Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ لأبي الحسن السندي مسندُ أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه ومأواه هو عبدُ اللَّه بنُ عثمانَ بن عامرِ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، صِدِّيقُ هذه الأمة، وأُّه أمُّ الخَيْرِ: سَلْمَى بنت صخر بن عامر ابنة عمَّةِ (١) أبيه، وُلِدَ بعد الفيل بسنتين وأشهر، صَحِبَ النبيَّ وََّ قبل البَعْثة وسَبَق إلى الإيمان، واسْتمر معه طولَ إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهدِ كُلُّها إلى أن مات. روى عنه: عمرُ وعثمانُ وعليٍّ وغيرهم من الصحابة والتابعين، وكان لقبه عَتِيقًا، واشْتَهَر به، أسلم على يده: عثمانُ وطلحةُ والزبيرُ وسعدٌ وعبدُ الرحمن ابن عوف، وأعتق سبعةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّه؛ منهم بلالٌ. أسلمَ وله أربعون ألفًا؛ فأنفقها في سبيل اللَّه، ذكره أبو داود في ((الزهد)) بسندٍ صحيح، كذا في ((الإصابة)) (٢) واتَّفَقَ أهلُ السنةِ على أنه أفضلُ هذه الأمة، ويكفي في ذلك لمن كان ذا نورٍ: ما صح فيه من قوله وَالَ: ((لو كنتُ مُتخذًا خليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ ... )) (٣) الحديثَ؛ فقد بَيِّن ◌َّ أنه لا يليق له الخُلَّةُ إلا مع الله - جل ذكره وثناؤه - وأن هذا الَمِنْصِبَ الجليلَ لو جاز له فيه الاشتراكُ لكان الحقيقَ به بَعْدَ اللَّهِ: أبو بكرٍ؛ فانظر في جلالة قدره ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النُّور: ٤٠] وكانت وفاته يوم الاثنين في جُمادى الأولى، سنة ثلاث عَشْرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنةً، وفي (١) كذا في ((الأصل))! وفي ((الاستيعاب)) و((الإصابة)): عم. ذكرًا، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - فتأمل. (٢) ((الإصابة)) (٦/ ١٥٧). (٣) أخرجه: البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد . ٤٢ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل رواية: في جمادى الآخرة، وكلام الحافظ يميل إلى ترجيحها، كذا في ((الإصابة)) (١). (١) (١/ ٢) قوله: (قَامَ أبو بَكْرٍ) أي: خطيبًا، وفي رواية (٢) ((أنه خطب: إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها على غير ما وضعها الله - عز وجل ... )) كما في رواية يُريد: إنكم تفهمون منها أن النهي عن المنكر غيرُ واجبٍ مُطلقًا، وليس كذلك؛ إما لأن العمل به مُقَيِّدٌ بما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني: ((إذا رأيت شخًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يَدَانِ لك به؛ فعليكَ خُوِيِّصَةَ نفسِك، ودع أمرَ العوام)» هكذا رواه ابن ماجه (٣)، وهي أتم الروايات؛ فلذلك اخترناه، وإما لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة ما يكون به إصلاحُ النفس، ومن جملة الاهتداء، وقد أمر الله تعالى به في هذه الآية بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وبقوله: ﴿إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] نعم؛ لا يضر عملُ العاصي بعد ذلك إن لم يقدر على إبطاله باليد؛ فتركُ الأمر والنهي رأسًا ليس مما تدل عليه الآيةُ أصلاً، والله تعالى أعلم. (٢) (١/ ٢) قوله: (نَفَعَنِي اللَّهُ) أي: بالعمل به (اسْتَحْلَفْتُهُ ... ) إلخ، ظاهره أنه لا يُصدِّقه بلا حَلِفٍ، وهو مخالف لما عُلِم من قَبول خبر الواحد العَدْل بلا حلف؛ فالظاهر أن مراده بذلك: زيادةُ التوثيق بالخبر والاطمئنان به؛ إذ الحاصلُ بخبر العدل الظنُّ، وهو مما يَقبلُ الضَّعفَ والقوة، ومعنى ( صَدَّقْتُه) (١) ((الإصابة)) (١٦١/٦). (٣) ((السنن)) (٤٠١٤). (٢) ((المسند)) (٩/١). ٤٣ لأبي الحسن السندي أي: على وجه الكمال، وإن كان القَبول الموجِبُ للعمل حاصلاً بدونه؛ على أن كلمة (إِذَا) ليست مما يُفِيدُ اللُّزُومَ الكُلي في القضايا(١) الشَّرطية؛ بل تُفيدُ الإهمالَ الذي في قوة الجزئية، فيُحْملُ هذا على ما إذا لم يعتمد على خبره بدون حَلِفٍ؛ لنُقْصانِ في العدالة أو غيرِه (وصَدَق أَبُو بَكْرٍ ) أي: علمتُ صدْقَه في ذلك على وجه الكمال بلا حَلِفٍ (يُذْنِبُ) من أَذْنَبَ (ذَنْبًا) أي: أيُّ ذنبٍ كان؛ فالحديث يفيد أن كل ذنب يغفر بهذه الطريق، وهو لا ينافي مغفرةً بعض (٢) الذنوب بالوضوء أو الصلاة بدون استغفار (فيَتَوضّأ) بالنصب على جواب النفي أو بالرفع على العطف؛ أي: إن لم يكن متوضئًا، أو هو محمول على طلب تجديد الوضوء بعد ارتكاب الذنب (فيُحْسِنُ) من الإحسان؛ أي: بمراعاة السُّنن والآداب، ولكون الوضوء مطلوبًا للصلاة؛ اكتَفَى بذكر إحسانه عن ذكر إحسان الصلاة؛ لأن الإحسان إذا كان مطلوبًا في الوضوء ففي الصلاة بالأولى - والله تعالى أعلم. والحديث يدل على أنه ينبغي للتائب أن يقدم الصلاة بين يدي التوبة - والله تعالى أعلم. (٣) (٢/١-٣) قوله: (سَرْجًا) بفتح فسكون: واحد السُّرُوج (حِينَ خَرَجَ) أي: من الغار بعد ثلاث ليال (فأذْلَجْنا) بتخفيف الدال؛ بمعنى: سار من أول الليل، وبتشديدها؛ بمعنى: سار من آخره، وقيل: أذْلَج بالوجهين (٣)؛ في سير الليل مطلقًا أوله وآخِرِه، والمشهور هاهنا: السكونُ (فَأَحْثَثْنَا) بحاء مهملة فمثلثتين فنون ؛ أي: أسرعنا من الحث (يَومَنَا وَلَيْلَتَنَا) وفي ((صحيح البخاري)) بتقديم ((ليلتنا)) وهو أظهر. نعم الواو لا تفيد الترتيب فتصح على رواية أيضًا (حَتَّى (١) في ((الأصل)): القضاء. (٣) في ((الأصل)): الوجهين. (٢) في ((الأصل)): بعد. ٤٤ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل أَظْهَرْنَا) دخلنا في الظهيرة، أو في الظهر ؛ أي: قاربنا دخوله فلا ينافي قوله : (وقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) فإنه يدل على أنه كان وقت الاستواء حيث لا يظهر ظل، ومعناه أي: وقف الظل الذي يقف عادة عند الظهيرة حسب ما يرى ويظهر؛ فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له سويعة حركة حتى يظهر بمرأى العين أنه واقف وهو سائر حقيقة، وقيل: هو حال الشمس ولا يخفى أن التذكير يأباه (فَضَرَبْتُ بِبَصَرِي) أي: نظرت (نَأْوِي) نرجع (فَأَهْوَيْتُ) أي: ملت (فَإِذَا بَقَّيَةُ ظِلَّهَا) بقاف وتشديد ياء، والخبر مقدر؛ أي: موجودة (فَرْوَة) أي: جلدًا (مِن الطَّلَبِ) بفتحتين قيل جمع طالب كخدم جمع خادم، أو مصدر أقيم مقامه أو على حذف المضاف أي: أهل الطلب، قلت: قوله: هذا الطلب قد لحقنا فيما بعد يدل على أنه ليس بجمع (مِنْ لَبَنٍ) بفتحتين هو المشهور، وروي بضم وإسكان باء أي: شياه ذوات ألبان (حَالِب لِي) أي: بأن أذن (١) لك أن تحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة، فلا يرد أنه كيف شربوا اللبن من الغلام وهو غير مالك له، وقيل: في الجواب عنه أنه كان لصديق لهم علموا برضاه، وهذا جائز أو أنه كان مال حربي لا أمان له، أو لعلهم كانوا مضطرين (فَاعْتَقَلَ شَاةً) أي: احتبسها للحلب (كُثْبَة) بضم كاف وسكون مثلثة فموحدة قيل: هي قدر الحلبة، وقيل: هي القليل منه (فَصَبَيْتُ) أي: الماء من الإدواة على قدح اللبن (حَتَّى بَرَدَ) المشهور فتح الراء، وقيل: تضم (فَوَافَيْتُه) أي: وافقته ووجدته (حَتَّى رَضَيْتُ) أي: طابت نفسي بكثرة شربه (ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنَى الرَّحِيلُ) أي : هل جاء وقته، وأنى كَرَمَى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمّ ◌َأَنِ لِلَّذِبِنَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] وفي بعض النسخ: ثم قلت : والصواب: قال، كما في ترتيب ((المسند))، و((صحيح مسلم)) (٢) (يَطْلُبُونَا) (١) في ((الأصل)): أوذن. (٢) ((صحيح مسلم)) (٢٠٠٩). ٤٥ لأبي الحسن السندي من حذف نون الرفع تخفيفًا، وهو كثير بلا سبب فكيف عند اجتماع النونين ، ويحتمل تشديد النون بالإدغام مثل قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَّنِ﴾ [الزمر: ٦٤] (إِلَّا سُرَاقَة) بضم السين (جُعْشُم) بضم جيم وشين معجمة بينهما مهملة ساكنة (فسَاخَتْ)(١) بالخاء المعجمة ؛ أي: غاصت (فِي أَرْضٍ صَلْدٍ) بفتح فسكون يقال: حجر صلد؛ أي: صلب أملس (ووثب) أي: نزل بسرعة (لِأَعَمِّينَ) صيغة المتكلم من أُعَمِّى بنون ثقيلة أي: أخفين طريقك (كِنَانَتِي) بكسر الكاف وعاء يتخذ للسهام (فَخُذْ مِنْها سَهْمًا) ليكون علامة لك عند الرعاة (حَاجَتِكَ) أي : قدر حاجتك (فَأُطْلِقَ) على بناء المفعول (وعلى الأجاجير) أي : وطلعوا على السطوح، وهو جمع إجار بكسر فتشديد؛ يعني: السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط والإنجار بالنون لغة فيه، والجمع الأجاجير والأناجير (فاشْتَدَّ) أي: كثر (الخَدَم) بفتحتين أي: العبيد (يقُولُوَن: اللَّهُ أكْبَر) فرحة بقدومه (وتَنَازَعَ القَوْمُ) أي: الأنصار، الظاهر أن هذا التنازع عند نزوله من القباء (أَيُّهُم) أي: ليعلموا أيهم ينزل عليه (عَلَى بَنِي النَّجَّارِ) كأن غالبهم كانوا في محل واحد (فَلَمَّا أَصْبَحِ غَدَا حَيِثُ أُمِرَ) لعل هذا إشارة إلى ما جاء أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إلينا. وناسًا قالوا: المنزل يا رسول الله، فقال: دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب، وفي رواية: عند موضع المنبر من المسجد، فأتاه أبو أيوب فقال : إن منزلي أقرب المنازل فائذن لي أن أنقل رحلك قال : نعم، فنقل وأناخ الناقة في منزله، وجاء أن أبا أيوب لما نقل رحل النبي ◌ّه إلى منزله قال النبي وَ ل: ((المرء مع رحله))(٢) وجاء أن مدة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر، ذكره في ((فتح الباري)) (٢) (مَا فَعَل) (١) في ((الأصل)): فماخت. والمثبت من المسند. (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٦/٧). ٤٦ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل على بناء الفاعل؛ أي : ماذا هو فيه (على أثري) بفتحتين أو بكسر فسكون؛ أي عقبي ، (وَلَمْ يَقْدَم) کیعلم. (٤) (٣/١) قوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْع) بتقديم تحتية مضمومة على ثاء مثلثة مفتوحة، ثم ياء تحتية ساكنة. قوله: (بِبَرَاءَةٌ) أي: بتبليغ سورة براءة، أو ببراءة الله ورسوله ے من المشركين؛ فعلى الأول يحتمل الرفع على حكاية أول السورة، والفتحة على أنه غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقوله: (لَا يَحُجُّ) على الأول حال من فاعل التبليغ المقدر بتقدير القول؛ أي: يبلغهم قائلاً لهم، وعلى الثاني بيان للبراءة لاشتماله عليها، وهو يحتمل أن يكون نهيًا أو نفيًا بمعناه، وهو الأوفق؛ لقوله: (وَلَا يَطُوفُ) فإنه نفي بمعنى النهي، وأما قوله: (وَلَا يَدْخُلُ) فنفي صرف، وعطفه على الإنشاء لرجوعه إلى معنى، واعتقدوا أنه لا يدخل الجنة ... إلخ (مُدَّةٌ) أي: مصالحة مدة (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال (الْحَقْهُ) من اللحوق؛ أي: أدركه (فَرُدَّ عَلَيَّ أَبَا بَكْرٍ) ظاهره يخالف الصحيح المشهور أنه ثبت أميرًا في الحج، وإنما كان لعلي تبليغ السورة، والحديث صحيح؛ ففي ((مجمع الزوائد))(١) للحافظ نور الدين أبي الحسن علي الهيثمي: رجاله ثقات، ويمكن أن يقال: المعنى رُدّ أمرَه إليَّ؛ أي إن قال لك بأي سبب هذا؟ فقل له إذا رجعت: فاستخبر ذلك رسول اللَّه وَ لّ وإلا فلابد من رد هذا؛ لأن خلافه أصح منه وأشهر (حَدَثَ فِيَّ) بتشديد الياء، (أَنْ لا يُبَلِّغْهَا) أي: السورة أو البراءة، قيل: لأن عادة العرب أن لا يتولى إبرام العهود ونقضها إلا الرئيس أو القريب منه. (١) ((مجمع الزوائد)) (٥٣٦/٣). ٤٧ لأبي الحسن السندي (٥) (٣/١) قوله: (عَامَ الْأَوَّلِ) من لا يُجَوِّز إضافة الموصوف إلى صفته يُؤَوّلُهُ بنحو عام الزمان الأول، والمراد: العام السابق على هذا العام (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ظاهر لفظ حديث (أَوْسَطَ ) بجميع رواياته المذكورة في الكتاب الوقف لكن تقديمه، قوله: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ ... ) إلخ، وكذا النظر (١) في المتن يقتضي الرفع بتقدير: فقال حاكيًا راويًا عنه، أو ناقلاً قوله، ويؤيده حديث رفاعة، عن أبي بكر الآتي؛ بل يصرح به حديث أبي عبيدة عنه، وحديث عمر عنه، وحديث أبي هريرة عنه (أَفْضَلَ مِنَ الْعَافِيَةِ) فإنها السلامة من آفات الظاهر وأمراض البدن وعاهاته، كما أن اليقين سلامة من آفة القلب ومرضه، الذي هو الشك والتكذيب، ولا شك أن صلاح الباطن أقدم من صلاح الظاهر، والأمر يحتاج إليهما جميعًا، ولا ينتظم بدونهما لا في الدين ولا الدنيا، بقي أن المرض الذي لا يؤدي إلى خلل في الدين لا ينافي العافية، كيف والأخيار يسألون العافية؟ ومع ذلك كثيرًا ما تحصل لهم الأمراض (أَوِ الْمُعَافَاةِ) مبالغة في العافية (بِالصِّدْقِ) أي: مع الخالق والخلق (فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ) أي: يعد معه وينتظمان في سلك واحد، أو يؤدي إليه، كما جاء في رواية أنه (يَهْدِي إلى البِرِّ) فالمعية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا﴾ [الشرح: ٦] ومثله قوله: (فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ) قيل: البر كلمة جامعة للخير، وقيل: هو العمل الخالص من كل مذموم، والفجور خلافه، ثم لعل الكذب بخاصيته يفضي بالإنسان إلى القبائح، والصدق بخلافه، وقيل: المراد بالبر في قوله: (يَهْدِي إلى البِرِّ ) نفس ذلك الصدق، وكذا الفجور في قوله: (يَهْدِي إلى الفُجُورِ) نفس ذلك الكذب، والهداية إليه باعتبار المغايرة الاعتبارية في المفهوم والعنوان، كما (١) في ((الأصل)): لينظر. ٤٨ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل يقال: العلم يؤدي إلى الكمال، وقال ابن العربي: إذا تَحرى الصدقَ لم يعص أبدًا؛ لأنه إن أراد أن يفعل شيئًا من المعاصي خاف أن يقال: أفعلت كذا؟ فإن سكت جرَّ الريبة، وإن قال: لا، كذب، وإن قال: نعم، فسق وسقطت منزلته وذهبت حرمته (وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ) أي: أهلهما وأصحابهما، أو هما في خصال الجنة معدودان منها (لَا تَحَاسَدُوا ... ) إلخ، الحسد: كراهة ما يرى من نعمة الله تعالى على غيره، والبغض: ضد المحبة، وهي إرادة المضرة، والتدابر: أن يولي كل واحد منهم صاحبه دبره؛ إما بالأبدان أو بالآراء والأقوال، والمراد بقوله: (لَا تَحَاسَدُوا) لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض، سواء أرادها لنفسه أو لا، قالوا: إلا إذا كان مستعينًا بالنعمة على المعصية (إِخْوَانًا) كما أمركم اللَّه؛ أي: إخوانًا في الطاعة والمعاونة في الخير لا في المعصية، ولذلك قال: (كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ) والله تعالى أعلم. (٦) (٣/١) قوله: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) على بناء المفعول مخففًا أو مشددًا على أن التشديد للمبالغة؛ أي: كشف عنه البكاء وأزيل (فِي هَذَا الْقَيْظِ ) هو زمان شدة الحر. (٧) (٣/١) قوله: (السِّوَاكُ مَظْهَرَةٌ لِلْفَم) بفتح الميم وكسرها لغتان، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها شبه السواك بها؛ لأنه ينظف الفم، والطهارة النظافة، ذكره النووي. قلت: لا حاجة إلى اعتبار التشبيه؛ لأن السِّواك - بكسر السين -: اسم للعود الذي يدلك به الأسنان، ولا شك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته، و(مَرْضَاةٌ) بفتح ميم وسكون راء، والمراد أنه آلة لرضا الله تعالى باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: (مَطْهَرَةٌ) و (مَرْضَاةٌ) بفتح الميم كل منهما مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: مُطهر للفم ومُرضٍ للرب ٤٩ لأبي الحسن السندي تعالى أو هما باقيان على المصدرية؛ أي: سبب للطهارة والرضا، وجاز أن يكون (مَرْضَاةٌ) بمعنى المفعول؛ أي: مَرضي للرب - تعالى - انتهى. قلت: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك استعمال العود لا نفس العود؛ إما على ما قيل أن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضًا، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم فاعل من ذلك المصدر لا من غيره؛ فينبغي أن يكون هاهنا (مَطْهَرَةٌ) و(مَرْضَاةٌ) بمعنى: طاهر وراض لا بمعنى: مُطهر ومُرضٍ، ولا معنى لذلك؛ فليتأمل. ثم المقصود في الحديث: الترغيب في استعمال السواك، وهذا ظاهر، وفي ((المجمع))(١): رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن محمد لم يسمع من ابن أبي بكر. (٨) (٣/١-٤) قوله: (فِي صَلَاتِي) ما جاء محله من الصلاة، والظاهر أنه بعد التشهد، ويحتمل على بُعد أن الصلاة هي الدعاء؛ أي: أجعله في جملة دعائي (ظُلْمًا كَثِيرًا) إذ كل إنسان مقصر في حقوقه تعالى، وفيما يليق به تعالى من التعظيم والإجلال، وبالجملة فظلم كلٍ على حسَب حاله؛ فحسنات الأبرار سيئات المقربين (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) أي: كلها ما عدا الشرك أو جنس الذنوب، على أن مغفرة غيره تعالى في جنب مغفرته كلاً مغفرة، فلا يرد نقض الحصر بنحو : ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] (مِنْ عِنْدِكَ) أي: ناشئة من محض فضلك بلا استحقاق مني، أو لائقة بجنابك عظيمة بقدر عظمتك؛ فلا يرد أنه لا فائدة فيه؛ إذ مغفرته لا تكون إلا من عنده (وقَالَ يُونُسُ: كَبِيرًا) أي: بالباء الموحدة مكان الثاء المثلثة . (١) ((مجمع الزوائد)) (٥١٣/١). ٥٠ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (٩) (٤/١) قوله: (لَاا نُورَثُ) على بناء المفعول (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرفع على أنه خبر عن الموصول، والعائد إليه في الصلة محذوف؛ أي: ما تركناه صدقة، وقد صحف بعض الشيعة بنصب (صَدَقَةً) على الحال، فقال: لا دلالة للحديث على منع الإرث، فرد بعض أهل الفهم الذي ليس له يد في صناعة النحو بأنه لا شك عندي وعندك في أن العباس وفاطمة أعرف منا بما يصلح دليلاً في هذا المطلوب؛ فلو لم يكن دليلاً كيف قبلاه وسكتا عنه؛ فبهت؟! قلت: دلالة المعنى أعدل شاهد على بطلان ما زعمه هذا الشيعي، وكذا الروايات، وأما القول بأن الحديث من أخبار الآحاد؛ فلا يصلح مخصصًا للقرآن، فباطل أما أولاً: فلأنه يصلح لتخصيص القرآن عند جمهور أهل الأصول، وأما ثانيًا: فلأن الحديث عند من سمعه منه وَّ مثل القرآن، وكلام الأصوليين فيمن بلغه بواسطة، ثم الحديث قد جاء من عدة من الصحابة - رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين - (إِنَّمَا يَأْكُلُ) لا يخفى أن محل القصر هو الأكل لا المال؛ فينبغي أن يعتبر محلاً للإثبات، فيعتبر النفي على مقدر بتقدير: إنما هو يأكل؛ أي: ليس الشأن ألا يأكل آل محمد من هذا المال، وليس لهم أن يقسموه ميراثًا بينهم بعده ◌ََّ (فِيهِ) أي: في المال. (١٠) (٤/١) قوله: (ثُمَّ اسْتَعْبَرَ) أي: دمع، يقال: عبر واستعبر؛ إذا دمع (لَمْ تُؤْتَوْا) على بناء المفعول. (١١) (٤/١) قوله: (اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) أي: بالعون والنصر لا بمجرد هذا العلم، حتى يرد أن كل اثنين ثالثهما اللَّه؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ولقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمّ﴾ [الحديد: ٤] لأن ذاك العموم في المعية بالعلم. ٥١ لأبي الحسن السندي (١٢) (٤/١) قوله: (الْمَجَانُّ) بفتح ميم وتشديد نون: جمع (مِجَنّ) بكسر ميم وفتح جيم وتشديد نون، وهو التِّرْس (الْمُطْرَقَةُ) اسم مفعول من: أطرق، أو طرَّق مشددًا، والأول أفصح وأشهر رواية، والترس المطرق الذي جُعل على ظهره طراق، والطراق بكسر الطاء: جلد يقطع على مقدار الترس، فيلصق على ظهره، شَبَّه وجوههم بالترس؛ لبسطها وتدويرها، وبالمطرق؛ لغلظها وكثرة لحمها . (١٣) (٤/١) قوله: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي: لا يستحق دخولها، أو لا نعم؛ يمكن أن يدخلها أولاً بفضل اللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨] فلا يصح أن يقال في تفسيره أنه لا يدخلها أولاً؛ فليتأمل (بَخِيلٌ) في الحقوق الواجبة (وَلَا خَبٌّ) بفتح معجمة، وقد تكسر، وتشديد باء: هو الخدّاعِ الساعي بين الناس بالفساد (وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ) ضبط بالفتحات، هي المعاملة والمعاشرة مع المماليك (وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ) أي: كناية عن كونهم من أول الناس بعد الأنبياء دخولاً في الجنة، وإلا فقد جاء في وصف الجنة ﴿جَّتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَُّ الْأَبُ﴾ [ص: ٥٠] فليتأمل (إِذَا أَحْسَنُوا) أي: يكونون من أول الناس إذا أحسنوا المعاملة مع الله ومع (مَوَالِيهِمْ). (١٤) (١/ ٤) قوله: (أَمْ أَهْلُهُ) أي: أم وَرِثَه أهْلُه؟ هذا الكلام يدل على أن الإرث متحقق لا محالة، والتردد إنما هو في الوارث، وهذا في إرث المال عند أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - غير صحيح، وإن كانت فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - ما أرادت إلا إرث المال على حسب اعتقادها؛ فحمله أبو بكر على إرث العلم؛ فأجاب على وفق ذلك بقوله: (لَا؛ بَلْ أَهْلُهُ) أي: لا أنا ورثت ٥٢ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل وحدي؛ بل ورثه أهل إرثه الذين هم أهل العلم عمومًا، وأنا من جملتهم، وحمل كلام المتكلم على خلاف مراده، والجواب على وفق ذلك باب من أسلوب الحكيم مشهور في العربية، وقصة قبعثري الشاعر مع الحجاج في هذا الباب معروفة غنية عن البيان، على أن الحديث ضعيف، قيل: قال الذهبي في ((تاريخ الإسلام))(١): هو حديث منكر، وأنكر ما فيه قوله: (لَا؛ بَلْ أَهْلُهُ) انتهى. قلت: فإنه خلاف المعروف في ((الصحيح)) (٢) وغيره، والحديث قد رواه (أبو داود)(٣) في الخراج بدون هذه الزيادة، وفي إسناده: محمد بن فضيل ؛ صدوق، رمي بالتشيع، والوليد بن جَميع؛ صدوق يخطئ. (طُعْمَةٌ) بالضم شبه الرزق، يريد به الفيء وغيره (جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ) أي: جعل التصرف فيه له بأن يصرفه في مصارفه في المسلمين؛ أي: في حوائجهم التي كان النبي ◌َّ يصرف فيها، والحاصل أن تركة النبي لا تورث، وبهذا تبين أن معنى (بَلْ أَهْلُهُ) ما ذكرنا. (فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْتَه) (أنت) مبتدأ خبره (أَعْلَمُ) وقوله: (وَمَا سَمِعْتَه) بتقدير: ومعك ما سمعته، اعتراض لتقرير جهة كونه أعلم، والله تعالى أعلم. (١٥) (٤/١-٥) قوله: (ثُمَّ جَلَسَ) الظاهر أنه جلس مكانه (ثُمَّ جَلَسَ مَكَانَهُ) أي: استمر جالسًا، وإلا فقد كان جالسًا قبل أيضًا (صَلَّى الْأُولَى) أي: الظهر؛ فإنها أول (١) ((تاريخ الإسلام)) (١/ ٣٦٧). (٢) يشير إلى ما رواه البخاري (٣٠٩٢) (٣٠٩٢) من حديث عائشة رضيويها ((أن فاطمة عليهالا ابنة رسول اللَّه ◌َ له سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه وَه ليل أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول اللَّه وَ ل مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه وَ ل قال: ((لا نُورث، ما تركنا صدقة)) فغضبت فاطمة ... إلخ. (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٩٧٣). ٥٣ لأبي الحسن السندي صلاة صلاها جبريل بالنبي ◌ََّ كل ذلك منصوب على أنه ظرف؛ لقوله: (لَا يَتَكَلَّمُ) أي: لا يتكلم في جميع ما ذكر من الأوقات (عُرِضَ عَلَيَّ) أي: أظهر لي (فَجُمِعَ الْأَوَّلُونَ) على صيغة الماضي؛ إما لأنه عرض عليه كذلك فحكى على ذلك، وإما لأنه لتحققه نزل منزلة ما قد تحقق، وفي بعض النسخ يجمع على صيغة المضارع ([فَفَظِعَ](١) النَّاسُ) من فَظِع بالأمر كَفَرِح: ضاق به ذرعًا (حَتَّى انْطَلَقُوا إِلَى آدَمَ) قيل: الحكمة في أن اللَّه تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ابتداءً ولم يلهمهم سؤال نبينا محمد عليه؛ إظهار فضيلته وَّ فإنهم لو سألوه ابتداءً لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا، وأما إذا سألوا غيره ثم انتهوا إليه فقد علم أن هذا المقام المحمود لا يقدر على الإقدام عليه غيره، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. (يُلْجِمُهُمْ) من الإلجام، وهو إدخال اللجام في الفم؛ أي: يصل إلى أفواههم فيمنعهم من الكلام، وهذا من نسبة حال بعض أفراد الجنس إليه، والله تعالى أعلم. (مِثْلَ الَّذِي لَقِيتُمُ) أي: من شدة اليوم وطوله، إما لأن أصل الشدة تعم الكل، وإن اختلف قدرها في الناس، أو لأن ما اشتد على أولاده يشتد عليه لأجلهم، والأظهر أن المراد: لقيت في الدنيا مثل ما لقيتم من الذنب؛ فإنه أظهر في كونه عذرًا في عدم الإقدام على الشفاعة وأوفق (إِلَى أَبِيكُمْ بعد أبيكم) أي: أبيكم الثاني، وهذا إما للتغليب، أو لأنه لم يكن في أولئك من تقدم نوحًا أو عاصره؛ بل كل أولئك من ذرية نوح. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَ﴾ إلخ [آل عمران: ٣٣]. يحتمل أنه يَ ◌ّ استدل به على اصطفاء نوح ليتبين به وجه اختيار آدم إياه للشفاعة، ويحتمل أن آدم يقرئه يومئذ (إِلَى سَيِّدٍ وَلَدِ آدَمَ) بفتح الواو واللام، يطلق على الواحد والجمع، وجاء في الجمع بضم (١) في ((الأصل)): فقطع. ٥٤ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل فسكون أيضًا، والمشهور في الحديث: الأول (فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ) كأن عيسى يقول كذلك حينئذ إحضارًا للحالة العظيمة، أو أن صيغة المضارع وقعت منه وَّخير في الحكاية نظرًا إلى الحالة الراهنة، وإلا فالظاهر انشقت لكون هذا الكلام من عيسى بعد وقوع الانشقاق. وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يؤيد الوجه الثاني (فَيَنْطَلِقُ) أي: محمد إلى ربه للشفاعة، وهذا اللفظ إما من كلام الصديق يحكي به معنى ما سمع، أو من كلامه وَلّر ذكر نفسه على وجه الغيبة؛ تنبيهًا على أنه يوم يغيب عنه فيه نفسه إما هيبة لجلاله تعالى أو لأنه في شأن أمته على خلاف سائر الخلق؛ فإنهم في شأن أنفسهم كما هو معلوم، ففي الكلام على الوجه الثاني التفات لطيف، وفي بعض النسخ (فَيَنْطَلِقُونَ) أي: الخلق إلى النبيِ وَّ، وعلى النسختين في الكلام إيجاز كثير لا يخفى شأنه (وَقُلْ يُسْمَعْ) أي: قولك، والسماع كناية عن القبول (تُشَفَّعْ) أي: تقبل شفاعتُك، لكن قد جاء أنه يحد له من يَشفع فيهم (قَالَ: فَيَذْهَبُ) أي: بعد أن يرفع رأسه مرة ثانية يريد: وأن يخر ساجدًا مرة ثالثة أيضًا (بِضَبْعَيْهِ) بفتح فسكون؛ أي: عضديه أو وسطهما (حَتَّى إِنَّهُ) غاية لمقدر مفهوم من المقام؛ أي: فيؤذن لي في الشفاعة فأشفع؛ فيكون ما يكون (حَتَّى إِنَّهُ لَيَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء؛ كأنه خلص ما كان فيه من الغمِّ الذي غاب عنه النفس لأجله، فرجع إلى التكلم تنبيهًا على ذلك، ولا يمكن تخفيف الياء؛ لأن (وَرَدَ) يتعدى إلى الماء بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القَصَص: ٢٣] (ثُمَّ يُقَالُ ادْعُوا الصِّدِّيقِينَ) أي: يقول اللّه تعالى للملائكة، وتقديم الصّدّيقين على الأنبياء يحتمل أن يكون من الرواة سهوًا؛ فإن الرواة وإن كانوا ثقات كما في ((مجمع الزوائد))(١) ويشهد له الرجوع إلى معرفة حالهم، لكن الثقة غير معصوم من السهو، ويحتمل أن (١) ((مجمع الزوائد)) (١٠/ ٦٧٩). - ٥٥ لأبي الحسن السندي المراد: الصّدّيقون من هذه الأمة، وهم يتقدمون تبعًا، والتقدم تبعًا غير ضار في قدر المتأخر (ادْعُوا الشُّهَدَاءَ) جمع شهيد؛ أي: الذين قتلوا في اللَّه أو شاهدوا، والمراد قوم بأعيانهم، أو هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والله تعالى أعلم. (فَيَقُولُ لَهُ) أي: المَلَك (أَسْمِحُوا) من أسمح لغة في سمح، إذا جاوز وأعطى عن كرم (فَأَحْرِقُونِي) من الإحراق (ثُمَّ اطْحَنُونِي) من طحن؛ كمنع (فَاذْرُونِي) من ذرى يذرو كدعا يدعو؛ أي: فرقوني وانثروني (لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ) أي: بهذا الطريق؛ أي: ولئن قدر عليَّ يعذبني، وكأنه لم يقل ذلك تكذيبًا للقدرة؛ بل قال لأنه لحقه من شدة الحال ما غير عقله وصيره كالمجنون المبهوت، فلم يدر ماذا يقول، وماذا يفعل، وهكذا حال العاجز المتحير في الأمر، يفعل كل ما يقدر عليه في ذلك الحال، ولا يدري أنه ينفعه ذلك أم لا، ويحتمل أنه اعتقد استحالة الإعادة بهذا الطريق، ثم نفى القدرة على ذلك؛ فالخطأ في اعتقاد بعض الممكنات مستحيل، أو ليس هذا من الكفر - والله تعالى أعلم. ثم المشاهير تدل على أن الله قد غفر للتاجر المسامح، ولمن أوصى أولاده بذلك عند الموت؛ فإما أن يقال: تلك الأحاديث في غير هذين، أو يقال: المراد بالمغفرة في المشاهير أنه قرر لهما المغفرة ولو بعد حين - والله تعالى أعلم. (إلى مُلْكِ أَعْظم مَلِكٍ) الأول بضم فسكون، والثاني بفتح فكسر، والأول مضاف إلى (أَعْظم) المضاف إلى الثاني (لِمَ تَسْخَرُ بِي) يقول لعدم رؤية نفسه أهلاً لذلك، واللَّه تعالى أعلم. (١٦) (٥/١) قوله: (فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ) أي: مضادٌّ له، كأن كلاًّ في جانب غير جانب الآخر؛ فإن الإيمان تصديق الحق، ولا شك أن تصديقه من قبيل الصدق؛ لأنه في معنى أنه حق، والكذب مضاد له. ٥٦ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (١٨) (٥/١) قوله: (فِي طَائِفَةٍ) أي: طرف (يَتَقَاوَدَانِ) أي: يذهبان مُسْرِعَيْن كأن كل واحد منهما يقود الآخر لسرعته (حَتَّى أَتَوْهُمْ) أي: حتى جاءوا الأنصار، وجمع الضمير لوجود من معهما من الأتباع، وضمير (هُمْ) للأنصار، وقد تقدم ذكرهم، لكن وقع في هذه الرواية اختصار (نَحْنُ [الْوُزَرَاءُ](١) ... ) إلخ، يدل على أن توقفه عن بيعة أبي بكر لم يكن لزعم أن الأنصار أحق بالأمر، والله تعالى أعلم. (١٩) (٥/١-٦) قوله: (عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ) بتحتانية ومعجمة (الْعَطَّافُ) بتشديد الطاء صدوق يهم. قوله: (عَلَى مَا فُرِغَ مِنْهُ) أي: على وفق ما كُتب على الإنسان وفُرغ منه من قدر اللَّه (أَمْرٍ مُؤْتَنَفٍ) أي: على وفق اختيار وإرادة وقصد من العبد مستأنف مبتدأ من غير سبق قضاء وقدر به، و(المُؤْتَنَفُ) اسم مفعول من ائتنف العمل استأنفه؛ افتعال من أنف، والأنسب بما بعده أن يقال معناه: أنعمل لأجل ما قدر اللَّه لنا من الجنة والنار؟! أو لتحصيل ما لم يقع به قضاء وقدر؛ بل يحصل لنا بواسطة العمل من غير سبق قضاءٍ وقدر به (فَفِيمَ الْعَمَلُ) أي: لأجل أي شيء العمل، وما فائدته؟! أو لأي شيء وقع التكليف به؛ أي أن العمل لا يرد القضاء والقدر السابق؛ فلا فائدة فيه، فنبه على الجواب عنه بأن اللَّه تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسببات، ومن قدر له أنه من أهل الجنة، قدر له ما يقربه إليها من الأعمال ووفقه لذلك بإقداره وتمكينه منه، وتحريضه بالترغيب والترهيب، ومن قدر له أنه من أهل النار، قدر له خلاف ذلك وخذله حتى اتبع هواه وترك أمر مولاه، (١) في ((الأصل)): الوزاء. ٥٧ لأبي الحسن السندي والحاصل أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدر له من جنة أو نار؛ فلابد من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسَّر ذلك المشي لكلٍ في طريقه ويسهل عليه - والله تعالى أعلم. والحديث قد انفرد به أحمد، ولم يخرجه أصحاب ((الكتب الستة)) في كتبهم، وفي إسناده مجهول، نعم المتن من مسند غير أبي بكر - رضي اللّه تعالى عنه - صحيح. (٢٠) (٦/١) قوله: (حِينَ تُوُفِّيَ) على بناء المفعول (حَزِنُوا) كفرح (يُؤَسْوِسُ) على بناء الفاعل. قال الطيبي: (الوَسْوَسَة): حديث النفس، وهو لازم. قال الحريري: يقال: موسوس بالكسر، والفتح لحن (أَطُم) بضمتين، وقد يسكن الثاني، و (الْأَطَامُ) بكسر همزة، وفتحها مع مد، جمعه، وهو الحصن (مَا يُعْجِبُكَ) (مَا) استفهامية، والتقدير أي: أيُّ شيء يعجبك من أني مررت؟ أو نافية؛ أي: لا يعجبك هذا وقد وقع؟ (عُبِّيَّتُكُمْ) بضم مهملة وتكسر وتشديد باء موحدة وياء تحتية؛ أي: تكبركم (مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ بِي وَلَا سَلَّمْتَ) كان يكفيه ما شعرتُ أنك مررتَ بي، لكن زاد توكيدًا؛ أي: ما نظرتُ إليك ولا سمعتُ كلامك، قال أبو بكر - أي: لعمر - الكلام الأول ولعثمان الآخر (عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ) الظاهر أن المراد به عذاب اللَّه كما يدل عليه لفظ المرفوع (مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ ... ) الحديث، لا أمر الوسوسة؛ لأنه لا يزول بمجرد القبول؛ نعم. الإكثار منها دافع للوسواس، لكن بعض الروايات الآتية تدل على أن المراد أمر الوسوسة، فيحمل القبول على الأخذ على وجه أكثر منها، والله تعالى أعلم. (فَقُمْتُ إِلَيْهِ) كأنه كان بعيد المجلس منه، فأراد القرب منه ليحقق مقصوده (الَّتِي عَرَضْتُ) عَلَى صيغة التكلم والعائد محذوف؛ أي: عرضتُها، وجَعْلُه على صيغة المؤنث من المبني للمفعول بعيد. والحديث قد تفرد به أحمد، وفي إسناده مجهول، إلا أنه وثقه الزهري. ٥٨ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل (٢١) (٦/١) قوله: (عَنْ جُنَادَةَ) بضم أوله ثم نون، قوله: (عَسَيْتَ) بالخطاب؛ أي: يتوقع منك، ومثله قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن نَوَلَيْتُمْ﴾ [محَمَّد: ٢٢] ويحتمل التكلم؛ أي: خفت (أَنْ تُؤْثِرَهُمْ)(١) أي: تختارهم على من هو أهل (بِالْإِمَارَةِ) بكسر الهمزة؛ أي: مع عدم أهليتهم، ولعله ظهر له بفراسة صادقة أن بني أمية غير خالين عن ذلك (وَذَلِكَ أَكْبَرُ ... ) إلخ، كأنه أشار إلى أنه يخاف عليه أمور أخر أيضًا؛ فلعله دعاه إلى إمارته مصلحة دينية (أنَّ رسول اللّه وَله) يحتمل كسر الهمزة على أنه استئناف وقع موقع التعليل، وفتحها بتقدير اللام على التعليل (وَلِيَ) بكسر اللام (فَأَمَّرَ) بتشديد الميم (مُحَابَاةً) من حاباه محاباة: اختصه ومال إليه؛ أي: بلا أهلية (صَرْفًا(٢) وَلَا عَذْلاً) أي: توبة (٣) ولا فدية، أو نافلة وفريضة، وقيل بعكس الثاني، والأول ورد مرفوعًا، وقيل: لا يُقبلان قَبُول رضًا، وإن قبل قبول جزاء، كذا في ((مجمع البحار)) (حَتَّى يُدْخِلَهُ) تعليل لا غاية، وهذا بيان ما يستحقه؛ لقوله تعالى ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] (حِمَى اللَّهِ) الظاهر أن المراد هاهنا: ما أمر الله تعالى بحفظه من أمور الملك، وإن جاء تفسير (الحِمَى) في الحديث بالمحارم (فَمَنِ انْتَهَكَ) هكذا في بعض النسخ، وهو تصحيف، والصواب (مِمَّنٍ) بالميم بدل الفاء، وفي كثير من النُّسخ (فَقَدِ) وهو صحيح على أن المراد: بإعطاء حمى الله إباحة محارمه - والله تعالى أعلم - وانتهاك الحرمات تناولها على غير وجهها، وهذا الحديث قد تفرد به، وفي إسناده مجهول. (١) في الأصل : تؤرثهم. والمثبت من المسند المطبوع. (٢) في الأصل: فًا. والمثبت من المسند المطبوع. (٣) تكررت بالأصل. ٥٩ لأبي الحسن السندي (٢٢) (٦/١) قوله: (الْمَسْعُودِيُّ) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، اختلط قبل موته، قوله: (أَعْطِيتُ) صيغة المتكلم على بناء المفعول؛ أي: جعل اللَّه من أمتي (سَبْعِينَ أَلْفًا) على قلب رجلٍ واحدٍ؛ أي: في عدم الاختلاف يومئذ أو في الدنيا (أَنَّ ذَلِكَ) العدد (آتٍ ... ) إلخ؛ أي: يشملهم ( وَمُصِيبٌ مِنْ حَافَّاتِ الْبَوَادِي) الحافة بفتح فاء مخففة: الجانب، والحافات جمعه؛ أي: مصيب مدرك ناسًا من أطراف البوادي. تفرد به، وفي إسناده مجهول، والمسعودي، وقد تقدم حاله، لكن المتن ثابت مع زيادة: (وثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتٍ رَبِّ). (٢٣) (٦/١) قوله: (عَنْ زِيَادِ الْجَصَّاصِ) بجيم، هو زياد بن أبي زياد؛ ضعيف، وكذا شيخه: علي بن زيد، قوله: (فِي الدُّنْيَا) متعلق بمقدر، وقع تفسيرًا للآية؛ أي: قد يجزى به في الدنيا، ويحتمل أن يكون خبرًا لقوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] أي: هذه الآية كائنة في الدنيا بمعنى أنها شاملة لجزاء الدنيا لا منحصرة في جزائها - واللَّه تعالى أعلم. (٢٥) (٦/١-٧) قوله: (مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي: رد عليه من أموال الكفرة، وفيه إشارة إلى أنه كان حقيقًا بتلك الأموال، إلا أن الكفرة غلبوا عليها؛ فرد اللّه تعالى منهم عليه (فَغَضِبَتْ ... ) إلخ، إن قلت: ما بال فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - غضبت بعد ما سمعت الحديث، قلت: ما يمكن أن يكون ذاك يمنع الإرث بعد سماع الحديث؛ بل لعل ذاك بعدم إعطاء أبي بكر شيئًا إياها تكرمًا وإحسانًا؛ إذ مقتضى ما كان بينهم من المحبة أنه إذا جاء أحدهم إلى الآخر يطلب شيئًا بسبب فإن لم يكن هناك ذاك السبب فليعطه ذلك الشيء بسبب ٦٠ حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل آخر؛ فإن قلت: فما بال أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - ما فعل كذلك؟! صَلى الله عَلِي قلت: قد ذكر أبو بكر أن مقصوده أن يفعل في المال ما فعله فيه النبي وَسَتِلمً ورأى أن ذلك أهم؛ بل خاف الضلال على تركه؛ فإن قلت: كيف صح منع الإعطاء بعد أن ظهر تأذيها بالمنع، وقد جاء ((مَنْ آذَى فَاطِمَةَ فَقَدْ آذَانِي))؟! قلت: معلوم أن الحديث فيمن يقصد إيذاءها، وأما من قصد إصلاحًا فاتفق في ضمن ذلك تأذيها بحكم البشرية؛ فذاك لا يسمى إيذاءً ولا هو مندرج في الحديث، وهذا ظاهر عند من له عقل، وقد بسطنا في هذا في ((حاشية الصحيحين)). (فَهَجَرَتْ) لا بمعنى ترك السلام بعد الملاقاة الذي جاء النهي عنه فوق ثلاث؛ بل بمعنى ترك الاهتمام بالملاقاة والاحتراز عنها قصدًا (أَنْ أَزِيغَ) أي: أميل من الحق إلى الباطل (فَدَفَعَهَا عُمَرُ) تطييبًا لقلوبهما مع اشتراط أن لا يفعلا فيها إلا ما فعل فيها رسول اللَّه وعقله (تَعْرُوهُ) تنزله (وَنَوَائِهِ) تفسير لسابقه. (٢٧) (٧/١) قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) بإضافة الأب إلى ياء المتكلم: وأبوه: عبد العزيز بن جريج؛ لين، ومع ذلك ففي الحديث انقطاع؛ لأنه ما حضر الوقعة، ولا ذكر من سمع منه، قوله: (لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٍّ إِلَّا حَيْثُ يَمُوتُ) قيل: ووافقه عليٍّ على ذلك، وقال: (أَنَا سَمِعْتُهُ أَيْضًا). (٣١) (١/ ٧) قوله: (عَنْ مُرَّةَ الطَِّّبِ) هو ابن شراحيل الهمداني بسكون ميم، يقال له: مرة الطيب ثقة عابد (١) . (١) في ((الأصل)): عاید.