Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ لأبي الحسن السندي تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧١] لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان وتعذيبهم بالنار فيه؛ إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار، غير الأبواب المعهودة الكبار (وَتُغَلُّ) أي: تشد وتوثق بالأغلال، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس وخبائتها، ولا يلزم أن يكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكل شيطان شيطان ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر؛ فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه (خَيْرَهَا) أي: خير ليلة القدر (فَقَدْ حُرِمَ) أي: خيرًا عظيمًا حتى كأنه المحروم من كل خير، وللدلالة على هذا المعنى حذف (١) المفعول، والله تعالى أعلم. (٧١٤٩) (٢٣٠/٢) قوله: (أَيُصَلِّي) أي: أيجوز له ذلك (أَوَكُلُّكُمْ ... ) إلخ، أي: حتى يشتبه عليك الأمر فتسأل عن جواز الصلاة في ثوب واحد، وفيه إفادة أن ما يقع حالة الضرورة، كصلاة من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا في ذلك الثوب، فالأصل فيه عدم اختصاص جوازه بحال الضرورة ولولا هذا الأصل لما صح هذا الجواب، فثبت هذا الأصل بهذا الجواب اقتضاء، والله تعالى أعلم. (٧١٥٠) (٢٣٠/٢) قوله: (لَأَسْلَمُ) بفتح اللام الأول، والثاني: جميعًا: مبتدأ (غِفَارٌ) ككتاب (غَطَّفَانَ) بفتح غين معجمة وطاء مهملة، وكل هذه أسماء لقبائل من العرب. (٧١٥١) (٢٣٠/٢) قوله: (لَسَاعَةً) قد اختلف في تعيينها (لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يصادفها. (١) في ((م)): حذوف. ٣٤٢ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (٧١٥٢) (٢٣٠/٢) قوله: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) أي: جماعة (عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ) أي: على نوره (عَلَى أَضْوَإٍ كَوْكَبٍ) أي: على نوره (دُرِّيٍّ) أي: مضيء شديد الإنارة (زَوْجَتَانِ) أي: من نساء الدنيا، ولذلك استدل به على كثرتهن (يُرَى) أي: من كمال اللطافة (أَعْزَبُ) أي: بلا زوجة من نساء الدنيا؛ أي: فعلم أنهن أكثر؛ إذ معلوم أنهن أكثر أهل النار، فإذا علم أنهن أكثر أهل الجنة علم أنهن أكثر؛ وهو المطلوب. (٧١٥٣) (٢٣٠/٢) قوله: (مِنْ فِي السِّقَاءِ) أي: فمها (حَيَّةٌ) أي: فعلم سر النهي بذلك. (٧١٥٤) (٢٣٠/٢) قوله: (لَا يَمْنَعَنَّ) الجمهور على أنه نهي تنزيه، وأحمد وأهل الحديث على أنه نهي تحريم (خَشَبَتَهُ) بتاء الوحدة، وجاءت الرواية بلا تاء وبينهما فرق؛ فإن الواحدة تخف على الجار أن يسمح بها بخلاف الخشب الكثير، قيل: والمراد بالواحدة الجنس فيتحد (١) معنى الروايتين. (٧١٥٥) (٢٣٠/٢) قوله: (لَا صَدَقَةَ إِلَّ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى) أي: لا ينبغي الصدقة إلا إذا كان وراءها غنى لصاحبها عما تصدق، أعم من الغنى الظاهري أو القلبي. (٧١٥٦) (٢٣١/٢) قوله : (مِنْ قَصَبٍ) بفتحتين: من الجوهر ما استطال منه في تجويف؛ أي: من لؤلؤ مجوف واسع (لَا صَخَبَ فِيهِ) بفتحتين، وهو الصوت المختلط (وَلَا نَصَبَ) بفتحتين: التعب؛ أي: لا يوجد فيه أقل محن الدنيا في بيوت (١) في ((الأصل)): فيتجه. والمثبت من ((م)). ٣٤٣ لأبي الحسن السندي الكبار من اختلاط الأصوات، والتعب مع أهلها من العبيد والجواري، فضلاً عن غيره، وقيل: وذلك لأنها أسلمت طوعًا بلا رفع صوت ولا منازعة وتعب. (٧١٥٧) (٢٣١/٢) قوله: (انْتَدَبَ اللَّهُ) (١) أي: تكفل (لَا يَخْرُجُ) من الخروج (إِلَّا جِهَادًا)(٢) أي: للجهاد، وهذا من كلامه تعالى، فلابد من تقدير القول هاهنا؛ أي: قائلاً: لا يخرج إلا جهادًا، وهو حال من فاعل انتدب أو تقدير ما يؤدي مؤداه أول الكلام، مثل: قال رسول اللّه وَل﴿ حاكيًا عن اللَّه: (انْتَدَبَ اللَّهُ) أو قال: قال اللَّه : (انْتَدَبَ اللَّهُ) ونحو ذلك، فيكون من باب وضع الظاهر موضع الضمير، وأصله: (انْتَدَبْتُ) وهذا في كلامه تعالى كثير، ويكون قوله: إلا الإيمان بي من باب الالتفات (ضَامِنٌ) أي: ذو ضمان، أو مضمون مرعي حاله على أنه فاعل بمعنى المفعول (أُدْخِلَهُ) من الإدخال (أَوْ أُرْجِعَهُ) من الرجع المتعدي؛ أي: أرده لا من الرجوع؛ فإنه لازم، وجعله من الإرجاع بعيد غير فصيح، واستعمال الرجع المتعدي كثير في الكلام (مِنْ أَجْرٍ) أي: فقط (أَوْ غَنِيمَةٍ) أي: معه (مَا مِنْ كُلْم) أي: جرح، والمراد: صاحب جرح على تقدير المضاف؛ لقوله: (يُكْلَمُ) على بناء المفعول، ويمكن التقدير في قوله: (يُكْلَمُ) أي: يكلم صاحبه، ويمكن إخراجه على التجوز في النسبة، أو التجوز في اللفظ بأن يراد بقوله: (يُكْلَمُ) أي: يوقع (كَهَيْتَتِهِ) الكاف بمعنى على والجار والمجرور حال؛ أي: حال كونه على هيئته، ويحتمل أن يكون للتشبيه باعتبار الهيئة؛ أي: هيئته يوم القيامة كهيئته (٣) (خِلاَفَ سَرِيَّةٍ) أي: خلفهم، والمراد: أنا مع حصول المغفرة لي قطعًا أريد الجهاد في سبيل اللَّه؛ لتحصيل الخير، فكيف (١) في ((م)): اندب. (٣) في ((م)): كهيئة. (٢) في ((م)) : الاجتهاد. ٣٤٤ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل حال الغير؟ (سَعَةً) في الحال حتى أعطيهم الجمال (فَيَتْبَعُونِي) ركبانًا عليها (وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) بالانفراد مني؛ أي: فيؤدي ذلك إلى مشيهم معي على الأقدام، وفيه من المشقة عليهم ما لا يخفى (لَوَدِدْتُ) يحتمل أن يكون ذلك قبل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧] ويحتمل أن يكون بعده لجواز تمني المستحيل كما في: ليت الشباب يعود، والله تعالى أعلم. (٧١٥٩) (٢٣١/٢) قوله: (أَمَا) بالتخفيف (وَأَبِيكَ) قيل: هذا على عادة العرب؛ من جري مثل هذا على اللسان بلا تعمد(١) ، والنهي عن تعمد مثله؛ فلا إشكال وقيل: بل يحتمل أن يكون قبل النهي، أو هو بتقدير: وخالق أبيك مثلاً (لَتُنَّأَنَّهُ) هو من نبأ المشدد بمعنى: أخبر على بناء المفعول للمخاطب مع نون الثقيلة، والضمير المنصوب للذي هو أعظم أجرًا من الصدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) أي: تتصدق بحذف إحدى التاءين (شَحِيحٌ) بخيل؛ أي: من شأنك أن تبخل بالمال؛ لأن صحة الإنسان محل لذلك (تَخْشَى الْفَقْرَ) بالتصدق (وَتَأْمُلُ) بضم الميم، وهو مرفوع؛ أي: ترجوه وتطمع به، ولا شك أن البقاء يقتضي جمع المال وحفظه (وَلَا تَمَهَّلْ) بالنصب (بَلَغَتْ) أي: الروح، قال النووي(٢): والمراد: قاربت بلوغ الحلقوم؛ إذ لو بلغته حقيقة لم يصح تصرفه بالاتفاق (وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ ) أي: صار له؛ أي: قارب أن يصير له، فالإعطاء منه ليس فيه مخالفة مقتضى النفس؛ بل هو كالإعطاء من مال الغير، والله تعالى أعلم. (٧١٦٠) (٢/ ٢٣١) قوله: (إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ) أي: إلى الأرض؛ ففي نزوله تشريف وتكريم له وَ لّ أي: تشريف وتكريم (أَفَمَلِكًا) بالنصب هكذا في ((المجمع)) (١) في ((الأصل)): تعهد. والمثبت من ((م)). (٢) ((شرح النووي على مسلم)) (٧/ ١٢٣). ٣٤٥ لأبي الحسن السندي وفي بعض النسخ: (أَفَمَلِكٌ نَبِيًّا) وهو من كتابة المنصوب بلا ألف، وهو مفعول ثان لـ (يجعل) والملِك بكسر اللام؛ بل تواضع باختيار العبودية على المُلْكِ (بَلْ عَبْدًا رَسُولاً) في ((المجمع)) (١): (قَالَ: بَلْ عَبْدًا رَسُولاً) واللّه تعالى أعلم، وفي ((المجمع)) (١): رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورجال الأولين رجال الصحيح. (٧١٦١) (٣٣١/٢) قوله: (فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ﴾﴾ [الأنعام: ١٥٨] إلخ (حِينَ) بالنصب على الظرفية، وخبر ذلك مقدر؛ أي: فذلك أي: إيمان كل نفس يتحقق حين لا ينفع أو بالرفع على الخبرية؛ أي: فذلك الحين حين لا ينفع، وقد جاء رفع (حِين) في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسَان: ١] واللّه تعالى أعلم. (٧١٦٢) (٢٣١/٢) قوله: (إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ) نهي لهم عن الوصال، والظاهر: أنه نهاهم شفقة عليهم لا لحرمة الوصال أو كراهته؛ فإن النظر في أحاديث الباب يأبى أن يكون النهي للحرمة أو الكراهة (تُوَاصِلُ) أي: فنحن نواصل اقتداء بك (أَبِيتُ يُطْعِمُنِي) أي: فلست بمواصل إلا صورة، أو فسهل عليَّ الوصال بذلك الطعام الذي لا يمنع الصيام، أو معناه (٢) (يُطْعِمُنِي): يغنيني عن الطعام بما شاء الله (فَاكْلَفُوا) من كلف؛ كفرح؛ أي: تحملوا منها ما تطيقون المداومة عليه؛ أي: تطيقونه بلا تعب كثير، والله تعالى أعلم. (٧١٦٣) (٢٣١/٢) قوله: (تَكَثُّرًا) أي: ليكثر به ماله أو بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال (١) («مجمع الزوائد» (٨/ ٥٨٢). (٢) في ((الأصل)): معنى. والمثبت من ((م)). ٣٤٦ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ) هو للتوبيخ مثل ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] لا (١) للإذن والتخيير. (٧١٦٤) (٢٣١/٢) قوله: (سَكَتَ) أي: ظاهرًا أو عن الجهر (أَرَأَيْتَ سُكَاتَكَ) بضم سين؛ أي: أخبرني عنه؟ أي: عما تقول فيه؟ وقوله: (أَخْبِرْنِي مَا هُوَ) أي: ما الذي تقول فيه؟ كالتأكيد له (وَبَيْنَ خَطَايَايَ) أي: بالمغفرة أو بالعصمة عنها، وعلى الثاني فالمراد: وبين ما لو ارتكبت لكان خطاياي (نَقِّنِي) من التنقية؛ أي: طهرني منها بأتم وجه وأوكده (بِالثَّلْج) أي: بأنواع المطهرات، والمراد: مغفرة الذنوب وسترها بأنواع الرحمة والألطاف، وفي التعبير عن أنواع الألطاف بما يدفع النار تنبيه على أن الذنوب لكونها تؤدي إلى النار بمنزلة النار، والله تعالى أعلم. (٧١٦٥) (٢٣١/٢-٢٣٢) قوله: (عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ) أي: على نوره وضوءه (عَلَى أَشَدِّ ضَوْءٍ كَوْكَبِ) الظاهر إضافة (أَشَدِّ) و(ضَوْءٍ) إلى ما بعده؛ أي: على ضوء هو أشد ضوء كوكب، ويحتمل أن يكون ضوء منصوبًا على التمييز(٢)، وأن يكون کوکب بدلاً من أشد؛ أي: على ضوء كوكب هو أشد ضوء هو كوكب دري، وعلى الأول: أشد مجرور بالكسرة، وعلى الثاني : بالفتحة؛ لكونه غير منصرف، ومعنى (دُرِّيٌّ) أي: مضيء شديد الإنارة، وقوله: (إِضَاءَةً) مصدر له معنى، ويحتمل على تقدير إضافة (أَشَدِ) أن يكون تمييزًا لنسبته على المبالغة (وَلَا يَتْفُلُونَ) كيضرب وينصر (وَلَا يَمْتَخِطُونَ)(٣) المخاط: ما يسيل (١) في ((م)): إلا. (٣) في ((م)): يتمخطون. (٢) في ((الأصل)): التميز. ٣٤٧ لأبي الحسن السندي من الأنف (أَمْشَاطُهُمْ) قيل: الأمشاط لا يلزم أن تكون لتلبيد الشعور ووسخها؛ بل لزيادة تزيين ورفاهية، وكذا التبخر لا يلزم أن يكون لدفع النتن وخبث الرائحة؛ بل يكون لزيادة التطبيب والتنعم، فلا يرد أنه لا حاجة لأهل الجنة إلى الأمشاط والتبخر؛ لعدم تلبد شعورهم، ولا وسخ فيها وريحهم أطيب من المسك (وَرَشْحُهُمْ) في ((مجمع البحار)) (١): عن الكرماني: بفتحتين؛ أي: العرق، وقيل: المصحح في النسخ المعلوم من كتب اللغة أنها بفتح فسكون، والمراد أن عرقهم كالمسك في طيب الرائحة (مَجَامِرُهُمْ) جمع مجمر بالكسر، وهو الذي يوضع فيه النار للبخور، وبالضم: وهو الذي يتبخر به (الْأَلُوَّةُ) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو، هذا هو المشهور، وحكي بالكسر الهمزة وتخفيف الواو: عود يتبخر به (عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) روي بفتح خاء وسكون لام، وهذا أنسب بقوله: (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ) وبضمها وهذا أنسب بقوله: (أَخْلَاقُهُمْ) وقد رجح الوجه الثاني بأن يجعل قوله: (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ) كلامًا مستأنفًا، ولا يجعل بدلاً من قوله: (عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ) أي: هم على صورة أبيهم. قلت: وهذا أبلغ لما فيه من بيان الخلق والخلق جميعًا، والأول لا يناسب بقوله: (أَخْلَاقُهُمْ) أصلاً (سِتِينَ ذِرَاعًا) الظاهر بالذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، وقيل: بذراع نفسه، وهو مردود بأن الحديث مسوق للتعريف، وهذا رد إلى الجهالة؛ لأن حاصله أن ذراعه جزء من ستين جزءًا للطول، وهذا يتصور في طويل غاية الطول وقصير غاية القصر، وبأن ذراع كل أحد قدر ربعه؛ فلو كان ستين ذراعًا بذراع نفسه لكان يده قصيرة في جنب طول جسده جدًا ويلزم منه قبح الصورة وعدم اعتدالها، وأن يكون عديم المنافع المعدة لها اليدان، والله تعالى أعلم. (١) في ((م)): البخاري. - ٣٤٨ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (٧١٦٦) (٢٣٢/٢) قوله: (مِمَّنْ (١) ذَهَبَ) أي: شرع (يَخْلُقُ خَلْقَا كَخَلْقِي) أي: يصور تصاوير ذوي الأرواح (فَلْيَخْلُقُوا) أمر تعجيز؛ ليعرفوا أن المشاركة معه تعالى مستحيلة، فيمتنعوا عن تصوير ما خلقه مخصوص به (ذُرَة) بضم معجمة وخفة راء: حبة معروفة، والمراد بالحبة فيما بعد: الحنطة، وفي ((المجمع)): (ذَرَّةً) بفتح معجمة وتشديد راء: هي النملة الحمراء الصغيرة، والمراد بالحبة: ما فيها طعم يؤكل؛ كالحنطة، فذكر الشعيرة تخصيص بعد تعميم، أو شك من(٢) الراوي، والغرض: تعجيزهم تارة بخلق جماد، وأخرى بخلق حيوان (مَبْلَغُ الْحِلْيَةِ) بكسر مهملة وسكون لام وخفة ياء: السيمياء، والمراد هاهنا: التحجيل. (٧١٦٧) (٢٣٢/٢) قوله: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَان ... ) إلخ، المراد بالكلمة: اللغوية أو العرفية لا النحوية، وخفتهما: سهولتهما على اللسان؛ لقلة حروفهما، وحسن نظمهما، واشتمالهما على الاسم الجليل الذي ترغب الطباع إلى ذكره (٣)، فكأنهما في ذلك كالحمل الخفيف الذي يسهل حمله وثقلهما في الميزان لعظمهما قدرًا عند اللَّه، ومعنى (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) أنهما موصوفتان بكثرة المحبوبية عنده تعالى، كما تفيده الأحاديث الأخر مثل: ((أَحَبُّ الْكَلاَم إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيم)) وإلا فجميع الذكر محبوب عنده تعالى، وفي لفظ (الرَّحْمَنِ) زيادة ترغيب في هذا الذكر بأنه الذي يرجى رحمته بلا عمل؛ فكيف إذا أتى بما هو محبوب إليه؟! ثم الظاهر أن قوله: (كَلِمَتَانِ) خبر لقوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ ... ) إلخ، قدم على المبتدأ لتشويق (١) في ((م)): من. (٣) في ((م)): ذكرهما. (٢) في ((م)): منه. ٣٤٩ لأبي الحسن السندي السامع إليه، وذلك لأن (كَلِمَتَانِ) نكرة، و(سُبْحَانَ اللَّهِ ... ) إلخ معرفة؛ لأنه أريد به نفسه، واللفظ إن (١) أريد به نفسه يكون معرفة حقيقة عند من قال: توضع الألفاظ لأنفسها وحكمًا عند من نفاه(٢)، والمعرفة لا يكون خبر النكرة عند غالب النحاة، ومعنى (سُبْحَانَ اللَّهِ): تنزيهه عن كل ما لا يليق بجنابه العلي، وهو مصدر لفعل مقدر؛ أي: أسبح اللَّه تسبيحًا، والواو في (وَبِحَمْدِهِ) للحال بتقدير: وأنا ملتبس بحمده، وقيل: للعطف؛ أي: أنزهه وألتبس بحمده، وقيل: زائدة؛ أي: أسبحه ملتبسًا بحمده هذا، وقال الكرماني: (حَبِيبَتَانِ) بمعنى محبوبتان، والفعيل بمعنى المفعول، سيما إذا ذكر موصوفه يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ فما وجه التأنيث هاهنا؟ وأجاب بأن التسوية جائزة لا واجبة، أو واجبة في المفرد لا في المستثنى، أو التأنيث لمناسبة الخفيفة والثقيلة؛ لأنها(٣) فعيل بمعنى فاعل، أو هذه التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وقد يقال: هي فيما لم يقع عليه الفعل بعد، تقول: ذبيحة فلان للشاة التي لم تذبح، وإذا وقع عليه الفعل؛ فهي ذبيح. انتهى. قلت: حمل أحد الفعيلين (٤) على الآخر كثير، كما قيل: في (قَرِيبٌ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦] و ( بَغِيّ ) في قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] سيما و(حبيب) جاء بمعنى الفاعل والمفعول جميعًا؛ فالحمل فيه غير بعيد، وللمحقق ابن الهمام رسالة اختار فيها أن (سُبْحَانَ اللَّهِ ... ) إلخ، هو الخبر؛ لأنه مؤخر لفظًا، والأصل: عدم مخالفة اللفظ محله إلا لموجب يوجبه، ولأنه محط الفائدة بنفسه بخلاف عكسه؛ فإنه إنما يكون محطها باعتبار وصفه لظهور أن ليس المقصود الإخبار بأنهما كلمتان (١) في ((م)): إذا. (٣) في ((م)): لأنهما. (٢) في ((م): نفيه. (٤) في ((م)): الفعلين. ٣٥٠ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل بلا ملاحظة خفيفتان، ثقيلتان، حبيبتان، فصار اعتبار سبحان خبرًا أولى، وأجاب عن مقدمة تعريف (سُبْحَانَ اللَّهِ) إذا أريد به لفظه بأن أنواع المعارف محصورة، وليس هو منها، ولا يمكن أن يكون علمًا باعتبار ما قيل : إن الألفاظ موضوعة لأنفسها؛ إذ لو سلم ذلك فذلك وضع ليس له حكم، وإلا لكان كل لفظ مشتركًا ولم يقل أحد بذلك. انتهى. قلت: وهذا ليس بشيء؛ إذ لا شك في أن اللفظ إذا أريد نفسه تجرى عليه أحكام المعارف من تعريف صفته ووقوعه مبتدأ، وذا حال، وغير ذلك فهو معرفة حكمًا سواء قلنا أنه معرفة لفظًا أو لا، وهذا يكفي في امتناع الإخبار به عن النكرة؛ إذ المدار على الأحكام لا على الأسماء، وهذا ظاهر، والله تعالى أعلم. (٧١٦٨) (٢٣٢/٢) قوله: (فَقَدْ رَآنِي) أي: فرؤياه حق (لَا يَتَمَثَّلُ) أي: لا يظهر في صورتي، وهذا يدل على أن ذلك إذ رآه وَّ في صورته؛ فليتأمل. (جُزْءٌ ... ) إلخ؛ أي: لها مناسبة قوية بالنبوة من حيث الاطلاع على المغيبات بلا مداخلة للكسب المؤدي إلى الإثم، كما في الكهانة مثلاً، وإلا فالنبوة لا تتجزأ، والله تعالى أعلم. (٧١٦٩) (٢٣٢/٢) قوله: (الْإِمَامُ ضَامِنٌ) ليس المراد أن الإمام كفيل عن القوم في الصلاة؛ إذ صلاة القوم ليست في ذمة الإمام قطعًا؛ بل معناه عند قوم أن الإمام جاعل صلاة القوم في ضمن صلاته؛ من ضمن الشيء إذا جعله تحت كشحه، حاصله أن صلاة القوم تصير بالاقتداء في ضمن صلاة الإمام صحة وفسادًا لا أداء؛ أي: لا بمعنى أن الإمام إذا أدى صلاته سقط عن المقتدين به الصلاة، وإن لم يؤدوا لحصول صلاتهم في ضمن صلاة الإمام؛ فإنه خلاف الإجماع، وإنما معناه أنه إذا صحت صلاة الإمام وهم أدوا صلاتهم معه صحت ٣٥١ لأبي الحسن السندي صلاتهم، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاتهم، ومعناه عند آخرين أنه حامل عنهم بعض أركان الصلاة كالقراءة عند كثير من العلماء والقيام إذا أدركه راكعًا، ومعناه عند كثير أنه حافظ للصلاة وعدد الركعات، وقال قوم: إنه ضامن الدعاء أن يعم به القوم، ولا يخص به نفسه (مُؤْتَمَنٌ) بفتح الميم الثانية يقال: مؤتمن القوم لمن يتخذونه أمينًا حافظًا، فمعناه أنه أمين لهم على مواقيت صلاتهم وصيامهم، أو أنه أمين على حرم الناس؛ لأنه يشرف المواضع العالية (أَرْشِذْ) أي: وفقهم لأداء ما هو عليهم من العهدة (وَاغْفِرْ) أي: ما قصروا فيه من مراعاة الوقت، وفيه إشارة إلى أن المؤذن لا يخلو عن تقصير فيحتاج إلى أن يدعى له بالمغفرة، والله تعالى أعلم. (٧١٧٠) (٢/ ٢٣٢) قوله: (إِيمَانًا) أي: لأجل الإيمان بالله ورسوله، أو للإيمان بافتراض رمضان (وَاحْتِسَابًا) أي: للإخلاص وطلب الأجر من الخالق تعالى لا من الخلق . (٧١٧١) (٢٣٢٠/٢) قوله: (الْحِنْطَةُ) يحتمل النصب بتقدير: بيعوا أو الرفع بتقدير: تباع (كيلاً بكيل) أي: حال كونها كيلاً مقابلاً بكيل، والمراد: حال كونهما متساويين في الكيل إن كان المبيع كيليًّا، وكذا قوله: (وَزْنًا ... ) إلخ (إِلَّا مَا اخْتَلَفَ أَلْوَانُهُ) استثناء منقطع؛ أي: لكن المبيع والمشترى اللذين اختلف أنواعهما يجوز فيهما الزيادة والنقصان، ولا تشترط المساواة. (٧١٧٢) (٢٣٢/٢) قوله: (إِنَّ لِلصَّلاَةِ) أي: لوقتها (وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ) هذا مبني على أن أول وقت العصر كان معلومًا مضبوطًا عندهم، (وأن آخر وقتها حين تصفر) : مبني على أن ما بعد الاصفرار؛ لشدة الكراهة ملحق بالعدم كأنه ليس من ٣٥٢ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل الوقت أصلاً، فصار كأن الوقت إلى الاصفرار، قال الترمذي (١) بعد ذكر هذا الحديث ما حاصله: إن رفعه خطأ، والصواب: وقفه، والله تعالى أعلم. (٧١٧٣) (٢/ ٢٣٢) قوله: ( قُوتًا) أي: بقدر ما يمسك الرمق من المطعم، وقيل: أي: كفاية من غير إسراف. (٧١٧٤) (٢٣٢/٢) قوله: (إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) قد ذكروا له معاني، لكن الموافق للأحاديث أنه كناية عن تعظيم جزائه، وأنه لا حد له، وهذا هو الذي تفيده المقابلة في حديث: ((مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِئُ بِهِ))(٢) وهذا هو الموافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَر: ١٠] وذلك لأن اختصاصه من بين سائر الأعمال بأنه مخصوص بعظيم لا نهاية لعظمته، ولا حد لها، وأن ذلك العظيم هو المتولي لجزائه مما ينساق الذهن منه إلى أن جزاءه مما لا حد له، ويمكن أن يقال على هذا(٣) معنى قوله: (لِي) أي: أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيفه، وبه تظهر المقابلة بينه وبين قوله: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصِّيَامَ؛ هُوَ لِي)) (٤) أي: كل عمله له باعتبار أنه عالم بجزائه ومقدار تضعيفه إجمالاً لما بين اللَّه تعالى فيه، إلا الصوم؛ فإنه الصبر الذي ما حد لجزائه حدًّا؛ بل قال: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَر: ١٠] ويحتمل أن يقال: معنى قوله: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ... ) إلخ، أن جميع أعمال ابن (١) ((سنن الترمذي)) (٢٨٣/١ حديث رقم ١٥١). (٢) أخرجه: أحمد (٤١٤/٢)، والنسائي (٢٢١٥). (٣) في ((م)): ذلك. (٤) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١). ٣٥٣ لأبي الحسن السندي آدم من باب العبودية والخدمة، فتكون لائقة له مناسبة لحاله بخلاف الصوم؛ فإنه من باب التنزه عن الأكل والشرب والاستغناء عن ذلك، فيكون من باب التخلق بأخلاق الرب تبارك وتعالى، وأما حديث ((مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ ... ))(١) إلخ، فيحتاج على هذا المعنى إلى تقدير بأن يقال: كل عمل ابن آدم جزاؤه محدود؛ لأنه له؛ أي: على قدره، إلا الصوم؛ فإنه لي، فجزاؤه غير محصور؛ بل أنا المتولي لجزائه على قدري. (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) طبعًا، وإن لم يأكل؛ لما في طبع النفس من محبة الإرسال وكراهة التقييد (لَخُلُوفُ) بضم المعجمة واللام وسكون الواو، هو المشهور، وجوز بعضهم فتح المعجمة؛ أي: تغير رائحته (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) أي: صاحبه عند الله بسببه (٢) أكثر قبولاً ووجاهة وأزيد قربًا منه تعالى من صاحب المسك بسبب ريحه عندكم، وهو تعالى أكثر إقبالاً عليه بسببه من إقبالكم على صاحب المسك بسبب ريحه. (٧١٧٥) (٢٣٢/٢) قوله: (عَنْ الإِخْتِصَارِ فِي الصَّلاَةِ) قيل: هو وضع اليد على الخاصرة وقيل: هو أخذ المخصرة في الصلاة؛ أي: أن يأخذ بيده عصًا يتكئ عليها، وقيل: هو أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين ولا يتمها في الفرض، أو أن يقرأ السورة ويدع آية السجدة، والله تعالى أعلم. (٧١٧٦) (٢٣٢/٢) قوله: (فَلْيَبْدَأُ) أي: قيام الليل (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) للمبادرة إلى إزالة عقدة الشيطان، أو ليحصل بهما الاستئناس بالصلاة، والله تعالى أعلم. (١) ((سنن النسائي)) (٢٥٢٥). (٢) فى ((الأصل)): بسبب. ٣٥٤ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (٧١٧٧) (٢٣٢/٢-٢٣٣) قوله: (إِنْ كَانَ) أي: السمن (جامدًا) (فَخُذُوهَا) أي: الفأرة؛ أي: أخرجوها من السمن (وَمَا حَوْلَهَا) المراد بما حولها: ما يظهر وصول الأثر إليه؛ ففيه تفويض إلى نظر المكلف في أمثاله. (٧١٧٨) (٢٣٣/٢) قوله: (أَمَرَ) (١) أي: أذن فيه وأباحه للمصلي، أو أمر به: إذا خيف منه الأذى، والأسود من الحيات: أخبثها وأعظمها، والمراد: مطلق الحية، ومطلق العقرب، والتعبير وقع بأخبث القسمين، قال علماؤنا: هذا الأمر لا يستلزم بقاء الصلاة، كيف ما قتل في الصلاة؟! بل غايته رفع إثم الإفساد عنه إن أدى ذلك إلى الفساد، والله تعالى أعلم. (٧١٧٩) (٢٣٣/٢) قوله: (إِذَا انْتَعَلَ) أي: لبس النعل (بِيَمِينِهِ) بأن يلبس أولاً في رجله اليمنى (خَلَعَ) أي: نزع من الرجل (انْعَلْهُمَا) أمر من نعل، أو أنعل رجله؛ أي: ألبسها نعلاً، والضمير للرجلين، وإن لم يتقدم لهما ذكر، ولو أراد النعلين لقال: لينتعلهما، والمراد أنه لا ينبغي أن يلبس النعل في إحدى الرجلين دون الأخرى؛ بل إما أن يلبس فيهما جميعًا أو لا يلبس أصلاً. (٧١٨١) (٢٣٣/٢) قوله: (عَلَى الْفِطْرَةِ) قيل: المراد بها: الإقرار الذي كان يوم الميثاق، وقيل: المراد: سلامة الطبع، وخلو الذهن عما يبعده عن قبول ملة الإسلام من الشبه الصارفة، أو التقليد المانع عن قبول الحق على ما هو المعتاد الغالب، (١) في ((م)): أمرًا. ٣٥٥ لأبي الحسن السندي وذلك لأنه بخلوه عن تلك الصوارف صار كأنه جعل على الملة، وطبع عليها كأن الملة لسلامتها يسارع الذهن إلى قبولها إذا لم يكن عن القبول مانع، ولعل هذا على المعتاد الغالب، أو (١) المقصود بيان حال أمته لا بيان من سبق؛ فلا يشكل بالغلام الذي قتله الخضر، فقد ثبت أنه طبع كافرًا (فَأَبَوَاهُ(٢) يُهَوِّدَانِهِ) أي: إن تهود، والحاصل أنه إن انتقل إلى دين آخر فبواسطة غيره، وإلا فقد يثبت (٣) على مقتضى الفطرة، وهو ظاهر، والمراد بقوله: (فَأَبَوَاهُ) أي: مثلاً، أو المراد بهما هما، أو من يقوم مقامهما ممن يقلده الولد ويتبعه من شياطين الإنس والجن، فلا يشكل بأول كافر من الإنس؛ إذ لم يتصور أن يكون كفره باتباع الآباء، وكذا بكفر كثير وارتدادهم ممن يكون كفره بلا مداخلة (٤) الآباء، والفاء في قوله: (فَأَبَوَاهُ) للتعقيب، ولا حاجة إلى جعلها للسببية بتكلف (كَمَا تُنْتَجُ) على بناء المفعول، يقال: فلان نتج الناقة ولدًا على التعدية إلى المفعولين: إذا تولى نتاجها حتى وضعت والناتج للبهائم كالقابلة للنساء، فالبهيمة بالرفع على نيابة الفاعل و(بَهِيمَةً) بالنصب على المفعولية، وقوله: (كَمَا تُنْتَجُ) صفة لمصدر محذوف؛ أي: يولد على الفطرة ولادة مثل ولادة البهيمة بهيمة، ويحتمل أن يكون خبرًا المحذوف؛ أي: وذلك كما تنتج؛ أي: ولادته على الفطرة كما تنتج، و(ما) في (كَمَا) مصدرية على التقديرين (بَهِيمَةً) قد جاء (بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) وكأنه ترك؛ لأن قوله: (هَلْ تُحِسُّونَ (٥) فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) مغن عنه؛ فإنه صفة لبهيمة بتقدير مقولاً فيها (هَلْ تُحِسُّونَ)(٦) (١) في ((م)): و. (٢) في ((م)): فأبوه. (٣) في ((الأصل)): ثبت. والمثبت من ((م). (٤) في ((الأصل)): مدخلية. والمثبت من ((م). (٥) في ((م)): تحسنون. (٦) في ((الأصل)): تحسنون. والمثبت من ((م). ٣٥٦ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل أي: تدركون وتجدون فيها؛ أي: في نوعها، وهي المولودة أول ما تولد (مِنْ جَدْعَاءَ) أي: مقطوعة الأذن على معنى أن من ينظر في نوع تلك المولودة، يقول ذلك إنكارًا لوجود جدعاء في ذلك النوع، وهذا يدل على سلامتها فتغني عن توصيفها بجمعاء، وتقدير النوع مبني على أن الجدعاء: هي التي قطعت أذنها؛ كما قالوا، وإن قلنا: إن المراد به الأذن المقطوعة؛ لم يحتج إلى تقدير وقوله: (تُحِسُونَ) من أحس (١): إذا أدرك بالحس(٢)، والله تعالى أعلم. (٧١٨٢) (٢٣٣/٢) قوله: (إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ) أي: طعنه، والمراد: أنه يصيبه بما يؤذيه ويؤلمه حقيقة، ولذلك يبكي لا كما زعمت المعتزلة أن ذلك تخييل وتصوير لطمعه فيه؛ كأنه يطعنه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه (٣) (فَيَسْتَهِلُّ) أي: يرفع صوته (صَارِخًا) أي: باكيًا (إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ) بالنصب على الاستثناء؛ أي: يطعن كل مولود وقت ولادته إلا عيسى (وَأَمَّهُ) واستثناء عيسى وهو نبي يدل على عموم الكلام السابق للأنبياء أيضًا، فقول القاضي بعموم ذلك جميع الأنبياء بعيد، وهذا لا ينافي فضل غيرهما عليهما؛ لأن اختصاص المفضول بفضيلة جزئية لا يضر في الفضل، ثم يمكن أن يحمل قول من قال: يكون بكاء الطفل ساعة يولد لما تؤذن الدنيا به من صروفها لأوسع مما كان فيه وأرغد وإلا فما يبكيه منها وإنها على هذا الحديث؛ لأن الشيطان من أعظم فتنة الدنيا (واقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ) كأنه مبني على أنه تعالى قد عَلِمَ أنها تدعو لهما، وأنه تعالى يستجيب دعاءها، (١) في ((الأم)): يحسنون من أحسن. (٣) في ((الأصل)): أغواه. والمثبت من ((م)). (٢) في ((م)): بالحسن. ٣٥٧ لأبي الحسن السندي فحفظ مريم من طعن الشيطان قبل ذلك. وبالجملة؛ فالدعاء قد سبق من الشيطان؛ إما لحفظ اللَّه تعالى إياها إلى أن دعت الأم، أو لأمر آخر، والله تعالى أعلم. (٧١٨٤) (٢٣٣/٢) قوله: (إِذَا هَلَكَ كِسْرَى ... ) إلخ، أما أمر الكسرى؛ فقد تحقق كما في الحديث، وأما أمر القيصر؛ فلعله يتحقق في آخر الأمر في وقت عيسى، أو المراد: إذا رفع ملكه من البلاد القريبة لأرض العرب كحوالي الشام (فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ) فيها، وقد تحقق ذلك أيضًا؛ فلله الحمد (لَتُنْفَقَنَّ) يحتمل بناء المفعول بفتح القاف، وبناء الفاعل بضمها على خطاب المؤمنين. (٧١٨٥) (٢٣٣/٢) قوله: (تَفْضُلُ الصَّلاَةُ فِي الْجَمِيع) أي: تفضل صلاة الرجل مع الجماعة، فكلمة (فِي) بمعنى: مع (خَمْس) بالنصب، ولا عبرة بالخط كما سبق مرارًا (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ) هكذا في بعض الأصول؛ أي: تجتمع ملائكة النهار مع ملائكة الليل، فذكر ملائكة النهار؛ لأنهم الذين جاءوا بخلاف ملائكة الليل؛ فقد كانوا قبل، وفي بعض الأصول: ((مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ)) وهو ظاهر (كَانَ مَشْهُودًا) يريد: المراد بالقرآن (١): الصلاة، أو القراءة فيها، ومعنى (مَشْهُودًا): تشهده الملائكة. (٧١٨٦) (٢٣٣/٢) قوله: (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) قد يراد به: اقتراب الساعة، أو تقارب أهل الزمان بعضهم من (٢) بعض في الشر والفتنة، أو قصر أعمارهم، أو (٣) قلة أعمالهم، (١) في ((م)): القرآن. (٣) في ((م)): و. (٢) في ((م)): في. ٠ ٣٥٨ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل أو قرب مدة الأيام والليالي، حتى تكون السنة كالشهر (وَيُلْقَى) على بناء المفعول من الإلقاء؛ أي: يُلقي الله فيهم (١) البخل ويظهره، ويحتمل أن يكون من اللقاء؛ أي: يلقى طالب الخير منهم البخل، وحينئذ يمكن أن يجعل على صيغة الخطاب ببناء الفاعل؛ كأنه خطاب لطالب الخير، لكنه غير مشهور رواية (الْهَرْجُ) بفتح فسكون (أَيُّمَا) هي ((أيُّ)) مشددة مضافة إلى ((مَا)) بمعنى: شيء، وتسمى ((مَا)) هذه تامة لا تحتاج إلى صفة ولا صلة، والمبتدأ مقدَّر؛ أي: هو أيُّ شيء؟ أي: الهَرْجُ، والله تعالى أعلم. (٧١٨٧) (٢٣٣/٢) قوله: (فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ) أي: صادفه بأن كان في وقت تأمين الملائكة، وقيل: أي وافقه في الإخلاص أو القبول. (٧١٨٨)(٢٣٣/٢) قوله: (فَلَهُ قِيرَاطُ) أي: فله من الأجر ما يسمى قيراطًا عند الله، وقد جاء تفسيره: بمثل أُحُد. (٧١٨٩) (٢٣٣/٢-٢٣٤) قوله: (غُلَامًا أَسْوَدَ) أي: على غير لوني ولونها (يُعَرِّضُ) من التعريض (أَنْ يَنْتَفِيَ) أي: هو؛ أي: يمتنع (مِنْهُ) أي: من الولد؛ أي: من لحوقه، أو ينتفي الولد منه؛ أي: من الرجل (أَلَكَ إِلٌ) مهَّد له مقدمة الإبل، وفوض إليه البيان فيها؛ ليقرب الأمر إلى فهمه بذلك بخلاف ما لو أجابه(٢) أولاً من عند نفسه؛ فإنه ربما قابله بالإنكار (حُمْرٌ) بضم فسكون: جمع أحمر (ذَوْدٌ أَوْرَقُ) توصيف الذود بالأورق يدل على أن المراد به: الجمل، وقد قيل: إنه اسم للإناث، ويطلق على ثلاث وما فوقها، وظاهر الحديث لا يوافقه، والأَوْرَقُ: الأسود، (١) في ((م)): في قلوبهم. (٢) في ((م)): أجاء به. ٣٥٩ لأبي الحسن السندي والوَرْقُ: سواد في غُبْرة (١) (وَمِمَّا ذَاكَ) أي: من أي سبب ذاك السواد؟! (لَعَلَّهُ نَزَعَهُ) أي: لعل ذاك السواد نزعة عرق؛ أي: أثرها، يُقال: نزع إليه في الشبه: إذا أشبهه، وقال النووي (٢): المراد بالعرق: الأصل من النسب تشبيهًا بعرق الثمرة، ومعنى (نَزَعَهُ): أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه. (٧١٩١) (٢٣٤/٢) قوله: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) يحتمل النفي والنهي، والمراد: هو النهي، والمراد: لا ينبغي السفر من بين المساجد إلا إلى ثلاث، فلا إشكال بالسفر للتجارة وطلب العلم وغيرهما، ولا بذهاب أهل المدينة إلى مسجد قباء؛ فإنه لا يسمى سفرًا، والله تعالى أعلم. (٧١٩٢) (٢٣٤/٢) قوله: (تُمِيلُهُ) من أمال أو ميَّل بالتشديد، وجملة (وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ) بيان المفاد (٣) التشبيه (شَجَرَةِ الأَرْزَةِ) بفتح همزة، وسكون راء مهملة أو فتحها، ثم زاي معجمة، قيل: هي على وزن فاعلة؛ بكسر راء مهملة، وأنكر ذلك، وقيل: هي شجر الصنوبر، وقيل: غيره (لَا تَهْتَزُّ) بتشديد الزاي المعجمة؛ أي: لا تتحرك (حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) أي: تقطع بمرة، والحاصل: أن المؤمن عادة كثير الآفات والعاهات والمصيبات، والمنافق بعكس ذلك، لكنه يؤخذ بمرة، والله تعالى أعلم. (٧١٩٣) (٢ /٢٣٤) قوله: (يَتْرُكُونَ) بالغيبة؛ أي: الناس، أو بالخطاب لأهل المدينة (١) في ((م)): غيره. (٢) ((شرح النووي على مسلم)) (١٠/ ١٣٣). (٣) في ((م)): المفاد. ٣٦٠ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل لا بأعيانهم، قال الحافظ ابن حجر (١): الأكثر على الخطاب. (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) من العمارة وكثرة الأشجار والأثمار وحسنها (٢)، قال القسطلاني: في ((أخبار المدينة)) لعمر بن شبة(٣): إن ابن عمر أنكر على أبي هريرة قوله: (خَيْرِ مَا كَانَتْ) وقال: إنما قال ◌ََّ: أَعْمَرَ ما كانت، وأن أبا هريرة صَدَّقَه على ذلك (لَا يَغْشَاهَا) بالغين المعجمة؛ أي: لا يسكنها (إِلَّا الْعَوَافِ) جاء بحذف الياء وإثباتها، جمع عافية، وهي: ما يطلب القوت من السباع والطيور، ولعل المقصود بالبيان: الإخبار عن دوام الخير في المدينة إلى آخر أمرها، قيل: هذا قد جرى في بعض الأعصار الأُوَل وانقضى، وقد تُرِكَت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشام، وذلك خير ما كانت للدين؛ لكثرة العلماء بها، وللدنيا(٤)؛ لعمارتها واتساع حال أهلها، وقال النووي (٥): المختار: أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويُوضِّحه قصة الراعيين (وَآخِرُ مَنْ يُخْشَرُ) على بناء المفعول؛ أي: يساق إليها كما تدل عليه رواية مسلم(٦): أو منها؛ فإنهما يخرجان منها بعد أن يجداها محلاً للوحوش، كما يدل عليه ظاهر لفظ الحديث (مِنْ مُزَيْنَةَ) بضم الميم، وفتح الزاي: اسم قبيلة (يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة؛ أي: يصيحان (فَيَجِدَاهَا) من حذف النون لمجرد التخفيف، وفي ((صحيح البخاري)) (٧): (فَيَجِدَانِهَا) بإثباتها على الأصل؛ أي: يجدان المدينة (وُحُوشًا) بالجمع؛ أي: ذات وُحُوش (حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي (٨): فخرجا منها حتى إذا بلغا (تَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) موضع بالمدينة من جهة الشام (خُشِرًا) أي: أميتا. (١) ((الفتح)) (٤/ ١٠٧). (٢) في ((الأصل)): حسنهما. والمثبت من ((م)). (٣) في ((الأصل، م)): شيبة. (٥) «شرح النووي على مسلم)) (٩/ ١٦٠). (٧) ((صحيح البخاري)) (١٨٧٤). (٤) في ((م)): بهذا. (٦) ((صحيح مسلم)) (١٣٨٩). (٨) من ((م)).