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحييكم الله). ولعلم الدكتور بهذا الفضل الإلهي على السلفيين حمله حقده عليهم على
أن يحاول إبطال دلالة الآية المذكورة على ١٠سلف، بل وعلى تضليل السلفيين
مجدداً لفهمهم إياها هذا الفهم الواضح وأنها تعني ان الاتباع دليل المحبة وأنها
لا تنفك عنه فقال (ص ١٩٥ - الطبعة الثالثة): ((ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة
رسول الله صَ لّه ليس لها من معنى إلا الاتباع والاقتداء، وفاتهم أن الاقتداء
لا يأتي إلا بوازع وذافع، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة
٠
القلبية .
وأقول: إن الذي (ضل ) إنما هر الذي يناقض نفسه بنفسه من جهة، فأول
كلامه ينقض آخره لأنه إذا كان لا يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية، وهو كذلك
وهو الذي نعتقده ونعمل به فكيف يتفق هذا مع أول كلامه الصريح في أن
المحبة لها معنى غير الاقباع ! !ولو كان الأمر كذلك وثبت الدكتور عليه لأبطل
دلالة الآية والعياذ بالله تعالى.
ومن جهة أخرى فقد افترى علينا بقوله: ((وفاتهم أن الاقتداء .... )) الخ .
فلم يفتنا ذلك مطلقاً بحمد الله بل نعلم علم اليقين أنه كلما ازداد المسلم اتباعاً للنبي
صَ لّ ازداد حباً له، وأنه كلما ازداد حباً له ازداد اتباعاً له مؤلف، فهما أمران
أنظر مقدمتي لشرح العقيدة الطحارية ( ص ٤٤ - الطبعة الرابعة )
- ٥ -

متلازمان كالايمان والعمل الصالح تماماً.
فهذا الحب الصادق المقرون بالاتباع الخالص للنبي صدور اله ، هو الذي أراد
الدكتور أن ينفيه عن السلفيين بقريته السابقة، فاله تعالى حسيبه، ( وكفى
بالله حسيبا ).
ذلك قليل من كثير من افتراءات الدكتور البوطي وترهاته ، الذي أشفق
عليه ذلك البعض ، أن قسونا عليه أحياناً في الرد ، ولعله قد تبين لهم أننا كنا
معذورين في ذلك، واننا لم نستوف حقنا منه بعد ، ( وجزاء سيئة سيئة مثلها)
ولكن ن نستطيع الاستيفاء، لأن الافتراء لا يجوز مقابلته بمثله ؛ وكل الذي
صنعته أنني بينت جهله في هذا العلم وتطفله عليه ومخالفته العلماء، وافتراءه عليهم
وعلى الأبرياء ، بصورة رهيبة لاتكاد تصدق ، فمن شاء أن يأخذ فكرة سريعة عن
ذلك ، فليرجع إلى فهرس الرسالة هذه ير العجب العجاب .
هذا، وهناك سبب أقوى استوجب القسوة المذكورة في الرد ينبغي على ذلك
البعض المشفق على الدكتور أن يدركه ، ألا وهو جلالة الموضوع وخطورته الذي
خاض فيه الدكتور بغير علم، مع التبجح والادعاء الفارغ الذي لم يسبق اليه ،
فصحح أحاديث وأخباراً كثيرة لم يقل بصحتها أحد، وضعف أحاديث أخرى
تعصباً للمذهب ، وهي ثابتة عند أهل العلم بهذا الفن والمشرب ، مع جهله التام
بمصطلح الحديث وتراجم رواته ، وإعراضهعن الاستفادة من أهل العلم العارفين
به ، ففتح بذلك بابا خطيراً أمام الجهال وأهل الأهواء أن يصححوا من الاحاديث
ماشاؤا، ويضعفوا ما أرادوا، ((ومن من في الاسلام سنة سيئة فعليه وزرهاووزر
من عمل بها إلى يوم القيامة».
وسبحان الله العظيم ، إن الدكتور مايفتأ يتهم السلفيين في جملة ما يتهمهم به
بأنهم يجتهدون في الفقه وإن لم يكونوا أهلا لذلك، فإذا به يقع فيما هو شر ما
اتهمهم به تحقيقاً منه للأثر السائر: ((من حفر بثراً لأخيه وقع فيه)) ! أم أن
- ٨ -
۔
١

الدكتور يرى أن الاجتهاد في علم الحديث من غير المجتهد بل من جاهل يجوز ،
وإن كان هذا العلم يقوم عليه الفقه كله أو جله !!
من أجل ذلك فإني أرى من الواجب على أولئك المشفقين على الدكتور أن
ينصحوه ( والدين النصيحة ) بأن يتراجع عن كل جهالاته وافتراءاته ، وان
يمسك قلمه ولسانه عن الخوض في مثلها مرة أخرى، عملا بقول نبينا محمد مفيدة :
«انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم
فإن ذلك نصره )). أخرجه البخاري من حديث أنس ، ومسلم من حديث
جابر، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٥١٥).
فان استجاب الدكتور فذلك مانرجو ، و (عفا الله عما سلف)، وإن كانت
الأخرى فلا يلومن الانفه، والعاقبة للمتقين ، وصدق الله العظيم إذ يقول :
( إنا لننصر رسلنا والذين آمنو في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع
الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) .
وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
دمشق في ٢٧ جمادى الآخرة سنة ١٣٩٧ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
- و -