Indexed OCR Text
Pages 301-320
أَنِي كَبِرْتُ وضَعُقْتْ، وكان يقرأ على بعض أَهله الشّبْحَ من القرآن بالنّهار، والّذي يقرُؤُه يَعرِضُهُ مِنَ الليل، ليكونَ أَخفَّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يَتَقَوّى أفطرَ أيَّاماَ، وأَحْصى وصامَ مثلَهُنَّ، كَرَاهِيَةَ أَن يَتْرُكَ شيئاً فارقَ عليه النبيّ ◌ٍَّ . وروايةُ النسائيّ قال: زَوَّجني أَبي امرأةٌ ، فجاء يزورُنا، فقال : كيف تَرَ يْنَ بَعَلَكِ ؟ قالت: نعم الرجلُ، لا ينام الليلَ ، ولا يُفْطِرُ النَهارَ، فوقع بي وقال: زوَّجْتُكَ امرأةٌ من المسلمين، فعَضَلْتَها، قال: فجعلتُ لا أَلتفت إلى قوله، ما عندي من القُوَّةِ والاجتهاد، فبلغَ ذلك النبيَّ عَلَه. فقال: (لكِي أَنا أقومُ وأَنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، فَقُمْ وَم ، وصم وأفطِرْ، . وذكر الصومَ نحو ما تقدَّم ، وقال: «اقرإِ القرآن في شهرٍ))، ثم انتهى إلى خمس عشرةَ ، وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك . وأخرجه مثل رواية البخاريّ ، ولم يذكر فيه القراءة . وأخرج الترمذيّ طرفاً من هذه الروايات، وهو قوله: (أَفْضَلُ الصَّومِ صَوْمُ أَخي داودَ ، كان يصومُ يوماً ويُفْطِرُ يوماً، ولا يَفِرُ إذا لاقى). ولِلَّةِ ما أَخرَجَ منه لم تُعْلِمْ عليه علا مته (١). (١) البخاري ١٢٣/٥ في الصوم: باب صوم الدهر، وباب حق الضيف في الصوم، وباب حق الجسم في الصوم ، وباب حتى الأهل في الصوم ، وباب صوم يوم والطار يوم ، وباب صوم داود. وفي التهجد باب من تام عند الحر، وباب ما يكره من ترك قيام العمل لمن كان يقومه، وفي الأنبياء : باب قول الله تعالى (وآتينا داود زبورا) [الاسراء: ٥٥] وفي فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن = - ٣٠١ - وسيجيءُ ذِكْرُهُ مع باقي روايات هذا الحديث في كتابِ الصَّومِ من حرف الصاد . وقد أخرج البخاري ومسلمٌ وأبو داود والنسائيّ هذا الحديث مختصراً جامعاً، فقال: إنَّ رسولَ الله عَ الهِ قال: ((إِنَّ أحب الصيام إِلى الله: صيام داودَ ، وأَحبَّ الصلاة إلى الله : صلاةُ داود ، كان ينام نصف الليل، ويقوم و ثُلْتَهُ، وينام ◌ُسُدْسَهُ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً(١)). [ شرح الغريب]: ( بحسبك(٢)) أحسَهُ هذا الأمر يُحسِبه: إذا كفاهُ . ( هجمت) العين: إِذا غارت ودخلت في نقرتها من الضعف والمرض. ( نَفِهَت ) النفس: إِذا أعيت وكَلَّت. ( ذات حسب ) الحسب: ما يعدُّه الرجل من مفاخر آبائه ، ويقال : = وفي النكاح : باب لزوجك عليك حق، وفي الأدب : باب حق الضيف والاستئذان، وباب من ألقي له وسادة. وأخرجه مسلم رقم (١١٥٩) في الصيام: باب النهي عن صوم الدهر . وأبو داود رقم ٢٤٢٥ في الصيام: باب في صوم الدهر. والنسائي ٢٠٩/٤-٢١٥ في الصيام: باب صوم يوم وإفطاريوم وذكر الزيادة في الصيام والنقصان وصوم عشرة أيام من الشهر . والترمذي رقم (٧٧٠) في الصوم باب ماجاء في سرد الصوم . (١) البخاري ٢٥٨/٣ في التهجد: باب من قام عند السحر. ومسلم رقم (١١٠٩) في الصيام: باب النهي عن صوم الدهر وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم . وأبو داود رقم ٢٤٤٨ في الصوم : باب في صوم يوم وفطر يوم، والنسائي ٢١٤/٣ في فضل صلاة الليل: باب صلاة في الله داود عليه السلام . (٢) الباء في ((بحسبك)) زائدة، ومعناه أن صوم الثلاثة الأيام من كل شهر كافيك. - ٣٠٢ - حَسَبَهُ : دينه ، ويقال: ماله ، وقيل : الحسب يكون في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف . ( كَنْتَه ) الكَنَّةُ : امرأة الابن أو الأخ . ( بعلها ) بعل المرأة : زوجها . (كنَفاً ) لم يُفَتِّش لنا كنفاً . الكنف: الجانب، أرادت: أنه لم يقربها، ولم يستعلم لها حالاً خَفِيَت عنه . ( فوقع بي) وقع بي فلان: إذا لامك وعَنَّفَك، وأما وقَعتَ فيه ، فهو من الوقيعة ، وهي الغيبة . ( فعضلتها ) العضل: المنع ، والمراد: أنك لم تعاملها معاملة الأزواج لنسائهم ، ولا تركتها بنفسها لتتزوج ، وتتصرف في نفسها كما تريد . ٨٨ - (فخ م ط وت س - عامّة رضي الله عنها) قالت: كان للنبي وَ لِّ حصيرٌ، وكان يُحَجِّرُهُ بِاللّيلِ فَيُصلي فيه، ويَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَيَجْلِسْ عليه، فجعل النَّاسُ يَتُوبُونَ إِلى النبيِّ ◌ِلّهِ، يُصَلُونَ بصلاته، حتّى كَثُرُوا، فَأَقْبَلَ ، فقال:«يا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا من الأعمالِ ما تُطِيقُون، فإِنَّ اللهَ لاَيَمِلُ(! (١) قال الحافظ في ((فتح الباري)) ٩٤/١، هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء ، ونفور النفس عنه بعد محبته ، وهو محال على الله تعالى باتفاق وقال الاسماعيلي، وجماعة من المحققين : إنما أُطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية بجازاً، كما قال تعالى: (وجزاءسيئة سيئة مثلها) [الشورى: ٤٠] ونظائرها، قال القرطبي: وجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل مللا ، عبر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه . وقال الهروي ؛ معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تموا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه . وقال غيره معناه : لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم . = - ٣٠٣ - حتَّى تَمُوا، وإِنَّ أَحَبَّ الأَعَمَال إِلى اللهِ مادَامَ ، وإِنْ قِلَّ». زادَ في روايةٍ: وكان آلُ حَمَّدٍ إِذا عَمِلُوا عَمَا أَنْبَتُوه)). وفي روايةٍ قالَ: إِنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ سُئِلَ، أَيُّ العَمَلِ أَحبُ إلى الله؟ قال: ((أَذْوَمُهُ وإِنْ قلَّ)). زادَ في روايةٍ ( واَكْلَفُوا من الْعَمَلِ ما تُطيقون)). وفي روايةٍ أَنَّ رسولَ الله ◌ٍِّ قال « سَدِّدُوا وَقاربُوا، واعلموا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وأَنَّ أَحَبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإِنْ قلَّ)). زاد في أخرى «وأَشِرُوا، قالوا: ولا أَنْتَ يارسولَ الله؟ قال: «ولا أَنَا، إِلَا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِغْفِرَةٍ ورحمةٍ » . = وهذا كله بناء على أن ((حتى)» على بابها في انتهاء الغاية وما يترتب عليها من المفهوم . وجنح بعضهم إلى تأويلها ، فقيل: معناه: لا يمل الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا أفعل كذا حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب ، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه ، لأنه لو اتقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية ، وهذا المثال أشبه من الذي قبله ، لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة ، بخلاف الملل من العابد . وقال المازري : قيل: إن ((حتى)» هنا بمعنى الواو ، فيكون التقدير ، لا يمل وتمون، فنفى عنه الملل ، وأثبته لهم . قال: وقيل: ((حتى)) بحنى ((حين))، والأول أليق، وأجري على القواعد، وأنه من باب المقابلة الداخلية . ويؤيده : ما وقع في بعض طرق حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ «ا كلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تموا من العمل» لكن في إسناده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وقال ابن حبان في «صحيحه»: هذا من ألفاظ التعارف، التي لا يتهيأ للخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها ، وهذا رأيه في جميع المتشابه. - ٣٠٤ - هذه روايات البخاريّ ومسلم . وللبخاريّ والموطّأ. قالت: كان أحب الأعمال إلى اللهالَّذي يدومُ عليه صاحبُهُ. ولمسلم: كان أَحَبُّ الأعمال إلى اللهِ أَدوَمَها وإن قلَّ. وكانت عائشةُ إذا عَمِلتِ العملِ لَزِمَتْهُ. وفي رواية الترمذي: كان أحب العمل إلى رسول الله مَ له ما ديم عليه وفي أخرى له قال: سُئِلَتْ عَائِشَةُ وَأَمْ سَلَة : أَيُّ العمل كان أُحبَّ إلى رسولِ عَ لّهِ ؟ قالتا: ما دِيمَ عَلَيْهِ وإِنْ قَلَّ. وفي رواية أبي داودَ: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((١ كْلَفوا من الْعملِ ما تُطِيقونَ ، فإِنَّ اللهَ لا يَلُ حتَّى تَلُوا ، وإنَّ أَحبَ العملِ إِلى الله أَدوُهُ وإن قلّ ، وكان إِذا عمِلَ عملاً أُثبته » . وفي أخرى له قال: سألتُ عائشةَ: كيف كان عملُ رسول الله ◌ٍِّ؟ هل كان يَخُصُّ شيئاً من الأيام؟ قالت: لا ، كان عَمْهُ دِمةً، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله عَ اقٍ يستطيع؟. وفي رواية النَّسائيّ. قالت: كان لرسول الله عَّ حصيرةٌ يَبْسُطُها، ويحتجرها بالليل، فيُصلي فيها ، ففَطِنَ له النَّاس، فصلَّوْا بصلاتِهِ ، وبينهم وبينه الحصيرة، فقال: أَكِلَفُوا مِنَ العَملِ ما تُطيقونَ، فإِنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يمل حتَّى تملُوا ، فإنَّ أَحبَّ العملِ إلى الله أَذْوَمُهُ وإن قلَّ، ثُمَّتركَ مُصَلَّاه ذلك، فما عادَ له حتى قبضَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ،، وكان إذا عملَ عمَلاً ٣٠٥٠ - ٣- ٢٠ أَثْبَتَّهُ(١). [ شرح الغريب]: (يُحَجِّرُهُ) حَجَّرَهُ يُحَجِّرُهُ، أَي: يتخذه حُجْرة وناحية ينفردعليه فيها. ( يثوبون ) أي: يرجعون إليه ، ويجتمعون عنده . ( لا يملّ حتى تملّوا) المراد بهذا الحديث: أن الله لا يملُّ أبداً، مَلْتُم أو لم تَمَلُّوا ، فجرى مجرى قولهم : لا أفعله حتى يشيب الغراب ، ويَبْيَضَّ القَار . وقيل معناه: إِن الله لا يطرحكم حتى تتركوا العمل له ، وتزهدوا في الرغبة إليه ، فسمَّى الفعلين مَللاً ، وكلاهما ليس بملل ، كعادة العرب في وضع الفعل إذا وافق معناه ، نحو قوله : وكذاك الدَّهر يودي بالرجال ثم أضحَوْا لعب الدهر بهم فجعل إهلاكه إياهم كَعِباً . وقيل معناه: إن الله لا يقطع عنكم فضله ، حتَّى تملوا سؤاله ، فسمَّى فعلَ الله مللاً ، وليس بملل ، على جهة الازدواج، كقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) وكقوله تعالى : ( وجزاء سيئة سيئةٌ مثلُها ) وهذا شائع في (١) البخاري ١٠٩/١، ١١٠ في الايمان، باب أحب الدين إلى الله ادومه و٧٩٥٧٨/١٤ في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم رقم ( ٧٨٢) في الصلاة ، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل ، والموطأ ١١٨/١ بلاغاً في صلاة الليل، باب ما جاء في صلاة الليل، وأبو داود ٣١٥/١ في صلاة الليل، باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة، والنسائي ٢١٨/٣ في صلاة الليل، باب الاختلاف على عائشة في احياء الليل . - ٣٠٦ - العربية ، وكثيرٌ في القرآن . ( سدّدُوا) اقصدوا السَّداد من الأمر ، وهو الصواب. ( وقاربوا) اطلبوا المقاربة ، وهي القصد في الأمر الذي لاُغُوَّ فيه ولا تقصير . ( يتغمدني) تغمده الله برحمته: إذا غفر له ورَ حمهُ، وأصله: كأنه جعل رحمته له غمداً سَتَرَهُ بها وغشَّاه . (اكَلَفُوا) كَلِفْتُ بهذا الأمر، أكْلَفُ به: إذا أُولعتَ به، وكَلََّه تكليفاً: إِذا أمره بما شقَّ عليه، والْمُتَكلَّفُ: المُتَعَرِّضُ لما لا يعنيه، وتكلَّفْتُ الشيءَ : تَجَشَّمْتُه . ( ديمة ) الديمةُ: المطر الدائم في سكون، شَبَّهَتْ عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر . ٨٩ - (فى م س - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسول اللّه عَ له: ((لَنْ يُدْخِلَ أحداً منكم عَمَلْهُ الْجَنَّةَ)). قالوا: ولا أنتَ؟ قال: ((ولا أنا، إِلَا أُنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنه بِفَضْلٍ و ◌َرَحْمَةٍ(١) .. هذا للبخاري - وزاد مسلم ((ولكن سَدِّدُوا)» في بعض طُرُقِه .. (١) وقد أجاب ابن الجوزي رحمه الله، كما تقلة ابن حجر عنه في ((الفتح)) ٢٥٣/١١ عن الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: ( وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) ، بأربعة أجوبة : الأول : أن التوفيق للعمل من رحمة الله ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الايمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. الثاني : أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه ، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله . = - ٣٠٧ - وفي أُخرى لمسلم. قال: قال رسولُ الله ◌ِّمِ: ((قاربوا وسدّدُوا، واعْلَمُوا أَنْهُ لن يُنجِيَ أَحداً منكم عملُهُ». قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولاأنا ، إِلَا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ برحَةٍ مِنه وفَضْلٍ )). وللبخاريّ مثلُها، إلى قوله ((برحمةٍ)) وزادَ« سَدِّدُوا وقاربُوا، وأغْدُوا ورُوُحُوا، وشيئاً من الدّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تبلُغُوا)). وفي أُخرى للبخاري وللنسائيّ قال: قال رسول الله عَاهِ: ((إنَّ هذا الدِّيَّنَ يُسْرٌ ، ولنْ يُشادَّ الدِّينَ أَحدُ إلا غَلَبَه، فَسَدِّدُوا وقَاربوا، وأَ بشروا، واسْتَعينُوا بالغُدوةِ والرَّوحةِ ، وشيءٍ من الدُّلْجَةِ (١)). [ شرح الغريب]: ( واغدُوا) الغُدُوُّ: الخروجُ بُكْرَةً . = الثالث : جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتام الدرجات بالأعمال. الرابع : أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير ، والثواب لا ينفد ، فالانعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال . وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة : الباء المقتضية للدخول غير الباء النافية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، والثانية باء المعاوضة نحو اشتريت منه بكذا ، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد ، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة ، لأن العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضاً لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفها حق شكرها . (١) البخاري في المرضى ١٠٩/١٠، باب تمني المريض الموت، وفي الرقاق ٢٥٤،٢٥٢/١١، باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم رقم (٢٨١٦) في صفات المنافقين ، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ، والنسائى ١٢٢٠١٢١/٨ في الايمان، باب الدين يسر -٣٠٨- (وروحوا) الرَّواح: العود عَشيًا، والمراد : اعملوا أطراف النَّهار وَقْتاً وَقْتاً . ( الدّلجَةُ) سير الليل، والمراد به: العمل في الليل، وقوله ((وَشَيئاً من الدُّلجة ، إشارة إلى تقليله . ( والقَصد ) العدل في الفعل والقول ، والوسط بين الطرفين . (يشادّ ) المشادَّة: مفاعلة من الشدّة، أي: لن يُغالِب، ولن يقاوي أحدٌّ الدِّينَ إِلا غلبه . ٩٠ (م - جابر بن عبد الله رضي الله عنهما) قال: سمعت رسولَ اللّه عَّ له يقول: (( لا يُدْخِلُ أحداً منكم عملُهُ الجِنَّةَ، ولا يُجيرهُ من النَّار، ولا أنا، إلاّ برحمة الله عزَّ وجلَّ )) . وفي روايةٍ قال: ((قاربُوا وسَدُّدُوا، واعلموا أنهُ لن ينْجُوَ منكم أَحدُ بِعَملِهِ. قالوا: يارسول الله ، ولا أَنتَ؟ قال: ((ولا أَنا، إِلَا أَن يتغمدنيَ الله برحمة منه وفضل)) أخرجه مسلم(١) [شرح الغريب]: ( يجيره ) الإِجارةُ: الإعانة والنصرة. ٩١ - (غ م - أنس بن مالك رضي الله عنه) أنَّالنبيَّ عَ لّم قال: (يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا)). (١) رقم (٢٨١٧) في صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله . -٣٠٩- وفي روايةٍ: ((وَسَكِّنُوا ولا تُتَفِروا) أخرجه البخاري ومسلم(١). [ شرح الغريب]: ( التيسير ) ضد التعسير، أراد به : التَّسهيل في الدين ، وترك التشديد . ٩٢ (٥ - سهل بن أبى أمامة رضي الله عنهما) أَنْه دَخَلَ هو وأَبُوهُ على أَنَسٍ بن مالك بالمدينة ، في زمانٍ عُمَرَ بن عبد العزيز، وهو أَميرُ المدينةِ(٢) فإذا هو يُصلي صلاةً خفيفةٌ دَقيقةً، كأنها صلاةُ مُسافِرٍ ، أَو قريبٌ منها ، فلما سَم قال: يرحمك الله، أَرأَيتَ مذه الصلاةَ المكتوبةَ، أَو شيءٍ تَنَفّته؟ قال: إنَّهَا الْمكتوبَةُ، وإنها لصلاةُ رسولِ الله ◌ِِّ، ما أخطأْتُ إِلَا شيئاً سَهَوْتُ عنه، ثم قال: إنَّ رسول الله ◌ٍِّ قال:، لأُتُشَدِّدُوا على أنفسكم فَيُشَدَّدَ عليكم، فإِنَّ قوماً شدَّدُوا على أنفسهم ، فشُدِّدَ عليْهِم، فتلْك بقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّيارِ، وَهُبانِيَّةَ ابْتَدَعوها ما كتبناها عليهم،. ثم عَدا من الغد، فقال: أَلا تركبُ النَنظُرَ ونعتبِرَ ؟ قال: نعم، فركبُوا جميعاً، فإِذا بديارِ بَادَ أَهْلُها وانقَضوْا وفَنُوْا ، خاويةً على مُروشِها، فقال: تَعْرِفُ هذه الديارَ؟ فقال: ما أَعرَفَني بها وبأهلها ، هؤلاء أَهلُ دِيارِ أهلكهْ البَغْيُ والحسدُ، إِنَّ الْحَد يُطْفِىءُ نُورَ الحسنات، والبغيُ يصدَّقُ ذلك أو يُكَذِّ بُهُ، والعَيْن تزْني، والكفُّ والقَدَمُ (١) البخاري ١٧١/١ في العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، ومسلم رقم (١٧٣٤) في الجهاد ، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير . (٢) في المطبوع ((المؤمنين)). - ٣١٠ - والجسَدُ واللسانُ، والفرجُ يُصَدَّقُ ذلك أو يُكَذِّبُهُ». أخرجه أبو داود (١). [ شرح الغريب] (دقيقة) أَراد بقوله ((صلاةً دقيقة))، أي: خفيفة لا إطالة فيها، ولا تكلف ولا رياء . (رهبانية ابتدعوها) الرهبانية: ترك الملاذ من المطعم والمشرب والمنكح والمسكن الحلال ، والانقطاع في الصوامع ، كما يفعله رها بين النَّصَارى . وانتداعها: فعلها من عند أنفسهم، من غير أن تفرض عليهم ، أو تُسَنَّ لهم . ( باد أهلها ) بادَ القومُ : إذا هلكوا وانقرضوا . (خاوية ) خَوَى البيتُ: إذا سقطَ وإذا خلا . (عروشها ) عريشُ البيت: سقفه، والمعنى: أن البيت إذا سقط سقط بعضه على بعض ، وأصل ذلك : أن يسقط السَّقْفُ ، ثم تسقُط الحيطانُ عليه . ( البغيُ) مجاوزة الحد في الظلم والتعدي . ٩٣ - (غ دى - انس بن مالك رضي الله عنه) قال: دخل رسولُ الله عَّهِ المسجد، فإِذا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بين السَّاريتين ، فقال: ما هذا الحبلُ؟ (١) ٥٨١/٤ رقم (٤٩٠٤) في الأدب، باب في الحد، وذكره ابن كثير في تغيره ٣١٦/٤ عن أبي يعلى الموصلي، وفي سنده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء الراوي عن سهل بن أبي أمامة، لم يوثقه غير ابن حبان . - ٣١١ - قالوا: حَبْلٌ لزينبَ ، فإِذا فَتَرتْ تَعلَّقَتْ به، فقال النبيُّ بِّهِ:((لا، ◌ُحُلُوهُ، لُيُصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ ، فإِذا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)) . هذه رواية البخاريّ والنسائي. وفي رواية أبي داود: «ما هذا الحبلُ»؟ فقيل: يارسول الله، خْنَةُ بنت ◌َحْثٍ(١) تُصَلِي، فإِذا أَعْيَتْ تَعَلَّقَتْ به، فقال: ( حُلُوهُ، لَتُصَلَي ما أُطَاقَتْ ، فإذا أَغْيَتْ فَلْتَجْلِسْ،. وفي رواية له قالوا: زينَبُ تُصٍَّ، فإِذا كَسِلَتْ، أو فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ به، فقال: (حُلُوهُ، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإِذا كَسِلَ أو فَتَر فليقعد(٢)). [شرح الغريب] ( فَتَرَتْ) الفُتُور : ضد النشاط والخفة. ( أَعيت ) الإعياء : التعب . ٩٤ - (خ م ط س - عائشة رضي الله عنها) قالتْ: كانت عندي امرأةٌ من بَنِي أَسَدٍ، فدخلَ عليَّ رسولُ الله ◌ِالهِ، فقال: (( مَنْ هَذِهِ ؟)، قُلْتُ: فَلانة، لاتنامُ من الليلِ، تذكُرُ من صَلاتِها، قال: « مَهْ ، عليكمُ من الأعمال ما تُطيقون، فإنَّ الله لا يَلُّ حتى تَلُوا، وكان أحبُّ الدِّينِ ماداوم (١) هي أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنهما. (٢) البخاري ٢٧٨/٣ في ابواب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، وأبو داودرقم (١٣١٢) في الصلاة : باب النماس في الصلاة. والنسائي ٢١٩،٢١٨/٣ في قيام الليل: باب الاختلاف على عائشة في احياء الليل. وفي الحديث الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالاقبال عليها بنشاط، وفيه ازالة المنكر باليد واللسان ، وجواز تنقل النساء في المسجد . - ٣١٢- عليه صاحبُهُ))، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي . وفي أُخرى لمسلم: أنَّ الحولاء بنتَ تُوَيْتٍ (١) مَرَّتْ بها، وعندها رسولُ اللهِ عَّهِ، فقلتُ: هذه الحولاء بنْتُ تُويت، وزعموا أنّها لاتنام اللَّيلَ، فقال رسولُ الله ◌ٍِّ: « لا تنامُ الليل؟! خذوا من العمل ما تطيقونَ، فوَاللهِ لا يَسْأُمُ اللهُ حتى تَسْأَمُوا)). وأخرجه، الموطأ)، مُرسلاً عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنهُ بَلغَهُ أنَّ رسول اللهِ نَّهُ سمعَ امرأةٌ من اللّيلِ تُصِّي، فقال: ((مَن هذه؟، قيل: الحوْلاء بنتُ تُوَّيت لاَ تَنامُ اللَيلَ، فَكَرِهَ ذَلكَ، حتَّى عُرِفَتِ الكَرَاهِيَةُ في وَجْهِهِ ، ثمّ قال: ((إِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمُوا، آكْلَفُوا من العمل مالكم به طاَقَةٌ (٢))). [ شرح الغريب]: ( مَهْ) بمعنى: اسكت . ( لا يسأم) السآمةُ: الضَّجَرُ والملل، والمعنى مثله في قوله: ((لا يمل حتَّى. ثَلُوا )). (١) الحولاء بنت تويت - بضم التاء فوقها نقطتان - بن حبيب ابن سد بن عبد العزى ابن قصي القرشية الأسدية، هاجرت إلى المدينة، وكانت كثيرة العبادة، . اه. من «أسد الغابة». (٢) البخاري ٢٧٩/٣ في التهجد: باب ما يكره من القشديد في السيادة، ومهم رقم (٧٨٥) في صلاة المسافرين: باب أمر من نس في صلاته، والموطأ ١١٨/١ في صلاة الليل: باب ماجاء في صلاة الليل، والنسائي ٢١٨/٣ في صلاة الليل: باب الاختلاف على عائشة في احياء الليل. -٣١٣ ٩٥ - (ت - أبو هريرة رضي الله عنه): أنَّ رسولَ اللّه عَّ الِ قال: ( إِنَّ لِكُلِّ شيءٍ شِرَّةً، ولَكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً(١) ، فإِنْ صاحِبُها سَدَّدَ وقَارَبَ فَارُجُوهُ، وإِنْ أُشِيرَ إِليه بالأصابعِ فَلا تَعْدُّوه»، أخرجه الترمذي(٢). [شرح الغريب]: ( شرَّةٌ) الشِّرَّةُ: النَّشاط ، ويقال: شرَّةُ الشَّباب: أَوَّلُه. ٩٦ - (خى : - أبو جحيفة رضي الله عنه) قال: آخى النبي عَ لّه بين سلمان وأبي الدَّرداء، فزارَ سلمانُ أبا الدَّرْداء، فرأى أُمَّ الدَّرداء مُتَبَذْلَةٌ ، فقال لها: (( ما شأُنُك؟)) فقالتْ: أخوكَ أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، (١) قال القاضي: الشرة بكسر الشين والقشديد: الحرص على الشيء والنشاط فيه، و«صاحبها )) فاعل دل عليه ما بعده ، ونظيره قوله تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك). والمعنى : أن من قصد في الأمور ، وسلك الطريق المستقيم، واجتنب جاني إفراط الثرة، وتفريط الفترة، فارجوه ، ولا تلتفتوا إلى شهرته فيا بين الناس ، واعتقادهم فيه . وقال الطيبي: ذهب إلى أن « إن» الشرطية الثانية من تتمة الأولى، فلعل الظاهر أن تكون مثلها في الاستقلال، فيكون تفصيلا لذلك الجمل، فان قوله: ((لكل شيء شرة الخ)» معناه: أن لكل شيء من الأعمال الظاهرة ، والأخلاق الباطنة طرفين ، إفراطاً وتفريطاً ، فالمحمود هوالقصد بينها ، فإن رأيتم أحداً يسلك سبيل القصد، فارجوه أن يكون من الفائزين، ولا تقطعوا له، فإن اللههو الذي يتولى السرائر، وإن رأيتموه يسلك سبيل الإفراط والتلو حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تثبتوا القول فيه بأنه من الخائبين ، فإن الله هو الذي يطلع على الضمائر. (٢) رقم (٢٤٠٥) في صفة القيامة: باب رقم ٢١، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه . وهول: إسناده حسن وصححه ابن حبان رقم ٢٥١٨ موارد ، وأخرجه أيضاً من حديث عبد الله بن عمر . - ٣١٤ - فجاء أبو الدرداء، فَصنعَ له طعاماً، فقال له : كُلْ ، فإني صائمٌ ، قال: ما أنا بآ كل حتى تأكُلَ ، فأكل ، فلما كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقومُ ، فقال: ثَمْ ، فنامَ، ثُمَّ ذهبَ يقوم ، فقال: ثَمْ، فلما كان من آخر الليل، قال سلمانُ: "ثمِ الآنَ، فَصلَّيَا، فقال لهسلمانُ : إنّلرِّبُك عليك حقّاً ، وإنّ لِنَفسكَ عليكَ حقّاً ، ولأهلكَ عَليْك حقّاً، فَأخْطِ كلَّ ذي حقّ حقَّهُ ، فأتى النبيَّ عَّهِ، فذكر ذلك له، فقال النبيُّ بِلِ: ((صدَقَ سلمانُ)». أخرجه البخاري والترمذي . وزادَ الترمذيّ فيه ((ولضَيْفكَ عليك حقّاً (١) ). ٩٧ - (مم ت- منظفة بن الربيع لاًسيدي(٣) رضي الله عنه) وكانَ من كُتّاب رسول الله وَّهِ قال: لَقِيَني أبو بكرٍ ، فقال: كيفَ أنتَ يا حنظَةُ ؟ قال: قُلْتُ: نَفَقَ حَنْظَلَةُ، قالَ: سبحانَ اللهِ! ما تَقُولُ؟ قال: قُلتُ: نكونُ عند رسولِ الله وَ ◌ّهِ، يُذكَّرُنَا بِالنَّارِ والجنَّةِ [ حتى](٣) كَأَنَّا رَ أْيَ (١) البخاري ١٥١/١٣ في الأدب: باب صنع الطعام والتكلف للضيف و ١١٢/٥ -١١٤ في الصوم: باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، وأخرجه الترمذي رقم (٢٤١٥) في الزهد، باب أعط كلذي حق حقه. وفي هذا الحديث من الفوائد: المؤاخاة، وزيارة الاخوان ، والمبيت عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة، والسؤال عما تترتب عليه المصلحة وان كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل، وفيه النصح للمسلم، وتنبيه من أغفل ، وفضل قيام آخر الليل ، ومشروعية تزيين المرأة لزوجها ، وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة ، وجواز الفطر من صوم التطوع ... (٢) الأسيدي ضبطوه بوجهين أصحها وأشهرهما: ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة. والثاني: كذلك إلا أنه باسكان الياء، وهو منسوب إلى بن أسيد بطن من بني تميم . (٣) زيادة من مسلم . -٣١٥- عينٍ ، فإذا خَرَجنا من عند رسول الله يَِّ، عافسنا الأزواج والأولاد، والضَّيْعات ، ونسينا كثيراً ، قال أبو بكر رضي الله عنه: فَوَ اللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مثْلَ هذا، فانْطَلَقْتُ أَنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله عَّ لّهِ ، فقلت: نافَقَ حنظَةُ يارسول الله. فقال رسول الله عَزِّ: ((وما ذاك؟. قلتُ: يارسول الله نكون عندك تُذكَّرُنا بالنار والجنة، [حتى](١) كأَنَا رَ أَيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنامن عندك عافَسْنا الأزواج والأولادَ والضَّيْعاتِ، ونسينا كثيراً. فقال رسول الله عَل: ((والذي نفسي بيده، لو تدومُونَ على ماتكونون عندي ، وفي الذِّكْر، لصافَحَتْكم الملائكةُ على فرشكم ، وفي طُرُّقكم ، ولكن ياحنظَلَةُ ساعَةَ وساعَةً - ثَلاثَ مرارٍ -))(٢). وفي رواية قال: كُنَّا عند رسول الله ◌ِِّ، فذكرَ النَّارَ، ثُمَّ جِئْتُ إلى البَيت، فضاحَكْتُ الصِّيانَ، ولا عبتُ المرأَةَ، فخرجتُ ، فلقيتُ أبا بكر ، فذكرتُ ذلك له . فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكُرُ ، فلقينا رسول الله عَّ له، فقلت: يارسول الله نافق حنظلةُ، فقال: ((مَه؟)) فحدثته بالحديث، وقال أبو بكر : وأنا فعلت مثْلَ ما فَعلَ . فقال: ياحنظلة، ساعةً وساعةً ، لو كانت تكون قلوُ بكم كما تكونُ عند الذكر لصافحتكم الملائكةُ، حتى تُسلّمَ عليكم في الطريق .. أخرجه مسلم والترمذيّ . (١) زيادة من مسلم. (٢) في مسلم: ثلاث مرات. - ٣١٦ - إِلا أنَّ الترمذي قال: ((ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً))(١) واقتصر الترمذي أيضاً منه على طرف يسير قال: قال رسول اللّه عت اله ((لو أنكم تكُوُون كما تكونون عندي، لأَظَلَّنْكُمُ الملائكةُ بأجنحتها، (٢). [ شرح الغريب]: ( ناَفَقَ) النفاقُ: ضد الإخلاص ، وأراد به في الحديث: أنني في الظاهر إذا كنتُ عند النبي ◌َّ أخلصتُ، وإذا انفرَدْتُ عنه رغبتُ في الدنيا ، وتركتُ ماكنتُ عليه، فكأنه نوع من الظاهر والباطن ، وما كان يرضى أَن يُسامِحَ بِهِ نَفْسَهُ، وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، يؤاخذون أنفُسَهم بأقلِّ الأشياء . ( رأيَ عين) جعلتَ الشَّيءَ رأيَ عيْنِكَ، أي: بمرأى منك، وفي مقابلتك، وهو منصوب بإضمار (( نرى)). (عَافَسْنَا) المُعَافَسَةُ: المعالجة والمارسة والملاعبَةُ. (الضَّيْعَاتُ) جمع ضيْعَة ، وهي الصناعةُ والحرفَةُ . ٩٨ - (ط - مالك بن أنس رحمه الله) بلغه: أن عائشة، كانت ترسلُ إلى أَهلِها بَعدَ العَتّمة ، فتقول: ألا تُرِيحِونَ الكُتَّب؟. أخرجه الموطأ (٣). (١) مسلم رقم (٢٧٥٠) في التوبة، باب فضل دوام الذكر، والترمذي رقم (٢٠١٦) في صفة القيامة ، باب ولكن يا حنظلة. (٢) الترمذي رقم (٢٤٥٤) في صفة القيامة ، باب الورع والتقوى . (٣) ٩٨٧/٢ بلاغاً، باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله: - ٣١٧ - [شرح الغريب] (الكُتّاب ) جمع كاتب ، وأرادَت الحفَظة الكرام الكاتبين، وذلك بعثاً لهم على ترك العمل ، وطلب الاقتصاد. وهذه أحاديثَ وجدتها في كتاب رزين ، ولم أجدها في الأصول . ٩٩ - ( ابن عباس رضي الله عنهما) قال : كانت مولاةٌ لرسول الله بَّهِ، خُبْر عنها: أَنها تَقومُ الليل، وتَصومُ النَّار، فقال رسول الله يتطلّعٍ : ((لِكُلِّ عاملٍ شِرَّةٌ، ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فمن صارت فترْتُهُ إلى سُنَّي فقد اهتدى، ومن أَخطأ فقد ضلَّ(١)، ١٠٠ - (معاذ بن جبل رضي الله عنه) أنَّ رسول الله صَلّه قال: ((لن يُنْجِيَ أَحدَكُمُ عَمُهُ)). قالوا: ولا أنت ؟ قال:((ولا أنا إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنيَ الله برحمة منه، فسدِّدوا، وقَارِبوا، وأغدُوا، ورُوحوا، وشيئاً من الدُّلجة والقصد القَصد القصدَ ، تَبْلُغُوا ، وإنَّ أَحَبَّ الأعمالِ إلى الله تعالى ماداوم عليه صاحبُهُ، وإن قلَّ ، فاكْلَفوا من العمل ما تُطيقون، فإنَّ الله لا يملُ حتى تَلُوا ، (٢). ١٠١ - (أبو هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسولَ الله ، صَلى الله عدوى (١) هو معنى حديث أبي هريرة رقم ٩٥، وانظر تخريجه. (٢) لم نجد هذا الحديث فيإ بين أيدينا من المصادر من حديث معاذ، ومعناه ثابت في الصحاح عن غيره كما تقدم . : -٣١٨- « خيْرُ الأُمور أو ساطها)، (١). [شرح الغريب]: ( خير الأمور أوساطها ) معناه : أن كل خصلة محمودة ، فإن لها طرفين، مذمومين ، مثل أَن السَّخَاء وسطٌ بين البخل والتَّبذير ، والشجاعة وسطُ بين الجبن والتهور، والإنسان مأمورٌ أنْ يتجنّب كلَّ وصفٍ مذمومٍ، وتجنُبُهُ بالتَّعَرِّي منه ، والتَّبَعُّدِ عَنه ، فكلما ازداد منه بعداً ازداد منه تعرّاً، وأبعد الجهاتِ والأماكن والمقادير من كل طرفين ، فإنما هو وسطها ، لأن الوسط أَبعد الجهات من الأطراف ،وهو غاية البعد عنها ، فإذا كان في الوسط ، فقدْ تَعَرَّى عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان ، فلهذا كان خير الأمور أوساطها . الكتاب الثالث في الأمانة ١٠٢ - (غ م ت - حذيفة بن اليمان رضي الله عنه) قال: حدَّثنا رسول الله عَ لِّ حديثين(٢)، قد رأيتُ أَحدَهما، وأَنا أَنْتَظِرُ الآخر، حَدَّثنا (١) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): رواه ابن السمعاني في «ذيل تاريخ بغداد)) بسند فيه مجهول عن علي مرفوعاً، والديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعاً ((خير الأعمال أوسطها)) وقال السبلوني في «كشف الخفاء)): قال ابن الفرس: ضيف. (٢) أي في باب الأمانة، إذ له أحاديث كثيرة، وأولهما: في نزول الأمانة، وثانيها : في رفها - ٣١٩ - أَنَّ الأمانة(١) نزلت في جَذْرِ قلوب الرِّجال، ثم نزل القرآن، فَعِلْمُوا من القرآن، وعلموا من السَُّّةِ. ثُمَ حدَّثنا عن رفع الأمانة، فقال: «ينامُ الرَّجلُ النومَةَ ، فَتُقْبَضُ الأَمانةُ من قلبه، فِيَظَلُّ أَثْرُهـا مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثمَّ ينامُ الثَّومَةَ، فَتُقْبَض الأمانةُ من قلبه، فيظلُّ أَثَرَها مِثْلُ أَثْرِ الْمُجْلِ، كَجَمْرِ دَّحْرَجْتَهُ عَلىَ رِجْلِكَ فَنَفِطَ ، فَتراهُ مُنْتِراً، وليس فيه شيءٍ - ثم أَخَذَ حصى فدحْرَجَهُ على رجْلِهِ فِيُصبحُ النَّاسُ يتبا يَعون، فلا يكاد أَحدُ يُؤَدِّي الأمانةَ، حتَّى يُقالَ: إِنَّ في بني فلانٍ رجلاً أميناً ، حتى يقال للرجل: ما أَجْلَدَه ، ما أَظْرَفَهُ ، ما أَعْقَهُ ، وما في قلبهِ مِثْقَالُ حبَّةٍ من خَردلٍ من إيمانٍ، ولقد أَتَّى عليَّ زمانٌ وما أُبالي أَيَكُم بايعْتُ(٢)، لئن كان مُسلماً لِيَرُدَّنَّه عليَّ دينُهُ ، وإنْ كان (١) قال ابن التين: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها ، وقال أبو بكر بن العربي: المراد بالأمانة في هذا الحديث الايمان ، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال اليئه لا تزال تضعف الايمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الايمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن ، وكنى عن ضعف الايمان بالنوم، وضرب مثلا أزهوق الايمان عن القلب حالاً بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض . (٢) قوله: ((أيكم بايعت)) معنى المبايعة هنا: البيع والشراء المعروفان، أي: كنت أعلم أن الأمانة في الناس ، فكنت أقدم على معاملة من اتفق، غير باحث عن حاله ، وثوقاً بأمانته ، فإنه إن كان مسلماً فديته منعه من الخيانة ، ويحمله على أداء الأمانة . وإن كان كافراً فساعيه - وهو الذي يسعى له ؛ أي الوالي عليه - يقوم بالأمانة في ولايته فينصفني ، ويستخرج حقي منه ، وكل من ولي شيئاً على قوم فهو ساعيهم ، مثل سعاة الزكاة. وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة، فلست أثق اليوم بأحد أأتمنه على بيع أو شراء ، إلا فلاناً وفلاناً ، يعني أفراداً من الناس قلائل . - ٣٢٠-