Indexed OCR Text
Pages 161-180
مِنْبرِ رسولِ الله، ◌َّامٍ فقال رجلٌ: ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد الإسلام، إِلا أنْ أسْقِيَ الحاجّ، وقال آخر: ما أُبالي أنْ لا أعملَ عملاً بعد الإسلام، إَلا أَنْأَعْمُرَ المسجدَ الحرام، وقال آخر: والجهادُ في سبيل الله أَفْضَلُ مما قُلْتَم، فزَجَرَهم عُمَرُ، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند مِنْبَرَ رسول الله عَليه - وهو يوم الجمعةِ - ولكن إذا صليتُ الجمعةَ دخلتُ فاستَفْتَيتُه فيما اختلفتم فيه ، فأنزل الله عز وجل: (أَجْعَلْمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وعِمارَةَ الْمُسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) إلى آخرها[التوبة: ١٩] أخرجمسلم(١). ٦٥١ - (ت - عدي بن حاتم [الطائي] رضي الله عنه) قال: أتيتُ النبيَّ وَالَّهِ وفي عُنُقِي صليبٌ من ذهبٍ، فقال: ياعديُ، أطْرَحْ عنك هذا الوَثَنَ ، وسمعته يقرأُ (اتَّخَذوا أَحْبارَهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله) [ التوبة: ٣١] قال: إنّهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنَّهم كانوا إذا أَحُلُوالهم شيئاً اسْتَحَلُوهُ، وإذا حَرَّمُوا عليهم شيئاً حَرَّمُوهْ. أخرجه الترمذي (٢). [ شرح الغريب]: ( الْوَثَلُ): ما يُعْبَدُ من دون الله تعالى ، وأراد به هاهنا : الصليب. (١) رقم (١٨٧٩) في الامارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى. (٢) رقم (٣٠٩٤) في التفسير، باب ومن سورة براءة، وأخرجه ابن جرير رقم (١٦٦٣١) و (١٦٦٣٢) و(١٦٦٣٣) وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢٣٠/٣ وزاد نسبته لابن سعد، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ، والطبراني، وأبي الشيخ ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه. وقال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. نقول: لكن في الباب عن حذيفة موقوفاً أخرجه الطبري رقم (١٦٦٣٤) وبما يتقوى به . - ١٦١ - ٢-١١ (أُحْبَارَهُمْ) الأخبَارُ: جمع حَبْرٍ، وهو العالم . ٦٥٢ - (خ - زيد بن وهب رحمه اللّه) قال: مررت بالرَّبَذَة، فإذا بأبي ذَرَ، فقلت له : ما أنزلَكَ منزلك هذا؟ قال : كنتُ بالشام ، فاختلفتُ أنا ومعاويةُ في هذه الآية: ( وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سبيل الله، فَبَشِّرٌمْ بعذابٍ أليم) [ التوبة: ٣٤] فقال [معاويه]: نزَلَتْ في أهل الكتاب ، فقلتُ : نزلت فينا وفيهم ، فكان بيني وبينه في ذلك كلام ، فَكَتَبَ إِلى عثمان يَشكُوني ، فكتَب إليَّ عثمانُ: أنْ أَقدَم المدينةَ، فقد متُها فكثر عليَّ الناسُ ، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي : إن شئتَ تنخَيت (١)، فكنتُ قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزِلَ ولو أمَّرُوا عليَّ حبشياً لَسَمِعْتُ وأَطَعْتُ. أخرجه البخاري(٢). (١) في رواية الطبري، فقال لي: تنح قريباً، قلت: والله إني لن أدع ما كنت أقول . (٢) ٢١٧/٣ و ٢١٨ في الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وفي تفسير سورة براءة، باب (والذين يكنزون الذهب والفضة) وأخرجه الطبري رقم (١٦٦٧٨) قال الحافظ في «الفتح»: وفي هذا الحديث من الفوائد : أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الاذكار عليه ، حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره ، وعثمان لم يحنق على أبي ذر، مع كونه كان مخالفاً له في تأويله، وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة ، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى إلى فراق الوطن ، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة ، لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة ، مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم ، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع عن المفدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة ، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه، لأن كلّ منهما كان مجتهداً. وقال ابن كثير رحمه الله ١٠٧/٤، ١٥٨: وكان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه، تحريم ادخار= - ١٦٢- [شرح الغريب]: ( الرَّبَذَةُ ) : موضع قريب من المدينة . ( يَكْتِزُونَ) الْكَنْزُ: الادخار والجمع، مصدر كتَزَ المالَ يَكْتِزَهُ كَتْزاً . ٦٥٣ - (د- ابن عباس رضي اللّه عنهما) قال: لمانزلت هذه الآية: ( والذين يكنزون الذهبَ والفضّة ) كَبُرَ ذلك على المسلمين ، فقال عمر: أنا أُفَرِّجُ عنكم، فانطلق، فقال: ياَفِيَّ اللّهِ، إِنه كَبُرَ عَلى أصحابك هذه الآية، فقال [رسول الله عٌَّ﴾]: ((إن الله لم يَفْرِض الزكاة إلا لِيطيبَ ما بقي من أموالكم ، وإنما فرضَ المواريثَ لتكون لمن بعدكم، فكبرَ عُمَرُ، ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يَكْنِزُ المرء؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سَرَّتْهُ، وإِذا أَمَرَهَا أطاعتْه، وإذا غاب عنها حفظتْه. أخرجه أبو داود(١). ٦٥٤ - (فى ط - ابن عمر بن الخطاب] رضي اللّه عنهما) قال له أعرابيّ: أخبرني عن قول الله تعالى: ( والذين يَكتِزون الذَّهَبَ والفِضَّةَ، ولا يُنْفِقُونها في سبيلِ اللهِ ، فَبَشِّرُمْ بعذابٍ أليم ) قال ابن عمر: مَنْ كَنَزها فلم يُؤَدِّ زكاتها = ما زاد على نفقة العيال ، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية، فلم ينته، فخشي أن يفر بالناس في هذا، فكتب بشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه اليه ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة ، وأنزله بالربذة وحده، وبهامات رضي الله عنه في خلافة عثمان . (١) رقم (١٦٦٤) في الزكاة، باب في حقوق المال، وإسناده حسن، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣٣٣/٤ وصححه ، ووافقه الذهي. -١٦٣- ويلٌ له، هذا كان قبلَ أن تَنْزِلُ الزكاةُ ، فلما أَنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللّه ظُهْراً للأموال. أخرجه البخاري . وفي رواية الموطأ ، قال عبد الله بن دينار : سمعت عبد الله بن عمر - وهو يُسأل عن الكنز ما هو ؟ - فقال: هو المال الذي لا تُؤْدَّى منهُ الزكاةُ (١) . [ شرح الغريب] (وَيْلٌ لَهُ) دعاءٌ عليه بالعذاب ، وقيل: ويُلّ: وَادٍ في جهنم . ٦٥٥ - ( - ثوباُ رضي الله عنه) قال: لما نزلت: (والذين يكنزون الذَّهَبَ والفِضَّةَ ، ولا ينفقونها في سبيل الله) كُنَّا مع رسولِ اللهِ صَ لّ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزات في الذهب والفضة، فلو علمنا: أيُّ المال خيرٌ اتخذناه، فقال رسول اللّه عَِّلهِ: ((أَفْضَلُهُ: لسانٌ ذَاكَرٌ، وقلبُ شاكرٌ ، وزوجةٌ صالحةٌ تُعين المؤمِنَ على إيمانه)) . أخرجه الترمذي (٣). (١) البخاري ٢١٦/٣ في الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وفي تفسير سورة براءة، باب قوله: ( والذين يكنزون الذهب والفضة) والموطأ ١٥٦/١ في الزكاة ، باب ما جاء في الكنز. (٢) رقم (٣٠٩٣) في التفسير، باب ومن سورة براءة، من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان ، وقال : حديث حسن، وقال: سألت محمد بن إسماعيل، فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان? فقال: لا . قلت له: ممن سمع من أصحاب التي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: سمع من جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك . وذكر غير واحد من أصحاب التي صلى الله عليه وسلم ، وفي تهذيب التهذيب في ترجمة سالم بن أبي الجمد: وقال الذهلي عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان ولم يلله ، بينهما معدان بن أبى= - ١٦٤ - ٦٥٦ - (ر - ابن عباس رضي الله عنهما) قال: ( لا يَسْتَأْذِّنُكَ الَّذين يؤمنون بالله واليوم الآخر: أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمَتَّقين) [التوبة: ٤٤]، نَسَخَتْها التي في النُّورِ (إِنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ، وإذا كانوا معه على أمرٍ جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ، فإذا استأذنوك لبعضٍ شأنهم فأَذَنْ لمن شئتَ منهم، واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) [النور: ٦٢] أخرجه أبو داود (١) ٦٥٧ - (غ م س - ابو مسعود البدري [عقبة بن عمرو] رضي الله عنه) قال: لما نزلت آيةُ الصَّدَقة، كُنَّا تُحاملُ على ظهورنا، فجاء رجل فتصدَّق بشيءٍ كثير (٣)، فقالوا: مُرَاءٍ ، وجاء رجل فتصدقٍ بِصَاعٍ ، فقالوا : = طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح. وأخرجه أيضاً أحمد في المسند ٢٧٨/٥ و٢٨٢، والطبري رقم (١٦٦٦٢) و(١٦٦٦٦) وقال الحافظ ابن كثير بعد إيراده ونقل كلام الترمذي: قلت : ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلاً . (١) رقم (٢٧٧١) في الجهاد، باب في الاذن في القفول بعد النهى، بإسناد لا بأس به، وأخرجه بنحوه ابن جرير رقم (١٦٧٦٩)، وذكره السيوطي في الدر ٢٤٧/٣ ونسبه إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ، ولم ینسبه إلى أبي داود وابن جرير ، وهل ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٦/٤ طبع المكتب الاسلامي، عن أبي سليمان الدمشقي: أنه ليس للنسخ هاهنا مدخل ، لامكان العمل بالآيتين ، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر ، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة ، وكان المنافقون إذا كانوا معه، فعرضت لهم حاجة ذهبوا من غير استئذان. وانظر تفسير الطبري ٢٧٤/١٤، ٢٧٦ والناسخ والمنسوخ ص ١٦٨، ١٦٩ لأبي جعفر النحاس . (٢) هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، ذكره الحافظ في «الفتح» من رواية البزار. - ١٦٥ - إِن الله لَغَنِيٌّ عن صاع هذا، فنزلت ( الذين يَأْمِزُون المطَّوِّعِينَ من المؤمنين في الصدقات ، والذين لا يجدُونَ إلا جُهْدَهُمْ .) الآية التوبة : ٧٩ ]. وفي رواية: كان رسول الله عَّةٍ إِذا أَمَرَنا بالصدقة أَ نْطَلَقَ أحَدُنا إلى السُّوق، فَيُحَامِلُ، فَيُصيبُ المُدَّ ، وإنَّ لبعضهم اليومَ لَمَائَةَ ألفِ. زاد في رواية: كأَنَّهُ يُعَرِّضُ بنفسه(١). وفي أخرى: لَّا أَمر رسول الله عَّهِ بالصدقة كُنَّا نَتَحَامَلُ، فجاء أبو عَقيلٍ بِنصْفِ صاعٍ ، وجاء إنسانٌ بأكثر منه ، فقال المنافقون : إن الله الغنيٌّ عن صدقة هذا ، وما فعل هذا الآخرُ إلا رياء، فنزلت. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي . (١) قال الحافظ في «الفتح ٢٥١/٨: كأنه يعرض بنفسه، هو كلام شقيق الراوي عن أبي مسعود، بينه إسحاق بن راهويه في مسنده ، وهو الذي أخرجه البخاري عنه ، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن إسحاق، فقال في آخره «وإن لأحدم اليوم لمائة ألف)»، قال شقيق: (( كأنه يعرض بنفه)» وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر. وزاد في آخر الحديث: قال الأعمش : وكان أبو مسعود قد كثر ماله . قال ابن بطال : يريد ، أنهم كانوا في زمن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يتصدقون بما يجدون ، وهؤلاء مكثرون ولا يتصدقون ، كذا قال ، وهو بعيد . وقال الزين بن المنير: مراده: أنهم كانوا يتصدقون مع قلة الشيء ، ويتكلفون ذلك ، ثم ومع الله عليهم، فصاروا يتصدقون من يسر، ومع عدم خشية عمر. قلت (القائل ابن حجر) : ويحتمل أن يكون مراده : أن الحرص على الصدقة الآن لسهولة مأخذها بالتوسع الذي وسع الله عليهم ، أولى من الحرص عليها مع تكلفهم ، أو أراد: الإشارة إلى ضيق العيش في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك لقلة ماوقع من الفتوح والغنائم في زمانه ، وإلى سعة عيشهم بعده لكثرة الفتوح والغنائم . - ١٦٦ - وزاد النسائي بعد قوله: لمَنَةَ ألفٍ: وما كان له[ يومئذ] دِرْهَمْ(١). [ شرح الغريب] (تُحَامِلُ) بمعنى الحمل، أي: تَكَلَّفَ الحمل، وكذلك التحامُلُ: تَكَلْفُ الشَّيِ على مَشَقَّةٍ . (بِصَاعٍ ) قد تقدم ذكره في هذا الكتاب . ( اللَّمْزُ ) : العيب . ( المُطَوِّعِينَ) المُطَّوَّعُ: المُتَطَوِّعُ: وهو الذي يفعلُ الشَّيْءَ تَبَرُّعاً مِنْ نَفْسِهِ ، من غير أَنْ يُجبر عليه ، فَأَدْعِمَتِ النَّاءُ فِي الطَّاءِ. (جُهْدَهُمْ) الجهد - بضم الجيم -: الطاقة والوُسع. ( المُدُّ) : قد تقدم ذكره . ٦٥٨ - (خ م س - عبد اللّهبن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما) قال: لَا تُوُقِّيَ عبدُ الله - يعني: ابْنَ أَبِيّ بنِ سَلُولَ(٢) - جاء ابنُه عبد الله (١) البخاري ٢٢٤/٦ في الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، وفي الاجارة، باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره، وفي تفسير سورة براءة، باب الذين يهزون المطوعين من المؤمنين ، ومسلم رقم (١٠١٨) في الزكاة، باب الحمل أجرة يتصدق بها، والنسائي ٥٩/٥ و٦٠ في الزكاة ، باب جهد المقل . (٢) قال الحافظ في «الفتح)) ٢٥١/٨: ذكر الواقدي، ثم الحاكم في «الإ كليل)): أن عبد الله بن أبي ، مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يوما، ابتداؤها من ليال بقيت من شوال ، قالوا : وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك ، وفيهم نزلت: ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) [ التوبة: ٤٧ ) وهذا يدفع قول ابن التين : إن هذه القصة كانت في أول الاسلام قبل تقرير الأحكام . - ١٦٧ - إلى رسولِ الله ◌َّهُ(١)، فسأله أنْ يُعْطِيَهُ قَيصَهُ يُكَفِّنُ فيه أباه ؟ فأعطاه ، ثم سأله أن يُصلّيَ عليه؟ فقام رسول اللّه عَظِّهِ ليُصَلِّيَّ عليه، فقام عمرُ ، فَأَخَذَ بثوب رسول اللّه عٍَّ فقال: يارسول الله، تُصلِّي عليه وقد نهاكَ رُّبّك أَن تُصلي عليه (٢)؟ فقال رسول الله سَلِّهِ: إِنما خَيْرني الله عز وجل فقال: ( استغفِرْ لهم، أو لا تَسْتَغْفِرْ لهم، إِن تستغفرلهم سبعين مَرَّةٌ) [التوبة:٨٠] وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسولُ اللّه عَّهِ (٣) قال: (١) قال الحافظ في «الفتح» ٢٥١/٨: وقع في الطبري من طريق الشعي (( لما احتضر عبد الله، جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ياني الله إن أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه. قال: ما اسمك؟ قال: الحباب، قال: بل أنت عبد الله. الحباب: اسم الشيطان. وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي : من خيار الصحابة وفضلائهم ، شهد بدراً وما بعدها . واستشهد يوم اليامة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه . (٢) قال الحافظ في «الفتح» ٢٥٢/٨ كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جداً ، حتى أقدم بعضهم ، فقال: هذا وهم من بعض رواته . وعاكسه غيره ، فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك . وقال القرطي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: ( ما كان للني والذين آمنوا أن يستغفروا للمشر كين ) قلت : - القائل الحافظ - القول الثاني - يعني ما قاله القرطي - أقرب من الأول، لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين ، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: فأنزل الله: (ولا تصل على أحد منهم ) والذي يظهر : أن في رواية الباب تجوزاً ، بينته الرواية التي في الباب بعده من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ: «فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم !». (٣) قال في ((الفتح)) ٢٥٣/٨: أما جزم عمر بأنه منافق، فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ التي صلى الله عليه وسلم بقوله، وصلى عليه، إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام، كما تقدم تقريره، واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده، الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستثلاف لقومه ، ودفع المفسدة، وكان التي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم امر بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام ولو= - ١٦٨ - فأنزل الله عز وجل ( ولا تُصلِّ على أَحدٍ منهم ماتَ أَبداً ، ولا تَقُمْ على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا وهم فاسقون ) [التوبة: ٨٤]. زاد في رواية : فترك الصلاة عليهم . أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). ٦٥٩ - (خ ت س - عمر بن الخطاب رضي الله عنه) قال: لمَّا مَاتَ عبدُ اللهِ بن أبيّ بن سلول (٢)، دُعيَ له رسولُ الله عَلَّهُ لِيُصليَ عليه، فلما قامَ رسول اللهِ عَّهُ وَ ثَبْتُ إِليه، فقلتُ: يارسولَ اللّه، أَتُصْلِي على ابنِ أُّ وقد قال يوم كذا وكذا : كذا وكذا ؟! أُعَدِّدُ عليه قولَهُ ، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ بَّله، وقال: أَخَّرْ عني يا عُمَرُ، فلما أكثرتُ عليه، قال: أما إنيُ خَيْرْتُ، فاخترتُ ، لو أعلمُ أني إن زدتُ على السبعين يُغْفَرْ له، لَزِدْتُ عليها، = كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير، ولذلك قال: « لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا ، أُم بمجاهدة المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهدتهم ، وبهذا التقدير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى . (١) البخاري ١١٠/٣ في الجنائز، باب الكفن في القميص الذي يكف أولا يكف، وفي تفسير سورة التوبة، باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وباب ولا تصل على أحد منهم مات أبداً، وفي اللباس ، باب لبس القميص. ومسلم رقم (٢٤٠٠) في فضائل الصحابة، باب فضائل عمر . ورقم (٢٧٧٤) في صفات المنافقين وأحكامهم. والنسائي ٦٧/٤ و ٦٨ في الجنائز، باب الصلاة على المنافتين. وقد توسع الحافظ في «الفتح)) ٢٠٠/٨، ٢٥٧ في الكلام على هذا الحديث فانظره فيه . (٢) سلول : - بفتح المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام - هو اسم امرأة، وهي والدة عبد الله، وأبوه : اني ، وهي خزاعية، وأما هو فمن الخزرج إحدى قبيلتي الأنصار. - ١٦٩ - قال: فصلىَّ عليه رسولُ اللّه عَِّهِ، ثم انصرَفَ، فلم يَكُثْ إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة ( ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبداً، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله ، وماتوا وهم فاسقون ) قال: فعجبتُ بعدُ من ◌ُجُرْأَتي على رسولِ الله عَ لَّه يومئذٍ، والله ورسولُهُ أعلم (١)، أخرجه البخاري والترمذي والنسائي . وزاد الترمذي: فما صلى رسول الله تَّه بعده على منافق، ولا قام على قبره ، حتى قَبِضَهُ اللهُ(٢) . ٦٥٠ - (- د - ابو هريرة رضي الله عنه) قال: نزلت هذه الآية في أَهل قُباءَ ( فيه رجالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَّروا، واللّه يُحِبُّ الْمُطَّهِّرين) [التوبة: ١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت هذه الآية فيهم . أخرجه الترمذي وأبو داود (٣). (١) ظاهره: أنه قول عمر، ويحتمل أن يكون من قول ابن عباس رضي الله عنهما . قاله الحافظ . (٢) البخاري ١٨١/٣ في الجنائر، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين، وفي تفسير سورة براءة، باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، والترمذي رقم (٣٠٩٦) في التفسير ، باب ومن سورة براءة ، والنسائي ٦٨/٤ في الجنائز ، باب الصلاة على المنافقين . (٣) الترمذي رقم (٣٠٦٩) في التفسير، باب ومن سورة براءة، وأبو داود رقم (٤٤) في الطهارة، باب الاستنجاء بالماء، وضعفه الحافظ في التلخيص ١١٢/١ وقال: وروى أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم بن ساعدة نحوه، وأخرجه الحاكم من طريق مجاهد عن ابن عباس ، لما نزلت الآية بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به ؟ قال ما خرج منا رجل ولا امرأة من النائط إلا غسل دبره، فقال عليه السلام: هو هذا، وأخرج= - ١٧٠ - ٦٦١ - (ن س - علي بن أبي طالب رضي الله عنه) قال: سمعت رَجُلاً يستغْفِرُ لأبوبِهِ وهما مشركانِ ، فقلتُ له: أَتستغْفِرُ لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك، فذكرتُ ذلك لرسول الله مٍَّ، فنزلت ( ما كان لِلِّيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْشْرِكِينَ) [ التوبة: ١١٣] أخرجه النسائي والترمذي (١). ٦٦٢ - (خ من دس - ابن شهاب الزهري رحمه الله) قال: أخبرني = بنحوه ابن ماجة رقم (٣٥٥) في الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من حديث عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع ، قال : حدثني أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ٢١٩/١: وسنده حسن، وعتبة بن أبي حكم فيه مقال، قال أبو حاتم: صالح الحديث ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وضعفه النسائي ، وعن ابن معين فيه روايتان، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢٣٤/٢ وصححه. ورواه أحمد ٦/٦ وابن بي شيبة من حديث محمد بن عبد الله بن سلام، وحكى أبو نعيم في معرفة الصحابة الخلاف فيه على شهر بن حوشب، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة. نقول: وهذه شواهد يشد بعضها بعضاً، فيقوى الحديثبها. (١) الترمذي رقم (٣١٠٠) في التفسير، باب ومن سورة براءة، والنسائي ٩١/٤ في الجنائز، باب النهي عن الاستغفار للمشركين . وقال الترمذي: حديث حسن ، وفي الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه . اهـ وحديث سعيد بن المسيب عن أبيه أخرجه أحمد ٤٣٣/٥ والبخاري ١٧٧٠١٧٦/٣و ٢٥٨/٨ و ٣٨٩، ومسلم رقم (٢٤) في الإيمان « أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب : أي عم ، فل (( لا إله إلا الله)) أحاج لك بها عند الله فقال أبوجهل وعبدالله ابن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال الني صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن الك ما لم أنه عنك، فنزلت ( ما كان للني والذين آمنوا أن يستغفروا للمشر كين ، ولو كانوا أولي قربى من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم » اهـ . - ١٧١ - عبد الرحمن بنُ عبد اللّه بنِ كعبِ بنِ مالكٍ: أَنَّ عبدَ الله بن كَعْبٍ ، كان قائدَ كعبٍ من بنيه حين عَمِيَ - قال : وكان أعلمَ قومه وأَوعاُهم لأحاديث رسول اللّه عَّ - قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكِ يُحدِّثُ حديثَهُ حين تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِ عَّهِ فِي غَزْوةَ تَبُوكَ، قال كعبٌ : لم أتخلَّفْ عن رسول الله ◌َُّلُ في غزوة غزاها قطُ، إِلا في غَزْوة تبوكَ، غيرَ أَنِّي قد تخلَّفتُ في غزوة بَدْرٍ ، ولم يُعاِبْ أحداً تَخْلَفَ عنها، إنما خرجَ رسولُ اللهِ عَظٍِّ والمسلمونَ يريدون عِيرَ فُرَيْشٍ، حتى ◌َجَمع اللّه بينهم وبين عَدُوِّهِمْ على غير ميعادٍ ، ولقد شهدتُ مع رسول الله عَّه ليلة العَقَبة (١)، حين تواثقًا (٢) على الإسلام، وما أُحِبُ أَنَّلي بها(٣)مَشْهَدَ بَدْرٍ وإن كانت بدرٌ أَذْكَرَ في الناس منها، وكان مِنْ خَبَرَي حين تخلّفْتُ عن رسول اللّهِ مَّ في غزوة تبوك، أنّي لم أْكُنْ قَصْ أقْوَى، ولا أيسرَ مني حين تَخَلَّفْتُ عن رسولِ اللهِ نَّله في تلك الغزوة، واللهِ ماجمعتُ قَبْلَها راحلتين قَطُ، حتى جَمعْتُهُما في تلك الغزوة، ولم يكُنْ رسولُ اللّه عَ اله يُريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوةُ ، فغزاها رسولُ الله (١) « ليلة العقبة)» هي الليلة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الأنصار على الإسلام والإيواء والنصر ، وذلك قبيل الهجرة ، والعقبة هى التي في طرف من من ناحية مكة ، التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين، كانو في السنة الأولى: اثني عشر، وفي الثانية: سبعين ، كلهم من الأنصار . (٢) أي: تعاقدنا وتعاهدها. (٣) أي: بدلها ومقابلها، وذلك لأنها كانت سبب قوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهور الإسلام، وإعلاء الكلمة . - ١٧٢ - مَّهُ فِي حَرّ شَديدٍ، واستقْبَلَ سفراً بعيداً ومفازاً ، واستقبل عَدُوًّا كثيراً ، فَجَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهْبَةَ (١) غزوهم، وأخبرهم بوجههم الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله عَّه كثير(٢) لا يجمعهم كتابُ حافظ - يريد بذلك الديوانَ (٣) - قال كعبٌ: فقلَّ رجل يريد أن يَتَغَيَّبَ، إِلَّا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخْفى ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله عز وجل، وغزا رسول الله عَلَّه تلك الغزوة حين طابت الثمارُ والظَّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ، فتهجر (٤) رسول اللّه عَّ له والمسلمون معه ، وطَفِقْتُ أَعْدُوْ لِكَيْ أَتَجهّزَ معهم، فأرجعُ ولم أَقْضِ شيئاً، وأقول في نفسي : أَنا قادرٌ على ذلك إِذا أردتُ ، فلم يزل ذلك يتمادَى بي ، حتى استمرَّ بالناس الجِدُّ، فأصبح رسول الله مَ ◌ٍّ غادِياً، والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعتُ، ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى [في] حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزوُ، فَمَمْتُ أنْ أرْتَجِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فياليتني فَعَلْتُ، ثم لم يُقدَّرِ ذلك لي ، فَطَفِقْتُ إذا خرجت في الناس - بعد خروج رسول الله سَاتِهِ - يَخْزُ ني أني لا أرى لي أُسْوَةً، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النّفاق، أو (١) بضم الهمزة وإسكان الهاء - أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك. (٢) وفي رواية لمسلم (وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ» . (٣) قال النووي: هو بكسر الدال على المشهور، وحكي فتحها . وهو فارسي ، وقيل: عربي . (٤) في رواية للبخاري ومسلم: فتجهز. - ١٧٣ - رجلاً من عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول اللّه عَّ﴾ حتى بلغَ تبوكاً(١) فقال وهو جالس في القوم بتبوك : مافعل كعبُ بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمةَ: يارسول الله، حَبَسَهَ بُرْدَاهُ ، والنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فقال له معاذ بن جَبَل: بتْسَ ما قُلْتَ (٢)، والله يارسول الله، ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكتَ رسولُ اللّه عَِّله، فيينا هو على ذلك رأى رُجُلاً مُبَيْضاً (٣) يَزُول به السَّرابُ، فقال رسول اللّه عَّهِ: ((كنْ أَبَا خَيثَمَة (٤)، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاعِ التمرِ حين لمزَه المنافقون ، قال كعبُ : فلما بلغني أَن رسولَ الله ◌ِِّ قد توَجَّهَ قافِلاً من تبوك ، حضرني بَّي ، فطفقتُ أتذكَّرُ الكذبَ ، وأَقول: بم أَخرجُ من سَخَطِهِ غداً؟ وأستعينُ على ذلك (١) قال النووي: ((حتى بلغ تبوكا)) هكذا هو في أكثر النسخ: تبوكاً بالنصب، وكذا هو في نسخ البخاري ، وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة . (٢) قال النووي: هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمنهمك في الباطل، ومن مهمات الآداب، وحقوق الإسلام . (٣) قال النووي: المبيض بكسر الياء: هو اللابس الأبيض، ويقال: م المبيضة والمودة. بالكسر فيها : أي لابسو البيض والسود . وقوله يزول به السراب ، أي : يتحرك وينهض ، والسراب : هو ما يظهر للانسان في الهواجر في البراري كأنه ماء . (٤) قال النووي: قيل: معناه: أنت أبو خيثمة، قال ثعلب: العرب تقول: كن زيداً ، أي: أنت زيد، قال القاضي عياض: والأشبه أن ((كن)) هنا للتحقيق والوجود، أي: يوجد هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب ، وهو معنى قول صاحب التحرير ، تقديره: اللهم اجعله أبا خيثمة ، وليس في الصحابة من يكنى أبا خيثمة إلا اثنان . أحدهما : هذا. والثاني: عبد الرحمن ابن أبي سبرة الجعفي . -١٧٤- بكلِّ ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسولَ الله عَ ◌ّ قد أظلَّ قادماً، زاحٌ عني الباطِلُ، حتى عرفتُ أني لن أَنجوَ منه بشيءٍ أبداً، فأجمعْتُ صِدْقَهُ(١)، وَصَبَّحَ رسول الله عَّ قادماً، وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلَمَّا فَعل ذلك جاءهُ المُخلَّفونَ، فطفقُوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فَقَبِلَ منهم عَلانيتهم وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووَكَل سرائرهم إلى الله، حتى جئتُ، فلمَّا سَأَمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُمُ الْمُغْضَبِ، ثم قال: تعالَ ، فجئتُ أَمْشِي ، حتى جلَسْتُ بين يديْهِ، فقال لي: (( ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَكَ ؟)) قلتُ: يارسول الله ، إِّي واللهِ لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أَنِّي سأخرُجُ من سَخَطه بِعُذْرٍ، لقد أُعِيتُ جَدَلاً، ولكني والله لقد علمتُ لَئِنْ حَدَّثْتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ اللهُ أن يُسخَِكَ عليَّ، ولَنَ حَدَّثْتُكَ حديثَ صدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عُقْبى اللهعز وجل - وفي رواية: عفو الله- [ واللّه ] ما كان لي من عُذر، والله ما كنتُ قَطُّ أَقْوَى ولا أيُسرَ مِّ حين تَخَلَفْتُ عنك، قال: فقال رسول الله تٍَّ: ((أمَّا هذا فقد صدق، فَقُمْ حتى يَقْضِيَ الله فيك)»، فقمتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمَةً، فاتبعوني ، فقالوالي: والله ما علمناكَ أذنبتَ ذنباً قَبلَ هذا، لقد عَجَزْتَ في أن لاتكونَ اعتذرْتَ (١) قال النووي: أي: عزمت عليه، يقال: أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى. -١٧٥- إلى رسول الله عَِّلّهِ بما اعتذَرَ إليه الخَلَّفون، فقد كان كافِيَكَ(١) ذنبَكَ استغفارُ رسولِ الله ◌َّ لك، قال: فَوَ الله مازالوا يُؤْنَّبُونَني حتى أردتُ أَنْ أرجعَ إلى رسول الله عَظِيمٍ، فَأَكَّذِبُ نفسي، قال: ثم قُلتُ لهم : هل لِقِيَ هذا مَعي من أحَدٍ؟ قالوا: نعم، لَقِهُ مَعَكَ رُجُلانٍ ، قالا مِثلَ ما قُلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لكَ، قال: قلتُ: مَن هما ؟ قالوا: مُرارة بن الرَّبيع العامِرِيُ(٣)، وِهِلالُ بنُ أُمَّيَّة الواقِيُ(٣)، قال: فذكروا لي رُجلين صالِحَيْنِ قد شَهِدا بَدراً ، ففيهما أُسْوَةٌ ، قال : فمضيتُ حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسولُ اللّه عَّ عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ(٤) من بينِ مِن تَخَلَّفَ عنه، قال: فَاجْتَنَبْنَا (١) بنصب الياء من ((كافيك)) خبر كان، واسمها ((استغفار)) و((ذنبك)) منصوب بإسقاط الخافض، قاله الزركشي . (٢) قال النووي: مرارة بن الربيع العامري، هكذا هو في جميع نسخ مسلم ((العامري)» وأنكره العلماء ، وقالوا: هو غلط، إنما صوابه العمري- بفتح العين وإسكان الميم- من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق ، وابن عبد البر وغيرهما من الأمة ، قال القاضي : هذا هو الصواب، وإن كان القابسي قد قال، لا أعرفه إلا العامري ، فالذي ذكره الجمهور أصح . وأما قوله : مرارة بن الربيع ، فهو رواية البخاري، ووقع في نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عن نسخ مسلم: مرارة بن ربيعة، قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين، و(( مرارة)» بضم الميم وتخفيف الراء المكررة . (٣) قال النووي: هو بقاف ثم ماء، منسوب إلى بني واقف، بطن من الأنصار وهو هلال بن أمية بن عامر بن كعب بن واقف، واسم واقف: مالك بن امرئ القيس بن مالك بن أوس الأنصارى. (٤) قال النووي: بالرفع، وموضعه نصب على الاختصاص، قال سيبويه نقلا عن العرب: ((اللهم اغفر لنا أيتها العصابة)) وهذا مثله، وفي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، دليل على لزوم هجران أهل البدع والمعاصي . - ١٧٦ - الناسُ - أو قال: تغيَّرُوا لنا - حتى تنكَّرَتْ ليَ في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثْنَا على ذلك خمسين ليلةَ ، فأمَّا صاحبايَ فاستكانا ، وقَعدَا في بيوتهما يَبكيان، وأَما أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّالقومِ وَأَجَلَدَهُمْ، فكنتُ أُخرُجُ ، فَأَشْهَدُ الصلاةَ ، وأطوفُ في الأسواق، فلا يكلْمُي أحدٌ ، وآتِي رسولَ الله ◌ِّهِ، فَأَسَلمُ عليه - وهو في مجلسِهِ - بعدَ الصلاةِ، فأقولُ في نفسي: هل حرَّكَ شَفَتَيْهِ بِردُ السلام، أَمْ لَا٠؛ ثُمَّ أُصَلِي قريباً منه، وأُسَارِتُهُ النَّظَرَ، فإذا أقبلْتُ على صَلاتِي نَظَرَ إليّ، وإذا الْتَفَتُّ نحوه أَعْرَضَ عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوَة المسلمين ، مَشَيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جدارَ حائط أبي قتادة - وهو ابنُ عَّي، وأُحَبُّ النَّاسِ إليَّ فسلّمْتُ عليه، فواللّهِ مارَدَّ عليّالسلام، فَقُلْتُله: يا أَبَا قتادة، أَنْشُدُكَ بالله، هل تَعْلَمَنَّ أَنَّي أحبُّ اللهَ ورَسولَه ؟ قال : فسكتَ ، فَعُدتُ فناشَدْتُهُ، فسكتَ ، فعدتُ فناشدْتُه، فقال: الله ورسولُهُ أعلم(١)، ففاضتْ عَيْنَايَ، وتوَّيتُ حتى تَسوَّرتُ الجدارَ ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة ، إذا نَبَطِيٌّ من نَبَطِ أَهل الشام(٣)، مَمْ قَدِمَ بِطعامٍ يبيعه بالمدينةِ، يقول : مَنْ يَدَلُّ على كعبٍ بن مالكٍ ؟ قال: فطَفق النّاسُ ◌ُشیرون له إِليَّ ، حتى جاءَ في ، فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسانَ ، وكنتُ كاتباً ، فقرأتهُ ، فإذا فيه : (١) قال القاضي: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه، لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه، لما ناشده الله، فقال أبو قتادة: مظهراً لاعتقاده، لا لسمعه، ولو حلف رجل لا يكلم رجلا ، فسأله عن شيء ؟ فقال: الله أعلم، يريد إسماعه وجوابه : حنث . (٢) يقال: النبط والأنباط والنبيط، وهم فلاحو العجم . - ١٧٧ - + ١٢ أَما بعد ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدارِ هوانٍ ولا مَضِيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنا نُوَاسِكَ(١)، قال: فقلتُ حين قرأتُها (٢): وهذه أيضاً من البلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بها التَّغْورَ ، فسَجَرْتُها، حتى إذا مَضتْ أَر بعون من الخمسين واسْتَلْبَثَالوَحْيُ، فإذا رُسُولُ رسولِ اللهِيَ اله يأتيني، فقال: ((إنَّرسولَ اله ◌َالم يأمُرُك أَنْ تَعْتَزِلَ امرأَتَكَ » ، قال: فقلتُ: أُطَلّقُها ، أمْ ماذا أفعلُ؟ قال : (( لا ، بل اعتَرِلها فلا تقرّبَنَّها)»، قال: وأرسل إلى صَاحِيَّ بمثل ذلك ، قال: فقلتُ لامرأتي: الْحَقِي بِأَهلِك، فكوني عندهم حتى يَقْضِيَ الله في هذا الأمرِ، قال: فجاءت امرأةُ هلالِ بنِ أُميةَ رسول الله عَظِلّهِ، فقالت: يارسول الله إِن هَلالَ بن أُمَيَّةَ شيخٌ ضائِعٌ ، ليس له خادمٌ ، فهل تكرهُ أَن أَخْدُمَه؟ قال : «لا ، ولكن لاَ يَقْرَبِنَّك)»، فقالت: إِنهُ والله مابه حَرَكَةٌ إلى شيءٍ، ووَالله مازال يبكي ، منذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال : فقال لي بعْضُ أَهلي: لو اسْتَأْذَنتَ رسولَ الله بٍِّ في امرأْتِكَ، فقد أذِنَ لامرأةِ هلالٍ بن أُمَّيَّةَ أنْ تَخْدُمَه؟ قال: فقلتُ: لا أَسْتَأْذِن فيها رسولَ الله ◌ِّهِ ، وما يُدريني ما يقولُ رسول الله صَلّهِ إِذا استأذنتُهُ فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ ؟ قال: فلبثْتُ بذلك عَشْرَ ليالٍ ، فَكَمُل لنا خمسون ليلة من حين نُهي عن كلامنا ، قال : ٦ (١) قال النووي: في بعض النسخ («نواسيك)» بزياده ياء، وهو صحيح. اي: ونحن نواسيك ، وقطعه عن جواب الأمر ، ومعناه : نشاركك فيا عندنا . (٢) أنث الضمير الراجع إلى الكتاب : على معنى الصحيفة ، قاله الزركشي . - ١٧٨ - ثم صليتُ صلاة الفجر صَباحَ خمسين ليلةً، على ظَهْر بيتٍ من بُيُوتِنا، فَبَيْنما أنا جالسٌ على الحالِالتي ذكرَ الله عز وجل منَّا: قد ضاقَتْ عَلىِّنَفْسي، وضاقَتْ عَلَّ الأرضُ بما رُحَبَتْ، سمعتُصوتَ صارخٍ أَوْفَى على سَلْعٍ(١) يقول بأعلى صوتِهِ : يا كَعْبَ بنَ مالِكِ، أَبْشِرْ، قال: فَخَرَرْتُ ساجداً، وعلمتُ أنْ قد جاءَ فَرَجٌ ، قال: وَأَذَنَ رسولُ الله ◌ِّهِ بتوبَةِ اللهِ علينا حين صَّى صلاةَ الفجر، فذهب النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فذهبَ قِبَلَ صاحِيَّ مُبَشِّرون، وركَضَ رجلٌ إليّ فرساً ، وسعَى ساعٍ من أَسْلَمَ قِبَلِي، وأوْفَى على الجبلِ ، وكانَ الصوتُ أَسرعَ من الفرسِ ، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَزَعتُ لهَ نَّوْبِيَّ، فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّهُ بِبَشَارِهِ، والله ما أَمْلِكُ غيرُهُما يومئذ، واستَعَرْتُ ثوبين فَلَبِسْتُما، وانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله عَّةٍ ، يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجَأَ فَوْجاً ، يُنَّؤُونِي بالتَّوْبَةِ، ويقولون: لِتَهْئْكَ توبةُ اللّه عليك، حتَّى دخلتُ المسجد، فإِذا رسولُ الله ◌ِِّ حَوْلَهُ النَّاسُ، فقام طَلْحَةُ بنُ مُبِيْدِ اللهِ(١٢) يُهَرْوِلُ، حتى صافَحَنِي وَهَنْأَنِي، والله ما قام رجلٌ من المهاجرين غيرُهُ ، قال : فكان كعبٌ لا يَنْسَاها لِطَلْحةَ، قال كعبٌ: فلما سلمتُ على رسول الله عِِّ قال - وهو يَيْرُقُ وجهُهُ من السرور -: ((أَبْشِرُ بِخَيْرٍ يومٍ مرَّ عليك منذُ وَلَدْتُكَ أُمُّكَ)»، (١) أي: صعد على جبل سلع الذي يشرف على دار كعب. والصارخ: هو أبو بكر رضي الله عنه ، تعجل ذلك ليكون أسبق بالبشارة ممن ركض الفرس . (٢) وكعب وطلحة أخوين في الله، آخى بينهما صلى الله عليه وسلم. - ١٧٩ - قال: فقلتُ: أَمِن عندِكَ يارسولَ اللهِ، أَم من عنْدِ الله ؟ فقال: (( بلْ مِن عنْدِ اللهِ))، وكان رسولُ اللهِنَّهِ إِذا سُرَّ اسْتَنار وجهُهُ، حتى كأنَّ وجهَهُ قِطْعَةُ قَرِ ، قال: وكُنَّا نَعْرفُ ذلك، قال: فلمّا جلستُ بين يديه ، قلتُ: يارسولَ الله، إِنَّ مِن تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالي صَدَقَةً إلى الله وإلى رسول الله ، فقال رسول الله عَالِهِ: ((أَمْسكْ بَعْضَ مَالِكَ، فهو خيرٌ لك)) ، قال: فقلتُ : فإني أَمْسِكُ سَهْمي الذي بِخِيْبَرَ ، قال: وقلت: يارسول اللّه، إن اللّه إنَما أَنجاني بالصّدق ، وإن من توبتي أن لاأُحَدْثُ إلا صِدْقاً ما بَقِيتُ، قال : فوالله ما علمتُ أحداً من المسلمين أَبْلاهُ الله في صدق الحديث منذُ ذكرْتُ ذلك لرسول اللّه عَ ◌ّهِ أَحْسَنَ مما أبلاني اللّه (١)، وَوَاللّهِ ما تَعمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قلت ذلك لِرَسُولِ اللّهِ صَّهِ إِلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يُحْفَظِي اللّهُ فيما بَقِيَ، قال : فأنزل الله عز وجل ( لقد تاب الله على النبيِّ والمهاجرين والأنصار الذين أَتْبَعُوهُ في ساعةِ العُسْرةِ من بعد ما كادَ يَزِيغُ قلوبُ فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنهُ بهم رءوفٌ رحيمٌ، وعلى الثلاثة الذين خُلُِّوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رَّحَبَتْ، وضاقت عليهم أَنفُسُهم، وظُّوا أَنْ لاَمَلْجأ من اللّه إلا إليه ، ثم تاب علهم ليتوبوا ، إِن الله هو التواب الرحيم ، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٧-١١٩] قال كعبٌ : والله ما أنعمَ اللّه عليّ (١) قال النووي: أي: أنعم عليه، والبلاء والإبلاء: يكون في الخير والشر، لكن إذا أطلق كان للشر غالباً ، وإذا كان في الخير قيد كما فيده هنا، فقال: أحسن مما أبلاني . - ١٨٠ -