Indexed OCR Text

Pages 781-800

لحلية الأولياء
٧٨١
المناظرة وآدابها
فعال الأمم السالفة، أم عن ما قصدنا الله
به من فعله تحذيرًا؟ قال: بم ذاك؟ حتى
عدّ له الشافعي ثلاثة وسبعين حكمًا في
القرآن .
فقال له الرشيد: ويحك يا شافعي،
أفكل هذا يحيط به علمك؟
فقال له: يا أمير المؤمنين، المحنة على
القائل: كالنار على الفضة، تخرج جودتها
من راءتها، فها أنا ذا فامتحن.
فقال له الرشيد: ما أُحْسِن أُعيدُ ما
قُلتَ، فسأسألك عنه بعد هذا المجلس إن
شاء الله؛ قال له: وكيف بصرك بسنة
رسول الله وال﴾؟
فقال له الشافعي: إني لأعرف منها ما
يخرج على وجه الإيجاب، ولا يجوز
تركه، كما لا يجوز ترك ما أوجبه الله
تعالى في القرآن، وما خرج على وجه
التأديب، وما خرج على وجه الخاص لا
يشرك فيه العام، وما خرج على وجه
العموم يدخل فيه الخصوص، وما خرج
جوابًا عن سؤال سائل ليس لغيره
استعماله، وما خرج منه ابتداء الازدحام
العلوم في صدره، وما فعله في خاصة
نفسه واقتدى به الخاصة والعامة، وما
خص به نفسه دون الناس كلهم مع ما لا
ينبغي ذكره، لأنه أسقط عليه السلام عن
الناس، وسنّه ذكرًا .
شافعي لسنة رسول الله وَله، فأحسنت
موضعها لوصفها؛ فما حاجتنا إلى التكرار
عليك، ونحن نعلم ومن حضرنا: أنك
حامل نصابها مقلًا بها؟
فقال له الشافعي: ذلك من فضل الله
علينا وعلى الناس؛ وإنما شرفنا
برسول الله وَله فيك.
فقال: كيف بصرك بالعربية؟
قال: هي مبدأنا وطباعنا، بها قوّمت،
وألسنتنا بها جرت؛ فصارت كالحياة: لا
تتم إلا بالسلامة؛ وكذلك العربية: لا
تسلم إلا لأهلها؛ ولقد ولدت، وما أعرف
اللحن، فكنت كمن سلم من الداء، ما
سلم له الدواء، وعاش بكامل الهناء؛
وبذلك شهد لي القرآن: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
يعني: قريشًا، وأنت وأنا منهم يا أمير
المؤمنين، والعنصر نظيف، والجرثومة
منيعة شامخة؛ أنت أصل، ونحن فرع؛
وهو ◌َّ مفسّر ومبيّن، به اجتمعت
أحسابنا، فنحن بنو الإسلام، وبذلك
ندعی وننسب .
فقال له الرشيد: صدقت بارك الله
فيك؛ ثم قال له: كيف معرفتك بالشعر؟
فقال: إني لأعرف طويله، وكامله،
وسريعه، ومجتثه، ومسرحه، وخفيفه،
وهزجه، ورجزه، وحكمه، وغزله، وما
فقال له الرشيد: أخذت الترتيب يا قيل فيه على الأمثال تبيانًا للأخبار، وما

المناظرة وآدابها
٧٨٢
التهذيب الموضوعي
قصد به العشاق رجال للتلاق، وما رئي به
الأوائل ليتأدب به الأواخر، وما امتدح به
المكثرون بابتلاء أمرائهم: وعامتها كذب
وزور؛ وما نطق به الشاعر ليعرف تنبيهًا
وحال لشيخه، فوجل شاعره، وما خرج
على طرب من قائله، لا أرب له؛ وما
تكلم به الشاعر فصار حكمة لمستمعه.
فقال له الرشيد: اكفف يا شافعي، فقد
أنفقت في الشعر: ما ظننت أن أحدًا
يعرف هذا، ويزيد على الخليل حرفًا؛
ولقد زدت وأفضلت، فكيف معرفتك
بالعرب؟
قال: أما أنا، فمن أضبط الناس
لآبائها، وجوامع أحسابها، وشوابك
أنسابها، ومعرفة وقائعها، وحمل مغازيها
في أزمنتها، وكمية ملوكها، وكيفية ملكها،
وماهية مراتبها، وتكميل منازلها، وأندية
عراضها، ومنازلها منهم: تبع، وحمير،
وجفنة، والأسطح، وعيص، وعويص،
والإسكندر، وإسفاد، وأسططاويس،
وسوط، وبقراط، وأرسططاليس، من
أمثالهم: من الروم، إلی کسری، وقيصر،
ونوبة، وأحمر، وعمر بن هند، وسيد بن
ذي يزن، والنعمان بن المنذر، وقطر بن
أسعد، وصعد بن سعفان - وهو جد
سطيح الغساني لأبيه -، في أمثالهم: من
ملوك قضاعة، وهمدان، والحيان: ربيعة،
ومصر .
فقال له الرشيد: يا شافعي، لولا أنك
من قريش، لقلت: إنك ممن لين له
الحديد؛ فهل من موعظة؟
فقال الشافعي: إنك تخلع رداء الكبر
عن عاتقك، وتضع تاج الهيبة عن رأسك،
وتنزع قميص التجبر عن جسدك، وتفتش
نفسك، وتنشر سرك، وتلقي جلباب الحياء
عن وجهك، مستكينًا بين يدي ربك؛
وأكون واعظًا لك عن الحق، وتكون
مستمعًا بحسن القبول، فينفعني الله بما
أقول، وينفعك بما تسمع.
فقال له الرشيد: أما إني قد فعلت،
وسمعت الله والرسول، وللواعظين
بعدهما؛ فعظ، وأوجز.
فحل الشافعى عنه إزاره، وحسر عن
ذراعيه؛ وقال: أيا أمير المؤمنين، اعلم
أن الله جل ثناؤه: امتحنك بالنعم،
وابتلاك بالشكر؛ ففضل النعمة أحسن،
لتستغرق بقليلها كثيرًا من شكرك؛ فكن الله
تعالى شاكرًا، ولآلائه ذاكرًا: تستحق منه
المزيد؛ واتق الله في السر والعلانية:
تستكمل الطاعة؛ واسمع لقائل الحق، وإن
كان دونك: تشرف عند الله، وتزد في عين
رعيتك.
واعلم أن الله ◌ّإلَ يفتش سرك، فإن
وجده بخلاف علانيتك: شغلك بهمّ
الدنيا، وفتق لك ما يزنق عليك،
واستغنى الله، والله غني حميد؛ وإن وجد

لحلية الأولياء
٧٨٣
المناظرة وآدابها
موافقًا لعلانيتك: أحبك، وصرف همّ مال الله الذي آتاك؛ ولا تكرههم على
الدنيا عن قلبك، وكفاك مؤونة نظرك إمساك عن حق، ولا على خوض في
لغيرك، وترك لك نظرك لنفسك، وكان باطل فإنهم الذين مكّنوا لك البلاد،
المقوي لسياستك.
ولن تطاع إلا بطاعتك لله تعالى، فكن
له طائعًا: تكتسب بذلك السلامة في
العاجل، وحسن المنقلب في الآجل؛
فإن الله مع الذين اتقوا، والذين هم
محسنون .
واحذر الله، حذر عبد علم مكان
عدوه، وغاب عنه وليه، فتيقظ خوف
السرى.
لا تأمن من مكر الله لتواتر نعمه عليك،
فإن ذلك مفسدة لك، وذهاب لدينك،
وأسقط المهابة في الأولين والآخرين.
وعليك بكتاب الله: الذي لا يضل
المسترشد به، ولن تهلك ما تمسكت به؛
فاعتصم بالله تجده تجاهك.
وعليك بسنة رسول الله وَة: تكن على
طريقة الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده؛
وما نصب الخلفاء المهديون في الخراج
والأرضين، والسواد والمساكن،
والديارات؛ فكن لهم تبعًا، وبه عاملًا،
راضيًا، مسلمًا؛ واحذر التلبيس فيه، فإنك
مسؤول عن رعيتك.
وعليك بالمهاجرين والأنصار: الذين
تبوّؤوا الدار والإيمان؛ فاقبل من
واستخلصوا لك العباد، ونوّروا لك
الظلمة، وكشفوا عنك الغمة، ومكّنوا لك
في الأرض، وعرّفوك السياسة، وقلدوك
الرياسة؛ فنهضت بثقلها بعد ضعف،
وقويت عليها بعد فشل، كل ذلك يرجوك
من كان من أمثالهم لعفتهم طمع الزيادة
لهم؛ فلا تطع الخاصة: تقربًا إليهم بظلم
العامة، ولا تطع العامة: تقربًا إليهم بظلم
الخاصة: لتستديم السلامة .
وكن لله كما تحب أن يكون لك
أولياؤك من العامة، من السمع والطاعة؛
فإنه ما ولي أحد على عشرة من
المسلمين، فلم يحطهم بنصيحة: إلا جاء
يوم القيامة، ويده مغلولة إلى عنقه، لا
يفكها إلا عدله، وأنت أعرف بنفسك.
قال: فبكى الرشيد؛ وقد كان في خلال
هذه الموعظة يبكي، لا يُسمع له صوت،
فلما بلغ إلى هذا الفصل: بكى الرشيد،
وعلا نحيبه، وبكى جلساؤه، وبكى
محمد، وأبو یوسف.
فقال الوالي: يا هذا الرجل، احبس
لسانك عن أمير المؤمنين، فقد قطعت قلبه
حزنًا .
وقال محمد بن الحسن، وهو قائم على
محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وآتهم من قدمه: اغمد لسانك يا شافعي عن أمير

المناظرة وآدابها
٧٨٤
التهذيب الموضوعي
المؤمنين، فإنه أمضى من سيفك - والرشيد أوقعتماني فيما لا خلاص لي منه عند
ربي؛ ثم وثب الرشيد، وانصرف الناس.
يبكي، ولا يفيق -.
فأقبل الشافعي على محمد والجماعة،
فقال: اسكتوا أخرسكم الله، لا تذهبوا
بنور الحكمة: يا معشر عبيد الرعاع،
وعبيد السوط والعصا؛ أخذ الله لأمير
المؤمنین منکم لتلبیسکم الحق علیه، وهو
يرثكم الملك لديه؛ أما والله، ما زالت
الخلافة بخير: ما صدف عنها أمثالكم؛
ولكن تزال بشرّ: ما اعتصمت بكم.
فرفع الرشيد رأسه، وأشار إليهم: أن
كفوا؛ وأقبل علي بسيف، فقال: خذ هذا
الکهل إليك، ولا تحلني منه؛ ثم أقبل
على الشافعي، فقال: قد أمرت لك
بصلة، فرأيك في قبولها موقف.
فقال له الشافعي: كلا والله، لا
يراني الله تعالى قد سوّدت وجه موعظتي
بقبول الجزاء عليها؛ ولقد عاهدت الله
عهدًا: أني لا أخلط بملك من الملوك:
تكبر في نفسه، وتصغر عند ربه؛ إلا
ذكرت الله تعالی، لعله أن يحدث له
ذکرًا؛ ثم نهض.
فلقد رأيت محمدًا، وهو بعد ذلك يكثر
التردد إلى الشافعي، وربما حجب؛ ثم إن
الشافعي بعد ذلك دخل على الرشيد، فأمر
له بألف دينار فقبلها، فضحك الرشيد،
وقال: لله درك، ما أفطنك، قاتل الله
عدوك، فقد أصبح لك ولیًا .
وأمر الرشيد خادمه سراجًا باتباعه، فما
زال يفرقها قبضة قبضة، حتى انتهى إلى
خارج الدار، وما معه إلا قبضة واحدة؛
فدفعها إلى غلامه، وقال له: انتفع بها؛
فأخبر سراج الرشيد بذلك، فقال: لهذا
ذرع همه، وقوي متنه؛ فاستمر الرشيد
عليهما. [٩ / ٨٥ - ٩١ ]
* عن محمد قال: ما رأيت أحدًا يناظر
الشافعي، إلا رحمته مع الشافعي.
قال: وقال هارون بن سعيد: لو أن
الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من
حجارة: أنه من خشب، لغلب؛ في
اقتداره على المناظرة.
وقال الشافعي: ناظرت رجلًا بالعراق،
فلما خرج، أقبل الرشيد على محمد فجاء، فكلّما جاء بمعنى: أدخلت عليه
معنى آخر، فيبقى؛ فتناظرنا في شيء،
ويعقوب، فقال لهما: ما رأيت كاليوم قط،
أفرأيتما أنتما كيومكما؟ فلم نجد بدًا من أن
نقول: لا؛ فقال الرشيد لهما: أبهذا
فقلت له: من قال بهذا؟ قال: أمسك أبو
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؛ فلم يزل
تغرياني؟ لقد بؤتما اليوم بإثم عظيم؛ لولا يعد، حتى عد العشرة، فبلغ كل مبلغ؛
أن منّ الله علي بالتأييد في أمره، كيفما وكان حولنا قوم لا معرفة لهم بالرواية،

تحلية الأولياء
٧٨٥
المناظرة وآدابها
فاجتمعنا بعد ذلك المجلس، فقلت له:
الذي رويت عن أبي بكر وعمر وعثمان
وعلي، من حدثك به؟ فقال: لم أرو لك
شيئًا، ولم يحدثني أحد؛ وإنما قلت لك:
أمسك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
قال محمد: كان أعلم بكل فن؛ لو
كنت أدركته وأنا رجل كامل، لاستخرجت
من جنبيه علومًا جمة؛ ولقد رأيت عنده
أشعار هذيل، وما كنت أذكر فيه قصيدة،
إلا ربما أنشدنيها من أولها إلى آخرها؛
على أنه مات، وهو ابن أربع وخمسين
سنة. [١٠٣/٩ - ١٠٤]
* عن الشافعي قال: ناظرت يومًا
محمد بن الحسن، فاشتدت مناظرتي إياه،
فجعلت أوداجه تنتفخ، وأزراره تنقطع:
زرًا زرًا. [٩ / ١٠٤]
* عن حرملة بن يحيى قال: اجتمع
حفص الفرد، ومصلان الأباضي عند
الشافعي، في دار الجروي۔۔ وأنا حاضر ۔؛
واختصم حفص الفرد ومصلان في
الإيمان، فاحتج على مصلان، وقوي
عليه، وضعف مصلان؛ فحمى الشافعي،
وتقلد المسألة: على أن الإيمان قول
وعمل، يزيد وينقص؛ فطحن حفصًا
الفرد، وقطعه. [١١٥/٩]
* عن محمد بن إدريس الشافعي
قال: ما ناظرت أحدًا قط، إلا على
النصيحة. [١١٨/٩]
عن الشافعي قال: ما ناظرت أحدًا
*
قط، إلا أحببت: أن يوفق، ويسدد،
ويُعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ؛
وما ناظرت أحدًا إلا: ولم أبال: بيّن الله
الحق على لساني، أو لسانه. [١١٨/٩]
* عن الشافعي قال: إذا رأت العامة:
الرجل يناظر الرجل، فأعلى صوته، وجعل
يضحك منه: فصب له بالقلة. [١٣٨/٩]
عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه
قال: رأيت يزيد بن هارون يصلي، فجاء
إليه أبو عبد الله أحمد بن حنبل؛ فلما سلّم
يزيد من الصلاة: التفت إلى أحمد بن
حنبل؛ فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في
العارية؟ قال: مؤداة؛ فقال له يزيد:
أخبرنا حجاج عن الحكم، قال: ليست
بمضمونة؛ فقال له أحمد بن حنبل: قد
استعار النبي 18 من صفوان بن أمية
أدرعًا، فقال له: ((عارية مؤداة))، فقال
النبي ◌َّلجر: ((العارية مؤداة)). فسكت يزيد،
وصار إلى قول أحمد بن حنبل. [١٦٣/٩]
* عن صالح بن أحمد بن حنبل، قال
أبي: لما كان في شهر رمضان، لليلة سبع
عشرة خلت منه، حوّلت من السجن إلى
دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد
واحد، يوجه إلي في كل يوم رجلان
- سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما:
أحمد بن رباح، وأبو شعيب الحجاج -
يكلماني، ويناظراني؛ فإذا أرادا

المناظرة وآدابها
٧٨٦
التهذيب الموضوعي
الانصراف: دعوا بقيد، فقيدت به؛
فمكثت على هذه الحال ثلاثة أيام، فصار
في رجلي أربعة أقياد.
فقال لي أحدهما في بعض الأيام، في
كلام دار بيننا، وسألته عن علم الله فقال:
علم الله مخلوق.
فقلت له: يا كافر، كفرت.
فقال لى الرسول الذي كان يحضر معهم
من قبل إسحاق: هذا رسول أمير
المؤمنين .
قال: فقلت له: إن هذا زعم أن علم الله
مخلوق؛ فنظر إليه كالمنكر عليه ما قال،
ثم انصرفا .
قال أبي: وأسماء الله في القرآن،
والقرآن من علم الله؛ فمن زعم أن القرآن
مخلوق: فهو كافر؛ ومن زعم أن
أسماء الله مخلوقة: فقد كفر.
قال أبي رَّتُهُ: فلما كانت ليلة الرابعة،
بعد العشاء الآخرة: وجّه المعتصم بنا إلى
إسحاق بن إبراهيم الموصلي: يأمره
بحملي.
فأُدخلت على إسحاق، فقال لي: يا
أحمد، إنها والله نفسك، إنه حلف أن لا
يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربًا بعد
ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه
الشمس؛ أليس قد قال الله ريق: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] فيكون
مجعولًا إلا مخلوق؟
قال أبي: فقلت له: قد قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾﴾ [الفيل: ٥]،
أفخلقهم؟
فقال: اذهبوا به.
قال أبي: فأُنزلت إلى شاطئ دجلة،
فأُحدرت إلى الموضع المعروف بباب
البستان، ومعي بغا الكبير، ورسول من
قبل إسحاق.
قال: فقال بغا لمحمد المحاربي
- بالفارسية - ما تريدون من هذا الرجل؟
قال: يريدون منه أن يقول: القرآن
مخلوق .
فقال: ما أعرف شيئًا من هذه الأقوال؛
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، وقرابة أمير المؤمنين من
رسول الله.
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط:
أخرجت من الزورق، فجعلت أكاد أخرّ
على وجهي، حتى أنتهي بي إلى الدار،
فأُدخلت؛ ثم عُرج بي إلى الحجرة،
فصيّرت في بيت منها، وأُغلق علي
الباب؛ وأُقعد عليه رجل، وذلك في
جوف الليل، وليس في البيت سراج؛
فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب
شيئًا، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت،
فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.
فلما أصبحت: جاءني الرسول، فأخذ
بيدي، فأدخلني الدار؛ وإذا هو جالس،

لحلية الأولياء
٧٨٧
المناظرة وآدابها
وابن أبي دؤاد حاضر، قد جمع أصحابه،
والدار غاصة بأهلها؛ فلما دنوت:
سلمت؛ فقال لي: ادنه؛ فلم يزل يدنيني،
حتى قربت منه؛ ثم قال لي: اجلس؛
فجلست، وقد أثقلتني الأقياد.
فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام؟
فقال : تكلم.
فقلت: إلى ما دعا رسول الله وَله؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
قال: قلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله؛
ثم قلت له: إن جدك ابن عباس يحكي:
أن وفد عبد القيس، لما قدموا على
رسول الله وَر: أمرهم بالإيمان، بالله
قال: ((أتدرون ما الإيمان بالله؟)) قالوا:
الله ورسوله أعلم؛ قال: ((شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن
تعطوا الخمس من الغنم)).
عن أبي حمزة، قال: سمعت ابن
عباس قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا
على رسول الله رَلي: أمرهم بالإيمان بالله؛
فذكر الحديث.
قال أبو الفضل: قال أبي: فقال لي عند
ذلك: لولا أن وجدتك في يد من كان
قبلي، ما تعرضت لك؛ ثم التفت إلى
عبد الرحمن بن إسحاق؛ فقال له: يا
عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟
قال أبي :
فقلت في نفسي: الله أكبر، إن في هذا
فرجًا للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه؛ ثم
قال: يا عبد الرحمن. كلمه.
فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في
القرآن؟
قال: قلت: ما تقول في علم الله؟
فسكت .
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا،
فأرد على هذا، وأكلم هذا؛ ثم أقول: يا
أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من
كتاب الله رَّت، أو سنة رسوله عليه الصلاة
والسلام: أقول به.
أراه قال: فيقول ابن أبي دؤاد: فأنت
ما تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة
رسوله؟
قال: فقلت: تأولت تأويلًا، فأنت
أعلم؛ وما تأولت تحبس عليه، وتقيد
علیه .
قال: فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا
أمير المؤمنين ضال مضل، مبتدع؛ وهؤلاء
قضاتك والفقهاء، فسلهم.
فيقول: ما تقولون فيه؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال
مضل، مبتدع .
قال: ولا يزالون يكلموني قال: وجعل
صوتي يعلو أصواتهم.

المناظرة وآدابها
٧٨٨
التهذيب الموضوعي
وقال إنسان منهم: قال الله تعالى: ﴿مَا
يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾
[الأنبياء: ٢]. فيكون محدثًا، إلا مخلوقًا؟
قال: فقلت له: قال الله تعالى: ﴿ص،
وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾﴾ [ص: ١]. فالقرآن
هو الذكر، والذكر هو القرآن؛ ويلك،
ليس فيها ألف ولام.
قال: فجعل بن سماعة لا يفهم ما
أقول؛ قال: فجعل يقول لهم ما يقول.
قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم: حديث
خباب: ((تقرب إلى الله بما استطعت،
فإنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه
من کلامه)).
قال أبي: فقلت لهم: نعم، هكذا هو.
فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه
متغيظًا عليه.
﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾؟ [الأنعام: ١٠٢].
قلت: قد قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأحقاف: ٢٥] فدمرت، إلا ما أراد الله.
قال: فأقول: يا أمير المؤمنين،
قال: فقال بعضهم: فما تقول؟ وذكر أعطونى شيئًا من كتاب الله، أو سنة
حديث عمران بن حصين: ((إن الله كتب رسول الله وَل ـ
الذكر)»، فقال: إن الله خلق الذكر.
فلما طال بنا المجلس: ضجر، فقام؛
فقلت: هذا خطأ، حدثناه غير واحد: فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه.
((إن الله كتب الذكر)).
منهم، اعترض ابن أبي دؤاد، فتكلم.
فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا؛
ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلا
بي وبعبد الرحمن؛ فجعل يقول: أما
تعرف صالحًا الرشيدي؟ كان مؤدبي،
وكان في هذا الموضع جالسًا - وأشار إلى
ناحية من الدار -.
قال: فتكلم، وذكر القرآن، فخالفني،
فأمرت به، فسحب ووطئ؛ ثم جعل يقول
لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟
فقال له عبد الرحمن: يا أمير
المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة: يرى
طاعتك، والحج والجهاد معك، وهو
ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: والله إنه لفقيه، وإنه
العالم، وما يسوءني أن يكون معي يَرُدّ
على أهل الملك؛ ولئن أجابني إلى شيء
له فيه أدنى فرج: لأطلقن عنه بيدي،
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: ولأطأن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم يلتفت إلي، فيقول: ويحك يا
أحمد، ما تقول؟
ثم وجه إلي برجلين سماهما، وهما :
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل صاحب الشافعي، وغسان - من أصحاب

لحلية الأولياء
٧٨٩
المناظرة وآدابها
ابن أبي دؤاد - يناظراني، فيقيمان معي؛ جاؤوا بشيء من الكلام مما ليس في
حى إذا حضر الإفطار: وجه إلينا بمائدة كتاب الله ◌َ، ولا سنة رسول الله وَله،
ولا فيه خبر ولا أثر؛ قلت: ما أدري ما
هذا؟
عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت
أتعلل، حتى ترفع المائدة.
وأقاما إلى غدو في خلال ذلك:
یحیی بن أبي دؤاد؛ فيقول لي: يا أحمد،
يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئًا من
حتی أقول به.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث
فقال لي ابن أبي دؤاد: والله، لقد كتب وتنتحله؛ فقال له: ما تقول في قول الله
تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِ الْأَنْثَيَيْنِ﴾؟ [النساء: ١١]. فقال:
خص الله بها المؤمنين.
قال: فقلت له: ما تقول إن كان قاتلًا،
ثم يأتيني رسوله، فيقول: أين أحمد بن أو عبدًا، أو يهوديًا، أو نصرانيًا؟ فسكت؛
عمار؟ أجب الرجل الذي أنزلت في قال أبي: وإنما احتججت عليهم بهذا،
حجرته، فيذهب؛ ثم يعود، فيقول: يقول لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن؛
ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوًا مما رددت على ابن أبي
دؤاد؛ فلا تزال رسله تأتي أحمد بن
عمار، وهو يختلف فيما بيني وبينه؛
ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني،
حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
وكان إذا انقطع الرجل منهم: اعترض
ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين،
والله، لئن أجابك: لهو أحب إلي من مائة
ألف دينار، ومائة ألف دينار؛ فيعدد ما
شاء الله من ذلك.
قال: فلما كان في اليوم الثاني:
أدخلت عليه؛ فقال: ناظروه، وكلموه.
ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي،
وبعبد الرحمن؛ فيدور بيننا كلام كثير؛
قال: فجعلوا يتكلمون: هذا من هاهنا، وفي خلال ذلك يقول: ندعو أحمد بن
وهذا من هاهنا؛ فأرد على هذا وهذا؛ إذا
أبي دؤاد.
قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا
توجهت له الحجة وعلينا: وثب؛ وإذا
كلمناه بشيء، يقول: لا أدري ما هذا؟
قال: فيقول: ناظروه؛ ثم يقول: يا
كتاب الله رَ، أو سنة رسول الله وَّ، أحمد، إني عليك شفيق.
اسمك في السبعة، فمحوته؛ ولقد ساءني
أخذهم إياك؛ وإنه والله، ليس السيف؛ إنه
ضرب بعد ضرب؛ ثم يقول لي: ما تقول؟
فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه.

٧٩٠
التهذيب الموضوعي
فأقول: ذلك إليك؛ فيوجه إليه، يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من
هؤلاء .
حتى إذا صرت إليه، قال: ناظروه،
وكلموه؛ فعادوا لمثل مناظرتهم، فدار بيننا
بالأمس، فجعلا يتكلمان؛ فدار بيننا كلام وبينهم كلام كثير.
حتی إذا کان في الوقت الذي كان يخلو
فلما كان وقت الإفطار: جيء بطعام بي فيه، فجاءني، ثم اجتمعوا، فشاورهم؛
ثم نحاهم ودعاني، فخلا بي
وبعبد الرحمن؛ فقال لي: ويحك يا
أحمد، أنا والله عليك شفيق، وإني لأشفق
عليك مثل شفقتي على هارون ابني:
فأجبني.
وجاء ابن أبي دؤاد، فقال: إنه قد
حلف: أن يضربك ضربًا، وأن يحبسك
في موضع لا تری فیه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ حتى إذا كدت أن
أصبح، قلت لخليق أن يحدث في هذا
اليوم من أمري شيء؛ وقد کنت: خرجت
تكتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد
أحملها بها؛ إذا توجهت إليه، فقلت لبعض
من كان معي، الموكل بي: أريد لي خيطًا،
فجاءني بخيط، فشددت به الأقیاد، وأعدت
التكة في سراويلي، ولبستها كراهية أن
يحدث شيء من أمري: فأتعری.
فلما كان في اليوم الثالث: أدخلت
عليه، والقوم حضور؛ فجعلت أدخل من
دار إلى دار، وقوم معهم السيوف، وقوم
معهم السياط، وغير ذلك من الزي
والسلاح؛ وقد حشيت الدار بالجند، ولم
فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا
من کتاب الله ربك، أو سنة رسوله ◌َلڑ .
فلما ضجر وطال المجلس، قال:
عليك لعنة الله، لقد طمعت فيك؛ خذوه،
اخلعوه، اسحبوه.
قال: فأخذت، فسحبت، ثم خلعت.
ثم قال: العقابين والسياط؛ فجيء
بعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرتان
من شعر النبي صل18، فصررتهما في كم
قميصي؛ فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى
الصرة في كم قميصي؛ فوجه إلي: ما هذا
المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر
النبي ◌َّة؛ فسعى بعض القوم إلى القميص
ليحرقه، في وقت ما أقمت بين العقابين.
فقال لهم: لا تحرقوه، وانزعوه عنه.
المناظرة وآدابها
فيجيء، فيتكلم؛ فلما طال بنا المجلس:
قام، ورُددت إلى الموضع الذي کنت فيه؛
وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي
کثیر .
على نحو مما أتي به في أول ليلة،
فأفطروا، فتعللت، وجعلت رسله تأتي
أحمد بن عمار، فيمضي إليه، فيأتيني
برسالة على نحو مما كان في أول ليلة.

لحلية الأولياء
٧٩١
المناظرة وآدابها
قال أبي: فظننت أنه بسبب الشعر الذي قال للجلاد: ادنه، شد قطع الله يدك.
ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد،
فيضربني سوطین، ویتنحى؛ وهو يقول له:
أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس شد قطع الله يدك.
ثم قام لي الثانية، فجعل يقول: يا
فقال لي إنسان ممن شدني: خذ أي أحمد، أجبني؛ وجعل عبد الرحمن بن
الخشبتين بيدك، وشد عليها؛ فلم أفهم ما إسحاق يقول لي: من صنع بنفسه من
قال؛ قال: فتخلعت يدي لما شدت، ولم أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا
يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة، وابن أبي
أمسك الخشبتين .
قال أبو الفضل: ولم يزل أبي كَّتُهُ [ ... ](١)؛ وجعل يعدد علي من أجاب،
يتوجع منها من الرسغ، إلى أن توفي.
وجعل هو يقول: ويحك، أجبني.
ثم قال للجلادين: تقدموا؛ فنظر إلى
السياط؛ فقال: ائتوا بغيرها؛ ثم قال لهم:
تقدموا؛ فقال لأحدهم: ادنه، أوجع
قطع الله يدك، فتقدم، فضربني سوطين،
ثم تنحى؛ فلم يزل يدعو واحدًا بعد
واحد، فيضربني سوطين، ويتنحى.
ثم قام، حتى جاءني وهم محدقون به؛
فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك؟
ويحك، أجبني، حتى أطلق عنك بيدي.
قال: فجعل بعضهم يقول: ويحك،
إمامك على رأسك قائم؛ قال: وجعل
يعجب، وينخسني بقائم سيفه؛ ويقول:
تريد أن تغلب هؤلاء كلهم؛ وجعل
إسحاق بن إبراهيم يقول: ويلك، الخليفة
على رأسك قائم؛ قال: ثم يقول بعضهم:
يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.
قال: فجعلت أقول نحوًا مما كنت
أقول لهم.
قال: فرجع، فجلس، ثم جعل يقول
للجلاد: شد قطع الله يدك.
قال أبي: فذهب عقلي، وما عقلت إلا
وأنا في حجرة، طلق عني الأقياد.
فقال إنسان ممن حضر: إنا كبيناك على
وجهك، وطرحنا على ظهرك سارية،
ودسناك.
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذلك.
قال: فجاؤوني بسويق، فقالوا لي:
اشرب وتقيا .
فقلت: لا أفطر؛ ثم جيء بي إلى دار
إسحاق بن إبراهيم؛ قال أبي: فنودي
بصلاة الظهر، فصلينا الظهر.
قال: ثم رجع فجلس على الكرسي؛ ثم (١) بياض بالأصل.
كان فيه؛ ثم صیرت بين العقابین، وشدت
يدي، وجيء بکرسي، فوضع له؛ وابن
اجتمعوا، وهم قيام ممن حضر.

المناظرة وآدابها
٧٩٢
التهذيب الموضوعي
مِن ضربك؟
فقلت: قد صلى عمر، وجرحه يثعب
دمًا؛ فسكت.
ثم خلّي عنه، ووجّه إليه برجل ممن
يبصر الضرب والجراحات، ليعالج فيها؛
فنظر إليه؛ فقال لنا: والله، لقد رأيت من
ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربًا أشد
من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن
قدامه؛ ثم أدخل ميلًا في بعض تلك
الجراحات، وقال: لم يثعب؛ فجعل يأتيه
ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير
ضربة؛ ثم مكث يعالجه ما شاء الله؛ ثم
قال: إن هاهنا شيئًا أريد أن أقطعه؛ فجاء
بحديدة، فجعل يعلق اللحم بها، ويقطعه
بسکین معه، وهو صابر لذلك، يحمد الله
في ذلك، فيراه منه.
ولم یزل یتوجع من مواضع منه، وکان
أثر الضرب بيّنًا في ظهره، إلى أن
توفي ◌َّتُ .
قال ابن سماعة: صليت، والدم يسيل فقال لي: يا ابن أخي، رحمة الله على
أبي عبد الله؛ والله ما رأيت أحدًا يشبهه،
قد جعلت أقول له في وقت ما یوجه إلينا
بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم،
وأنت في موضع مسغبة؟ ولقد عطش،
فقال لصاحب الشراب: ناولني؛ فناوله
قدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه، فنظر إليه
هنيهة، ثم رده عليه؛ قال: فجعلت أعجب
إليه: من صبره على الجوع والعطش، وما
هو فيه من الهول.
قال أبو الفضل: وكنت ألتمس
وأحتال: أن أوصل إليه طعامًا، أو رغيفًا،
أو رغيفين في هذه الأيام؛ فلم أقدر على
ذلك.
وأخبرني رجل حضره، قال: تفقدته في
هذه الأيام، وهم يناظرونه ويكلمونه؛ فما
لحن في كلمة، وما ظننت أن أحدًا يكون
في مثل شجاعته وشدة قلبه .
قال أبو الفضل: دخلت على أبي يومًا،
فقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل
الأنماطي؛ فقال له: اجعلني في حل إذ
قال أبو الفضل: سمعت أبي يقول:
والله، لقد أعطيت المجهود من نفسي،
ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافًا: لا
علي، ولا لي.
لم أقم بنصرتك؛ فقال فضل: لا جعلت
أحدًا في حل، فتبسم أبي وسكت؛ فلما
كان بعد أيام، قال: مررت بهذه الآية:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى:
قال أبو الفضل: فأخبرني أحد الرجلين
اللذين كانا معه، وقد كان هذا الرجل
- يعني: صاحب الشافعي - صاحب
٤٠]. فنظرت في تفسيرها، فإذا هو ما
حدثني به هاشم بن القاسم: ثنا المبارك،
حديث، قد سمع ونظر؛ ثم جاءني بعد، قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا

لحلية الأولياء
٧٩٣
المناظرة وآدابها
جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم
القيامة، نودوا: ليقم من أجره على الله؛
فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؛ قال أبي:
فجعلت الميت في حل من ضربه إياي؛ ثم
جعل يقول: وما على رجل أن لا
يعذب الله بسببه أحدًا؟ [١٩٧/٩ - ٢٠٤]
* عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت
عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد
جعفر بن سليمان الهاشمي: مكانك؛
فقعد، حتی تفرق الناس؛ ثم قال له: يا
بني، تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء
والاختلاف، وكل ذلك يجري منك على
باب رخي إلا أمرك، وما بلغني، فإن
. الأمر لا يزال هينًا، ما لم يصل إليكم
- يعني: السلطان -؛ فإذا صار إليكم، جل
وعظم؛ قال: يا أبا سعيد، وما ذاك؟
قال: بلغني، أنك تتكلم في الرب،
وتصفه، وتشبه؛ قال الغلام: نعم يا أبا
سعيد، نظرنا، فلم نر من خلق الله شيئًا
أحسن ولا أولى من الإنسان؛ فأخذ يتكلم
في الصفة، فقال له عبد الرحمن: رويدك
يا بني، حتى نتكلم أول شيء في
المخلوق، فإن عجزنا عن المخلوق،
فنحن عن الخالق أعجز؛ أخبرني عن
حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال:
سمعت سعيد بن جبير قال: قال عبد الله
في قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُتْرَ
[النجم: ١٨]. قال: رأى جبريل له
ستمائة جناح؛ فبقي الغلام ينظر؛ فقال له
عبد الرحمن: يا بني، فإني أهون عليك
المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعًا
وتسعين جناحًا، صف لي خلقًا بثلاثة
أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا
غير الموضعين الذين ركبهما الله ربك،
حتی أعلم؛ فقال: يا أبا سعيد، قد عجزنا
عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة
الخالق أعجز، فأشهدك أني قد رجعت
عن ذاك، وأستغفر الله. [٨/٩]
* عن الشافعي قال: قال لي محمد بن
الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟
قلت: تريد المكابرة أو الإنصاف؟ فقال:
بل الإنصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟
قال: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس،
قال: قلت: أنشدك بالله أصاحبنا أعلم
بكتاب الله، أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم،
قلت: فصاحبكم أعلم بأقاويل أصحاب
رسول الله وَل* أم صاحبنا؟ قال: فقال:
صاحبكم، قلت: فبقي القياس، قال: لا،
قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعون
أنتم، وإنما القياس على الأصول يعرف
القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن
أنس تَخْذَّتُهُ. [٣٢٩/٦]
* عن الربيع بن سليمان قال: سأل
رجل من أهل بلخ الشافعي عن الإيمان،
فقال للرجل: فما تقول أنت فيه؟ قال:
أقول: إن الإيمان قول، قال: ومن أين
قلت؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [البقرة:

المناظرة وآدابها
٧٩٤
التهذيب الموضوعي
٢٧٧]، فصار الواو فصلًا بين الإيمان قائمة، ولا وجب على السلف البحث
فيه، إلا أنه لا يسعنا خلافه؛ فقال له
الشافعي: قد أقررت على نفسك الخطأ،
فأين أنت عن الكلام في الأخبار والفقه؟
وتوافيك الناس عليه، وتترك هذا؛ فقال:
لنا فيه تهمة، فلما خرج بشر؛ قال
الشافعي: لا يفلح. [١١٠/٩ - ١١١]
والعمل، فالإيمان قول، والأعمال
شرائعه؛ فقال الشافعي: وعندك الواو
فصل؟ قال: نعم، قال: فإذا كنت تعبد
إلهين، إلهّا في المشرق، وإلهًا في
المغرب، لأن الله تعالى يقول: ﴿رَبُّ
[الرحمن: ١٧]،
١٧)
اْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِيَنِ !
فغضب الرجل، وقال: سبحان الله
أجعلتني وثنيًا؟ فقال الشافعي: بل أنت
جعلت نفسك کذلك، قال: کیف؟ قال:
بزعمك أن الواو فصل، فقال الرجل :
فإني أستغفر الله مما قلت، بل لا أعبد إلا
ربًا واحدًا، ولا أقول بعد اليوم: إن الواو
فصل، بل أقول: إن الإيمان قول وعمل،
یزید وینقص، قال الربيع: فأنفق علی باب
الشافعي مالًا عظيمًا، وجمع كتب
الشافعي، وخرج من مصر سنّيًا. [١١٠/٩]
* عن الحسين بن علي قال: جاءت أم
بشر المريسي إلى الشافعي، فقالت له: يا
أبا عبد الله، إن ابني هذا يحبك، وإن
ذُكرت عنده أجلك، فلو نهيته عن هذا
الرأي الذي هو فيه، فقد عاداه الناس
عليه؛ فقال الشافعي: أفعل، فشهدت
الشافعي وقد دخل عليه بشر، فقال
الشافعي: أخبرني عن ما تدعو إليه، أفيه
كتاب ناطق، وفرض مفترض، وسنة
قائمة، ووجب على الناس البحث فيه
والسؤال؟ فقال بشر: ليس فيه كتاب
ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة
* عن أبي شعيب المصري قال : - وأثنى
عليه الربيع خيرًا - قال: حضرت
الشافعي، وعن يمينه عبد الله بن
عبد الحكم، وعن يساره يوسف بن
عمرو بن يزيد، وحفص الفرد حاضر؛
فقال لابن عبد الحكم: ما تقول في
القرآن؟ قال: أقول: كلام الله؛ قال: ليس
إلا؛ ثم سأل يوسف بن عمرو، فقال له
مثل ذلك؛ فجعل الناس يومؤون إليه أن
يسأل الشافعي؛ فقال حفص الفرد: يا أبا
عبد الله، الناس يحيلون عليك؛ قال:
فقال: دع الكلام في هذا؛ قالوا: فقال
للشافعي: ما تقول يا أبا عبد الله في
القرآن؟ قال: أقول: القرآن كلام الله، غير
مخلوق؛ فناظره، وتحاربا في الكلام،
حتى كفَّره الشافعي؛ فقام حفص مغضبًا،
فلقيته من الغد في سوق الدجاج بمصر،
فقال لي: رأيت ما فعل بي الشافعي
أمس؟ کفّرني؛ قال: ثم مضى، ثم رجع؛
فقال: أما إنه مع هذا، ما أعلم إنسانًا
أعلم منه. [٩ / ١١٢]
* قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت

مواعظ
٧٩٥
لحلية الأولياء
بشر بن السري يقول: ليس من أعلام فأنتم المقربون، أنتم المقربون. [٨/١٠]
الحب: أن تحب ما يبغضه حبيبك؛ قال
مواعظ
أحمد: وعلامة حب الله: حب طاعة الله؛
وقيل: حب ذكر الله، فإذا أحب الله
العبد، أحبه؛ ولا يستطيع العبد أن
يحب الله، حتى يكون الابتداء منه بالحب
له، وذلك حين عرف منه الاجتهاد في
مرضاته؛ قال أحمد: ومن عرف الدنيا:
زهد فيها، ومن عرف الآخرة: رغب
فيها، ومن عرف الله: آثر رضاه، ومن لم
یعرف نفسه: فهو من دينه في غرور؛ وقال
أحمد: إذا حدثتك نفسك بترك الدنیا عند
إدبارها، فهو خدعة؛ وإذا حدثتك نفسك
. بتركها عند إقبالها، فذاك. [٧/١٠]
* عن إسحاق بن خلف؛ قال: مر
عيسى ظلَّ بثلاثة من الناس، قد نحلت
أبدانهم، وتغيرت ألوانهم؛ فقال: ما الذي
بلغكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من
النيران؛ قال: مخلوقًا خفتم، وحقًا
على الله أن يؤمن الخائف؛ قال: ثم
جاوزهم إلى ثلاثة أخرى، فإذا هم أشد
تغير ألوان، وأشد نحول أبدان؛ فقال: ما
الذي بلّغكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى
الجنان؛ فقال: مخلوقًا اشتقتم، وحقًا
على الله أن يعطيكم ما رجوتم؛ ثم
جاوزهم إلى ثلاث أخرى، فإذا هم أشد
نحول أبدان، وأشد تغير ألوان، كأن
* عن يحيى بن أبي كثير: أن أبا بكر
الصديق رضي الله تعالى عنه كان يقول في
خطبته: أين الوضاء، الحسنة وجوههم،
المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك: الذين
بنوا المدائن، وحصنوها بالحيطان؟ أين
الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن
الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا
في ظلمات القبور؛ الوحا الوحا، النجاء
النجاء. [٣٤/١ _ ٣٥]
* عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا
أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما
بعد؛ فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا
عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة
بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛
فإن الله تعالى أثنى على زكريا، وعلى أهل
بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
اُلْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم اعلموا عباد الله: أن الله تعالى قد
ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك
مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني
بالكثير الباقي؛ وهذا كتاب الله فيكم: لا
تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره؛ فصدقوا
قوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه
وجوههم المرآة من النور؛ فقال: ما الذي ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة، ووكل
بلغكم ما أرى؟ قالوا: حب لله؛ قال: بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.

مواعظ
٧٩٦
التهذيب الموضوعي
وتروحون، في أجل قد غيّب عنکم علمه؛
فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في
عمل الله: فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك،
إلا بالله.
فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن
تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ
أعمالكم؛ فإن أقوامًا جعلوا آجالهم
لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن
تكونوا أمثالهم؛ الوحا الوحا، النجا
النجا؛ إن وراءكم طلب حثيث، أمره
سريع. [٣٥/١]
* عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
سابط قال: لما حضر أبا بكر الموت:
دعا عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال له:
اتق الله يا عمر، واعلم أن الله رَك عملًا
بالنهار، لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل، لا
يقبله بالنهار؛ وأنه لا يقبل نافلة، حتى
تؤدى الفريضة.
وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه
يوم القيامة: باتباعهم الحق في الدنيا،
وثقله عليهم؛ وحق لمیزان يوضع فيه الحق
غدًا: أن يكون ثقيلًا؛ وإنما خفت موازين
من خفت موازينه يوم القيامة: باتباعهم
الباطل في الدنيا، وخفته عليهم؛ وحق
لميزان يوضع فيه الباطل غدًا: أن يكون
خفيفًا .
ثم اعلموا عباد الله: أنكم تغدون بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛
فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأخاف أن لا
ألحق بهم؛ وإن الله تعالى ذكر أهل النار،
فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم
أحسنه؛ فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو
أن لا أكون مع هؤلاء، فيكون العبد راغبًا
راهبًا، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من
رحمته ت .
فإن أنت حفظت وصيتي: فلا يكن
غائب أحب إليك من الموت، وهو
آتيك؛ وإن أنت ضيعت وصيتي: فلا يكن
غائب أبغض إليك من الموت، ولست
بمعجزه. [٣٧/١]
* عن علي رضابه قال: ليس الخير: أن
يكثر مالك وولدك، ولكن الخير: أن يكثر
علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس
بعبادة ربك؛ فإن أحسنت: حمدت الله،
وإن أسأت: استغفرت الله؛ ولا خير في
الدنيا، إلا لأحد رجلين: رجل أذنب
ذنبًا، فهو تدارك ذلك بتوبة؛ أو رجل
يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في
تقوى، وكيف يقل ما يتقيل؟ [٧٥/١]
* قال علي بن أبي طالب: أيها الناس،
إنكم والله، لو حننتم حنين الوله العجال،
ودعوتم دعاء الحمام، وجأرتم جوار متبتلي
الرهبان، ثم خرجتم إلى الله من الأموال
والأولاد: التماس القربة إليه في ارتفاع
وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة، فذكرهم درجة عنده، أو غفران سيئة أحصاها كتبته:

مواعظ
٧٩٧
لحلية الأولياء
لکان قليلا فیما أرجو لکم من جزيل ثوابه،
وأتخوف عليكم من أليم عقابه .
فبالله بالله بالله، لو سالت عيونكم رهبة
منه ورغبة إليه، ثم عمرتم في الدنيا: ما
الدنيا باقية؛ ولو لم تبقوا شيئًا من
جهدكم، لأنعمه العظام عليكم؛ بهدايته
إياكم للإسلام ما كنتم تستحقون به الدهر،
ما الدهر قائم بأعمالكم جنته؛ ولكن
برحمته ترحمون، وإلی جنتہ یصیر منکم
المقسطون؛ جعلنا الله وإياكم من التائبين
العابدين. [١ / ٧٧]
* عن جعفر بن محمد عن أبيه عن
جده: أن عليًا شيع جنازة، فلما وضعت
في لحدها: عجّ أهلها وبكوا؛ فقال: ما
تبكون؟ أما والله، لو عاينوا ما عاين
ميتهم: لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم؛ وإن
له فيهم لعودة ثم عودة، حتى لا يبقى
منهم أحدًا .
ثم قام، فقال: أوصيكم عباد الله
بتقوى الله: الذي ضرب لكم الأمثال،
ووقّت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعًا
تعي ما عناها، وأبصارًا لتجلو عن
غشاها، وأفئدة تفهم ما دهاها في تركيب
صورها، وما أعمرها؛ فإن الله لم يخلقكم
عبثًا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحًا؛ بل
أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بأوفر
الروافد، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد
لكم الجزاء في السراء والضراء.
فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في
الطلب، وبادروا بالعمل مقطع النهمات،
وهادم اللذات؛ فإن الدنيا: لا يدوم
نعيمها، ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل،
وشبح فائل، وسناد مائل؛ يمضي
مستطرفًا، ويردي مستردفًا: بإتعاب
شهواتها، وختل تراضعها .
اتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا
بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر،
وانتفعوا بالمواعظ؛ فكأن قد علقتكم
مخالب المنية، وضمكم بيت التراب،
ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور،
وبعثرة القبور، وسياقة المحشر، وموقف
الحساب، بإحاطة قدرة الجبار؛ كل نفس
معها سائق يسوقها لمحشرها، وشاهد
يشهد عليها بعملها؛ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ
رَّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحَِّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ
(٦٩
وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
[الزمر: ٦٩]. فارتجت لذلك اليوم البلاد،
ونادى المناد وكان يوم التلاق، وكشف
عن ساق؛ وكسفت الشمس، وحشرت
الوحوش مكان مواطن الحشر، وبدت
الأسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت
الأفئدة.
فنزلت بأهل النار من الله سطوة
مجيحة، وعقوبة منيحة، وبرزت الجحيم:
لها كلب ولجب، وقصيف رعد وتغيظ،
ووعید، تأجج جحیمها، وغلا حميمها،

مواعظ
٧٩٨
التهذيب الموضوعي
وتوقد سمومها؛ فلا ینفس خالدها، ولا
تنقطع حسراتها، ولا يقصم كبولها؛ معهم
ملائكة يبشرونهم: بنزل من حميم،
وتصلية جحيم؛ عن الله محجوبون،
ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون.
عباد الله، اتقوا الله: تقية من كنع فخنع،
ووجل فرحل، وحذر فأبصر فازدجر؛
فاحتث طلبًا، ونجا هربًا؛ وقدم للمعاد،
واستظهر بالزاد؛ وكفى بالله منتقمًا وبصيرًا؛
وكفى بالكتاب خصمًا وحجيجًا، وكفى
بالجنة ثوابًا، وکفی بالنار وبالًا وعقابًا؛
وأستغفر الله لي ولكم. [٧٧/١ - ٧٩]
* عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه كان
يسير في العسكر، فيقول: ألا رب مبيض
لثيابه: مدنس لدينه، ألا ، رب مكرم
لنفسه: وهو لها مهين؛ ادرؤوا السيئات
القديمات بالحسنات الحديثات؛ فلو أن
أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين
السماء، ثم عمل حسنة: لعلت فوق من عمل الجاهلية.
سيئاته، حتى تقهرهن. [١٠٢/١]
* عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت
ابن مسعود في هذا المسجد: يبدأ باليمين
قبل الكلام؛ فقال: ما منكم من أحد، إلا
أن ربه تعالى سيخلو به، كما يخلو أحدكم
بالقمر ليلة البدر، فيقول: يا ابن آدم، ما
غرّك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟
ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت؟ [١٣١/١]
قال عبد الله بن مسعود: إن أصدق
الحديث: كتاب الله رم، وأوثق العرى:
كلمة التقوى، وخير الملل: ملة إبراهيم
وأحسن السنن: سنة محمد رَّةٍ، وخير
الهدي: هدي الأنبياء، وأشرف الحديث:
ذكر الله، وخير القصص: القرآن، وخير
الأمور: عواقبها، وشر الأمور:
محدثاتها؛ وما قل وكفى: خير مما كثر
وألهى، ونفس تنجيها: خير من إمارة لا
تحصیھا .
وشر العذيلة: حين يحضر الموت،
وشر الندامة: ندامة القيامة، وشر
الضلالة: الضلالة بعد الهدى.
وخير الغنى: غنى النفس، وخير
الزاد: التقوى، وخير ما ألقي في
القلب: اليقين، والريب من الكفر، وشر
العمى: عمى القلب، والخمر: جماع
كل إثم، والنساء: حبالة الشيطان،
والشباب: شعبة من الجنون، والنوح:
ومن الناس من لا يأتي الجمعة: إلا
دبرًا، ولا يذكر الله: إلا هجرًا.
وأعظم الخطايا: الكذب، وسباب
المؤمن: فسوق، وقتاله: كفر، وحرمة
ماله: كحرمة دمه، ومن يعف: يعف الله
عنه، ومن يكظم الغيظ: يأجره الله، ومن
يغفر: يغفر الله له، ومن يصبر على
الرزية: يعقبه الله.
وشر المكاسب: كسب الربا، وشر

مواعظ
٧٩٩
لحلية الأولياء
المأكل: مال اليتيم، والسعيد: من وعظ تسكت عنها: لوقوف يوم عظيم، تصدق
بغيره، والشقي: من شقي في بطن أمه.
وإنما يكفي أحدكم: ما قنعت به نفسه،
وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمر: إلى
آخرة، وملاك العمل: خواتمه، وشر
الروايا: روايا الكذب، وأشرف الموت:
قتل الشهداء، ومن يعرف البلاء: يصبر
عليه، ومن لا يعرفه: ينكر، ومن يستكبر:
يضعه، ومن يتولى الدنيا: تعجز عنه، ومن
يطع الشيطان: يعص الله، ومن يعص الله :
يعذبه. [١٣٨/١ - ١٣٩]
* قال علي بن أبي طالب: طوبى لمن
ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع
بالكفاف، ورضي عن الله رحمك. [١٤٧/١]
* عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر
الغفاري عند الكعبة؛ فقال: يا أيها
الناس، أنا جندب الغفاري، هلموا إلى
الأخ الناصح الشفيق؛ فاكتنفه الناس،
فقال: أرأيتم، لو أن أحدكم أراد سفرًا:
أليس يتخذ من الزاد، ما يصلحه ويبلغه؟
قالوا : بلى . .
قال: فسفر طريق القيامة أبعد ما
تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم.
بمالك: لعلك تنجو من عسيرها؛ اجعل
الدنيا مجلسين: مجلسًا في طلب الآخرة،
ومجلسًا في طلب الحلال، والثالث:
يضرك ولا ينفعك: لا تريده، اجعل المال
درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من
حله، ودرهمًا تقدمه لآخرتك، والثالث:
يضرك ولا ينفعك: لا تريده.
ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس،
قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا. [١٦٥/١]
* قال خالد بن عمير: خطبنا عتبة بن
غزوان، قال: أيها الناس، إن الدنيا قد
آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها،
إلا صبابة كصبابة الإناء؛ ألا وإنكم في
دار أنتم متحولون منها، فانتقلوا بصالح ما
بحضرتکم.
وإني أعوذ بالله: أن أكون في نفسي
عظيمًا، وعند الله صغيرًا؛ وإنكم والله،
لتبلون الأمراء من بعدي؛ وإنه والله، ما
كانت نبوة قط إلا تناسخت، حتى تكون
ملگًا وجبرية.
وإني رأيتني مع رسول الله رَحقول، سابع
سبعة، وما لنا طعام: إلا ورق الشجر،
حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت بردة،
قالوا : ما يصلحنا؟
فشققتها بنصفين، فأعطيت نصفها سعد بن
قال: حجوا حجةً: لعظام الأمور،
صوموا يومًا شديدًا حره: لطول النشور،
صلوا ركعتين في سواد الليل: لوحشة
مالك، ولبست نصفها؛ فليس من أولئك
السبعة اليوم رجل حي، إلا وهو أمير
القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء مصر من الأمصار.

مواعظ
٨٠٠
التهذيب الموضوعي
فيا للعجب: للحجر يلقى من رأس الموت؛ والوقوف بين يدي رب العالمين،
جهنم، فيهوي سبعين خريفًا، حتى يتقرر حين لا أدري: إلى النار انصرافي، أم إلى
الجنة؟ [٢٠٧/١]
في أسفلها .
والذي نفسي بيده: لتملأن جهنم،
أفعجبتم؟ وإن ما بين مصراعين من
مصاريع الجنة: مسيرة أربعين عامًا؛
كظيظ. [١/ ١٧١]
* قال أبو الدرداء تظله: اعبدوا الله
كأنكم ترونه، وعدّوا أنفسكم من الموتى؛
واعلموا: أن قليلًا يغنيكم، خير من كثير
وليأتين عليه يوم، وما فيها باب: إلا وهو يلهيكم؛ واعلموا: أن البر لا يبلى، وأن
الإثم لا ينسى. [٢١٢/١]
* عن جریر قال: قال سلمان څہ: یا
* عن معمر عن صاحب له: أن أبا
جرير، تواضع لله؛ فإنه: من تواضع لله الدرداء كتب إلى سلمان رضي الله تعالى
عنهما: يا أخي، اغتنم صحتك وفراغك:
تعالى في الدنيا: رفعه يوم القيامة.
قبل أن ينزل بك من البلاء، ما لا يستطيع
العباد رده؛ واغتنم دعوة المبتلى.
يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم
القيامة؟ قلت: لا أدري؛ قال: ظلم
الناس بينهم في الدنيا .
قال: ثم أخذ عويدًا لا أكاد أن أراه
بين أصبعيه، قال: يا جرير، لو طلبت في
الجنة مثل هذا العود: لم تجده؛ قال:
قلت: يا أبا عبد الله، فأين النخل
والشجر؟ قال: أصولها: اللؤلؤ والذهب،
وأعلاها: الثمر. [٢٠٢/١]
عن جعفر بن برقان قال: بلغنا: أن
سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان
يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث:
ضحكت من مؤمل الدنیا، والموت يطلبه؛
وغافل لا يغفل عنه؛ وضاحك ملء فيه،
لا يدري أمسخط ربه، أم مرضيه؛
وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة، محمد
وحزبه؛ وهول المطلع عند غمرات
ويا أخي، ليكن المسجد بيتك، فإني
سمعت رسول الله ◌َو يقول: ((إن المساجد
بيت كل تقي، وقد ضمن الله رك لمن
كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة
والجواز على الصراط إلى رضوان
الرب ےت)».
ويا أخي، ارحم اليتيم، وأدنه منك،
وأطعمه من طعامك؛ فإني سمعت
رسول الله * يقول - وأتاه رجل يشتكي
قساوة قلبه -، فقال له رسول الله وليتى :
((أتحب أن يلين قلبك؟)) فقال: نعم؛ قال:
((أدن اليتيم منك، وامسح رأسه، وأطعمه
من طعامك؛ فإن ذلك يلين قلبك، وتقدر
علی حاجتك)).
ويا أخي، لا تجمع ما لا تستطيع