Indexed OCR Text

Pages 821-840

مواعظ
٨٢١
لحلية الأولياء
الناس، إنما أنتم أغراض تنتضل فيها وإن كنا مكذبين بهذا: إنا لهلكى. ثم
نزل. [٢٦٦/٥]
المنايا، إنكم لا تؤتون نعمة: إلا بفراق
أخرى، وأية أكلة: ليست معها غصة؟
وأية جرعة: ليس معها شرقة؟ وإن أمس:
شاهد مقبول، قد فجعكم بنفسه، وخلف
في أیدیکم حكمته؛ وإن اليوم: حبيب
مودع، وهو وشيك الظعن؛ وإن غدًا: آت
أضعف من مطلوب؛ إنما أنتم سفر:
تحلّون عقد رحالكم في غیر هذه الدار،
فرع بعد ذهاب أصله؟ [٢٦٥/٥]
* عن عبد الله بن المفضل التميمي
قال: آخر خطبة خطبها عمر بن
عبد العزيز: أن صعد المنبر، فحمد الله،
وأثنى عليه؛ ثم قال: أما بعد: فإن ما في
أيديكم: أسلاب الهالكين، وسيتركها
بما فيه؛ وأين يهرب من يتقلب في يدي الباقون: كما تركها الماضون؛ ألا ترون
طالبه؟ إنه: لا أقوى من طالب، ولا أنكم في كل يوم وليلة: تشيّعون غاديًا أو
رائحًا إلى الله تعالى؟ وتضعونه في صدع
من الأرض، ثم في بطن الصدع، غير
إنما أنتم فروع أصول قد مضت، فما بقاء ممهد ولا موسد؛ قد خلع الأسلاب،
وفارق الأحباب، وأُسكن التراب، وواجه
الحساب؛ فقير إلى ما قدم أمامه، غني
عما ترك بعده.
* عن عبيد الله بن العيزار قال: خطبنا
عمر بن عبد العزيز بالشام - على منبر من
طين -، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم تكلم
بثلاث كلمات، فقال: أيها الناس،
أصلحوا سرائركم: تصلح علانیتکم،
واعملوا لآخرتكم: تكفوا دنياكم.
واعلموا: أن رجلًا ليس بينه وبين آدم
أب حي لمغرق له في الموت. والسلام
علیکم. [٢٦٥/٥]
* عن محمد الكوفي قال: شهدت
عمر بن عبد العزيز يخطب، فحمد الله
وأثنى عليه؛ ثم قال: أيها الناس، إن الله
تعالی خلق خلقه، ثم أرقدهم، ثم يبعثهم
من رقدتهم؛ فإما إلى جنة، وإما إلى نار؛
والله، إن کنا مصدقین بهذا؛ إنا لحمقى،
أما والله، إني لأقول لكم هذا، وما
أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف
من نفسي؛ قال: ثم قال بطرف ثوبه على
عينه، فبكى، ثم نزل؛ فما خرج حتى
أخرج إلى حفرته. [٢٦٦/٥]
* قال: حج سليمان بن عبد الملك
ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرف
على عقبة عسفان: نظر سليمان إلى
عسكره، فأعجبه ما رأى من حجره،
وأبنيته؛ فقال: كيف ترى ما هاهنا يا
عمر؟
قال: أرى يا أمير المؤمنين دنيا يأكل
بعضها بعضًا، أنت المسؤول عنها

مواعظ
٨٢٢
التهذيب الموضوعي
والمأخوذ بما فيها؛ فطار غراب من حجرة جارية بطبق عليه تمر صبحاني - وكان
سليمان ينعب، في منقاره كسرة.
فقال سليمان: ما ترى هذا الغراب
يقول؟
قال: أظنه يقول: من أين دخلت هذه
الكسرة، وکیف خرجت؟
قال: إنك لتجيء بالعجب يا عمر.
قال: إن شئت أخبرك بأعجب من هذا،
أخبرتك؟
قال: فأخبرني.
قال: من عرف الله فعصاه، ومن عرف
الشيطان فأطاعه، ومن رأى الدنيا وتقلّبها
بأهلها ثم اطمأن إليها .
قال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه
یا عمر، وضرب دابته وسار.
فأقبل عمر، حتى نزل عن دابته،
فأمسك برأسها، وذلك أنه سبق ثقله؛
فرأى الناس كل من قدّم شيئًا: قدِم عليه؛
فبكى عمر.
فقال سليمان: ما يبكيك؟
قال: هکذا يوم القيامة: من قدم شيئًا:
غير شيء. [٢٧٢/٥]
* عن مولى لمسلمة بن عبد الملك
قال: حدثني مسلمة، قال: دخلت على
عمر بعد الفجر، في بيت كان يخلو فيه
یعجبه التمر -؛ فرفع بکفه منه، فقال: يا
مسلمة، أترى: لو أن رجلًا أكل هذا، ثم
شرب عليه الماء، فإن الماء على التمر
طیب؛ أکان یجزیه إلى الليل؟
قلت: لا أدري؛ فرفع أكثر منه.
قال: فهذا؟
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان كافيه
دون هذا، حتى ما يبالي أن لا يذوق
طعامًا غيره.
قال: فعلام ندخل النار.
قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة، ما
وقعت هذه. [٢٧٧/٥]
* عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن
عمر بن عبد العزيز كتب إليه: من عبد الله
عمر، أمير المؤمنين، إلى سالم بن
عبد الله: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله
الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد:
فإن الله ابتلاني بما ابتلاني به من أمر
هذه الأمة، عن غير مشاورة مني فيها،
ولا طلبة مني لها، إلا قضاء الرحمن
وقدره؛ فأسأل الذي ابتلاني من أمر هذه
ولاني؛ وأن يرزقني منهم: السمع
والطاعة، وحسن مؤازرة؛ وأن يرزقهم
مني: الرأفة والمعدلة.
قدم عليه، ومن لم يقدم شيئًا: قدم على الأمة بما ابتلاني: أن يعينني على ما
فإذا أتاك كتابي هذا، فابعث إلي بكتب
بعد الفجر، فلا يدخل عليه أحد؛ فجاءت عمر بن الخطاب وسيرته، وقضاياه في

مواعظ
٨٢٣
لحلية الأولياء
أهل القبلة وأهل العهد، فإني متبع أثر فاجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب
عمر وسيرته إن أعانني الله على ذلك؛ الذي توجه إليه شكر النعم؛ فإنك قد
والسلام.
فكتب إليه سالم بن عبد الله: بسم الله
الرحمن الرحيم؛ من سالم بن عبد الله بن
عمر، إلى عبد الله عمر، أمير المؤمنين،
سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي
لا إله إلا هو؛ أما بعد:
مدة قصيرة، كأن بين أولها وآخرها: ساعة
من نهار؛ ثم قضى عليها وعلى أهلها
الفناء، فقال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَلُ
لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. لا
يقدر منها أهلها على شيء: حتى تفارقهم
ويفارقونها .
أنزل بذلك کتابه، وأنزل بذلك رسله،
وقدم فيه بالوعيد، وضرب فيه الأمثال،
ووصل به القول، وشرع فيه دينه، وأحل
الحلال وحرم الحرام.
وقصّ فأحسن القصص، وجعل دينه في
الأولين والآخرين، فجعله دينًا واحدًا:
فلم یفرق بین کتبه، ولم تختلف رسله،
ولم يشقَ أحد بشيء من أمره سعد به
أحد، ولم يسعد أحد من أمره بشيء شقي
به أحد.
وإنك اليوم يا عمر: لم تعدُ أن تكون
إنسانًا من بني آدم، يكفيك من الطعام
والشراب والكسوة ما يكفي رجلًا منهم؛
وليت أمرًا عظيمًا ليس يليه عليك أحد
دون الله، قد أفضى فيما بينك وبين
الخلائق؛ فإن استطعت أن تغنم نفسك
وأهلك، وأن لا تخسر نفسك وأهلك:
فافعل؛ ولا قوة إلا بالله.
فإنه قد كان قبلك رجال: عملوا بما
فإن الله خلق الدنيا لما أراد، وجعل لها علموا، وأماتوا ما أماتوا من الحق،
وأحيوا ما أحيوا من الباطل؛ حتى ولد فيه
رجال، ونشؤوا فيه، وظنوا أنها السنة،
ولم يسدّوا على العباد باب رخاء إلا فتح
عليهم باب بلاء؛ فإن استطعت أن تفتح
عليهم أبواب الرخاء، فإنك لا تفتح عليهم
منها بابًا: إلا سدّ به عنك باب بلاء.
ولا يمنعك من نزع عامل، أن تقول:
لا أجد من يكفيني عمله، فإنك إذا كنت
تنزع الله، وتعمل لله: أتاح الله لك رجالًا
وكَالًا بأعوان الله؛ وإنما العون من الله
على قدر النية، فإذا تمت نية العبد: تم
عون الله له، ومن قصرت نيته: قصر
من الله العون له بقدر ذلك؛ فإن
استطعت: أن تأتي الله يوم القيامة، ولا
يتبعك أحد بظلم؛ ويجيء من كان قبلك:
وهم غابطون لك بقلة أتباعك، وأنت غير
غابط لهم بكثرة أتباعهم، فافعل؛ ولا قوة
إلا بالله .
فإنهم قد عاينوا وعالجوا نزع الموت:

٨٢٤
التهذيب الموضوعي
الذي كانوا منه يفرون، وانشقت بطونهم: في غير زمانك، وإني أرجو، إن عملت
بمثل ما عمل عمر: أن تكون عند الله أفضل
منزلة من عمر؛ وقل كما قال العبد
الصالِح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَنكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ
وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:
٨٨]. والسلام عليك. [٢٨٤/٥ - ٢٨٦]
* عن عبد الله بن شوذب قال: حج
سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز، فخرج
سليمان إلى الطائف، فأصابه رعد وبرق؛
ففزع سليمان، فقال لعمر: ألا ترى ما هذا
یا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته،
فكيف لو كان عند نزول نقمته؟. [٢٨٨/٥]
* عن عمر بن عبد العزيز، قال في
بعض خطبه: إن لكل سفر زادًا لا محالة،
فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة:
التقوى وكونوا كمن عاين ما أعد الله من
ثوابه، وعقابه: ترغبوا، وترهبوا؛ ولا
يطولنّ عليكم الأمد: فتقسى قلوبكم،
وتنقادوا لعدوكم؛ فإنه والله، ما بسط أمل
الله الله يا عمر في ذلك، فإنك: توشك من لا يدري: لعله لا يصبح بعد مسائه،
إن اجترأت على ذلك: أن يؤتى بك ولا يمسي بعد صباحه؛ ولربما كانت بين
ذلك خطفات المنايا، فكم رأيت ورأيتم
به: وجدت راحته على ظهرك، وسمعك، من كان بالدنيا مغترًا.
صغيرًا ذليلًا، وإن أنت اتقيت ما أمرتك
وبصرك.
وإنما تقر عين: من وثق بالنجاة من
ثم إنك كتبت إلي: تسأل أن أبعث إليك عذاب الله، وإنما يفرح: من أمن من
بكتب عمر بن الخطاب، وسيرته، وقضائه أهوال يوم القيامة؛ فأما من لا يداوي
في المسلمين وأهل العهد؛ وإن عمر عمل كلمًا: إلا أصابه جرح في ناحية أخرى.
مواعظ
التي كانوا فيها لا يشبعون، وانفقأت
أعينهم: التي كانت لا تنقضي لذاتها،
واندقت رقابهم في التراب: غير موسدين
بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق؛
فصاروا جيفًا تحت بطون الأرض، تحت
آكامها؛ لو كانوا إلى جنب مسكين: تأذى
بريحهم بعد إنفاق ما لا يحصى عليهم من
الطيب، كان إسرافًا وبدارًا عن الحق؛
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أعظم يا عمر وأفظع: الذي سيق
إليك من أمر هذه الأمة، فأهل العراق:
فليكونوا من صدرك بمنزلة: من لا فقر بك
إليه، ولا غنى بك عنه؛ فإنهم قد وليتهم
عمال ظلمة: قسموا المال، وسفكوا
الدماء؛ فإنه من تبعث من عمالك كلهم:
أن يأخذوا بجبية، وأن يعملوا بعصبية،
وأن يتجبروا في عملهم، وأن يحتكروا
على المسلمين بيعًا، وأن يسفكوا دمًا
حرامًا .

مواعظ
٨٢٥
لحلية الأولياء
أعوذ بالله، أن آمركم بما أنهى عنه فارق الأحباب، وباشر التراب، ووجه
نفسي: فتخسر صفقتي، وتظهر غيلتي، للحساب؛ مرتهن بما عمل، غني عما
وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى ترك، فقير إلى ما قدم.
والفقر، والموازين منصوبة.
فاتقوا الله، وموافاته، وحلول الموت
ولقد عنيتم بأمر: لو عنيت به بكم؛ أما والله، إني لأقول هذا، وما
النجوم: لانكدرت، ولو عنيت به أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما
عندي، وأستغفر الله.
وما منكم من أحد يبلغنا حاجته، لا
يسع له ما عندنا: إلا تمنيت أن يبدأ بي
وبخاصتي، حتى يكون عيشنا وعيشه
واحدًا .
أما والله، لو أردت غير هذا من غضارة
العيش: لكان اللسان به ذلولًا، وكنت
بأسبابه عالمًا؛ ولكن، سبق من الله كتاب
ناطق، وسنة عادلة: دل فيها على طاعته،
ثم رفع طرف ردائه، فبكى، وأبكى من
حوله. [٢٩٥/٥]
ألم تعلموا، أنه لا يأمن غدًا: إلا من * عن عثمان بن عبد الحميد قال:
دخل سابق البربري على عمر بن
حذر الله الیوم، وخافه، وباع نافدًا بباق،
وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان؛ ألا ترون
عبد العزيز؛ فقال له: عظني يا سابق
أنكم في أسلاب الهالكين، وستصير من وأوجز؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين،
بعدكم للباقين؟ وكذلك، حتى تردوا إلى وأبلغ إن شاء الله؛ قال: هات؛
فأنشده :
خير الوارثين.
ثم إنکم تشیعون کل یوم غادیًا ورائحًا،
قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى
تغيبوه في صدع من الأرض، في شق
صدع، ثم تترکوه غیر ممهد ولا موسد؛
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
ووافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شركته
وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا
الجبال: لذابت، ولو عنيت به الأرض:
لتشققت؛ أما تعلمون: أنه ليس بين
الجنة والنار منزلة، وإنكم صائرون إلى
إحداهما. [٢٩١/٥ - ٢٩٢]
* خطب عمر بن عبد العزيز هذه
الخطبة، وكان آخر خطبة خطبها : حمد الله
وأثنى عليه؛ ثم قال: إنكم لم تخلقوا
عبئًا، ولم تتركوا سدی؛ وإن لكم معادًا
ينزل الله فیه: لیحکم بینکم، ويفصل
بينكم؛ وخاب وخسر: من خرج من ونهى فيها عن معصيته.
رحمة الله، وحرم جنة عرضها السماوات
والأرض.

مواعظ
٨٢٦
التهذيب الموضوعي
فبكى عمر، حتى سقط مغشيًا عقوبته؛ وإذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل:
مرحبًا بشعار الصالحين.
عليه. [٣١٨/٥]
* عن كعب الأحبار أنه قال في
القرآن: فيما أنزل على محمد وَال# آيتان
أحصتا ما في التوراة والإنجيل؛ ألا
يا موسى، إنك لن تتقرب إلي بعمل من
أعمال البر، خير لك من: الرضا
بقضائي، ولن تأتي بعمل أحبط لحسناتك
تجدون: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا من: البطر؛ إياك والتضرع لأبناء الدنيا إذا
يَرَهُ جَ
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
[الزلزلة: ٧ _ ٨]؟
يَرَهُ (ذَا﴾
قال جلساؤه: نعم.
قال: فإنهما أحصتا ما في التوراة
والإنجيل.
وقال كعب: لا يضركم أن تسألوا عن
العبد ما له عند الله بعد وفاته، إلا أن
تنظروا ما یورث: فإن ورث لسان صدق:
فالذي له عند ربه خير مما يورث، وإن
ورث لسان سوء: فالذي له عند ربه شر
مما يورث؛ والإنسان: تابعه خير وشر،
والمرء: حیث وضع نفسه ومع قرينه: إن
أحب الصالحين: جعله الله معهم، وإن
شهداء الله على سائر الأمم، وجعل
نبيكم 18 شاهدًا عليكم؛ ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣]. [٣/٦]
* عن كعب الأحبار قال: إن الرب
تعالى قال لموسى ظلَّلها: يا موسى، إذا
رأيت الغنى مقبلًا، فقل: ذنب عجلت
أعرض عنك، وإياك أن تجود بدينك
لدنياهم: إذًا، آمر أبواب رحمتي أن تغلق
دونك.
أدن الفقراء، وقرّب مجالستهم منك؛
ولا تركنن إلى حب الدنيا: فإنك لن
تلقاني بكبيرة من الكبائر أضر عليك: من
الركون إلى الدنيا .
يا موسى بن عمران، قل للمذنبين
النادمين: أبشروا، وقل للغافلين
المعجبين: اخسئوا. [٥/٦]
* عن كعب الأحبار، أنه كان يقول:
اعمل عمل العبد: الذي لا يرى أنه يموت
إلا هرمًا، واحذر حذر المرء: الذي يرى
أحب الأشرار: جعله الله معهم؛ أنتم أنه يموت غدًا. [٣١/٢]
* عن عمرو بن قيس قال: ما كدت أن
أعمر نفسي: حتى أبلى جسمي، وما من
عبد أنزل الدنيا حق منزلتها : حتى يرضى
أن يوطأ فيها بالأقدام، ومن الذلة ومن
أهان نفسه في الله دمك: أعزه الله يوم
القيامة؛ وإن أبغض الأجساد إلى الله:
الجسد الناعم. [١١١/٦]
* عن صالح المري قال: يا عجبًا

لحلية الأولياء
٨٢٧
مواعظ
لقوم: أمروا بالزاد، وأذنوا بالرحيل، سوء منقلباه، وبكى، وبكى الناس.
وحبس أولهم على آخرهم، وهم
يلعبون. [١٦٥/٦]
* عن الحسن بن حسان قال: كنا يومًا
عند صالح المري، وهو يتكلم ويعظ؛
فقال لرجل حدث بين يديه: اقرأ يا بني،
فقرأ الرجل: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ
لَدَى الْخَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَيْءٍ
﴾ [غافر: ١٨]. فقطع
وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ
عليه صالح القراءة؛ فقال: وكيف يكون
للظالمين حميم أو شفيع، والطالب له رب
العالمين؟ إنك والله، لو رأيت الظالمين
وأهل المعاصي، يساقون في السلاسل
والأغلال إلى الجحيم، حفاة، عراة،
مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة
أجسامهم، ينادون: يا ويلاه، يا ثبوراه،
ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب
بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم
بمقامع النيران: فمرة يُجرّون على
وجوههم، ويسحبون عليها متكئين؛ ومرة
يقادون إليها عنتًا مقرنين، من بين باك دمًا
بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ،
طائر القلب مبهوت.
إنك والله، لو رأيتهم على ذلك: لرأيت
منظرًا لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له
قلبك، ولا يستقر لفظاعة هوله على قرار
قدمك .
ثم نحب، وصاح: یا سوء منظراه، ویا
فقام شاب به تأنيث، فقال: أكلّ هذا
في القيامة يا أبا البشر؟
قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو
أكبر من ذلك؛ لقد بلغني: أنهم يصرخون
في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى
منها : إلا كهيئة الأنين من المدنف.
فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن
نفسي أيام الحياة، ويا أسفي على تفريطي
في طاعتك يا سيداه، واأسفاه على تضييع
عمري في دار الدنيا؛ ثم بكى، واستقبل
القبلة؛ ثم قال: اللهم، إني أستقبلك في
يومي هذا بتوبة لك، لا يخالطها رياء
لغيرك؛ اللهم، فاقبلني على ما كان مني،
واعف عما تقدم من عملي، وأقلني
عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل
علينا بجودك أجمعين، يا أرحم
الراحمين؛ لك ألقيت معاقد الآثام من
عنقي، وإليك أنبت جميع جوارحي،
صادقًا بذلك قلبي؛ فالويل لي إن أنت لم
تقبلني.
ثم غلب، فسقط مغشيًا عليه، فحمل
من بين القوم صريعًا، يبكون عليه،
ويدعون له؛ وكان صالح كثيرًا ما يذكره
في مجلسه، يدعو الله له، ويقول: بأبي
قتيل القرآن، بأبي قتيل المواعظ
والأحزان.
فرآه رجل في منامه، فقال: ما صنعت؟

مواعظ
٨٢٨
التهذيب الموضوعي
قال: عمّتني بركة مجلس صالح، قلوبهم، لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش
فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت أبدًا، حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك.
كل شيء.
أكياس مجتهدون، قد تعجلوا إلى
مليكهم، بالاشتياق إليه بما يرضيه عنهم
قال: وكنا في مجلس صالح المري؛
فأخذ في الدعاء، فمر رجل مخنث،
فوقف يسمع الدعاء، ووافق صالحًا يقول:
اللهم، اغفر لأقسانا قلبًا، وأجمدنا عينًا،
وأحدثنا بالذنوب عهدًا .
قبل قدومهم عليه؛ فكأني والله أنظر إلى
القوم، قد قدموا على ما قدموا: من القربة
إلى الله تعالى مسرورين، والملائكة من
حولهم، يقدمونهم على الله مستبشرین،
فسمع المخنث، فمات؛ فرؤي في يقولون: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا
المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟
قال: غفر الله لي.
في القوم أحد أحدث عهدًا بالمعصية
مني، فوافقت دعوته الإجابة، فغفر
لي. [٦ / ١٦٥ - ١٦٧]
* عن صالح المري قال: دُفعت إلي
صحيفة في المنام، فيها : ما تخوّفت عواقبه:
فوطّن نفسك على أن تجتنبه. [١٦٨/٦]
* قال الربيع بن برة: عجبت للخلائق،
كيف ذهلوا عن أمر حق تراه عيونهم؟
وشهد عليه معاقد قلوبهم، إيمانًا وتصديقًا
بما جاء به المرسلون؟ ثم ها هم في غفلة
عنه، سكارى يلعبون.
* عن الربيع بن عبد الرحمن قال في
كلامه: قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة
ثم يقول: وأيم الله، ما تلك الغفلة:
إلا رحمة من الله لهم، ونعمة من الله
عليهم؛ ولولا ذلك: لألفي المؤمنون،
الآجال، فنحن فى الدنيا حيارى، لا ننتبه
من رقدة: إلا أعقبتنا في أثرها غفلة؛ فيا
طائشة عقولهم، طائرة أفئدتهم، محلقة إخوتاه: نشدتكم بالله، هل تعلمون مؤمنًا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. [٢٩٧/٦]
* كان الربيع بن برة يقول: نصب
المتقون الوعيد من الله أمامهم، فنظرت إليه
قيل: بماذا؟
قال: بدعاء صالح المري؛ لم يكن قلوبهم بتصديق وتحقيق؛ فهم والله في
الدنيا منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال
الصالحة خلف ذلك؛ فمتى سمت أبصار
القلوب إلى ثواب الأعمال: تشوقت
القلوب، وارتاحت إلى حلول ذلك؛ فهم
والله إلى الآخرة متطلعون: بين وعيد
هائل، ووعد حق صادق؛ فلا ينفكون من
خوف وعید: إلا رجعوا إلى تشوق موعود؛
فهم كذلك، وعلى ذلك: حتى يأتي
أمر الله؛ وهم أيضًا: مذابيل في الموت،
جعلت لهم الراحة؛ ثم يبكي. [٢٩٨/٦]

مواعظ
٨٢٩
لحلية الأولياء
بالله أغر، ولنِقَمِه أقل حذرًا من قوم وتسمع فلا تعقل؛ قد خربت الديار،
وعطلت العشار، وأيتمت الأولاد؛ قد
شخص بصرك، وعلا نفسك، واصطكت
أسنانك، وضعفت ركبتاك؛ وصار أولادك
غرباء عند غيرك. [٢ /٣٠٤ _ ٣٠٥]
هجمت بهم الغير على مصارع النادمين،
فطاشت عقولهم، وضلت حلومهم عندما
رأوا من العبر والأمثال؛ ثم رجعوا من
ذلك إلى غير عقله ولا نقله؟
فبالله يا إخوتاه: هل رأيتم عاقلًا رضي
من حاله لنفسه بمثل هذه حالًا؟ والله
عباد الله، لتبلغن من طاعة الله تعالى
رضاه، أو لتنكرن ما تعرفون من حسن
بلائه، وتواتر نعمائه.
إن تحسن أيها المرء يحسن إليك، وإن
تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع؛ فقد
بيّن، وحذر، وأنذر؛ فما للناس على الله
حجة بعد الرسل، وكان الله عزیزًا حكيمًا .
[٢٩٨/٦]
* عن الربيع بن صبيح قال: قلنا
للحسن: يا أبا سعيد، عظنا.
فقال: إنما يتوقع الصحيح منكم: داء
يصيبه، والشاب منكم: هرمًا يفنيه،
والشيخ منكم: موتًا يرديه؛ أليس العواقب
ما تسمعون؟ أليس غدًا تفارق الروح
الجسد؟ المسلوب غدًا أهله وماله،
الملفوف غدًا في كفنه، المتروك غدًا في
حفرته، المنسي غدًا من قلوب أحبته،
الذين كان سعيه وحزنه لهم.
ابن آدم، نزل بك الموت، فلا ترى
قادمًا، ولا تجيء زائرًا، ولا تكلم قريبًا،
ولا تعرف حبيبًا؛ تنادى فلا تجيب،
* مر شيخ من الكوفيين - كان كاتبًا
لسفيان الثوري - فقال له سفيان: يا شيخ،
وَلي فلان؛ فكتبتَ له، ثم عزل، وولي
فلان؛ فکتبت له، ثم عزل، وولي فلان،
فكتبت له، وأنت يوم القيامة أسوأهم
حالًا، يدعى بالأول: فيُسأل، ويدعى
بك: فتسأل معه عما جری علی يدك له،
ثم يذهب؛ وتوقف أنت، حتى يدعى
بالآخر، فيسأل، وتسأل أنت عما جرى
على يدك له، ثم يذهب؛ وتوقف أنت،
حتى يدعى بالآخر؛ فأنت يوم القيامة
أسوأهم حالاً .
قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا
عبد الله بعيالي؟ فقال سفيان: اسمعوا،
هذا يقول: إذا عصى الله: رزق عياله،
وإذا أطاع الله: ضيع عياله؛ قال: ثم قال
سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما
كان عذر من عوتب، إلا أن قال:
عيالي. [٦/ ٣٨٠]
* كان سفيان الثوري إذا ذكر الموت:
لا ينتفع به أيامًا؛ فإذا سئل عن الشيء،
قال: لا أدري، لا أدري. [٣٨٧/٦]
* عن سفيان الثوري قال: لا تصلح

مواعظ
٨٣٠
التهذيب الموضوعي
القراءة: إلا بالزهد، واغبط الأحياء: بما في عجبك: أنك من أهل زمانك، ألزمت
تغبط به الأموات، وأحب الناس: على نفسك الصمت، حتى قوّمتها على العدل؛
قدر أعمالهم، وذل عند الطاعة، واستعص أهنتها، وإنما تريد كرامتها؛ وأذللتها،
وإنما تريد إعزازها؛ ووضعتها، وإنما تريد
عند المعصية. [٢١/٧]
تشريفها؛ وأتعبتها، وإنما تريد راحتها؛
وأجعتها، وإنما تريد شبعها؛ وأظمأتها،
وإنما تريد ريها؛ وخشنت الملبس، وإنما
تريد لينه؛ وجشبت المطعم، وإنما تريد
* عن الحسن بن صالح قال: الليل
والنهار: يبليان كل جديد، ويقرّبان كل
بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد؛ ويقول
النهار: ابن آدم، اغتنمني، فإنك لا
تدري: لعله لا يوم لك بعدي؛ ويقول له طيبه؛ وأمتّ نفسك قبل أن تموت،
وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها قبل أن
الليل مثل ذلك. [٣٣٠/٧]
تعذب، وغيّبتها عن الناس كي لا تذكر؛
ورغبت بنفسك عن الدنيا: فلم تر لها قدرًا
ولا خطرًا؛ ورغبت بنفسك عن الدنيا :
عن أزواجها، ومطاعمها، وملابسها: إلى
الآخرة، وأزواجها، ولباسها، وسندسها،
وحريرها، وإستبرقها .
* قال ابن السماك في زهد داود الطائي
حين مات: يا أيها الناس، إن أهل الدنيا :
تعجلوا عموم القلب، وهموم النفس،
وتعب الأبدان، مع شدة الحساب؛
فالرغبة: متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة،
والزهادة: راحة لأهلها في الدنيا والآخرة.
وإن داود، نظر بقلبه إلى ما بين يديه :
فأعشى بصر قلبه بصر العيون، فكأنه لم
يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون
ما إليه ينظر؛ فأنتم منه تعجبون، وهو
منكم يتعجب؛ فلما نظر إليكم راغبين
مغرورین، قد ذهبت علی الدنیا عقولکم،
وماتت من حبها قلوبكم، وعشقتها
أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم:
استوحش الزاهد منكم؛ فكنت إذا نظرت
إليه: عرفت أنه من أهل الدنيا وحش،
وذلك: أنه كان حيًا وسط موتى.
فما أظنك، إلا: قد ظفرت بما طلبت،
وظفرت بما فيه رغبت؛ كان سيماك في
عملك وسرك، ولم تكن سيماؤك في
وجهك ولا إظهارك؛ فقهت في دينك، ثم
تركت الناس يفتون ويتفقهون؛ وسمعت
الأحاديث، ثم تركت الناس يتحدثون
ويروون؛ وخرست عن القول، وتركت
الناس ينطقون .
لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار،
ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من
الأمراء هدية، ولا تدنيك المطامع، ولا
يا داود، ما أعجب شأنك، وقد يزيد ترغب إلى الناس في الصنائع.

مواعظ
٨٣١
لحلية الأولياء
آنس ما تكون: إذا كنت بالله خاليًا، أم تركك المطاعم والمشارب؟ لا تأكل
منها، ولا تربح إلى شيء منها؛ لا ستر
على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة
يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة فيه غداؤك
وعشاؤك؛ مطهرتك: قلّتك، وقصعتك:
تورك.
وأوحش ما تكون: إذا كنت مع الناس
جالسًا، فأوحش ما تكون: آنس ما يكون
الناس، وآنس ما تكون: أوحش ما يكون
الناس.
جاوزت حد المسافرين في أسفارهم،
وجاوزت حد المسجونين في سجونهم؛
فأما المسافرون: فيحملون من الطعام
والحلاوة ما يأكلون؛ وأما أنت: فإنما هي
خبزة، أو خبزتان في شهرك، ترمي بها في
دن عندك؛ فإذا أفطرت: أخذت منها
حاجتك، فجعلته في مطهرتك، ثم صببت
من الماء ما يكفيك، ثم اصطبغت به
ملجأ؛ فهذا إدامك وحلواؤك وكلّ نومك.
فمن سمع بمثلك: صبر صبرك، أو عزم
عزمك، وما أظنك: إلا قد لحقت
بالماضين، وما أظنك: إلا قد فضلت
الآخرين؛ ولا أحسبك: إلا قد أتعبت
العابدين.
داود، أنت كنت حيًا في الآخرين، وقد
لحقت بالأولين؛ وأنت في زمن الراغبين؛
ولقد أخذت بذروة الزاهدين.
وأما المسجون: فيكون مع الناس
محبوسًا، فيأنس بهم؛ لأن العدد كثير
منهم معه، وأما أنت: فسجنت نفسك في
بيتك وحدك؛ فلا محدث ولا جليس
معك، فلا أدري: أي الأمرين أشد عليك
الخلوة في بيتك، تمر به الشهور والسنون؛
وكل أمرك داود عجبًا. أما كنت تشتهي
من الماء بارده؟ ولا من الطعام طيبه، ولا
من اللباس لینه؟ بلى، ولكنك زهدت فيه،
لما بين يديك، مما دعيت إليه ورغبت فيه.
فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما
تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما
أملت أو طلبت؛ أما أنت: فقد ظفرت
بروح العاجل، وسعيت إن شاء الله في
الآجل؛ عزلت الشهوة عنك في حياتك:
لكيلا يدخلك عجبها، ولا تلحقك فتنتها؛
فلما مت: شهرك ربك بموتك، وألبسك
رداءة عملك: فلم تنثر ما عملت في
سرك؛ فأظهر الله اليوم ذلك، وأكثر
نفعك، وخشيت الجماعة.
فلو رأيت اليوم كثرة تبعك: عرفت أن
ربك قد أكرمك وشرّفك؛ فقل لعشيرتك
اليوم تتكلم بألسنتها، فقد أوضح اليوم
ربك فضلها : أن كنت منها؛ فلو لم تسترح
إلى خير تعمله: إلا حسن هذا النشر،
وجميل هذا المشهد، لكثرة هذا التبع؛ إن
ربك لا يضيع مطيعًا ولا ينسى صنيعًا؛
يشكر لخلقه ما صنع فيما أنعم عليهم:

مواعظ
٨٣٢
التهذيب الموضوعي
أكثر من شكرهم إياه؛ فسبحانه شاكرًا،
مجازيًا، مثيبًا. [٣٣٦/٧ - ٣٣٨]
* عن إبراهيم بن أدهم قال: اذكر ما
أنت صائر إليه حق ذكره، وتفكر فيما
مضى من عمرك: هل تثق به، وترجو
النجاة من عذاب ربك؟ فإنك إذا كنت
كذلك: شغلت قلبك بالاهتمام بطريق
النجاة: عن طريق اللاهين، الآمنين،
المطمئنين، الذين أتبعوا أنفسهم هواها،
فأوقعتهم على طريق هلكاتهم؛ لا جرم:
سوف يعلمون، وسوف يتأسفون، وسوف
يندمون: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. [١٨/٨]
* عن إبراهيم بن أدهم قال: كنت مارًا
في بعض المدن، فرأيت نفسين من الزهاد
والسياحين في الأرض.
فقال أحدهما للآخر: يا أخي، ما والخضوع له حيث كنت، والرحمة
للمسلمين، والنصح لهم.
ورث أهل المحبة من محبوبهم؟
فأجابه الآخر: ورثوا النظر بنور الله
تعالى، والتعطف على أهل معاصي الله.
قال: فقلت له: كيف يعطف على قوم
قد خالفوا محبوبهم؟
فنظر إلي، ثم قال: مقت أعمالهم،
وعطف عليهم: ليردّهم بالمواعظ عن
فعالهم؛ وأشفق علی أبدانهم من النار؛ لا
أرهم. [٢٥/٨]
* قال إبراهيم بن أدهم: خرجت أريد
بيت المقدس؛ فلقيت سبعة نفر، فسلمت
عليهم؛ وقلت: أفيدوني شيئًا، لعل الله
ينفعني به .
فقالوا لي: انظر كل قاطع يقطعك
عن الله من أمر الدنيا والآخرة: فاقطعه.
فقلت: زیدوني رحمكم الله.
قالوا: انظر، ألا ترجو أحدًا غير الله،
ولا تخاف غيره.
فقلت: زیدوني رحمكم الله.
قالوا: انظر كل من يحبه: فأحبه، وكل
من يبغضه: فأبغضه.
قلت: زیدوني رحمكم الله.
قالوا: عليك بالدعاء، والتضرع،
والبكاء في الخلوات، والتواضع
فقلت لهم: زیدوني رحمكم الله.
فقالوا: اللهم، حل بيننا وبين هذا الذي
شغلنا عنك، ما كفاه هذا كله؛ فلا أدري:
السماء رفعتهم، أم الأرض ابتلعتهم؟ فلم
أرهم، ونفعني الله بهم. [٢٥/٨ - ٢٦]
عن إبراهيم بن أدهم قال: خالفتم الله
فيما أنذر وحذر، وعصيتموه فيما نهى
يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا: حتى يرضى وأمر، وكذبتموه فيما وعد وبشّر،
للناس ما يرضى لنفسه؛ ثم غابوا، فلم وكَفَرتموه فيما أنعم وقدر؛ وإنما تحصدون
ما تزرعون، وتجنون ما تغرسون،

لحلية الأولياء
٨٣٣
مواعظ
وتكافَؤون بما تفعلون، وتجزَون بما والمغرور من اغتر بها؛ أين سكانها الذين
بنوا مدائنها، وشققوا أنهارها، وغرسوا
تعملون .
فاعلموا إن كنتم تعقلون، وانتهوا من
وسن رقدتكم لعلكم تفلحون.
أشجارها، وأقاموا فيها أيامًا يسيرة؟ غرّتهم
بصحتهم، وغروا بنشاطهم، فركبوا
المعاصي؛ إنهم كانوا والله في الدنيا
مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه،
قال: وسمعته يقول: الله الله في هذه
الأرواح والأبدان الضعيفة، الحذر الحذر،
الجد الجد؛ كونوا على حياء من الله،
فوالله، لقد ستر وأمهل، وجاد فأحسن،
حتى كأنه قد غفر: كرمًا منه لخلقه. [٣٥/٨]
محسودين على جمعه، ما صنع التراب
بأبدانهم، والرمل بأجسادهم، والديدان
بعظامهم وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على
أسرة مهدة، وفرش منضدة، بين خدم
يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران
* عن عمر بن عبد العزيز: أنه شيع
جنازة، فلما انصرفوا، تأخر عمر وأصحابه
ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه:
يا أمير المؤمنين، جنازة أنت وليها،
تأخرت عنها فتركتها وتركتها؟ فقال: نعم،
ناداني القبر من خلفي: يا عمر بن
عبد العزيز، ألا تسألني ما صنعت
بالأحبة؟ قلت: بلى، قال: خرقت
الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصصت
الدم، وأكلت اللحم؛ ألا تسألني ما
صنعت بالأوصال؟ قلت: بلى، قال:
نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من
العضدين، والعضدين من الكتفين،
والوركين من الفخذين، والفخذين من
الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين
من القدمين؛ ثم بكى عمر، فقال: ألا إن
الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها
فقير، وشبابها يهرم، وحيّها يموت، فلا
يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها،
يعضدون؛ فإذا مررت فنادِهم إن كنت
مناديًا، وادعهم إن كنت لا بد داعيًا، ومر
بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم التي
كان بها عيشهم، وسل غنيهم ما بقي من
غناه؟ وسل فقيرهم ما بقي من فقره؟
وسلهم عن الألسن التي كانوا بها
يتكلمون، وعن الأعين التي كانت إلى
اللذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود
الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد
الناعمة، ما صنع بها الديدان؟ محت
الألوان، وأكل اللحمان، وعفرت الوجوه،
ومحت المحاسن، وكسرت الفقار،
وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين
حجالهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟
وجمعهم ومكنوزهم؟ والله ما زودوهم
فراشًا، ولا وضعوا هناك متكاً، ولا
غرسوا لهم شجرًا، ولا أنزلوهم من اللحد
قرارًا؛ أليسوا في منازل الخلوات

مواعظ
٨٣٤
التهذيب الموضوعي
والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم كنت على خشونة الثرى؟ يا ليت شعري،
بأي خديك بدأ البلاء؟ يا مجاور
الهلكات، صرت في محلة الموتى، ليت
شعري، ما الذي يلقاني به ملك الموت؟
ثم خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من
رسالة ربي، ثم تمثل :
سواء؟ أليس هم في مدلهمة ظلماء، قد
حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة؟
فكم من ناعم وناعمة، أصبحوا ووجوههم
بالية، وأجسادهم من أعناقهم نائیة،
وأوصالهم ممزقة، قد سالت الحدق على
الوجنات، وامتلأت الأفواه دمًا وصديدًا،
ودبت دواب الأرض في أجسادهم،
ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا والله إلا
يسيرًا، حتى عادت العظام رميمًا، قد
فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى
المضايق، قد تزوجت نساؤهم، وترددت
في الطريق أبناؤهم، وتوزعت القرابات
ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسَّع له
في قبره، الغض الناضر فيه، المتنعم
بلذته؛ يا ساكن القبر غدًا، ما الذي غرك
من الدنيا؟ هل تعلم أنك تبقى، أو تبقى
لك؟ أين دارك الفيحاء، ونهرك المطرد؟
وأين ثمرك الناضر ينعه؟ وأين رقاق
ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين
تسر بما يفنى وتشغل بالصبا
كما غر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة
وليلك نوم والردى لك لازم
وتعمل فيما سوف تكره غبه
كذلك في الدنيا تعيش البهايم
ثم انصرف، فما بقي بعد ذلك إلا
جمعة. [٢٦١/٥ - ٢٦٣]
* عن أبي محمد صدقة الزاهد قال:
خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة،
قال: فقعد داود ناحية وهي تدفن، فجاء
الناس فقعدوا قريبًا منه، فقال: من خاف
الوعيد، قصر عليه البعيد؛ ومن طال
كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل أمله، ضعف عمله، وكل ما هو آتٍ
به الأمر، فما يدفع عن نفسه وجلًا؟ وهو قريب؛ واعلم يا أخي: أن كل شيء
يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم،
يرشح عرفًا، ويتلمظ عطشًا، يتقلب من
سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من واعلم أن أهل الدنيا جميعًا من أهل
القبور، إنما يفرحون بما يقدمون،
السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، جاء
من الأمر والأجل ما لا تمتنع منه، هيهات
هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد،
وغاسله، يا مکفن الميت وحامله، يا مخليه
ويندمون على ما يخلفون مما عليه أهل
القبور ندموا، وعليه أهل الدنيا يقتتلون،
وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاة
في القبر وراجعًا عنه، ليت شعري، كيف يختصمون. [٣٥٧/٧ - ٣٥٨]

مواعظ
٨٣٥
لحلية الأولياء
دخل سليمان بن عبد الملك المدينة
حاجًا، فقال: هل بها رجل أدرك عدة من
الصحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم؛ فأرسل
إليه، فلما أتاه، قال: يا أبا حازم، ما
هذا الجفاء؟ قال: وأي جفاء رأيت مني
يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس
أتوني، ولم تأتني؛ قال: والله، ما عرفتني
قبل هذا، ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت
مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال:
أصاب الشيخ، وأخطأت أنا؛ فقال: يا أبا
حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: عمرتم
الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج
من العمران إلى الخراب؛ قال: صدقت،
فقال: يا أبا حازم، ليت شعري، ما لنا
عند الله تعالى غدًا؟ قال: اعرض عملك
على كتاب الله رَم، قال: وأين أجده من
كتاب الله تعالى؟ قال: قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ
(١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
وتعدلوا في القضية؛ قال: يا أبا حازم،
وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه
بحقه، وتضعه بحقه في أهله؛ قال: يا أبا
حازم، من أفضل الخلائق؟ قال: أولو
المروءة والنهى؛ قال: فما أعدل العدل؟
قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه؛
قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء
المحسن للمحسنين؛ قال: فما أفضل
الصدقة؟ قال: جهد المقل، إلى يد البائس
الفقير، لا يتبعها من، ولا أذى؛ قال:
يا أبا حازم، من أكْيَس الناس؟ قال:
رجل ظفر بطاعة الله تعالى، فعمل بها، ثم
دل الناس عليها؛ قال: فمن أحمق
الخلق؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه
وهو ظالم له، فباع آخرته بدنياه.
قال: يا أبا حازم، هل لك أن
تصحبنا، وتصيب منا، ونصيب منك؟
قال: كلا؛ قال: ولم؟ قال: إني أخاف
أن أركن إليكم شيئًا قليلًا، فيذيقني الله
ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا
قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو
حازم: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:
٥٦]. قال سليمان: ليت شعري، كيف
العرض على الله غدًا؟ قال أبو حازم: أما
المحسن، کالغائب يقدم على أهله، وأما
المسيء، كالآبق يقدم به على مولاه؛
فبکی سلیمان، حتى علا نحیبه، واشتد
بكاؤه؛ فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن
نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف،
يكون لي منه نصيرًا؛ قال: يا أبا حازم،
ارفع إلي حاجتك؛ قال: نعم، تدخلني
الجنة، وتخرجني من النار؛ قال: ليس
ذاك إلي؛ قال: فما لي حاجة سواها؛
قال: يا أبا حازم، فادع الله لي؛ قال:
نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك،
فيسّره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من
أعدائك، فخذ بناصيته إلى ما تحب
وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية، وترضى؛ قال سليمان: قط؛ قال أبو

مواعظ
٨٣٦
التهذيب الموضوعي
حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله،
وإن لم تكن أهله، فما حاجتك أن ترمي
عن قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان:
يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال:
أوَتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل
نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك غصبوا
الناس هذا الأمر، فأخذوه عنوة بالسيف،
من غير مشورة، ولا اجتماع من الناس،
وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة، وارتحلوا؛ فلو
شعرت ما قالوا وقيل لهم؟ فقال رجل من
جلسائه: بئس ما قلت؛ قال أبو حازم:
كذب، إن الله تعالى أخذ على العلماء
الميثاق، لیبیننه للناس ولا یکتمونه.
ينبغي أن يكون هذا جائعًا، ثم قال
لإحداهما: اذهبي ادعيه، فلما أتته،
أعظمته، وغطت وجهها؛ ثم قالت:
﴿إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ﴾ [القصص:
٢٥]. فلما قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ
لَنَأَ﴾، كره موسى علّله ذلك، وأراد أن لا
يتبعها، ولم يجد بدًا من أن يتبعها، لأنه
كان في أرض مسبعة وخوف؛ فخرج
معها، وكانت امرأة ذات عجز، فكانت
الرياح تصرف ثوبها، فتصف لموسى لِّلُ
عجزها، فيغض مرة، ويعرض أخرى؛
فقال: يا أمة الله، كوني خلفي؛ فدخل
قال: يا أبا حازم، أوصني؛ قال:
نعم، سوف أوصيك وأوجز: نزه الله
تعالى، وعظّمه أن يراك حيث نهاك، أو
يفقدك حيث أمرك؛ ثم قام، فلما ولى،
قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار،
أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير؛ فرمى
بها، وقال: والله، ما أرضاها لك، فكيف
أرضاها لنفسي؟ إني أعيذك بالله أن يكون
سؤالك إياي هزلًا، وردي عليك بذلًا، إن
موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما
ورد ماء مدين، قال: ﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنْزَلْتَ
إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. فسأل
موسى لفظِّ ربه رَّك، ولم يسأل الناس،
ففطنت الجاريتان، ولم تفطن الرعاة لما
فطنتا إليه؛ فأتيا أباهما - وهو:
شعيب ظلَّلا - فأخبرتاه خبره، قال شعيب: رغبة في علمهم، فلما نكسوا، ونفسوا،
موسى إلى شعيب عَلَّهِ، والعشاء مهيأً،
فقال: كل، فقال موسى ◌َلِّلا: لا، قال
شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى، ولكني
من أهل بيت لا يبيعون شيئًا من عمل
الآخرة بملء الأرض ذهبًا، أخشى أن
يكون هذا أجر ما سقيت لهما؛ قال
شعيب عظلل: لا يا شاب، ولكن هذه
عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف، وإطعام
الطعام؛ قال: فجلس موسى ◌ِلَّلا، فأكل.
فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا عما
حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في
حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من
مال المسلمين، فلي فيها شركاء ونظراء إن
وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها؛ إن بني
إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى،
حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم

مواعظ
٨٣٧
لحلية الأولياء
وسقطوا من عين الله تعالى، وآمنوا
بالجبت والطاغوت، كان علماؤهم يأتون
إلى أمرائهم، ويشاركونهم في دنياهم،
وشركوا معهم في قتلهم؛ قال ابن شهاب:
يا أبا حازم، إياي تعني، أو بي تعرض؟
قال: ما إياك اعتمدت، ولكن ما تسمع؛
قال سليمان: يا ابن شهاب، تعرفه؟ قال:
نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته
كلمة قط؛ قال أبو حازم: إنك نسيت الله
فنسيتني، ولو أجبت الله لأجبتني؛ قال ابن
شهاب: يا أبا حازم، تشتمني؟ قال
سليمان: ما شتمتك، ولكن شتمتك
نفسك، أما علمت: أن للجار على الجار
حقًا كحق القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم،
قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير
المؤمنين، تحب أن يكون الناس كلهم مثل
أبي حازم؟ قال: لا. [٢٣٤/٣ - ٢٣٧]
جنازته؛ ومات زنجي، فحمله الزنج على
طن من قصب، فذهب بأخي أمير
المؤمنين، فدفنوه، وذهب بالزنجي،
فدفنوه. ثم جعلت أقص عليه أميرًا أميرًا،
حتى انتهيت إليه؛ فقلت في نفسي: قد
بنيت دارًا بالكوفة، فلم ترها حتى أُخذت
فسُجنت، فعُذبت، حتى قتل فيها. [٢]
٣٧٩ - ٣٨٠]
* عن ليث بن أبي رقية كاتب عمر بن
عبد العزيز في خلافته، أن عمر كتب إلى
ابنه في العام الذي استخلف فيه - وابنه إذ
ذاك بالمدينة، يقال له: عبد الملك - أما
بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية
والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من
رعى ذلك وحفظه عني أنت؛ وإن الله
تعالى له الحمد، قد أحسن إلينا إحسانًا
كثيرًا بالغًا، في لطيف أمرنا وعامته،
وعلى الله إتمام ما عبّر من النعمة، وإياه
* عن مالك بن دينار قال: كنت عند
فقلت: قد أصبت هذا خاليًا، فأي قصص
أقص عليه؟ فقلت في نفسي: ما له خير
من أن أقص عليه ما لقي نظراؤه من
الناس؛ فقلت له: أتدري من بنى هذا
الذي أنت فيه؟ بناها عبيد الله بن زياد،
وبنى البيضاء، وبنى المسجد، فولى ما
ولى، فصار من أمره أن هرب، فطلب،
فقُتل؛ ثم ولي البصرة: بشر بن مروان،
فقالوا: أخو أمير المؤمنين، فمات
بلال بن أبي بردة، وهو في قبة له؛ نسأل العون على شكرها؛ فاذكر فضل الله
على أبيك وعليك، ثم أعن أباك على ما
قوي عليه، وعلى ما ظننت أن عنده منه
عجزًا عن العمل فيما أنعم به عليه وعليك
في ذلك؛ فراع نفسك وشبابك وصحتك،
وإن استطعتَ أن تكثر تحريك لسانك
بذكر الله حمدًا وتسبيحًا وتهليلًا، فافعل،
فإن أحسن ما وصلت به حديثًا حسنًا:
حمد الله وذكره؛ وإن أحسن ما قطعت به
حديثًا سيئًا: حمد الله وذكره؛ ولا تفتتن
بالبصرة، فحملوه، وحُشد الناس في فيما أنعم الله به عليك فيما عسيت أن

مواعظ
٨٣٨
التهذيب الموضوعي
تقرظ به أباك فيما ليس فيه، إن أباك كان وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير
محكم لكثير من أمري؛ ولو أن المرء لم
بين ظهراني إخوته عند أبيه، يفضل عليه
الكبير، ويدني دونه الصغير؛ وإن كان الله
وله الحمد: قد رزقني من والدي حسبًا
جميلًا، كنت به راضيًا، أرى أفضل الذي
یبره ولده علي حقًّا، حتى ولدت، وولد
طائفة من أخواتك، ولا أخرج بكم من
يعظ أخاه حتى يحكم نفسه، ويكمل في
الذي خلق له لعبادة ربه، إذا تواكل
الناس بالخير، وإذا يرفع الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، واستحلت المحارم،
وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في
المنزل الذي أنا فيه؛ فمن كان راغبًا في الأرض ﴿فَلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ
الجنة، وهاربًا من النار، فالآن في هذه رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَهُ الْكِبِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ
[الجاثية:
وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (®َ﴾
٣٦ - ٣٧]. [٢٧٥/٥ - ٢٧٧ ]
الحالة، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور،
قبل نفاد الأجل، وانقضاء العمل، وفراغ
من الله للثقلين، ليدينهم بأعمالهم في
موطن: لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه
المعذرة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه
الشفاعات، يرده الناس بأعمالهم،
ويصدرون فيه أشتاتًا إلى منازلهم؛ فطوبى
يومئذ لمن أطاع الله، وويل يومئذ لمن
عصى الله؛ فإن ابتلاك الله بغنى: فاقتصد
في غناك، وضع الله نفسك، وأدّ إلى الله
فرائض حقه في مالك، وقل عند ذلك ما
قال العبد الصالح: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِی
لِيَبْلُوَنِّ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] الآية.
وإياك أن تفخر، بقولك، وأن تعجب
بنفسك، أو يخيل إليك: أن ما رزقته،
لم يرزق مثل غناك؛ فإذا أنت أخطأت
باب الشكر، ونزلت منازل أهل الفقر،
وكنت ممن طغى للغنى، وتعجل طيباته
* عن عون بن عبد الله، أنه قال لابنه:
يا بني، کن ممن نأيه عمن نأى عنه یقین
ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه، ليس نأيه
بكبر ولا بعظمة، ولا دنوه خداع ولا
خلابة، يقتدي بمن قبله، فهو إمام لمن
بعده؛ ولا يعزب، ولا يظهر جهله علمه،
ولا يحضر جهله، ولا يعجل فيما رابه،
ويعفو فيما يتبين له، يغمض في الذي له،
ويزيد في الحق الذي عليه، والخير منه
مأمول، والشر منه مأمون، إن كان مع
الغافلين، كتب من الذاكرين، وإن كان مع
الذاكرين، لم يكتب من الغافلين؛ لا يغره
ثناء من جهله، ولا ينسى إحصاء ما قد
لكرامة بك على ربك، وفضيلة على من علمه، إن زكّي، خاف ما يقولون،
واستغفر لما لا يعلمون؛ يقول: أنا أعلم
بي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي؛
فهو يستبطئ نفسه في العمل، ويأتي ما
في الحياة الدنيا؛ فإني لأعظك بهذا، يأتي من الأعمال الصالحة على وجل،

لحلية الأولياء
٨٣٩
مواعظ
يظل يذكر ويمسي، وهمّه أن يشكر؛ يبيت العثرة، فإذا في آخره كسل وفترة، طال
عليه الأمل فافتتن، وطال عليه الأمد
حذرًا، ويصبح فرحًا، حذرًا لما حذر من
الغفلة، وفرحًا لما أصاب من الغنيمة
والرحمة؛ إن عصته نفسه فيما يكره، لم
يطعها فيما أحبت، فرغبته فيما يخلد،
وزهادته فیما ینفد، يمزج العلم بالحلم؛
ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، ويخلو
ليغنم، ويخالق ليعلم، لا ينصت لخير
حين ينصت وهو يسهو، ولا يستمع له
وهو يلغو، لا يحدث أمانته الأصدقاء،
ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يعمل من
الخیر شيئًا ریاء، ولا يترك منه شيئًا حياء،
مجالس الذكر مع الفقراء أحب إليه من
مجالس اللهو مع الأغنياء.
فاغتر، وأعذر إليه فيما عمر، وليس فيما
أعمر بمعذر، عمّر ما يتذكر فيه من تذكر،
فهو من الذنب والنعمة موقر، إن أعطي
منّ ليُشكر، أو إن منع قال: لم يقدّر،
أساء العبد واستأثر، يرجو النجاة ولم
يحذر، ويبتغي الزيادة ولم يشكر، حق أن
يشكر وهو أحق أن لا يعذر، يتكلف ما لم
يؤمر، ويضيع ما هو أكثر، إن يسأل أكثر،
وإن أنفق قتر، يسأل الكثير، وينفق
اليسير، قدر له خير من قدره لنفسه فوسع
له رزقه، وخفف حسابه، فأعطي ما يكفيه
ومنع ما یلھیه، فلیس یری شيئًا يغنيه، دون
غنى يطغيه، يعجز عن شكر ما أوتي،
ولا تكن يا بني ممن يعجب باليقين من
نفسه فيما ذهب، وينسى اليقين فيما رجا
وطلب، يقول فيما ذهب: لو قدّر شيء
لكان، ويقول فيما بقي: ابتغ أيها
ويبتغي الزيادة فيما بقي، يستبطئ نفسه في
شكر ما أوتي، وينسى ما عليه من الشكر
فيما وفى، ينهى فلا ينتهي، ويأمر بما لا
الإنسان، شاخصًا غير مطمئن، ولا يثق يأتي، يهلك في بغضه ويقصر في حبه،
من الرزق بما قد ضمن. لا تغلبه نفسه
على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن،
فهو من نفسه في شك، ومن ظنه إن لم
يرحم في هلك، إن سقم ندم، وإن صح
أمن، وإن افتقر حزن، وإن استغنی افتتن،
وإن رغب كسل، وإن نشط زهد، يرغب
قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب،
يقول: لم أعمل فأتعنى، بل أجلس
فأتمنى، يتمنى المغفرة ويعمل بالمعصية،
غره من نفسه حبه ما ليس عنده، وبغضه
على ما عنده مثله، يحب الصالحين فلا
يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين وهو
أحدهم، يرجو الآخرة في البغض على
ظنه، ولا يخشى المقت في اليقين من
نفسه، لا يقدر في الدنیا علی ما یھوی،
ولا يقبل من الآخرة ما يبقى، يبادر من
الدنيا ما يفنى ويترك من الآخرة ما يبقى،
إن عوفي حسب أنه قد تاب، وإن ابتلي
كان أول عمره غفلة وغرة، ثم أبقى وأقيل عاد. يقول في الدنيا قول الزاهدين،

مواعظ
٨٤٠
التهذيب الموضوعي
ويعمل فيها عمل الراغبين، يكره الموت العمل، يرى الأمانة ما عوفي وأرضى،
والخيانة إن أسخط وابتلى، يلين ليحسب
لإساءته، ولا ينتهي عن الإساءة في
حیاته، يكره الموت لما لا يدع، ویحب
الحياة لما لا يصنع، إن منع من الدنيا لم
يقنع، وإن أعطي منها لم يشبع، وإن
عرضت الشهوة قال: يكفيك العمل
فواقع، وإن عرض له العمل کسل وقال:
یکفیك الورع. لا تذهب مخافته الکسل،
ولا تبعثه رغبته على العمل. يرجو الأجر
بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل، ثم
لا يسعى فيما له خلق، ورغبته فيما تكفل
له من الرزق، وزهادته فيما أمر به من
العمل، ويتفرغ لما فرغ له من الرزق،
يخشى الخلق في ربه، ولا يخشى الرب
في خلقه، يعوذ بالله ممن هو فوقه، ولا
يعيذ بالله من هو تحته، یخشی الموت،
ولا يرجو الفوت، يأمن ما يخشى وقد
أيقن به؛ ولا ييأس مما يرجو وقد تيقن
منه؛ يرجو نفع علم لا يعمل به، ويأمن
ضر جهل قد أيقن به، يسخر بمن تحته من
الخلق؛ وينسى ما عليه فيه من الحق،
ينظر إلى من هو فوقه في الرزق، وینسی
من تحته من الخلق، يخاف على غيره
بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأيسر من
عمله، يبصر العورة من غيره ويعقلها من
نفسه، إن ذكر اليقين، قال: ما هكذا من
عنده أمانة فهو يرصدها للخيانة، يتعلم
للصداقة ما يرصد به للعداوة، يستعجل
بالسيئة وهو في الحسنة بطيء، يخف عليه
الشعر، ويثقل عليه الذكر، اللغو مع
الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء،
يتعجل النوم ويؤخر الصوم، فلا يبيت
قائمًا ولا يصبح صائمًا، ويصبح وهمّه
التصبح من النوم ولم يسهر، ويمشي وهمّه
العشاء وهو مفطر - زاد الحجاج عن
المسعودي في روايته - إن صلی اعترض،
وإن ركع ريض، وإن سجد نقر، وإن سأل
ألحف، وإن سئل سوّف، وإن حدث
حلف، وإن حلف حنث، وإن وعد
أخلف، وإن وعظ كلح، وإن مدح فرح؛
طلبه شر، وتركه وزر، ليس له في نفسه
عن عيب الناس شغل، وليس لها في
الإحسان فضل، يميل لها ويحب لها.
منهم العدل؛ أهل الخيانة له بطانة، وأهل
الأمانة له عداوة، إن سلم لم يسمع، وإن
سمع لم يرجع، ينظر نظر الحسود،
ويعرض إعراض الحقود؛ يسخر بالمقتر،
ويأكل بالمدبر، ويرضى الشاهد بما ليس
في نفسه، ويسخط الغائب بما لا يعلم
فيه؛ جريء على الخيانة، بريء من
كان قبلكم، فإن قيل: أفلا تعمل أنت الأمانة، من أحب كذب، ومن أبغض
عملهم؟ يقول: من يستطيع أن يكون خلب؛ يضحك العجب، ويمشي الأدب،
مثلهم؟ فهو للقول مدل، ويستصعب عليه لا ينجو منه من جانب، ولا يسلم منه