Indexed OCR Text

Pages 281-300

أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلفُ ولم نَشْهَدْ، ولم تَرَ؟ قال: فَتْبْرِ تُكَم يهودُ
بخمسين؟ قالوا: كيف نأخذ أيمان قومٍ كفار؟ فَعَقَلَهُ النبيُّ بِّ من عنده)).
وفي رواية: فقال رسولُ الله ◌َ اليِ: (( يُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم
فيُدفَعِ بِرْمَته، قالوا: أمْرٌ لم نَشْهَدُهُ، كيف نحلف؟ قال فَتُبْ تكم يهودُ بأيمانِ
خمسينَ منهم ، قالوا : يا رسول الله، قوم كفار ... وذكر الحديث نحوه)).
وفي أخرى فقال لهم: ((تأتونَ بالبيْنَةِ على مَنْ قَتَله؟ فقالوا: ما لَنَا بَيْنَةٌ،
قال فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأثمان اليهود، فَكَرهَ رسولُ الله ◌ِ الْمِ أن
يُبْطِلَ دمه ، فوَدَاهُ بمائةٍ من إبل الصدقة)).
وفي أخرى : (( فجاءَ عبدُ الرحمنِ بنُ سهل، وُحُويِّصة ومُحيِّصة ابنا
مسعودٍ، وهما عمَّاه)).
وفي أخرى (( أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة - يقال له: عبد الله
ابن سهل بن زيد - انطلق هو وابنُ عَمّ له، يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد)».
وفي أخرى عن سهلٍ بنِ أبي حثمة ، ورافع بن خديج ... الحديث ،
وفيه: قال سهل: (( دخلتُ مِرْبداً لهم يوماً ، فركضتني ناقة من تلك الإبل
ركضة برجلها)).
وفي أخرى عن سهل بن أبي حَثْمَةً عن رجالٍ من كبراءِ قومه ((أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ سهل ، ومحيصةَ ، خرجا إلى خيبر من جَهْدٍ أصابهم، فأتي محيِصةُ
- ٢٨١ -

الرس
فأخبرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهل قد قُتلَ وطُرِحَ في عين أو فقير ، فأتى يهودَ ،
فقال: أنتم والله قتلتموه ، قالوا : والله ماقتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه،
فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حُوَيْصة - وهو أكبر منه - وعبدُ الرحمن بنُ
سهل، فذهبَ مُحْيِّصَةُ ليتكلم - وهو الذي كان بخير - فقال رسولُ الله ◌َّ
لحيِّصة: كَبِرْ ، كَبِرْ - يريدُ السُنَّ- فتكلَّم حُوَيِّصة، ثم تكلّم مُحَيِّصَةُ، فقال
رسولُ اللّهَ عَّ؛ إِمَا أنْ يَدُوا صاحبكم، وإما أن يُؤذِنُوا بِجَربٍ، فكتب
رسولُ اللّه عَ لّهِ إليهم في ذلك، فكتبوا: إنّا والله ماقتلناه ، فقال
رسولُ الله ◌ٍَّ لِحُويُّصَةَ وُخَيْصَةَ، وعبد الرحمن: أَتَخْلِفُونَ وتستحقُون
دَمَ صاحبكم؟ قالوا: لا ، قال: فتحلف لكم يهودُ؟ قالوا : ليسوا مسلمين ،
فَوَدَاه رسولُ الله ◌َ له من عنده، فبعث إليهم رسولُ اللّه صَلِّ مائةَ ناقة
حمراءَ، حتى أُدخِلَتْ عليهم الدارَ، فقال سهلٌ: فلقد ركضتني منها ناقةٌ حمراء))
[أخرجه البخاري ومسلم].
وفي رواية [مسلم] (( فَوَدَاهُ رسولُ اللّه ◌َ لِ من عنده، قال سهل: لقد
ركضتني فريضةٌ من تلك الفرائض بالمربَدِ )).
وفي رواية بنحو ما تقدَّم ((فلما رأى ذلك رسولُ الله ◌َِِّ أعطى عَقْلَه))
وفي أخرى ((كَبِرُ الكُبْرَ، أو قال: لَيَبْدَا الأكبرُ)).
وأخرج الموطأ الرواية التي قال فيها: ((عن رجال من كبراء قومه)).
- ٢٨٢ -

وفي أخرى له ((أن عبدَ الله بنَ سهل الأنصاريَّ، ونُخَيِّصَةَ بن مسعود
خرجا إلى خيبر، فتفرَّفا في حوائجهما ، فَقُتِلَ عبدُ اللهِ بنُ سهل، فَقِدِمَ مُحْصَةٌ
فأتى هو وأخوه حويُصةُ وعبدُ الرحمن بن سهل إلى النبيِّله، فذهب
عبدُ الرحمن ليتكلّم، لمكانه من أخيه، فقال رسولُ اللّه عَظٍّ: كُبْرْ كُبْرْ،
فتكلَّم محيِّصة وحويْصة، فذكرا شأنَ عبد الله بن سهل ، فقال لهم رسولُ الله
بِالّ: أَخْلِفُونَ خمسين يميناً وتستحقُّونَ دَمَ صاحبكم، أو قاتلكم؟ فقالوا: لم
نشهدْ يا رسولَ الله، ولم تَحْضُرْ، فقال لهم رسولُ اللهَ يَّةٍ: فَتُبْرِلكم يهودُ
بخمسين يميناً؟ فقالوا: يا رسولَ الله، كيف نقبل أيْمَانَ قومٍ كفار؟)) قال
يحيى بن سعيد: فزعم بُشَيْر بن يسارٍ ، أنَّ رسولَ الله عَظِلّهِ وَدَاهُ من عنده))
وأخرج أبو داود رواية سَهلْ ابن أبي حَثْمَةَ، ورافعَ بنَ خديج بطولها
وهذا لفظه (( أنَّ محيصةَ بنَ مسعود، وعبدَ اللهِ بنَ سهل: انطلقا قِبَلَ خَيْبِرَ ،
فتفرَّفا في النخل ، فقُتل عبدُ اللّه بنُ سهل، فاتّهموا اليهود، فجاء أخوه
عبد الرحمن بن سهل ، وابنا عَمْه حويصَّةٌ ومُخَيِّصةَ، فأتوا النبيَّ ◌ٍِّ ، فتكلّم
عبدُ الرحمن في أمر أخيه - وهو أصغرهم - فقال رسولُ اللهِ عٍَّ: الكُبْرَ
الكبر ، أو قال: لبيدا الأكبر، فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسولُ اللّه صَلّم:
يُقْسم خمسون منكم على رجل منهم، فيُدفع برَّمَّته، فقالوا: أمرٌ لم نَشْهَدْهُ ،
كيف تحلف ؟ قال: فتُبْرِ تُكَم يهودُ بأثمانِ خمسينَ منهم ، قالوا: يا رسولَ الله،
- ٢٨٣ -

قوم كُفّارٌ، قال: فَوَ دَاهُ رسولُ اللّه صَ ل من قِبَله، قال: قال سهل،دخلت
مِرْبداً لهم يوماً، فَركَضَقْني ناقةٌ من تلك الإبل ركضةً برجلها)) هذا أو نحوه،
هکذا قال أبو داود .
وقال أبو داود : رواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد ،
قال: ((أَتَخْلِفُونَ خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم، أو قاتلكم؟ ولم يذكر
بشرٌ ((دَمَ".
وقال أبو داود: رواه ابن عيينة عن يحيى ، فبدأ بقوله: « تُبْرِ تُكم يهودُ
بخمسين يميناً يحلفون)) ولم يذكر الاستحقاق.
وأخرج الرواية التي هي ((عن رجالٍ من كبراء قومه)) إلا أنه قال: عن
سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه ، ولم يقل: (( عن سهل
عن رجال من كبراء قومه )).
وأخرج أيضاً التي آخرها (( فَودَاه بمائة من إبل الصدقة)).
وله في أخرى عن عبد الرحمن بن يُجيد، قال: ((إن ◌َهْلاً واللّه أوْهم
الحديثَ، إِنَّ رسولَ الله عَّلُ كتب إلى يهودَ: إِنْه قد وُجِدَ بين أظهركم
قَتِيلٌ ، فَدُوهُ، فكتبوا يَخْلِفُونَ بالله خمسين يميناً ماقتلناه ، ولا علمنا قاتلاً ،
قال: فَوَدَاه رسولُ الله ◌ِّ له من عنده مائة ناقة)).
وأخرج النسائي الرواية التي هي «عن رجال من كبراء قومه بتمامها)).
وأخرجها عن سهل بن أبي حثمة، ولم يقل: ((عن رجال من كبراء قومه))
- ٢٨٤ -

والرواية التي آخرها ((فَودَاهُ بمائة من إبل الصدقة)).
وأخرج الرواية الأولى ، والرواية التي هي «عن سهل ، ورافع بن
خديج)) مثل لفظ أبي داود فيها ، والرواية الثانية التي هي الموطأ .
وأخرج الرواية التي في أولها « فجاء أخوه وعمّه حويِّصةُ ومُحِيصَةُ ،
وهما عمّاه)، والتي في آخرها (( فركضَتْني فريضةٌ من تلك الفرائض في مريد
لها » والرواية التي لأبي داود عن مالك عن يحي .
وأخرج الترمذي نحواً من رواية سهل ورافع، وقال في آخرها: « فلما
رأى ذلك رسولَ الله عَ ل أعطى عقله)).
وأخرج رواية سهل ورافع، ولم يذكر لفظها ، إنما قال : نحو هذا
الحديث بمعناه (١).
وفي رواية ذكرها رزين قال: (( ينفل لكم يهودُ أيمان خمسين منهم، قالوا:
ما يُبالون أن يقتلونا أجمعين؟ وينفلون بخمسين يميناً)).
(١) رواه البخاري ٢٠٣/١٢ - ٢٠٦ في الديات، باب القسامة، وفي الصلح، باب الصلح مع
المشركين ، وفي الجهاد، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره ، وفي الأدب ، باب
إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال، وفي الأحكام، باب كتاب الحاكم إلى عماله
والقاضي إلي أمنائه، ومسلم رقم ١٦٦٩ في القسامة، باب القسامة، والموطأ ٨٧٧/٢ و ٨٧٨
في القسامة، باب تبرئة أهل الدم في القسامة، وأبو داود رقم ٤٥٢٠ و ٤٠٢١ و ٤٥٢٣ في الديات،
باب القتل بالقسامة، باب ترك القود بالقسامة، والترمذي رقم ١٤٢٢ في الديات، باب ماجاء
في القسامة، والنسائى ٥/٨ - ١٢ في القسامة، باب تبرئة أهل الدم في القسامة.
- ٢٨٥ -

[شرح الغريب]
( يتشخَّط ) في دمه ، أي : يضطرب ،
(الكُبْرِ، الكُبْر ) جمع الأكبر، أي : ليتكلم الأكبر منكم، وأما
((كبر)» فإنه أمر بتقديم الأكبر .
(فوداه) وديت القتيل: إذا أعطيتَ ديته.
( المِرْبد): موقف الإبل والمكان الذي تأوي إليه .
(أن يُؤذنوا بحرب) آذنتُه بحرب: إذا أعلمتُه أنك تريد حربه وتقصد قتاله
( فقير ) الفقير : مخرج الماء من القناة ، والفقير : حفيرة تحفر حول
الفسيلة إذا ◌ُرسَتْ، والفقير: وكي بعينه معروف، وإنما أراد في هذا الحديث
حفيرة أو رّكيًّا .
(الفريضة): الأمر المفروض الواجب فعلُه أو قوله في الشرع، وقد
سمي البعير في هذا الحديث فريضة ، لأنه مما قد افترض ووجب أداؤه على
أولياء القائل في الدية ، ولأنه أيضاً ما وجب أخذه في الصدقة ، وتعين على
رب المال إعطاؤه .
٧٨١٣ - (د- رافع بن خريج رضي الله عنه) قال: ((أصبحَ رُجُلٌ
منَ الأنصار مَقْتُولاً بخيْبَرَ، فانْطَلَقَ أولياؤه إلى النبيُّ صَ لّه ، فذكروا ذلك
له ، فقال: لكم شاهدان(١) يشهدان على قاتل صاحبكم ؟ قالوا : يا رسول الله،
لم يكن ثمَّ أحدٌ من المسلمين ، وإنماهم يهود، وقد يجترئون على أعظم من
(١) في الأصل : شاهدين .
- ٢٨٦ -

مثل الله
هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين فاسْتَحْلِفُوهم، فَوَدَاهُ رسولُ الله
مِنْ عنده)) أخرجه أبو داود (١).
٧٨١٤ - (س - عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جدِّه ((أنَّ ابنّ
محيّصةَ الأصغرَ أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسولُ الله ◌ِيمٍ: أَقْ
شاهِدَين على مَنْ قتله، أدَفَعُهُ إليك برُمَّته، قال: يا رسولَ الله ، ومِنْ أيْنّ
أصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: فَتَحْلِفُ خمسين قَسَامَةً؟
قال: يا رسولَ اللّه، وكيف أحلف على مالم أعلم؟ فقال رسولُ اللّه عَ لَّه:
فَنَسْتَحلِفُ منهم خمسين قَسَامَةً ؟ فقال: يا رسولَ الله، كيف نستحلفهم وهم
اليهود؟ فَقَسَمَ رسولُ الله ◌ُِّ دِيَتَهُ عليهم ، وأعانهم بنصفها)).
أخرجه النسائي (٢).
٧٨١٥ - (خ - أبو قلابة رضي الله عنه) ((أن عمرَ بنَ عبد العزيز
أبرزَ سريره يوماً للناس، ثم أَذِنَ لهم، فَدَ خَلُوا، فقال لهم: ما تقولون في القسامة؟
قالوا : نقول: القَسامةُ القَوَدُ بها حقٌّ ، وقد أقادت بها الخلفاء، فقال لي :
ما تقولُ يا أبا قلابةَ؟ - ونصبني للناس - فقلتُ: يا أمير المؤمنين، عندك
رؤوسُ الأجناد ، وأشرافُ العرب ، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على
(١) رقم ٤٥٢٤ في الديات، باب ترك القود بالقسامة، وإسناده صحيح.
(٢) ١٢/٨ في القسامة، باب تبرئة أهل الدم في القسامة، وإسناده حسن.
- ٢٨٧ -

رَجُلٍ مُحْصَنِ بِدمشقَ: أنه قد زنى ولم يَرَوْهُ، أكنتَ ترجمه؟ قال : لا ،
قلتُ: أرأيتَ لو أنّ خمسين منهم شهدوا على رُجُلٍ بحمصَ أنّه قد سَرَقَ،
أكنت تقطعُه ولم يَرَوْهُ؟ قال: لا، قلتُ: فو الله ما قَتَلَ رسولُ اللّه عَلّه
أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجلٌ قَتَلَ بجريرة نفسه فقُتْلَ ، أو
رجل زنى بعد إحصان، أو رجلٌ حارَبَ الله ورسوله وارتدَّ عن الإسلام،
فقال القومُ: أَوَ لَيْسَ قد حَدَّثَ أَنْسُ بن مالك: أنَّ رسولَ الله عَلّهِ قطع
في السَّرَق، وسَر الأعينَ، ثم نَبَذَهُمْ في الشمس؟ فقلتُ: أنا أُحدِّثُكم حديث
أنس: حدَّثني أنس أن نَفَراً من ◌ُكْلٍ ثمانيةً، قَدِمُوا على رسولِ الله ◌ِّ،
فبايعوه على الإسلام ، فانْتَوخُوا المدينة(١)، فَسَقِمَتْ أجسامُهم، فَشَكَوْا
ذلك إلى رسولِ الله عَّهِ، فقال: ألا تَخْرُجُونَ مع راعينا في إبله، فَتُصيبون
من أبوالها وألبانها ؟ قالوا: بلى، فخرجوا ، فشربوا من ألبانها وأبوالها ،
فَصَحُوا، فقتلوا راعي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأطردوا الثَّعَم ، فبلغ
ذلك رسولَ الله عَِّ فأرسل في آثارهم، فأدرِكوا، فجيء بهم، فَأَمَرَ بهم
فَقُطْعَتْ أيديهم، وسَمَر أعينَهم، ثم نَبَذَهُمْ في الشمس ، حتى ماتوا ،
قلتُ: وأيُّ شيءٍ أَشَدُ ما صنع هؤلاء؟ ارتدُوا عَنِ الإسلام، وقَتَلُوا،
وَسَرَقوا، فقال عَنْبَسَةُ بنُ سعيد: والله إنْ سمعتُ كاليومٍ قط، قلتُ:
أَترُدُ عَلَيَّ حديثي يا عَنْدَسة؟ فقال : لا ، ولكن جئت بالحديث على وجهه ،
(١) في نسخ البخاري المطبوعة: فاستوخوا الأرض.
- ٢٨٨ -

والله لايزال هذا الْجِنْدُ بخيرٍ ماعاش هذا الشيخُ بين أظهرهم، قلتُ: وقد
كان في هذا ◌ُنّةٌ من رسولِ الله ◌َ ◌ّهِ ، دخل عليه نَفَرٌ من الأنصار،
فتحدَّثوا عنده، فخرج رجلٌ منهم بينَ أيديهم فقتل ، فخرجوا بعده، فإذا
هم بصاحبهم يتشخّط في الدم ، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقالوا : يارسول اللّه، صاحبُنا كان يتحدّث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا
نحن به بتشحط في الدم ، فخرج رسولُ الله ◌َّه، فقال: مَنْ تَظُنُون؟
أو مَنْ تَرَوْنَ قتله؟ قالوا: نَرَى أن اليهودَ قتلتْهُ، فأرسل إلى اليهود ، فدعاهم
فقال: أنتم قتلتم هذا ؟ قالوا : لا ، قال : أُتَرْضَونَ نَفْلَ خمسينَ من اليهود
ماقتلوه ؟ قالوا : ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يَنْفلون ، قال: أفتستحقُون
الديةَ بأيمانِ خمسينَ منكم؟ قالوا: ماكُنَّا لنحلفَ، فَوَدَاه، من عنده، قلتُ:
وقد كانت هذيلٌ خلعوا خليماً لهم في الجاهلية، فطرقَ أهلَ بيت [من اليمن]
بالبطحاء ، فانتبه له رجل منهم، فحذَفه بالسيف فقتله ، فجاءت هُذَيل، فأخذوا
المانيَّ، ورفعوه إلى مُمَرَ بالموسم، وقالوا: قتل صاحبَنًا، فقال: إنهم قد
خلعوه ، فقال: يُقْسِمُ خمسون من هذيل ماخلعوه ، قال: فأقسم منهم تسعةٌ
وأربعون رجلاً، وقَدِمَ رجلٌ منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم
بألف درهم ، فأدخلوا مكانه رجلاً ، فدفعوه إلى أخي المقتول ، فَقُرنت يده
- ٢٨٩ -
م ١٩ - ج ١٠

بيده ، قال: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا ، حتى إذا كانوا بِنَخْلَةٍ أخذتهم
السماءُ ، فدخلوا في غارِ في الجبل ، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا
فاتوا جميعاً ، وأُفْتَ القرينان، وأَنْبَعَهُمَا حَجَرٌ ، فكسر رِ جُلَ أخي المقتول،
فعاش حَوْلاً ثم مات ، قلتُ: وقد كان عبدُ الملكِ بنُ مروان أقادَ رجلاً
بالقَسَامة ، ثم نَدِمَ بعد ماصنع ، فأَمَرَ بالخمسين الذين أقسموا فَمُحُوا مِنَ
الدیوان ، وسیّرهم إلىالشام » هكذا في رواية البخاري ، من حديث أبي بشر
إسماعيل بن إبراهيم الأسَدِي، وهو ابن عُلَيَةُ عن حجاج الصواف بطوله ،
وفي حديثه: عن علي بن عبد الله المديني ، عن الأنصاريُّ نحوه مختصراً ، وفيه:
فقال عنبسةُ: ((حدَّثنا أنس بكذا، فقال: إيايَّ حَدَّث أَنَسٌ ... وذكر
حديث العُرَنَيِّينَ)) ولم يُخَرِّج مسلم منه إلا حديث العُرَنِيِين فقط ، واختصر
ماعداه ، ولقلة ما أخرج منه لم نُثْبِتْ له علامةٌ (١).
(١) رواه البخاري ٢١١/١٢ - ٢١٤ في الديات، باب القسامة، وفي الوضوء، باب أبوال الابل
والدواب والغنم ومرابضها ، وفي الزكاة، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل ، وفي
الجهاد ، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق ، وفي المغازي ، باب قصة عكل وعرينة ، وفي
تفسير سورة المائدة، باب ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً
أن يقتلوا أو يصلبوا )، وفي الطب، باب الدواء بألبان الإبل ، وباب الدواء بأبوال الإبل ،
وباب من خرج من أرض لاتلائمه ، وفي المحاربين في فاتحته ، وباب لم يحسم النبي صلى الله عليه
وسلم من أهل الردة حتى هلكوا ، وباب لم يسق المرتدون المحاربون حق ماتوا ، وباب سمر النبي
صلى الله عليه ومنها أعين المحاربين.
- ٢٩٠ -

[ شرح الغريب]
( بجريرة) الجريرة: الذَّذْب والجُرم الذي يجنيه الإنسان.
(السَّرَق) بفتح الراء ، مصدر سَرَق يَسْرِقُ، والاسم: السرِق
بالكسر ، والسرِقة .
( سمرَ عَيْنَهُ ): إذا حمى لها مسماراً وكحلها به ، ليذهب البصر.
( نبذه ): ألقاهم ورماهم .
(فاستوخموا) استوخمتُ المكان: إذالم يكن موافقاً ولا ملائماً لمزاجك
( ثم يَنفِلون) أصل النَفْل هاهنا: النفي، يقال: نفلتُ الرجل عن
نسبه ، وانتَفَلَ هو ، وانفل عن نفسك إن كنت صادقاً ، أي: آنف ماقيل
فيك و نُسبَ إليك، والمعنى بقوله: ((ينفلون)) أي: يحلفون لكم، يقال: نفلته
فنفل ، أي : حلَّفته فحلف ، وذلك لأن القصاص يُنفى بها.
( خليعاً لهم) الخليع : المخلوع، والمعنى: أن العرب كانوا يتحالفون
على النصرة والإعانة ، وأن يؤخذ كلٌّ منهم بصاحبه ، فإذا أرادوا أن يتبرؤوا
من إنسانٍ يكونون قد حالفوه : أظهروا ذلك للناس ، وسموا ذلك خلعاً ،
والمتبرأ منه خليعاً، فلا يؤخذون بجريرته ، ولا يؤخذ بجريرتهم ، بعد أن
خلعوه، فكأنهم قد خلعوا اليمين التي كانوا لَبِسُوها معه ، ومنه يسمى الإمامُ
والأمير إذا عزل خليعاً ، يقال: خلع الإِمام من الإمامة ، والأمير من الإمارة.
- ٢٩١ -

٧٨١٦ - (د- عمرو بن شعيب رحمه الله) عن أبيه عن جده ((أنّ
رسولَ اللّهِ سٍَّ(١): قَتَلَ بالقَسامة رجلاً من بني نضر(٢) بن مالك بِبَحرةِ الرُّغاء
على شَطْ [لَيَّةِ] البَحرَةِ، قال: القاتلُ والمقتولُ منهم؟)) أخرجه أبو داود (٣).
[شرح الغريب]
( ببحرة ) البحرة : البلدة .
(١) كذا في الأصول المخطوطة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وفي نسخ أبي داود المطبوعة:
عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث، وعلى هذا يكون
الحديث معضً .
(٢) وفي بعض النسخ: من بني نصر، بالصاد المهملة.
(٣) رقم ٤٥٢٢ في الديات، باب القتل بالقسامة، وإسناده معضل.
- ٢٩٢ -

الكتاب السابع
في القِراض
٧٨١٧ - (ط - زيد بن أسلم رحمه الله) عن أبيه، قال: ((خرج
عبدُ الله وعبيدُ اللّه ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قَفَلاَ مَرًّا
على أبي موسى الأشعريُ وهو أمير البصرة، فَرَّحبَ بهما، وسَهَّلَ ، ثم قال:
لو أقدرُ لكما على أمْرٍ أنفعكما به، لفعلتُ، ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال
اللّه، أريدُ أن أبعثَ به إلى أمير المؤمنين ، فأسلفكاه ، فتبتاعان به متاعاً من
متاع العراق ، ثم تبيعانه بالمدينة ، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ،
ويكون لكما الربح ، فقالا: وَدِدنا ، ففعل ، وكتبَ إلى عمر بن الخطاب :
أن يأخذَ منهما المال ، فلما قدما باعا فأربها، فلما دفعا ذلك إلى عمر ، قال :
أُكُلَّ الجيش أسلفَهُ مثل ما أسلفكما ؟ قالا : لا ، فقال عمر بن الخطاب : ابنا
أمير المؤمنين، فأسلفكما ، أدَّيا المال وربحه، فأما عبد الله: فسكت، وأما
عبيد الله: فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نَقَصَ المال أو هَلَك
لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكتَ عبدُ الله، وراجعه عُبَيْدُ اللّه، فقال
رجلٌ من جلساءِ عمرَ: يا أمير المؤمنين ، لوجعلتَه قِرَاضاً، فقال عمرُ ، قد
- ٢٩٣ -

جعلتُه قِرَاضاً، فأخذ عمرُ رأسَ المال ونصف ربحه، وأخذ عبدُ الله وعبيد
الله ابنا عمر بن الخطاب نِصْفَ ربح المال)) أخرجه الموطأ (١).
٧٨١٨ - (ط - العلاء بن عبد الرحمن رحمه الله) عن أبيه ، عن جده
(( أن عثمان بن عفان أعطاء مالاً قِراضاً يعملُ فيه على أن الربح بينهما)).
أخرجه الموطأ (٢) .
(١) ٦٨٧/٢ و٦٨٨ في القراض، باب ماجاء في القراض، وإسناده صحيح.
(٢) ٦٨٨/٢ في القراض، باب ماجاء في القراض، وفي سنده يعقوب المدني مولى الحرقة، وهو
مجهول ، ولكن يشهد له معنى الحديث الذي قبله .
- ٢٩٤ -

الكتاب الثامن
في القصص
قصة إبراهيم وإسماعيل وأمّه عليهم السلام
٧٨١٩ - (خ - عبد اللّهبن عباس رضي الله عنهما) من حديث أيوب
ابن أبي تميمة السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد
أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: (( أولُ ما اتخذَ
النساء المِنْطَق: من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت مِنْطَقاً - قال الأنصاريُ عن
ابن جريج(١) قال: أَمَّا كثير بن كثير: فحدَّثَني ، قال : إني وعثمان بن أبي
سليمان جلوسٌ مع سعيد بن جبير، فقال: ماهكذا حدَّثني ابنُ عباس ،
ولكنَّه قال: أقبل إبراهيم باسماعيل وأُّه وهي ترضعه، معها شنةٌ )) لم يرفعه
ولم يزد الأنصاري على هذا .
قال الحميديُ في أول هذا الحديث عند البرقاني: من حديث عبدالرزاق
(١) قوله: ((قال الأنصاري عن ابن جريج ... إلى قوله: معها شنة)) قال الحافظ في ((الفتح)):
هكذا ساقه مختصراً ومعلقاً، وقد وصله أبو نعيم في ((المستخرج)» عن فاروق الخطابي عن
عبد العزيز بن معاوية عن الأنصاري، وهو محمد بن عبد الله ، لكنه أورده مختصراً أيضاً ،
وكذلك أخرجه عمر بن شبة في ((كتاب مكة)» عن محمد بن عبد الله الأنصاري .
- ٢٩٥ -

عن معمر عن أيوب ، وكثير ، ولم يذكر البخاري ((أن سعيد بن جبير، قال:
سلوني يامعشر الشباب، فإني قد أو شكْتُ أن أذهبَ [من] بين أظهركم، فأكثر
الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أَرأَيت هذا المقام، أُهُوَ كما
[ كنَّا] نتحدث؟ قال: وما كنت تتحدّث؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم عليه
السلام حين جاء عرضت عليه امرأةُ إسماعيل النزولَ، فأبى أن ينزلَ ، فجاءت
بهذا الحجَر، فقال: ليس كذلك))(١) . من هاهنا ذكر البخاري عن أيوب،
وكثير عن سعيد بن جبير ، قال ابن عباس: (( أول ما اتخذت النساء المنْطَق:
من قِبَل أُمِّ إسماعيل ، اتخذت مِنْطَقَاً لِتُعْفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها
إبراهيم وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت ، عند دوحة
فوق زمزمَ في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحدٌ، وليس بها ماءٌ ، فوضعهما
هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، ويسقاء فيه ماءٌ، ثم قَفَّى إبراهيم
مُنْطلقاً، فَتَبَعَته أمُّ إسماعيل ، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا
الوادي الذي ليس فيه أنيس (٢)، ولاشيء؟ فقالت له ذلك مِرَاراً، وجعل لا يلتفت
إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ، ثم
رجعتْ، فانطلق إبراهيم عليه السلام، حتى إذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه -
(١) قال الحافظ في «الفتح»: ورواه الأزرقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي، والفاكهي من
طريق محمد بن جعشم كلاهما عن ابن جريج ، وأخرجه الاسماعيلي من طرق عن معمر .
(٢) وفي بعض النسخ : إنس .
- ٢٩٦ -

استقبل بوجهه البيتَ ، ثم دعا بهؤلاءِ الدعوات، فرفع يديه، فقال: (رَبّنا (١)
إني أسکنتُ من ذر بتي بوادٍ غير ذي زرعٍ ) - حتى بلغ - (يشكرون)
[ إبراهيم: ٣٧] وَجَعَلَتْ أُمُ إسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل، وتشربُ من ذلك
الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عَطِشَتْ، وَعَطش ابنُها ، وجعلتْ تنظر إليه
يَتْلَوَّى - أو قال: بتلبّط - فانطلقت كراهيةً أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا
أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الواديَ تنظر هل
ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً ، فهبطتْ من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رَفَعَتْ
طرفَ دِرْعها ، ثم سَعَتْ سعيَ الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم
أتت المروَةَ ، فقامت عليها ، فنظرت ، هل ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً ، ففعلت
ذلك سبع مرات - قال ابن عباس: قال النبيُ مَّهُ: فلذلك سعَى الناس
بينهما - فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صَه- تريد نفسها - ثم
تسمَّعت فسمعت أيضاً ، فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك ◌ُواثٌ ، فإذا هي
بالملَكِ عند موضع زمزم ، فبحث بعَقَبِه - أو قال: يجناحه - حتى ظهر الماء،
تحوّضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرفُ من الماء في سقائها، وهو
يفورُ بعدما تغرف - وفي رواية: بقدر ماتغرف - قال ابن عباس: قال النبي
◌َله: يَرْحُمُ اللهُ أمَّ إسماعيل، لوتركت زمزم - أو قال: لو لم تغرِفْ من
الماء - لكانت زمزمُ عيناً معيناً، قال: فشربتْ وأرضعتْ ولدها، فقال لها
(١) في رواية الكشميهني: رب، والرواية التي أثبتناها هي الموافقة للتلاوة.
- ٢٩٧ -

2
الملك : لاتخافوا الضيعةَ، فإن هاهنا بيتاً لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن
اللّه لا يُضِيع [أهله]، وكان البيتُ مرتفعاًمن الأرض كالرَّابية، تأتيه السيول،
فتأخذ عن يمينه، وعن شماله، فكانت كذلك، حتى مرَّتْ بهم رُفقةٌ من
◌ُجُرُهُمٍ - أو أهلُ بيتٍ من جرهم - مُقْبِلِين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل
مكة ، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إنَّ هذا الطائر لَيَدُورُ على ماءٍ، لَعَهْدُنا
بهذا الوادي ومافيه ماءٌ ، فأرسلوا جَرِّياً أو جَرِ يَيْنِ ، فإذا هم بالماء، فرجعوا
فأخبروهم، فأقبلوا - وأُمُ إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل
عندَك ؟ قالت: نعم ، ولكن لاحقَّ لكم في الماء، قالوا : نعم . قال ابن
عباس: قال النبيُ مَّهُ: فَألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تُحب الأُنس، فنزلوا
فأرسلوا إلى أهليهم ، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهلُ أبيات منهم، وشَبَّ
الغلام - وتعلم العربية منهم، وأنفسَهم وأعجبهم حين شبَّ- فما أدركَ زوَّجوه
امرأةً منهم ، وماتت أُمْ إسماعيل، فجاء إبراهيم ، بعدما تزوج إسماعيل،
يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت : خرج يبتغي لنا
- وفي رواية: ذَهَبَ يصيد - ثم سألها عن عَيْشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحنٍ بِشَرِّ،
نحن في ضِيقٍ وشِدَّةٍ ، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوُجُك فاقر ئي عليه
السلامَ ، وقولي له يُغيّرْ عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آ نس شيئاً، فقال:
هل جاءكم من أحدٍ؟ قالت: نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنكَ ،
- ٢٩٨ -

فأخبرتُهُ ، فسألني: كيف عيشُنا؟ فأخبر تُه: أَنَّا في جهدٍ وشدة ، قال : فهل
أوصاكِ بشيء ؟ قالت: نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول لك: غَيْرٌ
عَتَّبَةَ بَابِكَ ، قال: ذاكَ أبي ، وقد أمرني أن أفارقَكِ ، الَحَقِي بأهلِكِ،
فطلَّقها، وتزوَّجَ منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيمُ ما شاء الله أن يلبثَ ، ثم
أتاهم بعدُ ، فلم يجده، فدخل على امرأته ، فسأل عنه؟ قالت : خَرَج يبتغي
لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت: نحن بخيرٍ وسَعَةٍ،
وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم ؟ قالت: اللحم، قال : فما شرابكم؟
قالت: الماءُ، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ◌ٌَّ: ولم
يكن لهم يومئذ حَبّ ، ولو كان لهم دعا لهم فيه ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد
بغير مكة إلا لم يوافقاه - وفي رواية: فجاء فقال: أين إسماعيل ؟ فقالت
امرأته : ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألا تنزل فتَطْعَمَ وتَشرَبَ؟ قال: فما
طعامكم، وما شرابكم؟ قالت: طعامُنا اللحم، وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك
لهم في طعامهم وشرابهم، قال: فقال أبو القاسم بَّه: بركة دعوة إبراهيم -
رجع إلى مافي الإسناد الأول - قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه السلام ،
ومُرِيهِ يُثْسِتْ عَتَبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحدٍ؟ قالت : نعم،
أنانا شيخ حَسَن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني، كيف
عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير ، قال: فأوصاكِ بشيء ؟ قالتْ: نعم ، يقرأ عليك
- ٢٩٩ -

السلام، ويأمرك أن تُثبتَ عتبة بابك، قال: ذاكَ أبي، وأنت العتبةُ، أُمَرني
أن أُمْسِكَكِ ، ثم لبث عنهم ماشاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبرِي
نَبْلاً له تحت دَوحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد
بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمَرَني بأمرٍ ، قال :
فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتُعينُني؟ قال: وأُعينُك، قال: فإن الله
أمرني أن أبني بيتاً هاهنا - وأشار إلى أكمَةٍ مرتفعةٍ على ما حولها - فعِنْدَ ذلك
رَفعَ القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني ، حتى
إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني ،
وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: (رَّا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنْكَ أنتَ السميعُ
العليمُ ) [ آل عمران: ٧٢] قال : فجعلا یینیان ، حتى يدورا حول البيت،
وهما يقولان: ( رَّنا تقبلْ مِنَّا إنّك أنت السميع العليم)، .
وفي رواية: عن إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير ، عن سعيد بن
جبير ، عن ابن عباس قال : لما كان من أمر إبراهيم ومن أهله ما كان : خرج
باسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من
الشَّنَّةِ ، فَيَدِرَ لبنها على صَبِيِها، حتى قَدِمَ مكة ، فوضعها تحت دوحة، ثم
رجع إبراهيم إلى أهله، فاتّبَعَتْه أم إسماعيل، حتى لما بلغوا كَدَاءَ ، نادته
من ورائه: يا إبراهيم، إلى مَنْ تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ
- ٣٠٠ -