Indexed OCR Text
Pages 701-720
لحلية الأولياء ٧٠١ محاسبة النفس وإن يطلع الله و برحمة: تصبك معهم، فقال: ما أفلتت مني كلمة منذ فارقت يا بني: تباعد، لا تجلس في المجلس رسول الله وَ﴾، إلا مزمومة مخطومة، وأيم الله، لا تنفلت غير هذه. [٢٦٥/١] الذي لا یذکر الله ری فیه؛ فإنك إن کنت * عن نافع: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة: أحيا بقية ليلته. وقال بشر بن موسى: أحيا ليلته. [٣٠٣/١] عالمًا: لا ينفعك علمك، وإن تك غبيًا : يزيدوك غباءً، وإن يطلع الله رَك إليكم بعد ذلك بسخط: يصبك معهم؛ ولا تغبطن امرءًا رحب الذراعين، يسفك دماء المؤمنين؛ فإن له عند الله م قاتلًا لا يموت. [٩/ ٥٥] * عن مالك بن أنس قال: كان نافع يجالس زياد بن أبي زياد، فمات زياد، فكان نافع يمر بنا، فنقول: ألا نوسع لك رحمك الله؟ قال: فيأبى، ويقول: اتقوا هذه المجالس. [٢٩٧/٩] * وكان يقول: جالسوا الله کثیرًا، وجالسوا الناس قليلًا. [٣٨٢/١٠] * وكان يقول: مجالسة الأضداد: ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال: تلقيح للعقول؛ وليس كل من يصلح للمجالسة: يصلح للمؤانسة؛ وليس كل من يصلح للمؤانسة: يؤمن على الأسرار؛ ولا يؤمن على الأسرار: إلا الأمناء، فقط. [٣٨٤/١٠] * عن عطية بن قيس: أن أناسًا من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله - وكان غازيًا بأرض الروم - فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة، ووضع في الحفرة نطعًا، وأفرغ ماء، فهو يتصلق فيه وهو صائم؛ فقال له النفر: ما يحملك على الصيام، وأنت مسافر، وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو؟ فقال: لو حضر قتال: أفطرت، وتقويت للقتال؛ إن الخيل: لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات، إن بین أیدینا أياماً لها نعمل. [١٢٧/٢] * عن الحسن - البصري - قال: إن المؤمن: قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله؛ وإنما خف الحساب يوم القيامة: على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا؛ وإنما شق الحساب يوم القيامة: محاسبة النفس على قوم أخذوا هذا الأمر على غير * عن ثابت البناني قال: قال شداد بن أوس يومًا لرجل من أصحابه: هات السفرة نتعلل بها؛ قال: فقال رجل من أصحابه: ما محاسبة؛ إن المؤمن يفجأه: الشيء يعجبه، فيقول: والله، إني لأشتهيك، سمعت منك مثل هذه الكلمة منذ صحبتك؛ وإنك لمن حاجتي، ولكن: والله، ما من محاسبة النفس ٧٠٢ التهذيب الموضوعي وصلة إليك هيهات: حيل بيني وبينك؛ واحدة، ما أدري على ما تهجم: خير، أو شر. [٢ /١٩٩] ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ ما لي ولهذا؟ والله، ما لي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبدًا، إن شاء الله؛ إن المؤمنين: قوم أوثقهم القرآن، وحال بینھم وبین هلکتهم؛ إن المؤمن: أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا: حتى أصغر منك، فقل: قد سبقت هذا يلقى الله رك، يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله. [٢ / ١٥٧] * قال مطرف بن عبد الله: إني لأستلقي من الليل على فراشي: فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة: ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ (®﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿يَدِيِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنْتُ ءَانَآءَ الَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]. فلا أراني فيهم؛ فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿مَا ﴾ [المدثر: ٤٢] فأرى ١٤٣ سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ ( القوم مكذبين، وأمرّ بهذه الآية: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم. [١٩٨/٢] * أن مطرف بن عبد الله قال: لو كان لي نفسان: لقدمت أحدهما قبل الأخرى؛ فإن هجمت على خير: أتبعتها الأخرى، وإلا أمسكتها؛ ولكن: إنما لي نفس * قال بكر بن عبد الله المزني: إن عرض لك إبليس، بأن لك فضلًا على أحد من أهل الإسلام: فانظر، فإن كان أكبر منك، فقل: قد سبقني هذا بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني؛ وإن كان بالمعاصي والذنوب، واستوجبت العقوبة، فهو خير مني؛ فإنك لا ترى أحدًا من أهل الإسلام، إلا أكبر منك، أو أصغر منك؛ قال: وإن رأيت إخوانك المسلمين: من يكرمونك، ويعظمونك، ويصلونك؛ فقل أنت: هذا فضل أخذوا به؛ وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضًا، فقل: هذا ذنب أحدثته. [٢٢٦/٢] * عن عبد الله بن الحارث: أن محمدًا نام عن العشاء، حتى تفرطت؛ ثم قام فصلاها، ثم أحيا بقية ليله. [٢/ ٢٧٢] * عن أبي قلابة قال: إذا كان الإنسان أعلم بنفسه من الناس: فذاك قمن أن ينجو؛ وإذا كان الناس أعلم به من نفسه: فذاك قمن أن يهلك. [٢٨٤/٢] * قال محمد بن واسع: من مقت نفسه في ذات الله: أمنه من مقته. [٣٥٠/٢] ** قال يونس بن عبيد: ما لي تضيع لي الدجاجة، فأجد لها؛ وتفوتني الصلاة، فلا أجد لها؟. [١٩/٣] لحلية الأولياء ٧٠٣ محاسبة النفس * قال يونس بن عبيد: ما أعرف رجلاً إلا ما تجعل في أجوافها؛ حتى إذا أبصر يضبط نفسه منذ أربعين سنة: ضبط ابن عون غفلتهم: نظر إلى نفسه، فقال: والله، إني لأراني من شرهم بعيرًا واحدًا. [٨٩/٤] يومًا واحدًا. فظن أنه يعني نفسه. [٣٨/٣] * عن عبد الله بن عون: أنه نادته أمه، فأجابها، فعلا صوته صوتها؛ فأعتق رقبتين .. [٣٩/٣] * عن سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في النار: أعالج أغلالها وسعيرها، وآكل من * كان يزيد - بن أبان الرقاشي - يقول زقومها، وأشرب من زمهريرها؛ فقلت: في قصصه: ويحك يا يزيد: من يترضى يا نفسي، أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع عنك ربك؟ ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ إلى الدنيا، أعمل عملاً، أنجو به من هذا ثم يقول: يا معشر إخواني: من القبر بيته، والموت موعده: ألا تبكون؛ فبكى، حتى سقطت أشفار عينيه. [٥١/٣] العذاب؛ ومثلت نفسي في الجنة، مع حورها، وألبس من سندسها، وإستبرقها ، وحريرها؛ فقلت: يا نفسي، أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، فأعمل عملًا أزداد من هذا الثواب؛ فقلت: أنت في الدنيا، وفي الأمنية. [٢١١/٤] * مر حسان بن أبي سنان بغرفة، فقال: مذ کم بنیت هذه؟ قال: ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما عليك مذ كم بنيت؟ تسألين عما لا يعنيك؛ فعاقبها بصوم سنة. [١١٥/٣] * عن إبراهيم النخعي قال: بينما رجل * عن أبي حازم - سلمة بن دينار - عابد عند امرأة: إذ عمد، فضرب بيده إلى فخذها؛ قال: فأخذ بيده، فوضعها في الآخرة، فقدّمه اليوم، وانظر الذي تكره النار، حتى نشت. [٢٢٨/٤] قال: انظر الذي تحب أن يكون معك في أن يكون معك ثم: فاتركه اليوم. [٢٣٨/٣] * عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كان أخوان في بني إسرائيل؛ فقال أحدهم عرضت قولي على عملي، إلا وجدت من لصاحبه: ما أخوف عمل عمل عملته * عن ميمون بن مهران قال: ما نفسي اعتراضًا. [٨٦/٤] عندك؟ فقال: ما عملت عملًا أخوف عندي، من أني مررت بين قراحي سنبل، * عن ميمون بن مهران قال: ما أقل أكياس الناس، لا يبصر الرجل أمره: حتى ينظر إلى الناس، وإلى ما أمروا به، وإلى فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت؛ فأردت أن ألقيها في القراح الذي أخذتها ما قد أكبوا عليه من الدنيا؛ فيقول: ما منه، فلم أدر أي القراحين هو، فطرحتها هؤلاء، إلا أمثال الأباعر التي لا همّ لها، في أحدهما؛ أخاف أن أكون قد طرحتها محاسبة النفس ٧٠٤ التهذيب الموضوعي في القراح الذي لم آخذها منه؛ فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال: إن أخوف عمل عملته عندي: إذا قمت في الصلاة، أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجلي فوق ما أحمل على الأخرى - قال: وأبوهما يسمع كلامھما - فقال: اللهم: إن كانا صادقين: فاقبضهما إليك، أفضل. [٢٤٩/٤] رب، إن نفسي لم ترحمني، فارحمني؛ * عن عون بن عبد الله بن عتبة، أنه كان رب، إني أعذرها، ولا عذرتني؛ إنه إن يقول: يا ويح نفسي، كيف أغفل ولا يغفل يك خيرًا: أخذلها وتخذلني، وإن يك عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي، واليوم شرًا: أحبها وتحبني؛ رب، فعافني منها، وعافها مني، حتى لا أظلمها، ولا الثقیل ورائي؟ أم کیف یشتد عجبي بدار، في غيرها قراري وخلدي. [٢٥٤/٤ - ٢٥٥] تظلمني؛ وأصلحني لها، وأصلحها لي؛ فلا أهلكها، ولا تهلكني؛ ولا تكلني إليها، ولا تكلها إلي. ویحي، کیف أفر من الموت، وقد وكل بي؟ ويحي، كيف أنساه، ولا ينساني؟ ويحي، إنه يقص أثري، فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني. ويحي، هل عسى أن يكون قد أظلني، فمسّاني، وصبّحني؟ أو طرقني، فبغتني؛ ويحي، نسيت ما لم ينسوا مني. ويحي، أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني، ولا تسهر لي، ولا يسهر ليلي؛ ويحي، حفظوا ما ضيعت مني. ويحي، طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني. ويحي، كيف أنام على مثلها ليلي؟ * عن عون بن عبد الله، أنه کان یقول في بکائه، وذكر خطيئته: ويحي، بأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي، إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي، من خطيئة ذهبت شهوتها، وبقيت تبعتها عندي، في كتاب كتبه كُتَّاب لم يغيبوا عني؛ واسوأتاه، لم أستحيهم، ولم أراقب ربي. ويحي، غفلت ولم يغفلوا عني؛ لم أستحيهم، ولم أراقب، واسوأتاه. ويحي، طاوعتها فيما يضرها ويضرني، ويحها، ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني، أريد إصلاحها، وتريد أن تفسدني؛ ويحها، إني لأنصفها، وما تنصفني؛ أدعوها لأرشدها، وتدعوني لتغويني؛ ويحها، إنها لعدو، لو أنزلتها تلك المنزلة مني؛ ويحها، تريد اليوم أن ترديني، وغدًا قبل أن يفتتنا؛ فماتا، قال: فما ندري أي تخاصمني؟ رب، لا تسلطها على ذلك هؤلاء أفضل؟ قال يزيد: الأب أرى مني. لحلية الأولياء ٧٠٥ محاسبة النفس ويحي، هل ينام على مثلها مثلي؟ الصدق مني، بل: ويلي إن لم يرحمني ربي . ويحي، كيف لا توهن قوتي، ولا تعطش هامتي؟ ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف لا أنشط فيما يطفئها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، كيف تنكأ قرحتي ما تكسب يدي؟ ويح نفسي، بل: ويلي إن لم یرحمني ربي. ويحي، لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي : إن لم یتم عفو ربي . ويحي، لقد كان لي فيما استوعبت من: لساني، وسمعي، وقلبي، وبصري اشتغال، فویل لي: إن لم يرحمني ربي. ويحي، إن حجبت يوم القيامة عن ربي، فلم يزكني، ولم ينظر إلي، ولم يكلمني؛ فأعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي، أو وراءه ظهري، فيسود به وجھي، وتزرق به مع العمی عيني؛ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي، بأي شيء أستقبل ربي؟ ويحي، لقد خشيت أن لا يكون هذا بلساني، أم بيدي، أم بسمعي، أم بقلبي، أم ببصري؟ ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي؛ فويل لي إن لم يرحمني ربي؛ كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني؟ ويحك يا نفسي، ما لك تنسين ما لا ينسى، وقد أتيت ما لا يؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى في كتاب، لا يبيد ولا یبلی . ويحك، لا تخافين أن تجزي فيمن يجزى يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى. يا نفس ويحك، ألا تستفيقين مما أنت فيه؟ إن سقمت تندمين، وإن صححت تأثمين؛ ما لك إن افتقرت تحزنين، وإن استغنيت تفتنين؟ ما لك إن نشطت تزهدين، فلمَ إن دعيت تكسلين؟ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، فلم لا تنصبين فيما ترغبین؟ يا نفس ويحك، لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين، وتعملين فيها عمل الراغبين. ويحك، لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة؟ لم لا تصنعين؟ يا نفس ويحك، أترجين أن ترضي ولا تراضين، وتجانبين وتعصين؟ ما لك إن سألت تكثرين؟ فلم إن أنفقت تقتربين؟ محاسبة النفس ٧٠٦ التهذيب الموضوعي أتريدين الحياة، ولم تحذرين بتغير الزيادة؟ ربنا؛ فارحمنا يا ربنا، رب ما أحكمك، ولم تشكرين؟ تعظمين في الرهبة حين وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين؛ تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل؛ لا تكوني كمن يقال: هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل؛ بعض بني آدم: إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وإن استغنی فتن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل؛ يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب؛ يقول قول الزاهد، ولا يعمل عمل الراغب؛ يكره الموت لما لا يدع، ویحب الحياة لما يصنع؛ إن سأل أكثر، وإن أنفق قتر؛ يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر؛ يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في الرغبة حين يعمل؛ يرجو الأجر بغير عمل؛ ويح لنا ما أغرّنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا؛ ويح لنا، لأي شيء خلقنا، للجنة، أم للنار؟ ويح لنا، أي خطر خطرنا؛ ويح لنا، من أعمال قد أخطرتنا؛ ويح لنا، مما يراد بنا؛ ويح لنا، كأنما يعني غيرنا؛ ويح لنا، إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أیدینا، وشهدت أرجلنا؛ ویح لنا، حین تفتش سرائرنا؛ ويح لنا، حين تشهد أجسادنا؛ ويح لنا، مما قصرنا، لا براءة لنا، ولا عذر عندنا؛ ويح لنا، ما أطول أملنا؛ ويح لنا، حيث نمضي إلى خالقنا؛ وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأقضاك، وأبينك، وأنورك، وألطفك، وأخبرك، وأعلمك، وأشكرك، وأحلمك، وأحكمك، وأعطفك، وأكرمك؛ رب، ما أرفع حجتك، وأكثر مدحتك؛ رب، ما أبين كتابك، وأشد عقابك؛ رب، ما أكرم مآبك، وأحسن ثوابك؛ رب، ما أجزل عطاءك، وأجل ثناءك؛ رب، ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك؛ رب، ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك؛ رب، ما أمتن كيدك، وأغلب مكرك؛ رب، ما أعز ملكك، وأتم أمرك؛ رب، ما أعظم عرشك، وأشد بطشك؛ رب، ما أوسع كرسيك، وأهدى مهدیك؛ رب، ما أوسع رحمتك، وأعرض جنتك؛ رب، ما أعز نصرك، وأقرب فتحك؛ رب، ما أعمر بلادك، وأكثر عبادك؛ رب، ما أوسع رزقك، وأزيد شكرك؛ رب، ما أسرع فرجك، وأحكم صنعك؛ رب، ما ألطف خيرك، وأقوى أمرك؛ رب، ما أنور عفوك، وأجلّ ذكرك؛ رب، ما أعدل حكمك، وأصدق قولك؛ رب، ما أوفى عهدك، وأنجز وعدك؛ رب، ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك. ويحي، كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم: كيف تهنئني معيشتي، واليوم الثقيل ويح لنا، ولنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ورائي؟ أم: كيف لا يطول، حزني ولا لحلية الأولياء ٧٠٧ محاسبة النفس أدري ما يفعل بي؟ أم: كيف تهنئني الحياة، ولا أدري ما أجلي؟ أم: كيف تعظم فيها رغبتي، والقليل فيها يكفيني؟ أم: كيف آمن، ولا يدوم فيها حالي؟ أم: کیف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم: كيف أجمع لها، وفي غيرها قراري؟ أم: كيف يشتد عليها حرصي، ولا ينفعني ما ترکت فيها بعدي؟ أم: کیف أؤثرها، وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم: كيف لا أبادر بعملي، قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم: كيف يشتد إعجابي بما يزايلني، وينقطع عني؟ أم: كيف أغفل عن أمر حسابي، وقد أظلني واقترب مني؟ أم: كيف أجعل شغلي فيما قد تكفل به لي؟ أم: كيف أعاود ذنوبي، وأنا معروض على ويحي، فهل ضرت غفلتي أحد سواي؟ أم: هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي؟ أم: هل يكون عملي، إلا لنفسي، فلم أدخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟ ويحي، كأنه قد تصرم أجلي، ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني، وسألني، وسأل عني وهو أعلم بي؛ ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري؛ وبدلت السموات والأرض ، وكانتا تطيعان وكنت أعصي؛ وسيرت الجبال، وليس لها مثل خطيئتي؛ وجمع الشمس والقمر، وليس عليهما مثل حسابي؛ وانكدرت النجوم، وليست تطلب بما عندي؛ وحشرت الوحوش، ولم تعمل بمثل عملي؛ وشاب الوليد، وهو أقل ذنبًا مني . ويحي، ما أشد حالي، وأعظم خطري، فاغفر لي، واجعل طاعتك همي، وقوّ عملي؟ أم: كيف لا أعمل بطاعة ربي، عليها جسدي، وسخّ نفسي عن الدنيا، واشغلني فيما ينفعني؛ وبارك لي في وفيها النجاة مما أحذر على نفسي؟ أم: کیف لا یکثر بکائي، ولا أدري ما يراد بي؟ أم: كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم: كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي؟ أم: كيف لا يشتد هولي، مما يشتد منه جزعي؟ أم: كيف تطيب نفسي، مع ذكر ما هو أمامي؟ أم: كيف يطول أملي، والموت في أثري؟ أم: كيف لا أراقب ربي، وقد أحسن طلبي؟ قواها، حتى ينقض مني حالي؛ وامنن علي، وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي؛ ومن سوء الحساب، فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي؛ وآمنّي يوم الفزع الأكبر، يوم لا تهمني إلا نفسي؛ وارزقني نفع عملي، يوم لا ينفعني عمل غيري؛ إلهي، أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صوّرتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني، قرنًا فقرنًا، حتى أخرجتني في الأمة المرحومة؛ إلهي، فارحمني؛ إلهي، فكما مننت علي محاسبة النفس ٧٠٨ التهذيب الموضوعي بالإسلام، فامنن علي بطاعتك، وبترك ولوالدي، ولجميع المسلمين؛ برحمتك آمين يا رب العالمين. [٤ /٢٥٥ - ٢٦٠] معاصيك، أبدًا ما أبقيتني؛ ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي؛ سبحانك خالقي، أنا الذي لم أزل لك عاصيا، فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني؛ هلكت، إن لم تعف عني؛ سبحانك خالقي، بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك؟ وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك، وأنت قد علمت سرائر أمري؟ وكيف أعتذر إليك، إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي كان مني؟ سبحانك خالقي، فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني؛ سبحانك خالقي، أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين؛ فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي التي كانت مني؛ إلهي، علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد الحار، ثم وقعت على معاصيك وأنت تراني؛ فمن أشقى مني إذا عصيتك، وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني؟ * عن بكير بن عتيق قال: سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح، فشربها؛ ثم قال: والله لأسألن عن هذا؛ قال: فقلت له: لمه؟ فقال: شربته وأنا أستلذه. [٤ /٢٨١] * عن ابن أبي غنية: حدثني هذا الشيخ عن جدته، قالت: دخلت خادمنا منزل طلحة بن مصرف، نقتبس نارًا، وطلحة يصلي؛ فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة، حتى نشوي لأبي محمد هذا القديد على قصبتك، يفطر عليها؛ قال: فلما قضى الصلاة؛ قال: ما صنعت؟ لا أذوقها، حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها؛ حبسك إياها، وشواءك على قصبتها. [١٤/٥ _ ١٥] * عن الفضيل بن عياض قال: بلغني عن طلحة بن مصرف: أنه ضحك يومًا، فوثب على نفسه؛ فقال: فيم الضحك؟ إنما يضحك من قطع الأهوال، وجاز السراط؛ ثم قال: آلیت، أن لا أفتر ضاحگًا، حتى أعلم بما تقع الواقعة؛ فما رؤي ضاحكًا حتى صار إلى الله رشيد. [١٥/٥] * عن أبي داود الجفري قال: دخلت على إلهي، أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصي: لم كرز بن وبرة بيته، فإذا هو يبكي؛ فقلت له: تقر عيني للذي کان مني؛ فأنا تائب إليك، فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودًا بعد توحيدي وإيماني بك؛ فاغفر لي، ما يبكيك؟ قال: إن بابي مغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة؛ وما هو، إلا من ذنب أحدثته. [٧٩/٥] لحلية الأولياء ٧٠٩ محاسبة النفس * كان ابن أبجر من شدة التوقي: كأنما عمر بن عبد العزيز بيده على بطنه، ثم قال: بطني: بطيء عن عبادة ربه، متلوث بالذنوب والخطايا، يتمنى على الله منازل الأبرار، بخلاف أعمالهم. [٢٨٧/٥] يتكلم بالمعاريض؛ وكان ابن أبجر إذا رأى شيئًا يكرهه، قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ فلا يزال يرددها، حتى يعلم أنه قد كره شيئًا ؛ وكان ابن أبجر من شدة التوقي، يقول من لا يعرفه: كأنه غبي؛ وكان ابن أبجر: يعالج من نفسه شدة شديدة، ولكن لا يتكلم بشيء. [٨٤/٥] * عن الوليد بن شجاع، حدثني أبي، قال: كنت لا أكاد ألقى عبد الملك بن أبجر؛ إلا قال: نقصت الأعمار بعدك، واقترب الآجال؛ ما فعل جيرانك؟ - يعني: أهل القبور -؛ ثم يقول: أمر يريد الله إدباره، متى يقبل؟ [٨٤/٥] * عن أبي سنان عن عمرو - بن قيس الملائي - قال: إذا شغلت بنفسك: ذهلت عن الناس، وإذا شغلت بالناس: ذهلت عن ذات نفسك. [١٠٢/٥] * عن سفيان قال: قال ابن ذر - أبو ذر عمر بن ذر ـ: لولا أني أخاف أن لا يكون برًا من القسم، لأقسمت: أن لا أخرج بشيء من الدنيا، حتى أعلم ما لي في وجوه رسل الله إلي. [١١٢/٥] * عن خالد بن معدان قال: لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يرى الناس في جنب الله: أمثال الأباعر؛ ثم يرجع إلى نفسه، فيكون أحقر حاقر. [٢١٠/٥] * قال كهمس - بن الحسن الدغَّاء -: يا أبا سلمة، أذنبت ذنبًا، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة؛ قلت: وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي، فاشتریت له سمگًا بدانق؛ فلما أكل قمت إلى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين، فمسح بها يده؛ فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة. [٢١١/٦] * عن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: سقط من كهمس دينار في الطريق، فرجع في طلبه؛ قال: فوجده، فلما صار في يده؛ قال: أحمد، ما أدري، أهو ديناري، أو غيره؟. [٢١١/٦] * قال عبد الله بن المبارك: كنا مع كهمس، فدنا من الماء ليشرب؛ فذاقه، فوجده باردًا، فأمسك؛ فقال: هاك أبا عبد الرحمن، تحاسب بفضلها. [٢١٣/٦] * عن أبي حسن بن اليسع قال: لقي عبد الواحد بن زيد عتبة الغلام في رحبة القصابین، في يوم شات، شدید البرد؛ فإذا هو يرفس عرقًا، فقال له عبد الواحد: عتبة؟ قال: نعم؛ قال: فما شأنك؟ ما لك تعرق في مثل هذا اليوم؟ قال: خير؛ قال: لتخبرني؛ قال: خير؛ قال: فقال: * عن سفيان الثوري قال: ضرب للأنس الذي بيني وبينك، والإخاء، إلا ما محاسبة النفس ٧١٠ التهذيب الموضوعي أخبرتني؛ قال: إني والله ذكرت ذنبًا أصبته ينظر فيها؛ فأحب أن يعلم ما فيها، فوقع في هذا المكان، فهذا الذي رأيت من في يده الرقعة، فإذا فيها مكتوب: سفيان، أجل ذلك. [٢٢٨/٦] * عن مبارك بن سعيد قال: جاء رجل إلى سفيان الثوري ببدرة، أو ببدرتین؛ وكان أبو ذاك صديقًا لسفيان؛ قال الرجل: وکان سفیان یأتیہ کثیرًا؛ قال: فقال له: يا أبا عبد الله، في نفسك من أبي شيء؟ فقال: يرحم الله أباك، كان وكان، فأثنى عليه؛ قال: فقال: يا أبا عبد الله، قد عرفت كيف صار إلى هذا المال، فأنا أحب أن تأخذ، هذه تستعين بها على عيالك؛ قال: فقبل سفيان ذلك، وقام الرجل، فلما كاد أن يخرج؛ قال لي: يا مبارك، الحقه، فرده علي؛ فقال: يا ابن أخي، أحب أن تأخذ هذا المال؛ قال له: يا أبا عبد الله، في نفسك منه شيء؟ قال: لا، ولكن أحب أن تأخذه؛ فما زال به حتى أخذه، فذهب به؛ قال: فلما خرج، لم أملك نفسي أن جئت إليه؛ فقلت: ويلك، أي شيء قلبك هذا: حجارة؟ عد أن ليس لك عيال، أما ترحمني؟ أما ترحم إخوتك؟ أما ترحم عيالنا، وعيالك؟ قال: فأکثرت عليه؛ فقال: الله يا مبارك، تأكلها هنيئًا مريئًا، وأُسأل أنا عنها. [٣/٧ - ٤] اذكر وقوفك بين يدي الله ريال. [٥/٧] * عن وكيع عن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئًا قط: أشد علي من نفسي، مرة عليَّ، ومرة لي. [٥/٧] * عن سفيان الثوري قال: كان أقوام يدعون إلى الحلال، فلا يقبلونه؛ ويقولون: نخاف منه على أنفسنا. [٧ /١٠] * عن أبي نعيم: أن الحسن بن صالح انتهى إلى أصل حائط، فأخذ مدرة، فتمسح بها؛ فدق عليهم الباب، فقال: إني أخذت من حائطكم مدرة، فتمسحت بها، فاجعلوني في حل. [٣٢٩/٧] * عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول هذا، ويتمثل به إذا خلا في جوف الليل، بصوت حزين، موجع للقلوب: ومتى أنت صغيرًا وكبيرًا أخو علل، فمتى ينقضي الردى؟ ومتى ويحك العمل؟ ثم يقول: يا نفس، إياك والغرة بالله، فقد قال الصادق: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. [١١/٨] * عن حامد اللفاف قال: سمعت حاتمًا الأصم يقول: تعاهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت، فاذكر نظر الله تعالى عليك؛ وإذا تكلمت، فانظر سمع الله منك؛ * عن عبد الله: أن رجلا كان يتبع سفيان الثوري، فيجده أبدًا يخرج من لبنة، رقعة وإذا سكت، فانظر علم الله فيك. [٨/ ٧٥] لحلية الأولياء ٧١١ محاسبة النفس * عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل لعبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله في غفلة عظيمة عن الموت، مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي؛ راحل، يسرع كل يوم في عمري؛ ومؤمل، لست أدري على ما أهجم؛ ثم بكى. [١٩٤/٨] * عن أحمد بن عبد العزيز بن محمد الدمشقي عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: كل نفس مسؤولة: فمرتهنة، أو مخلصة؛ وفكاك الرهون بعد قضاء الديون؛ فإذا أغلقت الرهون: أكدت الديون، وإذا أكدت الديون: استوجبوا السجون. [٢٨٠/٩] * قال الحارث بن أسد المحاسبي: المحاسبة والموازنة في أربعة مواطن: فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك. [١٠٩/١٠] فتش وابحث عن أخلاق الإسلام ما حالك فيه؟ حتى تسلم، ويعظم قدره في نفسك وعندك. [١٠/ ١٩٣] * وقيل: فأي منزلة: إذا قام العبد بها، أقام مقام العبودية؟ قال: إذا ترك التدبير؛ قيل: فأي منزلة إذا قام بها، أقام الصدق؟ قال: إذا توكل عليه فيما أمر به، ونهاه عنه. [١٠ / ١٩٦] * وقال: المؤمن: من راقب ربه، وحاسب نفسه، وتزوّد لمعاده. [١٠/ ١٩٧] كان أبو حفص - عمرو بن سلمة النيسابوري - يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتَّهم خواطره: فلا تعدّه في ديوان الرجال؛ وكان يقول: مِن نعت الفقير الصادق: أن یکون في کل وقت بحکمه، فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته: يستوحش منه، وينفيه. [٢٣٠/١٠] * عن أبي القاسم الجنيد قال: ينبغي للعاقل ألا يُفقد من إحدى ثلاثة مواطن: موطن يعرف فيه حاله: أمزاد، أم منتقص؟ وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه، وإلزامها ما يلزمها، ويتقصى فيه على معرفتها؛ وموطن يستحضر عقله، برؤيته مجاري التدبير عليه، وكيف تقلب فيه الأحكام، في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولن يصفو عقل لا * قال سهل بن عبد الله: لا تفتش عن يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير، إلا مساوئ الناس، ورداءة أخلاقهم؛ ولكن بإحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين. فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله: أمزاد هو، أم منتقص؟: فعليه أن يطلب مواضع الخلوة، لكي لا يعارضه مشغل، فيفسد ما يريد إصلاحه؛ ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض، الذي لا يزكو حال قربه، إلا بإتمام الواجب من الفرائض؛ ثم ينتصب انتصاب ٧١٢ التهذيب الموضوعي محاسبة النفس عبد بين يدي سيده، يريد أن يؤدي إليه ما وصل عدوه إليه، فحرسها بلياذة اللجأ، أمر بتأديته؛ فحينئذ: تكشف له خفايا وإلقاء الكنف، وشدة الافتقار، وطلب النفوس الموارية، فيعلم: أهو ممن أدى الاعتصام؛ كما قال النبي ابن النبي ابن ما وجب عليه، أم لم يؤد؟ ثم لا يبرح من النبي؛ الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ كذا قال النبي ◌ّ: ((الكريم ابن مقامه ذلك، حتی یوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم؛ فإن رأى خللًا: أقام الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل على إصلاحه، ولم يجاوزه إلى عمل سواه؛ وهذه أحوال: أهل الصدق في هذا المحل، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن الله لقوي عزيز. الرحمْن ◌َا»: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَهِنَ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. وعلم يوسف ظلَّلاً: أن كيد الأعداء مع قوة الهوى، لا ينصرف بقوة النفس ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنُّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (®﴾ [يوسف: ٣٤]. وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه، ويتقصى فيه حال معرفتها: فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك، وأراد المناصحة في المعاملة؛ فإن النفوس: ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك، إلا من تصفح ما هنالك، في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف؛ فإن النفس إذا ألفت فعل الخير: صار خلقًا من أخلاقها، وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له؛ وترى: أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له، السبيل على مجاري الدم فيها، فيرى هو بكيده خفي غفلتها، فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال؛ فإن تألم لوكزته منه، وعرف طعنته: أسرع وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله، لرؤية مجاري الأحكام، وكيف يقلبه التدبير: فهو أفضل الأماكن، وأعلى المواطن؛ فإن الله أمر جميع خلقه: أن يواصلوا عبادته، ولا يسأموا خدمته؛ فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥)﴾ [الذاريات: ٥٦]. فألزمهم دوام عبادته، وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية، وفي الأخرى جزيل الثواب؛ فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (﴾﴾ [الحج: ٧٧] وهذه كلها تلزم كل الخلق، ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام، وقد عرض لرفيع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به، العلم والمعرفة؛ ألا يعلم، أنه قال: ﴿كُلَّ فاستقصى من نفسه علم الحال التي منها يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْذٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. يعني: شأن لحلية الأولياء ٧١٣ محاسبة النفس الخلق؛ وأنت أيها الواقف: أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم؟ أو ترى شأنك مرضيًا عنده؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله، إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه، وخروجها من قلبه؛ فإذا انقضت الدنيا، وبادت أهلها، وانصرفت عن القلب: خلا بمسامرة رؤية التصرف، واختلاف الأحكام، وتفصيل الأقسام؛ ولن يرجع قلب من هذا وصفه، إلى شيء من الانتفاع بما في هذه: التي عنها خرج، ولها ترك، ومنها هرب؛ ألا ترى إلى حارثة، حين يقول: عزفت نفسي عن الدنيا؟ ثم يقول: وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني بأهل الجنة يتزاورون، وكأني، وكأني؛ وهذه بعض أحوال القوم. [٢٧١/١٠ - ٢٧٢] * عن محفوظ بن محمود قال: من أبصر محاسن نفسه: ابتلي بمساوئ الناس، ومن أبصر عيوب نفسه: سلم من رؤية مساوئ الناس، ومن ظن بمسلم فتنة: فهو المفتون. [٣٥١/١٠] وقال: لا تزن الخلق بميزانك، وزن نفسك بميزان المؤمنين؛ لتعلم فضلهم، وإفلاسك. [٣٥١/١٠] * عن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج إلي يده فقال: يا بني، ترى يدي؟ ما ضربت بها شيئًا قط. [٣٧١/٨] بعمر وهو يضرب رجلًا بالدرة، فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده، إنه لمكتوب في التوراة: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه. [٣٨٩/٥] * مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر كرمًا، فقال: ناولنا من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، قال: فيقلب السوط وأمسك بموضع الشيب، فجعل يقنع رأسه، فطأطأ إبراهيم رأسه، وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله، قال: فأعجز الرجل عنه. [٣٧٩/٧] * يقول عامر بن عبد قيس: رأيت نفرًا من أصحاب النبي ◌َّ، وصحبتهم، فحدثونا: أن أصفى الناس إيمانًا يوم القيامة: أشدهم محاسبة لنفسه في الدنيا، وأن أشد الناس فرحًا في الدنيا: أشدهم حزنًا يوم القيامة؛ وأن أکثر الناس ضحگًا في الدنيا: أكثرهم بكاءً يوم القيامة؛ وحدثونا أن الله تعالى فرض فرائض، وسن سننًا، وحد حدودًا، فمن عمل بفرائض الله وسننه واجتنب حدوده، دخل الجنة بغير نجاسة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم تاب، استقبل الشدائد والزلازل والأهوال، ثم يدخل الجنة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم مات مصرًا على ذلك، لقي الله مسلمًا، إن * عن سعيد بن أبي هلال: أن كعبًا مر شاء غفر له وإن شاء عذبه. [ محبة الرسول وَلخادم ٧١٤ التهذيب الموضوعي * عن أبي شوذب قال: اجتمع يونس بن ثلاثًا بغير ثلاث: فهو كذاب؛ من ادعى حب الله بغير ورع عن محارمه: فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة، من غير إنفاق ماله: فهو كذاب، ومن ادعى حب النبي و # من غير حب الفقراء: فهو كذاب. [٨ / ٧٥] عبيد وعون، فتذاكرا الحلال والحرام، فكلاهما قال: ما أعلم في مالي درهمًا حلالًا. [١٢٨/٣] * قال أبو حازم - سلمة بن دينار -: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت: لم ترفع الأسواق بموتك، إن شأنك صغير، فاعرف نفسك. [٣/ ٢٣٢] ـلِاللّهِ وَسلم محبة الرسول * عن عمر بن الخطاب قال: نظر النبي 18َ إلى مصعب بن عمير مقبلًا، وعليه إهاب كبش قد تنظّق به؛ فقال: ((انظروا إلى هذا الرجل، الذي قد نوّر الله قلبه؛ لقد رأیته بین أبوین یغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون)). [١٠٨/١] * عن عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها قالت: قلّما كان خالد يأوي إلى فراش مقيله، إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله وَّهر، وإلى أصحابه، من المهاجرين والأنصار؛ ثم يسميهم، ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل ربي قبضي إليك؛ حتى يغلبه النوم، وهو في بعض ذلك. [٢١٠/٥] * جاء رجل إلى النبي ◌َقول، قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ قال: ((إنها قائمة، فما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله؛ قال: ((فلك ما احتسبت، وأنت مع من أحببت)). [١٧١/١٠] * سئل أبو جعفر الكتاني: كم مرة رأيت النبي و 18 في المنام؟ فقال: كثيرًا؛ فقلت: يكون ألف مرة؟ فقال: لا؛ فقلت: فتسعمائة؟ فقال: لا؛ قلت: فثمانمائة مرة؟ فقال: لا؛ قلت: فسبعمائة مرة؟ فقال بيده هكذا، أي: قريبًا منه؛ وكان له كل يوم ختمة، يختمها مع الزوال، والمؤذنون يؤذنون للظهر، إذا ختم؛ فصعد غرفته يومًا للتطهر - وكان قد كف بصره - فوقع في المستحم، وانكسر رجله، ولم يكن بالقوي فيصيح؛ فتأخر رجوعه إلى المسجد، حتى كادت الصلاة يفوت وقتها؛ فتعرف المؤذنون والمجاورون حاله، فصعدوا غرفته، فوجدوه قد انكسر رجله؛ فأصلحوا من شأنه، ونظفوه، ونزلوا به، حتى صلى؛ فمنعته علته عن * عن حاتم الأصم قال: من ادعى زيارة الرسول و184 في تلك السنة، فخرج لحلية الأولياء ٧١٥ محبة الصالحين بعض أصحابه زائرًا، فدفع إليه رقعة، وأمره أن يلقيها في القبر؛ فافتقد صاحبه الرقعة من جيبه، فرأى من ليلته النبي (وَلّر في نومه؛ فقال: يا أبا جعفر، وصلت الرقعة، وقد عذرناك. [٣٤٣/١٠] * عن أبي بكر السبائي قال: سمعت بعض مشايخنا يحكي: أن الشافعي عابه بعض الناس لفرط ميله إلى أهل البيت، وشدة محبته لهم، إلى أن نسبه إلى الرفض؛ فأنشأ الشافعي في ذلك يقول: قف بالمحصب من منی فاهتف بها واهتف بقاعد خيفها والناهض إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافض [٩/ ١٥٢ - ١٥٣] * عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد: حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: قتل محمد، حتى كثرت الصواريخ في نواحي المدينة؛ فخرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت بأخيها، وابنها، وزوجها، وأبيها؛ لا أدري بأيهما استقبلت أولًا؛ فلما مرت على آخرهم، قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك، وأبوك، وزوجك، وابنك؛ قالت: ما فعل النبي ◌َّر؟ فيقولون: أمامك؛ حتى ذهبت إلى رسول الله ێ؛ فأخذت بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب. [٧١/١ - ٧٢] محبة الصالحين * عن حسان بن عطية: أن أبا الدرداء كان يقول: لا تزالون بخير: ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه؛ فإن عارف الحق كعامله. [٢١٠/١] * قيل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله تعالى؛ قال: أحبك الذي أحببتني له؛ اللهم، إني أعوذ بك أن أحب فيك، وأنت لي ماقت أو مبغض. [٣٤٩/٢] * عن طلحة بن مصرف قال: ما شيء يسمن في الخصب والجدب، وما شيء يهزل في الخصب والجدب، وما شيء أحلى من العسل؟ قال: الذي يسمن في الخصب والجدب: المؤمن: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر؛ وأما الذي يهزل في الخصب والجدب: الفاجر، أو الكافر: إذا أعطي لم يشكر، وإذا ابتلي لم يصبر . وأما الذي هو أحلى من العسل: فالألفة التي جعلها الله رحمك بين عباده؛ وقال لي طلحة: للقيّك أحب إلي من العسل. [١٧/٥] * عن خالد بن محمد الثقفي قال: سمعت بلال بن سعد يقول في قصصه - وكان قاصًا لأهل دمشق - إنما المؤمنون إخوة، فكيف بإيمان قوم متباغضين؟. [٢٢٢/٥] * عن عبد الله الحذاء قال: يقول محبة الله رَجَل ٧١٦ التهذيب الموضوعي يوسف ظلّا: اللهم، إني أتوجه إليك وما هما؟ قال: تحمل ما تكره إذا بصلاح آبائي: إبراهيم خليلك، وإسحاق أحبه الله، وتكره ما تحب إذا كرهه الله . ول. [٢٤١/٣] ذبیحك، ويعقوب إسرائیلك؛ فأوحى الله قال أبو حازم: خصلتان، من تكفل بهما، تكفلت له بالجنة: تركك ما تحب، واحتمالك ما تكره: إذا أحبه الله زمالك. [٢٤١/٣] تعالى إليه: يا يوسف، تتوجه بنعمة أنا أنعمتها عليهم؛ قال أحمد: فقلت لأبي سليمان: كنت لبعض الأولياء قبل اليوم: أشد حبًا؟ فقال لي: إنما يتقرب إليه بحب أوليائه أولًا، ثم يأتي بعد: منزلة تشغل القلب. [٩/١٠] * قال أبو العباس بن عطاء: إذا كانت نفسك غير ناظرة لقلبك، فأدّبها بمجالسة الحكماء؛ فمن أراد أن يستضيء بنور الحكمة، فليلاق بها أهل الفهم والعقل. * وقال: أدنِ قلبك من مجالسة الذاكرين، لعله ينتبه عن غفلته؛ وأقم شخصك في خدمة الصالحين: لعله يتعود ببركتها طاعة رب العالمين. [٣٠٣/١٠] محبة الله رجل * عن قتادة قال: سمعت خليدًا العصري في مسجد الجامع يقول: ألا ، إن كل حبيب يحب أن يلقى حبيبه؛ ألا: فأحبوا ربكم، سيروا إليه سيرًا جميلًا. [٢٣٢/٢] * عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن عبد الله بن أبي زكريا كان يقول: لو خيّرت بين: أن أعمر مائة سنة من ذي قبل، في طاعة الله؛ أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: تشوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصالحين من عباده. [١٥١/٥] * وكان يقول: والله، لو أن نهركم هذا - يعني: بردى - سال ذهبا وفضة؛ من شاء خرج إليه، فأخذه؛ ما أخرجت إليه؛ ولو أنه قيل: من مس هذا العود، مات؛ لسرني أن أقوم إليه، شوقًا إلى الله، وإلى رسوله. [١٦١/٥] * عن محمد بن زياد قال: اجتمع رجال من الأخيار، أو قال: العلماء والعباد، وذكروا الموت؛ فقال بعضهم: لولا أنه أتاني آت، أو ملك الموت، فقال: أيكم سبق إلى هذا العمود، فوضع عليه يده مات؛ لرجوت أن لا يسبقني إليه * عن مالك بن دينار قال: إن القلب المحب لله: يحب النصب لله ريات. [٣٦٣/٢] * قال أبو حازم - سلمة بن دينار -: شیئان، إذا عملت بهما : أصبت بهما خير الدنيا والآخرة، ولا أطوّل عليك؛ قيل: أحد منكم: شوقًا إلى لقاء الله. [١١٢/٦] ٠ لحلية الأولياء ٧١٧ محبة الله رجل إنفاق ماله، فهو كذاب؛ ومن ادعى حب النبي 8* من غير حب الفقراء، فهو كذاب. [٨ /٧٥] عن أحمد بن غسان عن أحمد الهجيمي قال: قيل لعبد الواحد بن زيد: يا أبا عبيدة، ما تقول في رجلين: أحدهما * عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب البقاء ليميل، والآخر أحب الخروج شوقًا؛ أيهما أفضل؟ قال: الذي أحب أحب الله عبدًا: أكثر غمه؛ وإذا أبغض الله عبدًا: أوسع عليه دنياه. [٨٨/٨] الخروج أفضل؛ قال: فقيل له: أثَمَّ منزلة ثالثة؟ فقال: لا أعرفها؛ قيل له: بلى؛ قال: لا، البقاء ليطيع، أحب إليه؛ ولا يحب الخروج شوقًا إليه؛ إنما أحبه إليه: إن أبقاه: أحب ذلك، وإن أماته: أحب ذلك. [٦ /١٥٦] * سأل رجل فضيل بن عياض، فقال: يا أبا علي، متى يبلغ الرجل غايته من حب الله تعالى؛ فقال له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه إياك عندك سواء، فقد بلغت الغاية من حبه. [١١٣/٨] * عن بشر بن السري قال: ليس من أعلام الحب: أن تحب ما يبغض حبيبك. [٨/ ٣٠٠] * عن محمد بن المبارك قال: ما ترى * عن إبراهيم بن أدهم، أنه قال ذات إلا متغيرًا بشهوة من نفسه، ومأخوذًا ببواقي دنيا غيره؛ كذب مؤمن ادعى المعرفة بالله ويداه ترعى في قصاع المستكثرين، ومن وضع يده في قصعة غيره: ذلت رقبته؛ وما أثبت لأحد ادعى محبة الله، وهو يلف الثريد بثلاثة أصابع. [٢٩٨/٩] * عن الساجي قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، متى ينتهي العبد في حب الله؟ قال: إذا استوى عنده: منعه، وعطاؤه. [٣١٠/٩] * عن أبي عبد الله الساجي قال: الذي جعل الله المعرفة عنده: يتنعم مع الله في كذاب، ومن ادعى حب الجنة من غير كل أحواله؛ قال: وسمعت الساجي * قال سفيان الثوري: ما أحب الله عبدًا، فأبغضه؛ وما أبغضه، فأحبه؛ وإن الرجل ليعبد الأوثان، وهو عند الله سعيد. [٢٩/٧] يوم: لو أن العباد علموا حب الله رهت: لقلّ مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، وحرصهم وذلك؛ أن ملائكة الله: أحبوا الله، فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى إن منهم: قائمًا، وراكعًا، وساجدًا منذ خلق الله تعالى الدنيا، ما التفت إلى من عن يمينه وشماله، اشتغالًا بالله رت، وبخدمته. [٣٦/٨] * عن حاتم الأصم قال: من ادعى ثلاثًا بغير ثلاث، فهو كذاب؛ من ادعى حب الله بغیر ورع عن محارمه، فهو محبة الله رجل ٧١٨ التهذيب الموضوعي يقول: لو لم يكن الله ثواب يرجى، ولا المحبين، وعليك معول شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست عقاب يخشى: لكان أهلًا أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبة في ثواب، ولا رهبة من عقاب، ولكن لحبّه، وهي أعلى الدرجات؛ أما تسمع موسى عَلَّ يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. فانتظم الثواب والعقاب، لأن من عبد الله على حبه: أشرف عند الله ممن عمل على خوفه، ومثل ذلك في الدنيا؛ أين من أطاعك على خوف منك؟ [٣١٤/٩] قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين؛ قد بسطت الراحة من فتورهم، وقلّ طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر؛ يناجونه بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم؛ فهم الذين ذابت قلوبهم * كان القاسم - بن عثمان الجوعي - بفكر الأحزان، وخدموه خدمة الأبرار، الذين تدفقت قلوبهم ببره، وعاملوه يقول: أصل المحبة: المعرفة، وأصل الطاعة: التصديق، وأصل الخوف: المراقبة، وأصل المعاصي: طول الأمل، وحب الرئاسة: أصل كل موقعة. [٣٢٣/٩] بخالص من سره؛ حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة، فوقع بهم ما أملوا من عفوه، ووصلوا بها إلى ما أرادوا من محبته؛ فهم والله الزهاد، والسادة من العباد، الذين * عن محمد بن أحمد الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن الله عبادًا ملأ قلوبهم من صفاء: محض محبته، وهيج أرواحهم، بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوّق إليه أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم؛ سبحان موقفهم، ومؤنس وحشتهم، وطبيب أسقامهم؛ إلهي: لك تواضعت أبدانهم، منك إلى الزيادة انبسطت أيديهم، ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأتحت حملوا أثقال الزمان، فلم يألموا بحملها؛ وفّقوا في مواطن الامتحان، فلم تزل أقدامهم عن مواضعها، حتى مال بهم الدهر، وهانت عليهم المصائب، وذهبوا بالصدق والإخلاص عن الدنيا؛ إلهي، فيك نالوا ما أملوا، كنت لهم سيدي مؤيدًا، ولعقولهم مؤدیًا؛ حتى أوصلتهم أنت إلى مقام الصادقين في عملك، وإلى منازل المخلصين في معرفتك؛ فهم إلى ما عند سيدهم متطلعون، وإلى ما عنده من وعيده ناظرون؛ ذهبت الآلام عن أبدانهم، لهم الجواز في ملكوتك؛ بك أنست محبة لما أذاقهم من حلاوة مناجاته، ولما لحلية الأولياء ٧١٩ محبة الله رجل أفادهم من ظرائف الفوائد من عنده؛ فيا شيئًا، أحق من الشهيق والزفير؛ فإذا أسلبت الدمعة؛ استراح القلب؛ وهذا ضعف الأطباء، بإبطال الداء؛ قال: فبقيت متعجبًا من كلامها؛ فقالت لي: ما لك؟ قلت: تعجبت من هذا الكلام؛ قالت: وقد نسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا، ما أنا بالمستغني عن طلب الزوائد؛ قالت: صدقت حب ربك سبحانه، واشتق إليه؛ فإن له يومًا يتجلى فيه على كرسي كرامته، لأوليائه، وأحبائه، فيذيقهم من محبته كأسًا لا يظمأون بعده أبدًا؛ قال: ثم أخذت في البكاء، والزفير، والشهيق؛ وهي تقول: سيدي، إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدًا يسعفني على البكاء أيام حياتي؟ ثم تركتني حسنهم واللیل قد أقبل بحنادس ظلمته، وهدأت عنهم أصوات خليقته، وقدموا إلى سيدهم الذي له يأملون؛ فلو رأيت أيها البطال أحدهم، وقد قام إلى صلاته وقراءته؛ فلما وقف في محرابه، واستفتح كلام سيده: خطر على قلبه أن ذلك المقام، هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؛ فانخلع قلبه، وذهل عقله؛ فقلوبهم في ملكوت السموات معلقة، وأبدانهم بين أيدي الخلائق عارية، وهمومهم بالفكر دائمة؛ فما ظنك بأقوام أخيار أبرار، وقد خرجوا من رق الغفلة، واستراحوا من وثائق الفترة، وأنسوا بيقين المعرفة، وسكنوا إلى روح الجهاد والمراقبة؛ بلّغنا الله وإياكم هذه ومضت. [٣٤١/٩] الدرجة. [٣٣٩/٩ - ٣٤٠] * عن أبي عثمان سعيد بن الحاكم * عن سعيد بن عثمان: حدثني ذو قال: سمعت أبا الفيض ذا النون بن النون، قال: بينا أنا في بعض مسيري، إذ إبراهيم يقول: بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء، في جبال بيت المقدس؛ إذ لقيتني امرأة؛ فقالت لي: من أين أنت؟ قلت: رجل غريب؛ فقالت لي: ويحك، وهل يوجد مع الله أحزان الغربة، وهو مؤنس الغرباء، ومعين الضعفاء؟ قال: فبكيت؛ فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الدواء على داء، قد قرح فأسرع لي نجاحه؛ قالت: فإن كنت صادقًا، فلم بكيت؟ قلت: والصادق يبكي؟ قالت: لا ، قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة سمعت صوتًا حزينًا، وبكاءً جھیرًا؛ وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا، يا غربتاه عن وطننا، وافقراه بعد غنانا، واذلاه بعد عزنا؛ فتبعت الصوت، حتى قربت منه، فلم أزل أبكي لبكائه، حتى إذا أصبحنا : نظرت إليه، فإذا رجل ناحل كالشن المحترق؛ فقلت: يرحمك الله، تقول مثل هذا الكلام؟ فقال: دعني، فقد كان لي للقلب، وملجأ يلجأ إليه؛ وما كتم القلب قلب فقدته؛ ثم أنشأ يقول: محبة الله رجل ٧٢٠ التهذيب الموضوعي قد كان لي قلب أعيش به بین الهوی فرماه الحب فاحترقا فقلت له : لم تشتكي ألم البلا وأنت تنتحل المحبة إن المحب هو الصبو رعلى البلاء لمن أحبه حب الإله هو السرو ر مع الشفاء لكل كربه [٣٤٥/٩] بالإشفاق والرغب؛ يا رب، يا رب: أنت الله معتمدي، متى أراك جهارًا غير محتجب؟. [٣٤٩/٩] يا مؤنس الأبرار في خلواتهم يا خير من حطت به النزال من نال حبك لا ينال تفجعا العقل يعلم أن ما يفنى محال [٣٥٥/٩] * قال ذو النون: وصف لي رجل * عن ذا النون قال: وصف لي رجل بشاهرت، فقصدته، فأقمت على بابه أربعين يومًا؛ فلما كان بعد ذلك: رأيته، فلما رآني: هرب مني، فقلت له: سألتك بمعبودك، إلا وقفت علي وقفة؛ فقلت: سألتك بالله، بم عرفت الله، وبأي شيء تعرّف إليك الله، حتى عرفته؟ فقال لي: نعم، رأيت لي حبيبًا، إذا قربت: إنه قربني وأدناني؛ وإذا بعدت: صوّت بي وناداني؛ وإذا قمت بالفترة: رغّبني، ومنّاني؛ وإذا علمت بالطاعة: زادني وأعطاني؛ وإذا عملت بالمعصية: صبر علي، وتأناني؛ فهل رأيت حبيبًا مثل هذا؟ انصرف عني، ولا تشغلني؛ ثم ولى، وهو يقول: حسب المحبين في الدنيا، بأن لهم من ربهم سببًا يدني إلى سبب، قوم جسومهم في الأرض سارية نعم، وأرواحهم تختال في الحجب؛ باليمن، قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة؛ قال: فخرجت حاجًّا، فلما قضيت نسكي، مضیت إليه، لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته، أنا وناس كانوا معي، يطلبون منه مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين؛ وكان مصفار الوجه من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس بالوحدة؛ تراه أبدًا كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة، فخرج إلينا، فجلسنا إليه، فبدأ الشاب بالسلام عليه، وصافحه؛ فأبدى له الشيخ البشر والترحيب، فسلمنا عليه جميعًا، ثم بدأ الشاب الكلام؛ فقال: إن الله تعالى بمنّه وفضله، قد جعلك طبيبًا لسقام لهفي على خلوة تسددني، إذا تضرعت القلوب، ومعالجًا لأوجاع الذنوب؛ وبي