Indexed OCR Text
Pages 801-820
مواعظ ٨٠١ لحلية الأولياء شكره؛ فإني سمعت رسول الله گ یقول: (يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة، الذي أطاع الله تعالى فيها، وهو بين يدي ماله، وماله خلفه؛ كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: امض، فقد أديت الحق الذي عليك)) قال: ((ويجاء بالذي لم يطع الله فيه، وماله بين كتفيه؛ فيعثره ماله، ويقول له: ويلك، هلا عملت بطاعة الله وَمَّ فيّ؛ فلا يزال كذلك: حتى يدعو بالويل)). ويا أخي، إني حُدثت: أنك اشتريت خادمًا؛ وإني سمعت رسول الله وَ ليل يقول: ((لا يزال العبد من الله، وهو منه: ما لم يخدم، فإذا خدم: وجب عليه الحساب)). وإن أم الدرداء سألتني خادمًا، وأنا يومئذٍ موسر؛ فكرهت ذلك لما سمعت من الحساب. ويا أخي، من لي ولك: بأن نوافي يوم القيامة، ولا نخاف حسابًا؟ ويا أخي، لا تغترن بصحابة رسول الله وَ﴾، فإنا قد عشنا بعده دهرًا طويلًا؛ والله أعلم بالذي أصبنا بعده. رواه ابن جابر والمطعم بن المقدام عن محمد بن واسع: أن أبا الدرداء کتب إلی سلمان مثله. [١/ ٢١٤] الصعدات : تضربون صدوركم ، وتيكون على أنفسكم، ولوددتم أنكم شجرة تعضد، ثم تؤكل. [٢١٦/١] * عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال: بلغني، أن أبا الدرداء كتب إلى أخ له: أما بعد؛ فلست في شيء من أمر الدنيا، إلا وقد كان له أهل قبلك، وهو صائر له أهل بعدك، وليس لك منه إلا ما قدمت لنفسك؛ فآثرها على المصلح من ولدك، فإنك تقدم على من لا يعذرك، وتجمع لمن لا يحمدك؛ وإنما تعمل لواحد من اثنين: إما عامل فيه بطاعة الله: فيسعد بما شقيت به؛ وإما عامل فيه بمعصية الله: فتشقى بما جمعت له؛ وليس والله واحد منهما بأهل: أن تبرد له على ظهرك، ولا تؤثره على نفسك؛ ارج لمن مضى منهم رحمة الله، وثق لمن بقي منهم رزق الله؛ والسلام. [٢١٦/١] * عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أن رجلًا قال لأبي الدرداء: علمني كلمة ينفعني الله رك بها؛ قال: وثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا: من عمل بهن، كان ثوابه على الله وبحمد: الدرجات العلا . قال: لا تأكل إلا طيبًا، ولا تكسب إلا طيبًا، ولا تدخل بيتك إلا طيبًا؛ * قال أبو الدرداء: لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت، لما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا وسل الله رَمَ، يرزقك يومًا بيوم؛ وإذا أصبحت: فاعدد نفسك من الأموات، دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى فكأنك قد لحقت بهم، وهب مواعظ ٨٠٢ التهذيب الموضوعي عرضك الله رجل؛ فمن سبك، أو شتمك، يعلم: أن الموت مورده، وأن الساعة أو قاتلك: فدعه لله رجل؛ وإذا أسأت: فاستغفر الله رمل. [٢٢٢/١] * قال أبو هريرة: إذا رأيتم ستّا، فإن كانت نفس أحدكم في يده، فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني : إذا أُمّرت السفهاء، وبیع الحکم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وقطعت الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير. [٣٨٤/١] * قال الربيع بن خثيم: أريدوا بهذا الخير الله: تنالوه، لا بغيره؛ وأكثروا ذکر هذا الموت، الذي لم تذوقوا قبله مثله؛ فإن الغائب إذا طالت غيبته: وجبت عليهم. [١١٢/٢] محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوّفت يقول: ما رأيت مثل الجنة: نام طالبها، ولا مثل النار: نام هاربها؛ قال: وكان يقول: أخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، وأدخلوا قلوبكم حب الآخرة. [١١٩/٢] * قال الحسن البصري: إن المؤمن: يصبح حزينًا، ويمسي حزينًا، ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بین مخافتین: بین ذنب قد أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من المهالك. [٢ /١٣٢] موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده: أن يطول حزنه. [١٣٣/٢] * عن الحسن البصري: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز، ـ والسياق: لأبي حميد الشامي -: اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به؛ والندم على الشر يدعو إلی ترکہ؛ ولیس ما یفنی۔۔ وإن کان کثیرًا - يعدل ما يبقى، وإن كان طلبه عزيزًا؛ واحتمال المؤونة المنقطعة، التي تعقب الراحة الطويلة: خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية. فاحذر هذه الدار: الصارعة، الخادعة، الخاتلة: التي قد تزينت بخدعها، وغرّت الخطّابها، فأصبحت كالعروس المجلوة: * عن هرم بن حيان العبدي، أنه كان العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مذكر. فأبت القلوب لها إلا حبًا، وأبت مضى: لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين النفوس بها إلا ضنًا، وما هذا منالها إلا عشقًا؛ ومن عشق شيئًا: لم يعقل غيره، ومات في طلبه، أو يظفر به؛ فهما * عن الحسن البصري قال: يحق لمن عاشقان، طالبان لها . لحلية الأولياء ٨٠٣ مواعظ فعاشق قد ظفر بها، واغتر، وطغى، ونسي بها المبدأ والمعاد: فشغل بها لبّه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسرع ما كانت له منيته: فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واشتدت کربته، مع ما عالج من سكرته، واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فذهب بكربه وغمه، لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب؛ خرجا جميعًا بغير زاد، وقدما على غير مهاد. فاحذرها الحذر كله، فإنها مثل الحية : ليّن مسها، وسمّها يقتل؛ فأعرض عما يعجبك فيها: لقلة ما يصحبك منها؛ وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها: لرخاء ما يصيبك، وكن أسرّ ما تكون فيها؛ أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له : أشخصته عنها بمكروه؛ وكلما ظفر بشيء منها، وثنى رجلًا عليه: انقلبت به. فالسار فيها غار، والنافع فيها غدًا ضار؛ صل الرخاء فيها بالبلاء، واجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها، مشوب بالحزن؛ وآخر الحياة فيها: الضعف، والوهن. فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق؛ واعلم: أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن؛ لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيها، فينتظر. فاحذرها: فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر: إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية . فلقد كدّت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى: لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلًا، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار: قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل؛ فكيف؟ وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله مت قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراة في جميع الثرى، ولا خلق خلقًا فيما بلغت: أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها: مقتًا لها؛ ولقد عرضت على نبينا وَله بمفاتيحها وخزائنها، ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء، إلا أنه علم: مواعظ ٨٠٤ التهذيب الموضوعي أن الله تعالى أبغض شيئًا فأبغضه، وصغر والعير، وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة شيئًا فصغره، ووضع شيئًا فوضعه؛ ولو الأجل القصير عن متاع الغرور: الذي إلى قبلها: كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه: كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه؛ ولو لم يدلّه على صغر هذه الدار، إلا أن الله تعالى حقرها: أن يجعل خيرها ثوابًا للمطیعین، وأن يجعل عقوبتها عذابًا للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها . وقد يدلك على شر هذه الدار: أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه: اختبارًا وبسطها لغيرهم، اعتبارًا واغترارًا؛ ويظن المغرور بها، والمفتون عليها أنه: إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى ◌َ، وموسى المختار البلاد: بالكلام له وبمناجاته؛ فأما محمد غلو: فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما الفناء يصير؛ ونظروا إلى آخر الدنيا، ولم ينظروا إلى أولها؛ ونظروا إلى عاقبة مراراتها، ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر، أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة: التي لا يحل الشبع منها، إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس، ويقي الروح، ومكن اليوم، وجعلوها بمنزلة الجيفة: التي قد اشتد نتن ريحها، فكل من مر بها: أمسك على أنفسه منها؛ فهل يصيبون منها لحال الضر، ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن؟ فقرنت عنهم، وكانت هذه منزلتها من أنفسهم؛ فهم يعجبون من الآكل منها شبعًا، والمتلذذ بها أشرًا؛ ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من موسى ظلّل، فليس دونهم في العجب: الأكل؟ أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يأكل خبز الشعير في خاصته، ويطعم يا أخي في العاقبة والآجلة: أنتن من أهله: الخشكار، والناس: الدرمك، فإذا جنه الليل: لبس المسوح، وغل اليد إلى العنق، وبات باكيًا حتى يصبح؛ يأكل الخشن من الطعام، ويلبس الشعر من الثياب. الجيفة المرصوفة؛ غير أن أقوامًا استعجلوا الصبر، فلا يجدون ريح النتن؛ والذي نشأ في ريح الإهاب النتن: لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده؛ وقد يكفي العاقل منها: أنه من مات عنها، وترك مالًا كثيرًا سرّه: أنه كان كلّ هذا: يبغضون ما أبغض الله ێ، ويصغرون ما صغّر الله تعالى، ويزهدون فيها فقيرًا، أو شريفًا، سرّه: أنه كان فيها فيما فيه زهّد؛ ثم اقتص الصالحون بعد وضيعًا، أو كان فيها معافى: سرّه: أنه منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا الكد كان فيها مبتلى، أو كان مسلطنًا: سره أنه مواعظ ٨٠٥ لحلية الأولياء كان فيها سوقة؛ وإن فارقتها: سرك أنك هيهات: كثر الشغل، وزاد الحزن، وعظم كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها التعب، وأضاع العبد العمل بالأمل. فاقة؛ أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها؟ والله، لو کانت الدنیا، من أراد منها شيئًا: وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب؛ غير أنه إذا أخذ منها شيئًا : لزمته حقوق الله فيه، وسأله عنه، ووقفه على حسابه؛ لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها: إلا قدر قوته، وما يكفي حذر السؤال وكراهية: لشدة الحساب. وإنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام: يوم مضى، لا ترجوه؛ ويوم أنت فيه: ينبغي لك أن تغتنمه؛ ويوم يأتي: لا تدري: أنت من أهله، أم لا؟ ولا تدري: لعلك تموت قبله؛ فأما أمس: فحكيم مؤدب، وأما اليوم: فصديق مودع، غير أن أمس؛ وإن كان قد فجعك بنفسه: فقد أبقى في يديك حكمته؛ وإن كنت قد أضعته؛ فقد جاءك خلف منه؛ وقد كان عنك طويل الغيبة، وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدًا أيضًا في يديك منه أمله . ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك: أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهمّ يومك؛ غير أن الأمل منك في الغد: دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب؛ ولئن شئت واقتصرت: لأصفنّ لك الدنيا ساعة بين ساعتين: ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها . فأما الماضية والباقية: فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألمًا؛ وإنما الدنيا: ساعة أنت فيها، فخدعتك تلك الساعة عن الجنة، وصيّرتك إلى النار؛ وإنما اليوم - إن عقلت -: ضيف نزل بك، وهو مرتحل عنك؛ فإن أحسنت نزله وقراه: شهد لك، وأثنى عليك بذلك، وصدق فيك؛ وإن أسأت ضيافته، ولم تحسن قراه: جال في عينيك. وهما يومان، بمنزلة الأخوين: نزل بك أحدهما، فأسأت إليه، ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه؛ فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي، فإن إحسانك لي: يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت؛ فدونك إذا نزلت بك، فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل، قبل حلول الأجل؛ وإياك أن تدخل على اليوم: هُمّ غد، أو همّ ما بعده؛ زدت في حزنك، وتعبك، وأردت وجئتك بعد أخي المرتحل عنك، فلقد ظفرت بخلف منه إن عقلت؛ فدارك ما قد أضعت، وإن ألحقت الآخر بالأول؛ فما أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك؛ أخلقك أن تهلك بشهادتهما عليك. مواعظ ٨٠٦ التهذيب الموضوعي . إن الذي بقي من العمر: لا ثمن له، ولا عدل؛ فلو جمعت الدنيا كلها: ما عدلت يومًا بقي من عمر صاحبه؛ فلا تبع اليوم، ولا تعدله من الدنيا بغير ثمنه، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيمًا لما في يديك منك وهو لك. فلعمري: لو أن مدفونا في قبره قيل له: هذه الدنيا، أولها إلى آخرها: تجعلها لولدك من بعدك، يتنعمون فيها من ورائك - فقد كنت، وليس لك همّ غيرهم - أحب إليك، أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك؟ لاختار ذلك؛ وما كان ليجمع مع اليوم شيئًا: إلا اختار اليوم عليه: رغبة فيه، وتعظيمًا له. بل: لو اقتصر على ساعة: خيرها، وما بين أضعاف ما وصفت لك، وأضعافه يكون لسواه: إلا اختار الساعة لنفسه، على أضعاف ذلك يكون لغيره. نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. [١٣٤/٢ - ١٤٠ ] * قال الحسن البصري: رحم الله امرءًا عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر. فإن أقوامًا عرفوا: فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا. اتقوا هذه الأهواء المضلة، البعيدة من الله؛ التي: جماعها الضلالة، وميعادها النار، لهم محنة: من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته. يا ابن آدم: دينك دينك، فإنه هو لحمك ودمك، إن يسلم لك دينك: يسلم لك لحمك ودمك؛ وإن تكن الأخرى: فنعوذ بالله؛ فإنها نار لا تطفأ، وجرح لا يبرأ، وعذاب لا ينفد أبدًا، ونفس لا تموت. يا ابن آدم: إنك موقوف بين يدي ربك، ومرتهن بعملك، فخذ مما في یدیك لما بين يديك عند الموت: يأتيك الخبر، إنك مسؤول، ولا تجد جوابًا؛ إن العبد لا بل: لو اقتصر على كلمة يقولها، تكتب له؛ وبين ما وصفت لك وأضعافه: لاختار الكلمة الواحدة عليه. يزال بخير: ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همه. [١٤٥/٢ - ١٤٦] * قال الحسن البصري: يا ابن آدم، فانتقد اليوم لنفسك، وأبصر الساعة، السكرة؛ ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة . وأعظم الكلمة، واحذر الحسرة عند نزول سرطًا سرطًا، جمعًا جمعًا في وعاء، وشدّا شدًا في وكاء: ركوب الذلول، ولبوس اللين؛ ثم قيل: مات، فأفضى والله إلى الآخرة. إن المؤمن: عمل الله تعالى أيامًا يسيرة؛ فوالله، ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها مواعظ ٨٠٧ لحلية الأولياء ورخائها، ولكن: راقت الدنيا له، رجلًا: لبس خلقًا، وأكل كسرة، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة. [١٤٩/٢] فاستهانها، وهضمها لآخرته، وتزود منها؛ فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم یرغب في نعيمها، ولم يفرح برخائها؛ ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به، مع احتسابه للأجر عند الله؛ ولم يحتسب نوال الدنيا، حتى مضى: راغبًا راهبًا . فهنيئًا هنيئًا، فأمّن الله بذلك روعته، وستر عورته، ويسّر حسابه؛ وكان الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح، وحظ من الدلجة والاستقامة؛ لا يلبثك يا ابن آدم: أن على الخير؛ حتى إن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة: فقد أفلح؛ وأن الله تعالى: لا يخدع عن جنته، ولا يُعطي بالأماني؛ وقد اشتد الشح، وظهرت الأماني، وتمنى المتمني في غروره. [١٤٦/٢ - ١٤٧] * عن الحسن البصري قال: ابن آدم، إنما أنت أيام: كلما ذهب يوم، ذهب بعضك. [٢ /١٤٨ ] الفاسقين: الذي يركب كل كبيرة، ويُسحب على ثيابه؛ ويقول: ليس علي بأس؛ سيعلم أن الله تعالى: ربما عجل العقوبة في الدنيا، وربما أخرها ليوم الحساب. [٢ /١٤٨ ] * قال الحسن البصري: ابن آدم: أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك: خطر الليل والنهار، حتى تقدم الآخرة: فإما إلى الجنة، وإما إلى النار؛ فمن أعظم خطرًا منك؟ [٢ / ١٥٢] * عن الحسن البصري قال: لما بعث الله روم محمدًا ◌َللّ: يعرفون وجهه، ويعرفون نسبه؛ قال: هذا نبي، هذا خياري، خذوا من سنته وسبيله؛ أما والله، ما كان يغدى عليه بالجفان، ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة؛ كان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، وكان يلعق يده. [٢ / ١٥٣] * عن الحسن البصري قال: رحم الله رجلًا: لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس؛ ابن آدم: إنك تموت وحدك، وتحاسب وحدك؛ ابن آدم؛ وأنت المعني، وإياك يراد. [١٥٥/٢] * عن الحسن البصري: قال: إن أفسق وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، * عن الحسن البصري قال: يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في خير: فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة: فذرهم، وما * عن الحسن البصري قال: رحم الله اختاروا لأنفسهم. مواعظ ٨٠٨ التهذيب الموضوعي قد رأينا أقوامًا: آثروا عاجلتهم على وقال الله وَمّ: ﴿وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١]. [١٥٨/٢] عاقبتهم، فذلوا، وهلكوا، وافتضحوا. يا ابن آدم، إنما الحكم حكمان: فمن حکم بحكم الله: فإمام عدل، ومن حکم بغير حكم الله: فحكم الجاهلية. إنما الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فعامل الله بطاعته، وأما الكافر: فقد أذلّه الله - كما قد رأيتم -، وأما المنافق: فهاهنا معنا في الحجر، والطرق، والأسواق ـ نعوذ بالله ۔؛ والله، ما عرفوا ربهم. اعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيئة؛ وإن المؤمن: لا يصبح إلا خائفًا - وإن كان محسنًا - لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى: لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات. إن المؤمنين: شهود الله في الأرض: يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله، فمن وافق كتاب الله: حمد الله علیه، وما خالف كتاب الله: عرفوا أنه مخالف لكتاب الله، وعرفوا بالقرآن: ضلالة من ضل من الخلق. [١٥٧/٢ - ١٥٨] * عن الحسن البصري قال: خصلتان من العبد، إذا صلحتا: صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة؛ قال الله وعمّ: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هـ * عن حماد عن ثابت: أن مطرفًا كان يقول: لو أن رجلًا رأى صيدًا، والصيد لا يراه يختله: أليس يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى؛ قال: فإن الشيطان هو يرانا، ونحن لا نراه، فيصيب منا. [٢٠٢/٢] * عن أبي السليل قال: أتيت صلة العدوي، فقلت له: علّمني مما علمك الله ؛ قال: أنت اليوم مثلي - أو نحوي -، حيث أتيت أصحاب رسول الله لز أتعلم منهم؛ فقلت لهم: علموني مما علمكم الله؛ فقالوا: انتصح للقرآن، وانصح للمسلمين، وأكثر من دعاء الله ما استطعت، ولا تكونن قتيل العصا، قتيل عمية. * يا آل فلان، فإني لا أبالي: أبرجله مدت، أم برجل خنزير؟ وإياك، وقومًا يقولون: نحن المؤمنون، وليسوا من الإيمان على شيء: هم الحرورية، هم الحرورية. [٢٣٧/٢ - ٢٣٨] # عن أبي عمران الجوني قال: لا يغرنكم من الله تعالى: طول النسيئة، ولا حسن الطلب؛ فإن أخذه أليم شديد. [٣٠٩/٢] * عن أبي عمران الجوني قال كثيرًا: اهتبلوا غفلة الحمقى، وامضوا حيث أعلم لكم، وكِلوا ما لا تعلمون إلى عالمه، قبل ٠ مواعظ ٨٠٩ لحلية الأولياء أن يأتي حضور ما لا تستطيعون دفعه: من والعلم بالله وم؛ وإنا ما نعلم الله تعالى: أوعد في ذنب، ما أوعد في نقض هذا الموت، وجلائل الأمور. [٣٠٩/٢] الميثاق. * عن ثابت البناني قال: وأي عبد أعظم حالًا، من عبد: يأتيه ملك الموت وحده، ويدخل قبره وحده، ویوقف بین يدي الله وحده: ومع ذلك: ذنوب كثيرة، ونعم من الله كثيرة. [٣٢٥/٢] وإن المؤمن: حي القلب، حي البصر؛ سمع كتاب الله فانتفع به، ووعاه، وحفظه، وعقله عن الله. والكافر: أصم، أبكم، لا يسمع خیرًا، * عن قتادة قال: ابن آدم، إن كنت لا ولا يحفظه، ولا يتكلم بخير، ولا يعلمه تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط؛ فإن في الضلالة؛ متسكعًا فيها، لا يجد منها مخرجًا ولا منفذًا؛ أطاع الشيطان، فاستحوذ عليه؛ وتلا قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. قال: خصومة علمها الله رَّ محمدًاً وَلَه، وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة. نفسك: إلى السآمة، وإلى الفترة، وإلى الملل أميل؛ ولكن المؤمن: هو المتحامل، والمؤمن المتقوي؛ وإن المؤمنين: هم العجاجون إلى الله بالليل والنهار، وما زال المؤمنون يقولون: ربنا، ربنا؛ في السر والعلانية، حتى استجاب لهم. [٣٣٦/٢] * عن قتادة قال: يا ابن آدم، لا تعتبر الناس بأموالهم ولا أولادهم، ولكن: اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح؛ إذا رأيت عبدًا صالحًا يعمل فيما بينه وبين الله خيرًا، ففي ذلك فسارع، وفي ذلك فنافس ما استطعت إليه قوة؛ ولا قوة إلا بالله. [٣٣٦/٢] وإن الله رَّت: علّمكم: فأحسن تعليمكم، وأدبّكم: فأحسن تأديبكم؛ فأخذ رجل بما علمه الله، ولا يتكلف ما لا علم به: فيخرج من دين الله، ويكون من المتكلفين. وإياكم: والتكلف، التنطع، والغلو، والإعجاب بالأنفس؛ تواضعوا لله ربَت، لعل الله يرفعكم؛ قال قتادة: قد رأينا والله أقوامًا: يسرعون إلى الفتن، * عن قتادة قال: اجتنبوا نقض هذا وينزعون فيها؛ وأمسك أقوام عن ذلك: الميثاق، فإن الله تعالى: قد قدم فيه، وأوعد، وذكره في آي من القرآن: تقدمة، هيبة لله، ومخافة منه؛ فلما انكشفت: إذا الذين أمسكوا: أطيب نفسًا، وأثلج ونصيحة، وحجة؛ وإنما تعظم الأمور بما صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا عظمها الله، عند ذوي العقل والفهم، إليها، وينزعون فيها؛ وصارت أعمال مواعظ ٨١٠ التهذيب الموضوعي أولئك؛ حزازات على قلوبهم كلما وَلَا خِذَلُ﴾ [إبراهيم: ٣١] علم الله أن في ذكروها؛ وأيم الله، لو أن الناس يعرفون الدنيا خلالًا يتخاللون بها في الدنيا؛ من الفتنة إذا أقبلت كما يعرفون منها إذا أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير؛ والله، ما بعثت فتنة قط إلا في شبهة وريبة إذا شبت. رأيت صاحب الدنيا: لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط؛ ووالله، ، لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها ليوشك أن تلفظه، وتقضي منه. [٣٣٦/٢ - ٣٣٧] * عن قتادة قال: علیکم الوفاء بالعهد، ولا تنقضوا هذه المواثيق؛ فإن الله قد نهى عن ذلك، وقدّم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية: نصيحة لكم، وتقدمة إلیکم، وحجة علیکم. قال الله ريم: ﴿وَلَنُسْكِتَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤]. وعدهم الله النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فبيّن الله من يسكنها من عباده؛ فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِِّ جَنَّثَانِ [الرحمن: ٤٦]. وأن الله تعالى مقامًا هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام: فنصبوا، ودأبوا بالليل والنهار؛ وقال: ﴿فَلَا تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]. فخافوا والله ذل: فعملوا، ونصبوا، ودأبوا بالليل والنهار. فلينظر الرجل على من يخالل، ومن يصاحب؛ فإن كان لله: فليداوم؛ وإن كان لغير الله: فليعلم أن كل خلة: ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة؛ إلا خلة المتقين. [٣٣٧/٢ - ٣٣٨] * عن قتادة قال: كان يقال: إن الناس لا يطئون إلا آثارًا، ولا يتكلمون إلا برجيع، من القول؛ المحسن على إثر المحسن: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ والمسيء على إثر المسيء: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ وإن البر التقي: عند فعله يحل؛ وإن الفاجر الشقي: عند فعله يحل؛ كل سيهجم على ما قدم، ويعاين ما قد أسلف: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. [٣٣٨/٢] * عن قتادة قال: يا أيها الذين آمنوا، اصبروا على ما أمر الله، وصابروا أهل الضلالة: فإنكم على حق، وهم وعلى باطل؛ ورابطوا في سبيل الله، واتقوا الله لعلكم تفلحون. [٢/ ٣٤٠] * عن هشام بن حسان قال: قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت أبا عبد الله؟ قال: قريبًا أجلي، بعيدًا أملي، سيئًا عملي. [٣٤٦/٢] * عن مالك بن دينار قال: إنكم في وقال: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ زمان أشهب، لا يبصر زمانكم إلا البصير؛ i مواعظ ٨١١ لحلية الأولياء إنكم في زمان كثير تفاخرهم، قد انتفخت الناس من التهاون بأمر الله، أن يزيده ألسنتهم في أفواههم، وطلبوا الدنيا بعمل ذلك: جدًا، واجتهادًا، ثم بكى. [٨٣/٣] الآخرة؛ فاحذروهم على أنفسكم: لا يوقعونكم في شباكهم. [٣٦٣/٢] * عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: من تباعد من زهرة الحياة الدنيا، فذلك: الغالب لهواه؛ ومن فرح بمدح الباطل: فقد أمكن الشيطان من دخول قلبه؛ يا قارئ: أنت قارئ، ينبغي للقارئ: أن يكون عليه دراعة صوف، وعصا راع، يفر من الله إلى الله ، ويحوش العباد على الله تعالى. [٣٦٤/٢] * عن يحيى بن أبي كثير قال: ست من كن فيه، فقد استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف، والصيام في الصيف، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، والتبكير بالصلاة في يوم الغيم، وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق، والصبر على المصيبة. [٦٨/٣] * عن عاصم الأحول قال: قال لي فضيل الرقاشي: يا هذا، لا يشغلك كثرة الناس عن نفسك؛ فإن الأمر يخلص إليك دونهم، وإياك أن تذهب نهارك، تقطعه هاهنا وهاهنا، فإنه محفوظ عليك؛ وما رأيت شيئًا قط: أحسن طلبًا، ولا أسرع إدراكًا: من حسنة حديثة لذنب قديم. [١٠٢/٣] * عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما من شيء أحب إلى الله رم من أن يسأل، وما يدفع القضاء: إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثوابًا: البر، وأسرع الشر عقوبة: البغي، وكفى بالمرء عيبًا: أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس: بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه: بما لا يعنيه. [١٨٨/٣] * عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: لما قال سفيان الثوري: لا أقوم حتى تحدثني، قال له: أنا أحدثك، * عن يحيى بن أبي كثير: أن سليمان قال لابنه: يا بني، لا تعجب: ممن هلك، كيف هلك؛ ولكن اعجب: ممن نجا، كيف نجا؛ يا بني، لا غنى أفضل من صحة جسم، ولا نعيم أفضل من قرة عين. [٧٢/٣] وما كثرة الحديث لك بخير؛ يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة، فأحببت بقاءها ودوامها: فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله رَكْ قال في كتابه: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وإذا استبطأت الرزق: فأكثر من الاستغفار، فإن الله * عن جعفر قال: دخلنا على أبي التياح نعوده؛ فقال: والله، إنه لينبغي تعالى قال في كتابه: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ, للرجل المسلم: أن يزيده ما يرى في كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ٨١٢ التهذيب الموضوعي مواعظ وَيُمْدِدَكُ بِأَوَلِ وَيَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل سأل ربه، فقال: يا رب، أخبرني بأهلك لَّكُمْ أَنْهَرًّا (٣)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. يا الذين هم أهلك، الذين تؤويهم في ظل سفيان، إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وکنز من کنز الجنة؛ فعقد سفيان بيده، وقال: ثلاث، وأي ثلاث؟ قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنّه الله بها. [١٩٣/٣] * عن جعفر بن محمد قال: الصلاة: قربان كل تقي، والحج: جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن: الصيام، والداعي بلا عمل، كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقّهما، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته: فقد حبط أجره، والصنيعة لا تکونن صنيعة: إلا عند ذي حسب ودین؛ والله تعالى منزل الصبر: على قدر المصيبة، ومنزل الرزق: على قدر المؤونة؛ ومن قدر معيشته: رزقه الله تعالى، ومن بذر معيشته: حرمه الله تعالى. [١٩٤/٣ _ ١٩٥] * قال جعفر بن محمد: لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب. [١٩٦/٣] عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري: كما تنيب النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون لمحارم الله إذا استحلت: كما تغضب النمرة إذا حربت؛ والذين يكلفون بحبي: كما يكلف الصبي بحب الناس. [٢٢٢/٣] * عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله تعالى: إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يعور فيما بينه وبين الله تعالى: إلا عور الله فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر: من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله: مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه: شنئتك الوجوه كلها. [٢٣٩/٣] * قال أبو حازم - سلمة بن دينار: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها : لم تصل منها، لا إلى قليل، ولا إلى کثیر. [٢٤٢/٣] * عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان من كلامه: لا تقنعن لنفسك باليسير * عن زيد بن أسلم: أن موسى ظلَّه من الأمر في طاعة الله رَ، كعمل المهين مواعظ ٨١٣ لحلية الأولياء الدنيء؛ ولكن: اجهد واجتهد، فعل الحريص الحفي؛ وتواضع لله څك دون الضعف، فعل الغريب السبي. [٣٥٤/٣] * عن وهب بن منبه قال: ألم يفكر ابن آدم، ثم يتفهم ويعتبر، ثم يبصر، ثم يعقل ويتفقه حتى يعلم؟ فيتبين له: أن الله حلمًا : به يخلق الأحلام، وعلمًا: به يعلم العلماء، وحكمة: بها يُتقن الخلق، ويدبر بها أمور الدنيا والآخرة؛ فإن ابن آدم، لن يبلغ بعلمه المقدر على الله: الذي لا مقدار له، ولن يبلغ بحلمه المخلوق حلم الله: الذي به خلق الخلق كله، ولن يبلغ بحكمته حكمة الله: التي بها يتقن الخلق، ويقدر المقادير؛ وكيف يشبه ابن آدم رب ابن آدم؟ وكيف يكون المخلوق كمن خلق خلقه؟ [٢٣/٤ - ٢٤] * عن وهب بن منبه قال في موعظة له: يا ابن آدم، إنه لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه. [٤ /٢٤] * عن وهب بن منبه قال: لا یشگّن ابن آدم: أن الله ريك يوقع الأرزاق متفاضلة ومختلفة، فإن تقلل ابن آدم شيئًا من رزقه: فليزده رغبة إلى الله رَ، ولا يقولن: لو اطلع الله هذا، وشعر به غيره، فکیف لا يطلع الله الشيء الذي هو خلقه وقدره؟ أوَلا يعتبر ابن آدم: في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، فإن الله فضّل بينهم في الأجسام، والألوان، والعقول، والأحلام؛ فلا يكبر على ابن آدم: أن يفضل الله عليه في الرزق والمعيشة، ولا يكبر عليه: أنه قد فضل عليه في علمه وعقله . أَوَلا يعلم ابن آدم: أن الذي رزقه في ثلاثة أوان من عمره، لم يكن له في واحد منهن كسب ولا حيلة، أنه: سوف يرزقه في الزمن الرابع. أول زمن من أزمانه، حين كان في رحم أمه، يخلق فيه، ويرزق من غير مال كسبه، في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حرّ ولا قر، ولا شيء يهمه. ثم أراد الله: أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها؛ ويحدث له في الزمن الثاني: رزقًا من أمه، يكفيه ويغنيه، من غير حول ولا قوة. ثم أراد الله أن يعصمه من ذلك اللبن، ويحوله في الزمن الثالث: في رزق يحدثه له من كسب أبويه، يجعل له الرحمة في قلوبهما، حتى يؤثراه على أنفسهما بكسبهما، ويستعنيا روحه بما يعنيهما، لا يعنيهما في شيء من ذلك بكسب، ولا حيلة يحتالها حتى يعقل. ويحدث نفسه أن له حيلة وكسبًا: فإنه لن يغنيه في الزمن الرابع، إلا من أغناه مواعظ ٨١٤ التهذيب الموضوعي ورزقه في الأزمان الثلاث التي قبلها . فلا مقال له ولا معذرة إلا برحمة الله، هو الذي خلقه؛ فإن ابن آدم كثير الشك، يقصر به حلمه وعقله عن علم الله، ولا یتفکر في أمره، ولو تفکر حتی یفهم، ويفهم حتى يعلم: علم أن علامة الله التي بها يعرف خلقه الذي خلق، ورزقه لما خلق. [٢٥/٤] أوقدت فيه مصابيح الهدى: ليته يجزيك؛ فلم أر كاليوم: ضل مع نوره متحیرًا، وأعيا مرًّا، وآت سقيم. يا ابن آدم، إنه: لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه. يا ابن آدم، إنه: قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب فما الجزع مما لا بد منه؛ وما الطمع فيما لا يرتجى، وما الحيلة في بقاء ما سيذهب. * عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق؛ فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي، وأوجز؛ يا ابن آدم، أقصر عن طلب ما لا تدرك، وعن تناول ما لا تناله، وعن ابتغاء قال: أوحى الله إلى داود: يا داود، أما وعزتي وعظمتي: لا يشعر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته، ما لا يوجد، واقطع الرجاء عنك كما فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، قعدت بك الأشياء؛ واعلم: أنه رب مطلوب هو شر لطالبه. والأرضون السبع ومن فيهن: إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا؛ أما وعزتي وعظمتي: لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته: إلا قطعت أسباب السموات من يده، وأرضخت الأرض من تحته؛ ولا أبالي في أي وادٍ هلك. [٢٥/٤ - ٢٦] يا ابن آدم، إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة: سوء الخلق منها . يا ابن آدم، وأي أيام الدهر يرتجى في غنم؟ أو، أي يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر، تجده ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم حضر لا تزيده، ويوم يجيء لا تأمنه؛ فأمس: * عن وهب بن منبه قال في موعظة له: هذا يوم عظيم يقال فيه، بعسره طويل، يعظ اليوم السعيد، ويستكثر من منافعه اللبيب. شاهد مقبول، وأمين مود، وحكيم موارب، قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حکمته؛ واليوم: صديق مودع، كان طويل يا ابن آدم، إنما جمعت من منافع هذا الغيبة، وهو سريع الطعن، أتاك ولم تأته؛ اليوم: لدفع ضرر الجهالة عنك، وإنما وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان فيه لحلية الأولياء ٨١٥ مواعظ لك فاشفعه بمثله: أوثق باجتماع شهادتهما، لك أو عليك. يا ابن آدم، إنه: لا أعظم رزية في عقله: ممن ضيع اليقين، وأخطأه العمل. أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلی، ثم نعود؛ إنما العواري اليوم، والهبات غدًا؛ ألا، وإنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل؛ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه. أيها الناس، ما أنتم في هذه الدنيا عرض: تنتضل فيه المنايا، وإنما أنتم فيه من دنياكم: نهب للمصائب، لا تتناولون فيها نعمة إلا بفراق أخرى؛ ولا يستقبل منكم معمر يومًا من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجدد له زيادة في أكله إلا بنفاذ ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثران؛ فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة. يا ابن آدم، إنما أهل الدنيا سفر، لا يحلون عقدة الرحال، إلا في غيرها، وإنما يتباقون بالعواري؛ فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمعاد. يا ابن آدم، إنما الشيء من مثله، وقد مضت قبلنا أصول نحن من فروعها؛ فما بقاء الفرع بعد الأصل؟ [٣٠/٤ - ٣١] * عن وهب بن منبه قال: من عُرف * عن وهب قال: مر عابد براهب، فأشرف عليه؛ فقال: منذ كم أنت في هذه بالكذب: لم يجز صدقه، ومن عُرف الصومعة؟ قال: منذ ستين سنة؛ قال: فكيف صبرت فيها ستين سنة؟ قال: مر، فإن الدنيا تمرّ؛ ثم قال: يا راهب، كيف ذكرك للموت؟ قال: ما أحسب عبدًا يعرف الله تعالى: تأتي عليه ساعة لا يذكر الله فيها، وما أرفع قدمًا: إلا أظن أني لا أضعها حتى أموت؛ قال: فجعل العابد يبكي؛ فقال له الراهب: هذا بكاؤك في العلانية، فكيف أنت إذا خلوت؟ فقال العابد: إني لأبكي عند إفطاري، فأشرب شرابي بدموعي، وأبلّ طعامي بدموعي، ويصرعني النوم، فأبلّ مضجعي بدموعي. قال: أما إنك إن تضحك وأنت معترف لله ريك بذنبك، خير لك من أن تبكي: وأنت تمرّ على الله رَ؛ قال: فأوصني بوصية؛ قال: كن في الدنيا بمنزلة النحلة، إن أكلت: أكلت طيبًا، وإن وضعت، وضعت طيبًا، وإن سقطت على شيء: لم تضره، ولم تكسره؛ ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار، إنما همّته: أن يشبع، ثم يرمي بنفسه في التراب؛ وانصح لله وَك نصح الكلب لأهله: فإنهم يجيعونه ويطردونه، وهو يحرسهم؛ قال أبو عبد الرحمن: قال أشرس: وكان طاووس، إذا ذكر هذا الحديث بكى، ثم قال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا رَات. [٤٣/٤ - ٤٤] إ مواعظ ٨١٦ التهذيب الموضوعي بالصدق: ائتمن على حديثه، ومن أكثر الأحداث ما لكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم. [٤ /٢١٤] الغيبة والبغضاء: لم يوثق منه بالنصيحة، ومن عرف بالفجور والخديعة: لم يوثق إليه في المحبة، ومن انتحل فوق قدره: جحد قدره، ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره. [٤/ ٦٣] * عن ميمون بن مهران قال: يا ابن آدم، خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه: من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا؛ وكل هذا تحمله على ظهرك؛ فخفف عن ظهرك. وقال ميمون: إن أعمالكم قليلة، فأخلصوا هذا القليل. [٩٢/٤] وأي حسرة على امرئ أكبر: من أن يصيب مالًا، فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله تعالى، فيصير وزره عليه، وأجره لغيره؟ وأي حسرة على امرئ أكبر، من أن یری من كان مكفوف البصر: ففتح له عن بصره يوم القيامة، وعمي هو؟ إن من كان قبلكم يفرون من الدنيا، وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم ما لهم؛ وأنتم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، ولكم من * عن عون بن عبد الله بن عتبة: أنه كان يقول: اليوم المضمار، وغدًا السباق، والسبقة: الجنة، والغاية: النار؛ فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون، وبالأعمال تقتسمون المنازل. [٢٤٦/٤] * عن عمر بن ذر قال: اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ وإنما جُعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين: للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما * عن أبي إدريس عن حصين قال: کان من كلام إبراهيم التيمي، أنه يقول: تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في أي حسرة أكبر على امرئ، من أن يرى هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في حفرته، عبدًا كان له، خوّله الله إياه في الدنيا: هو وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على أفضل منزلة منه عند الله يوم القيامة؟ طول نومه، عندما يرى من كرامة الله رشمك للعابدين غدًا؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام، رحمكم الله. [١٠٩/٥] * قال عمر بن ذر: عليَّ تحملون قسوة قلوبكم، وجمود أعينكم؟ علي تحملون العي إن لم أسمعكم؟ اليوم مواعظ من كتاب الله، من جاء يلتمس الخير: فقد وجد الخير؛ هذا تقويض الدنيا؛ ثم قرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾ [التكوير: ١]. فكان ابن ذر يقول: هيهات العشار وأهل العشار، عطلها أهلها بعد الضن بها. [١١٠/٥] مواعظ ٨١٧ لحلية الأولياء * عن عمر بن ذر قال: لما رأى عما خلوتم به وغدوتم إليه؛ فاتقوا الله مما تكاتمون: ألا تبادرون كلمتنا وقد قرب، العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة: قد سكنوا إلى وهذا مقعد العائذين بك؛ أما والله، لو فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم: من أعلم أني أبر ما افتررت ضاحكًا، حتى أعلم ما لي مما علي؛ ولكنا إذا قمنا عما ترون عدنا إلى ما تعلمون. [١١٤/٥] الضجعة والنوم قاموا إلى الله، فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم: من حسن عبادة السهر، وطول التهجد؛ فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته، بصفاح وجوههم: فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملّت أبدانهم من طول العبادة؛ فأصبح الفريقان وقد ولّى عنهم الليل: بربح وغبن؛ أصبح * قال أبو نعيم: وقرأ يومًا الحاقة حتى بلغ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِى كِنَبَهُ بِمِينِهِ، فَقُولُ هَاؤُمُ [الحاقة: ١٩]. ثم قال: أَقْرَءُواْ كِنَبِيَهُ حمل ورب الكعبة ظنه على اليقين، ثم نادى، مسفر وجهه، ثلج قلبه، مطلقة يداه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ يَلَيْكَنِىِ [الحاقة: ٢٥]. فأخذ هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح لَمْ أُوتَ كِنَلِيَهُ (®)﴾ هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة؛ شتان ما بين الفريقين. ابن ذر يقول: صدقت يا كذاب، صدقت يا كذاب؛ ينادي، مسود وجهه، كاسف فاعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا باله، مغلولة يداه إلى عنقه، وقال: ﴿أَوْلَى الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير لَكَ فَأَوْلَى (٢٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوَ إ (٣٥)﴾ [القيامة : ٣٤ _ ٣٥]. علينا نكرر الوعيد، فلا الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ إنما جُعلا سبيلًا للمؤمنين إلى عن أنفسهم. وعزتك: ما نحتمل وعيد من هو دونك، طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين للغفلة ممن لا يضر ولا ينفع، ممن يشركنا في لذة نومنا، وطعامنا وشرابنا، حتى نعلم ما لنا فيما وعدنا؛ اللهم، وهولاء الذين اغتنموا ظلمة الليل، وجاهدوك بما استخفوا به من غيرك؛ فإن كان في سابق العلم: ألا يحدثوا توبة، فَأَقِدْ منهم بأسوأ أعمالهم. [١١٤/٥ - ١١٥] فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومته عندما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله. [١١٤/٥] * عن ابن ذر قال في كلامه: أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه * عن عمر بن ذر قال: ما أغفل الناس في كل يوم وليلة، من بين منقول: عزيز مواعظ ٨١٨ التهذيب الموضوعي على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في منصوب، من رمته بسهامها: لم تخطئه، ومن أرادته: لم تصب غيره. قومه: إلى حفرة يابسة، وأحجار من الجندل صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد، إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذٍ عمله. ومن بين مغموم غريب: قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه؛ جاءه الموت من قبل أن ینال بغیته، فأخذه بغتة؛ ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع. .٠ أما للعابدين من عبر في كلام الواعظين؟ ولربما قلت: سبحانه وجل جلاله، لقد أمهلكم، حتى كأن أهملكم؛ ثم أرجع إلى حلمه وقدرته، ثم أقول: بل أخّرنا إلى حين آجالنا سبحانه: إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتجف فيه القلوب، ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. يا رب، قد أنذرت وحذرت، فلك الحجة على خلقك؛ ثم قرأ: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. ثم يقول: أيها الظالم، أنت في أجلك الذي استأجلت: فاغتنمه قبل نفاذه، وبادره، قبل فوته؛ وآخر الأجل: معاينة الأجل، عند نزول الموت؛ فعند ذلك: لا ألا وإن الخير الأكبر: خير الآخرة الدائم: فلا ينفد، والباقي: فلا يفنى، والممتد: فلا ينقطع؛ والعباد المكرمون: في جوار الله تعالى، مقيمون في كل ما اشتهت الأنفس، ولذّت الأعين، متزاورون على النجائب، ويتلاقون: فيتذاكرون أيام الدنيا؛ هنيئًا للقوم هنيئًا: لقد وجد القوم بغيتهم، ونالوا طلبتهم، إذ كانت رغبتهم: إلى السيد الكريم المتفضل. [١١٥/٥ - ١١٦] * عن أبي عبد الله الصنابحي قال: الدنيا تدعو إلى فتنة، والشيطان يدعو إلى خطيئة؛ ولقاء الله: خير من الإقامة معهما. [١٢٩/٥] * عن ابن محيريز قال: كلكم يلقى الله غدًا ولقبه كذبته؛ وذلك أن أحدكم لو كانت أصبعه من ذهب يشير بها، وإن كان بها شلل لجعل يواريها. [١٤٠/٥] * عن عبد الله بن أبي زكريا قال: والله، للبس المسوح، وسفّ الرماد، ونوم على المزابل مع الكلاب: ليسير في مرافقة الأبرار. [٥ / ١٥٠] * عن عبد الرحمن بن عبد الله: أن رجاء بن حيوة الكندي، قال لعدي بن عدي، ولمعن بن المنذر يومًا - وهو يعظهما -: انظروا الأمر الذي تحبان أن ينفع الأسف؛ إنما ابن آدم: غرض للمنايا تلقيا الله عليه: فخذا فيه الساعة، وانظروا لحلية الأولياء ٨١٩ مواعظ الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عليه، فدعاه الساعة. [١٧٠/٥] * عن خالد بن معدان قال: ما من عبد، إلا وله أربع أعين: عينان في وجهه: يبصر بهما أمور الدنيا، وعينان في قلبه: يبصر بهما أمور الآخرة؛ فإذا أراد الله بعبد خیرًا : فتح عينيه اللتين في قلبه، فيبصر بهما ما وعد بالغيب، وهما غیب، فأمن الغيب بالغيب؛ وإذا أراد بعبد غير ذلك: تركه على ما هو عليه؛ ثم قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. [٢١٢/٥ - ٢١٣] * عن بلال بن سعد قال: رب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر؛ فويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ولا يشرب، ويضحك ويلعب؛ وقد حق عليه في قضاء الله: أنه من أهل النار. زاد عباس في حديثه: فيا ويلا لك روحًا، ويا ويلا لك جسدًا؛ فلتبك، وليبك عليك البواكي بطول الأبد. [٢٢٣/٥] * عن بلال بن سعد قال في مواعظه: یا أهل الخلود، يا أهل البقاء: إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للخلود والأبد؛ ولکنکم تنقلون من دار إلی دار. [٢٢٩/٥] * وزاد: كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف؛ ثم إلى الخلود: في الجنة، أو النار. [٢٢٩/٥] * عن بلال بن سعد قال: يا أولي الألباب، لا تقتدوا بمن لا يعلم؛ ويا أولي الألباب: لا تقتدوا بالسفهاء، ويا أولي الأبصار: لا تقتدوا بالعمي، ويا أولي الإحسان: لا يكن المساكين ومن لا يُعرف: أقرب إلى الله منكم، وأحرى أن يستجاب لهم؛ فليتفكر متفكر فيما يبقى له وينفعه. [٢٣٠/٥] * عن بلال قال: أما ما وكلكم به: فتضيعون، وأما ما تكفل لكم به: فتطلبون! ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين؛ أَذَوُو عقول في طلب الدنيا، وبله عما خلقتم له؟ فكما ترجون رحمة الله، بما تؤدون من طاعة الله: فكذلك، أشفقوا من عقاب الله، بما تنتهكون من معاصي الله. [٢٣٠/٥ _ ٢٣١] * عن بلال بن سعد قال: أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن، مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم؛ أما رزقه: فدارٍ عليكم، وأما رحمته: فغير محجوبة عنكم، وأما ستره: فسابغ عليكم، وأما عقابه: فلم يعجل لكم؛ ثم أنتم على ذلك: لاهون، تجترئون على إلهكم، أنتم تكلمون، ويوشك الله تعالى: يتكلم وتسكنون، ثم یثور من أعمالكم دخان تسودّ منه الوجوه. فاتقوا یومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفی كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون. مواعظ ٨٢٠ التهذيب الموضوعي عباد الرحمن، لو غُفرت لكم عباد الرحمن، إن العبد: ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله، وقد أضاع ما سواها، فما زال الشيطان يمنّيه فيها ويزين له، حتی ما یری شيئًا دون الله. خطاياكم الماضية: لكان فيما تستقبلون شغل، ولو عملتم بما تعلمون: لكنتم عباد الله حقًا. [٢٣١/٥] * عن بلال بن سعد قال في موعظته: عباد الرحمن، لو سلمتم من الخطايا: فلم تعملوا فيما بينكم وبين الله خطيئة، ولم تتركوا لله طاعة إلا جهدتم أنفسكم في أدائها، إلا حبكم الدنيا: لوسعكم ذلك شرًا، إلا أن يتجاوز الله ويعفو. * قال: وسمعته يقول: عباد الرحمن، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد؛ ومن لم يعمل على اليقين، فلا يغتر. [٢٣١/٥] * عن بلال بن سعد قال: عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم: أن شيئًا من أعمالكم، أو شيئًا من خطاياكم غفر لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ( [المؤمنون: ١١٥]. والله، لو عجل لكم الثواب في الدنيا: لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم؛ أفترغبون في طاعة الله: بتعجيل دنيا تفنى عن قريب، ولا ترغبون ولا تنافسون: في جنة ﴿أُكُلُهَا دَآَبٌِّ وَظِلُهَاَ ◌ِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْاْ وَعُقْبَ الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾؟ [الرعد: ٣٥]. [٢٣١/٥ - ٢٣٢] * عن بلال بن سعد قال: فقبل أن تعملوا أعمالكم: فانظروا ما تريدون بها، فإن كانت خالصة لله: فامضوها، وإن كانت لغير الله: فلا تشقوا على أنفسكم، ولا شيء لكم؛ فإن الله تعالى: لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا؛ فإنه تعالى قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. عباد الرحمن، ما يزال لأحدكم حاجة إلى ربه تعالى: إما مسألة، وإما رغبة إليه، وأما عهد الله، وأمره، ووصيته؛ فعندك ضائع: أفكل ساعة تريدون أن يتم عليكم إحسان ربكم عندكم؟ ولا تتفقدون أنفسكم في حق ربكم عندكم؟ ما هذا بالنصف فيما بينكم وبين ربكم. عباد الرحمن، أشفقوا من الله، واحذروا الله، ولا تأمنوا مكره، ولا تقنطوا من رحمته؛ واعلموا: أن لنعم الله عندكم ثمنًا، فلا تشقوا على أنفسكم؛ أتعملون عمل الله لثواب الدنيا؟ فمن كان كذلك: فوالله، لقد رضي بقليل، حيث استعنتم على اليسير من عمل الدنيا: فلم ترضوا ربكم فيها، ورفضتم ما يبقى لكم: وکفاکم منه الیسیر. [٢٣٢/٥] * قال عمر بن عبد العزيز: يا أيها