Indexed OCR Text
Pages 161-180
المتقن المشهور ، وله رواة من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته ، فهذه الدرجة العليا من الصحيح . والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث. وكان مسلم أراد تخريج الصحيح على ثلاثة أقسام في الرواة ، فلما فرغ من القسم الأول أدركته المنية ، وهو في حدِّ الكهولة . وكيف يجوز أن يقول: إن أحاديث رسول الله عَظِلّه لا تبلغ عشرة آلاف حديث وقد روى عنه من الصحابة أربعة آلاف رجل وامرأة ، صحبوه نيفاً وعشرين سنة بمكة والمدينة ، حفظوا عنه أقواله وأفعاله ، ونومه ويقظته ، وحركاته وسكناته ، وكل حالاته ، من جده وهزله ؛ وقد كان الحافظ من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث وستمائة ألف، وسبعمائة ألف ؟! وهذا الشرط الذي ذكرناه، قد ذكره الحاكم أبو عبد الله النيسابوري(١). (١) ذكره بنصه في ((المدخل)) ونصه في «علوم الحديث»: وصف الحديث الصحيح أن يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن الني صلى الله عليه وسلم وله راويتان ثقتان، ثم يرويه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور بالرواية وله رواة تقات . وهذا النص يفيد تعميم هذا الشرط في الحديث الصحيح بينما نص كلامه في («المدخل» يخصه بشرط الشيخين، وقدرده الحازمي في ((شروط الأمة الخمسة)» ص٢٢، ٢٧ بأنها قد أخرجا في كتابيها أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد ، وأحاديث لا تعرف إلا من جهة واحدة، ثم ذكر من كل نوع أحاديث تدل على تفيض ما ادعاه، فراجعها ، وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتابه « شروط الأمة الستة»: إن الشيخين لم يشترطا هذا الشرط، ولا تقل عن واحد منها أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لها هذا الشرط على ماغذن ، ولممري إنه لشرط حسن لو كان موجوداً في كتابيها، إلا أنا ووجدنا هذه القاعدة منتقضة في الكتابين جميعاً . - ١٦١- -١١ وقد قال غيره : إن هذا الشرط غير مطّرِدٍ في كتابي البخاري ومسلم،فإنهما قد أَخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط . والظنُّ بالحاكم غير هذا ، فإنه كان عالماً بهذا الفن ، خبيراً بغوامضه، عارفاً بأسراره ، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلا بعد التّفتيش والاختبار والتيقنِ لما حكم به عليهما . ثم غايةُ ما يدَّعيه هذا القائل ، أَنه تتبّع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديثَ لم ترِدِ على الشرطِ الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى مايمكنهُ أَن ينقُضَ به، وليسَ ذلك ناقضاً، ولا يصلح أن يكون دافعاً لقولِ الحاكم ، فإن الحاكم مثبتٌ ، وهذا نافٍ ،والمثبت يقدَّم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضى بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعلَّ غَيْرَهُ قد وجدهُ ولم يَبْلُغْهُ وبلغ سواه؟ وُحُسْنُ الَّنِ بالعلماء أَحْسَنُ ، والتوصُلُ في تصديق أقوالهم أولى، على أن قولَ الحاكم له تأويلان . أحدهما : أن يكون الحديثُ قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية رَاويان، وَرَوَاه عن ذينك الرَّاويين أربعة ، عن كل راوٍ رَاويان، وكذلك إلى البخاريّ ومسلم . التأويل الثاني : أَنیکون للصحابي راویان، ويروي الحديث عنهأحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان ، ويروي الحديث عنه أحدهما ، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديثَ راويان ، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية - ١٦٢ - الرُّواةِ ، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث، والنّقل عن المشهورين بالحديثوالرواة، لا أنه صادر عن غير مشهور بالروايةوالرُّواةِ والأصحاب(١) . فإن كان غرض الحاكم من قوله التأويل الأول ، فقد سبق الاحتجاج له على من رام نَقْضَهُ ، على أَنَّ هذا الشرطَ قد ذهبَ إليه قومٌ من العلماء ، ولم يحتجوا بحديث خرج عن هذا الشرط ، ولا اعتدوا به ، وقدسبق ذكرُه فيما سبق ، وقد تقدَّم من هذه المقدمة ، وبيَّنا أنه ليس شرطاً في الاحتجاج عندالأكثرين. على أَنَّا نعلم يقيناً أنه لم يقصد إلى إثبات الصحيح وتخريجه، والاحتياط فيه، مثلُ البخاريّ ومسلم ، وهذا الطريق هو الغايةُ في إثبات الصحيح ، فمن يكون أجدَرَ من البخاري ومسلم ؟ على أنَّهما إن كانا قد أخر جاه كذلك ، فانهما لم يجعلا ذلك شرطاً لا يجوز قبولُ حديث لم يتصف به، وإنما فَعَلاَ الأَخْوَطَ، ورامَا الأعلى والأشرَفَ . وإن كان غرض الحاكم التأويلَ الثاني، فقد اندفع النَّقْضُ، وكُفِينَا هذه الكُلْفَةِ . النوع الثاني : من المتفق عليه الحديثُ الذي ينقلُهُ العدلُ عن العدل، ويرويه الثَّقاتُ الحفاظ إلى الصحابي (١) انظر رد أبي عبد الله بن المواق على هذا التأويل الذي ذهب اليه أبو علي الغساني، وتبعه عليه عياض وغيره في (( تدريب الراوي )) ص ٦٦ - ١٦٣ - وليس لهذا الصحابيّ إلا راوٍ واحدٌ. مثاله: حديث عروة بن مُضَرِّس الطائي قال: ((أَنيت رسول الله عَليه وهو بالمزدلفَةِ ، فقلت: يارسول الله، أَتَيْتُكَ من جَبَلَى طَيِّىءٍ، أَ تَعَبْتُ فرسي(١) وأُكْلَلْتُ مَطَيَّقي ، والله ما تركتُ من جَبَلٍ إِلاّ وقد وقَفْتُ عليه ، فهل لي من حجٍ؟،(٣). هذا حديثٌ من أصول الشريعة مقبول بين الفقهاء، ورواتُه كلهم ثقاتٌ، ولم يخَرِّجه البخاري ومسلم في كتابَيْهما ، إذْ ليس له رَاوٍ عن عروة بن مُضرِّس غَيْرِ الشَّغْي . وشواهد هذا كثيرة في الصحابة ، نحو قيس بن أبي غَرَزَة الغِفَاريِّ ، على كثرة روايته عن رسول الله عَّهِ ، ليس له راوٍ غيرُ أبي وائل شقيق بن سلمة. وأبو وائل: من كبار التابعين بالكوفةِ، أَدْرَكَ مُمَرَ ، وَعُثمان، وعليًّا، ومن بَعدُّهُمْ من الصحابة. وأسامة بن شريك وُقُطْبَةَ بن مالك ، على اشتهارهما في الصَّحَابَةِ ، لَيْسَ لهُمَا راوٍ غيرُ زيادِ بن عَلاقةً ، وهو من كبار التابعين . ـر مـ (١) في الأصل «نفسي)) وهو خطأ. (٢) أخرجه أبو داود ٢٦٦/٢ باب من لم يدرك عرفة، والترمذي رقم ٨٩١، والنسائي ٢٦٣/٥ باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الامام في المزدلفة، وابن ماجة ١٠٠٤/٢ باب من أتى عرفة قبل الفجر ليئة الجمع إسناده صحيح وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم ٤٦٣/١، وقال: وقد تابع عروة بن المفرس في رواية هذه السنة من الصحابة عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، وتقول : لكن فيها يوسف بن خالد السمتي وهو متروك وآخر غير معروف . - ١٦٤ - وغيرهم من الصَّحَابة من يجري مجراهم، لم يُخَرِّج البخاري ومسلم هذا النوع في كتابيهما ، وأحاديثهم متداولةٌ بين الفقهاء ، محتجً بها في الأسانيد . النوع الثالث : من المتفق عليه أخبار جماعة من التابعين عن الصَّحابة ، والتابعون ثِقَاتٌ، إِلا أَنّه ليس لكل واحدٍ منهم إِلاّ الرَّاوي الواحد، مثل: محمد بن حُنَيْنِ، وعبد الرحمن بن فرُّوخ ، وعبد الرحمن بن مَعْبَد وغيرهم ، ليس لهم راوٍ غير عمرو بن دينار، وهو إمام أهل مكة ، وكذلك محمد بن مسلم الزُّهْري، تَفَرَّدَ بالرِّواية عن جماعة من التابعين ، منهم عمرو بن أبان ، ومحمد بن عروة بن الزبير . وتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري عن جماعة من التابعين ، وليس في كتابي البخاري ومسلم من هذه الروايات شيءٌ ، وهي كلها صحيحة ، بنقل العدل عن العدل ، وهي متداولةٌ بين الفقهاء ، مختجٌ بها . النوع الرابع : من المتفق عليه الأحاديث الأفراد التي يرويها الثّقَات وليس لها طُرُقْ مَخَرَّجةٌ في الكتب ، مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عّ لّه قال: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجيءَ رَمَضان)). وقد خَرَّج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في كتابه، وترك هذا وأشباهه ، مما ينفرد به العلاء عن أبيه عن أبي هريرة . ومثل حديث أيمن بن نابل(١) المكي عن أبي الزبيرعن جابر بن عبد الله، أن (١) في الأصل والمطبوع: نائل، وهو تصحيف. وقد ترجمه في ((التقريب)) بقوله: صدوق بهم . - ١٦٥ - رسول اللّه عَ لّه كان يقول في التشهد: ((بسم الله وبالله)). وأيمن بن نابل: ثقة، وأحاديثه مخرَّجة في ((صحيح البخاري )) ، ولميخرج هذا الحديث ، إذ ليس له متابع عن أبي الزبير من وجه يصح . وشواهد هذا القسم كثيرة ، كلها صحيحة الإسناد ، غير مخرجة في كتابي البخاري ومسلم ، فيُستدل بالقليل الذي ذكرناه على الكثير الذي لم نذكره من ذلك . النوع الخامس : من المتفق عليه أحاديث جماعة من الأمه عن آبائهم عن أجدادهم ، ولم تتواتر الرِّواية عن آبائهم وأجدادهم إلاَّ عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب(١) عن أبيه عن جده، وجدّه : عبد الله بن عمرو بن العاص . ومثلُ بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٢). وجده: معاوية بن حَيْدة القُشيري، (١) أعدل الأقوال أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة، لا يختلف أهل العلم في قبولها والعمل بها ، فقد قال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني، واسحاق بن راهويه ، وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ماتركه أحد من المسلمين . قال البخاري: من الناس بعدهم !! وروى الحسن بن سفيان عن اسحاق بن راهويهقال: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة ، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. قال النووي : وهذا التشبيه نهاية في الجلالة من مثل إسحاق. وقال أيضاً: إن الاحتجاج به هو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ، وانظر تفصيل الكلام في هذا في ((ميزان الاعتدال ) ٢٦٣/٣، ٢٦٨ و(«تهذيب التهذيب)) ٥٥،٤٨/٨ «ونصب الراية)) ٥٨/١، ٥٩ و « تدريب الراوي )، ص ٢٢١ (٢) وصححها ابن معين، واستشهد بها البخاري في «صحيحه)) وقال النووي: نسخة حسنة، واختلفوا في أيهما أرجح، رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو رواية بهز عن أبيه عن جده، فبعضهم رجح= - ١٦٦ - وهما صحابيان، وأحفادهما ثقات، وأحاديثهما على كثرتها ، محتج بها في كتب العلماء ، وليست في كتابي البخاري ومسلم . النوع السادس: وهو الأول من المختلف فيه المراسيلُ ، وقد تقدم القول فيها ، واختلاف الأئمة في قبولها ، والعمل بها، وردها، وترك الاحتجاج بها، وذلك في ((الفرع الخامس)) من ((الفصل الأول» من هذا الباب . النوع السابع : وهو الثاني من المختلف فيه رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرواية ، فيقولون : قال فلان، من هو معاصرهم ، رَأَوْهُ أَو لم يرَوه ، ولا يكون لهم عنه سماع ولا إجازة ، ولا طريق من الرواية ، فيوهِمُون بقولهم: قال فلان ، أنهم قد سَمِعوا منه أو أجازه لهم، أَو غير ذلك ، فيكونون في قولهم : قال فلان ، صادقين ، لأنهم يكونون قد سمعوه من واحد أو أكثر منه عنه ، وهذا يسمونه بينهم تدليساً، للإيهام الذي حصل فيه (١). = رواية بهز لأن البخاري استشهد ببعضها في «صحيحه» تعليقاً، ورجح غيرهم رواية عمرو، وهو الصحيح كما يعلم من كتب الرجال ، والبخاري قد استشهد أيضاً بحديث عمرو ، فقد أخرج حديثاً معلقاً في كتاب ((اللباس» من («صحيحه))، وأخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عمرو بن شعيب ، وقال: إنه لم ير في البخاري إشارة إلى حديث عمرو غير هذا الحديث ، ثم إن البخاري صحح نسخة عمرو ابن شعيب ، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز . (١) التدليس مذموم كله على الاطلاق حتى بالغ شعبة بن الحجاج أحد أئمة الجرح والتعديل ، فقال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس؛ وقال: التدليس أخو الكذب ؛ قال ابن الصلاح: وهذا منه إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير منه ، وذهب بعضهم إلى أن من عرف به صار مجروحاً = - ١٦٧ - وقد جعله قوم صحيحاً، محتجاً به ، منهم: أبو حنيفة، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن، ومن تابعهم من أئمة الكوفة . وجعله قوم غير صحيح، ولا يحتج به ، منهم : الشافعي ، وابن المسيب، والزهري ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، ومن تابعهم من أئمة الحجاز. وأهل الحديث لا يعدُونه صحيحاً ، ولا محتجًا به(١). وهو على ستة أصناف : الأول: جماعة دَلِسُوا عن الثقات الذين هم في الثقة مثلهم أو دونهم أوفوقهم، إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين تقبل أخبارهم ، لأنهم لم يكن غرضهم = مردود الرواية مطلقاً وإن صرح بالسماع بعد ذلك، والصحيح الذي رجحه المحققون من علماء الحديث أن مارواه المدلس بلفظ محتمل - لم يصرح فيه بالسماع - لا يقبل بل يكون منقطعاً، وماصرح فيه بالسماع يقبل، لأن التدليس ليس كذباً، وإنما هو ضرب من الابهام كشفته الرواية المصرح فيها . وهذا كله إذا كان الراوي ثقة في روايته، قال السيوطي في « التدریب» ص ١٤٤: وفصل بعضهم تفصيلاً آخر فقال : إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فهو جرح له ، لأن ذلك حرام وغش، وإلا فلا . (١) إذا روى الراوي شيئاً لم يسمعه من المروي عنه، وصرح في روايته بالتحديث والسماع كان كاذباً فاسقاً وفرغ من أمره، أما إذا روى ذلك بصيغة لا تقتضي السماع كأن يقول: عن فلان)) أو ((قال فلان)» أو نحو هذا ، فان كان المروي عنه لم يعاصره الراوي ولم يلقه، كان ما يرويه منقطعاً، وزعم بعضهم أن هذا من باب التدليس ، وهو قول مرجوح غير مشهور ، قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما لم أحد من التدليس لامالك ولاغيره، أي لأنهم كثيراً مايروون عمن لم يعاصروه بهذه العبارات التي لاتستلزم السماع ثقة منهم بمعرفة أهل العلم أنه منقطع، وأنهم قصدوا إلى روايته بغير اسناد، وإذا كان الراوي معاصراً لمن روى عنه، أو أنه لقيه، فروى مالم يسمعه منه وإنما سمعه من غيره بلفظ يوم الاتصال وإن كان لا يستلزمه ، كان هذا تدلياً، وسي الراوي مدلساً . - ١٦٨ - بذلك التدليس ، إنما كان غرضهم حث الناس على الخير، والدعاء إلى الله تعالى، لا رواية الحديث ، فإنهم متى أرادوا رواية الحديث ذكروا طرقه . منهم: قتادة بن دَعامة ، إمام أهل البصرة يقول: قال أنس، أَو قال الحسن، وهو مشهور بالتدليس عنهما فيما لم يذكروا روايته: بـ«أخبرنا))، ((وحدثنا)»، ((وسمعت))، ونحو ذلك . الصنف الثاني : قوم يدلسون الحديث ، فيقولون : قال فلان ، فإذا حقق معهم أحد ذلك ، ذكروا طريق سماعه . منهم : سفيان بن عُيَيْنَةَ،، وهو إمام من أئمة أهل مكة يقول : قال الزهري، أو قال عمرو بن دينار ، وسفيان مشهور بالسماع منهم جميعاً ، إلا أنه لم يذكر طريق روايته في هذا الحديث ، وقد عرف منه أنه يدلس فيما يفوته سماعه، كما قال علي بن خَشْرَمْ : كنا عند سفيان بن عُيَيْنَةَ ، فقال : قال الزهري. قيل له: حدثكم الزهري ؟ فسكت ثم قال : قال الزهري ، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا ، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدَّثني عبدالرزاق عن معمر عن الزهري. أَلا تراه دَّس أولاً، فلمّا اسْتُفْسِرَ ، ذكر طريق سماعِهِ. والتدليس : إنما يتم إِذا روى عن معاصره، أما إذا روى عن غير معاصره، فلا يكون مُدِّساً ، ويدخل في حدِّ المرسل ، وقد ذكرناه . الصنف الثالث : قوم يدلسون الحديث على أقوام مجهولين، لا يُدْری مَنْ هُمْ، ولا مِنْ أَين هم، فيذكرون أسماء لا تعرف . - ١٦٩ - الصنف الرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين، فغيَّر واأسماءهم وكُناهم ، كيلا يعرفوا . الصنف الخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير ، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه ، ولا يذكرون طريق روايتهم إذا سئلوا . الصنف السادس: قوم رَوَوْا عن شيوخ لم يروهم قط ، ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا : قال فلان ، فحمل ذلك عنهم على السماع ، وليس عندهم عنهم سماع. النوع الثامن: وهو الثالث من المختلف فيه خبر يرويه ثقة من الثقات ، عن إمام من أئمة المسلمين ، فيسنده ، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فیرسلو نه . مثاله: حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صَ لِّ أَنه قال: ((من سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلاَ صَلاَةَ له إلا مِنْ عُذْرٍ (١)، هكذا رواه عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير ، وهو ثقة، وقد وقفه سائر أصحاب سعيد بن ◌ُجُبير. وهذا القسم مما يكثر ، وهو صحيح على مذهب الفقهاء، والقول عندهم فيه قول من زاد في الإسناد ، أو المتن إذا كان ثقة. وأَما أئمة الحديث ، فإِن القول فيه عندهم قول الجمهور الذي وقفوه ، وأرسلوه لما يخشى من الوهم على هذا الوجه المذكور . (١) أخرجه ابن ماجة ٢٦٠/١ باب التغليظ في التخلف عن الجماعة وصححه ابن حبان والحاكم، وله طريق أخرى عند أبي داود ٢١٦/١ بلفظ «من سمع المادي فلم يمنعه من اتباعه عذر)» أوقال: خوف أو مرض « لم تقبل منه الصلاة التي صلى». وصححه ابن حبان . - ١٧٠ - النوع التاسع : وهو الرابع من المختلف فيه روایاتُ مُحَدِّث صحیح السماع،صحیح الكتاب ، معروفٍ بالرواية،ظاهر العدالة ، غير أنه لا يَعْرف ما يحدث به ولا يحفظه . قال الحاكم: كأكثر محدثي زماننا هذا ، وهو محتج به عند أكثر أهل الحديث ، وجماعة من الفقهاء ، فأما أبو حنيفة ومالك رحمهما الله ، فلا يريان الحجة به . قلت : إذا كان الحاكم يقول عن زمانه ، وهو قريب من الصدر الأول : كأكثر محدثي زماننا ، فما عسى أن نقول نحن في زماننا هذا ، لكنا نسأل الله العصمة والتوفيق ، والسَّداد في القول والعمل . النوع العاشر: وهو الخامس من المختلف فيه روايات المبتدعة، وأصحاب الأهواء، وهي عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن عبّاد بن يعقوب، و کان أبو بكر محمد بن إسحاق بن ◌ُزيمة يقول : حدثني الصَّدُوق في روايته المتهم في دينه: عباد بن يعقوب ، وأخرج البخاري أيضاً في (( صحيحه)) عن محمد بن زياد ، وحَريز بن عثمان، وهما مشهوران بالنّصْب (١). وأخرج هو ومسلم فی کتابیهما عن أبي معاوية محمد بن خازم ، وعن عبيد الله بن موسى ، وقد اشتهر عنهما الغُلُوُّ. (١) الناصبية: فرقة ضالة تبغض أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، سموا بذلك، لأنهم نصبوا له، أي: عادوه . - ١٧١ - وأما مالك بن أنس، فإنه يقول: لا يؤخذ حديثُ رسول اللّه عَّ اله من صاحب هوىّ يدعو الناس إلى هواه ، ولا من كذاب يكذب في حديث الناس، وإن كان لا يتهم أنه يكذب على رسول الله عَّ اله. قال الحاكم: هذه وجوه الصحيح المتفقة والمختلفة ، قد ذكرناها لئلايتوهم متوهم أنه ليس يصح من الحديث إلا ما أخرجه البخاري ومسلم ، فإنا نظرنا فوجدنا البخاري قد صنف كتاباً في التاريخ، جمع أساسي من رُوي عنهم الحديث من زمان الصحابة إلى زمن خمسين ، فبلغ عددهم قريباً من أربعين ألف رجل وامرأة، خرَّجَ في ((صحيحه)) عن جماعة منهم، وخرّج مسلم في ((صحيحه)) عن جماعة . قال الحاكم : جمعتُ أنا أساميهم ، وما اختلفا فيه ، فاحتج به أحدهما ، ولم يحتج به الآخر ، فلم يبلغوا ألفى رجل وامرأة . قال: ثم جَمَعْتُ مَنْ ظَهَرَ جرحه من جملة الأربعين ألفاً ، فبلغ مائتين و ستة وعشرين رجلاً . فَلَيَعْلَمْ طالب هذا العلم: أن أكثر رواة الأخبار ثقات، وأن الدرجة العليا، للذين في «صحيحي البخاري ومسلم))، وأن الباقين أكثرهم ثقات، وانماسقطت أساميهم من ((الصحيحين)) للوجوه التي قدمنا ذكرها ، لا لجرح فيهم ، وطعن في عدالتهم ، وانما فعلا ذلك في كتا بيهما زيادة في الاحتياط، وطلباً لأشرف المنازل - ١٧٢ - وأعلى الرتب ، وباقي الأحاديث معمول بها عند الأمة . ألا ترى أن الإمام أبا عيسى الترمذي رحمه الله - وهو من المشهورين بالحديث والفقه- قال في آخر كتابه ((الجامع)): إن جميع ما في كتابنا من الحديث معمول به ، وأخذ به بعض أهل العلم ، ماخلا حديثين . أحدهما: حديث ابن عباس ((أن النبي ◌َ ◌ّهُ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة ، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر)).(١) والثاني: حديث معاوية: أن النبي ◌َّ اله قال: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه))(٢) . وما عدا هذين الحديثين ، فقد عمل به قوم ، وترك العمل به آخرون . (١) رواه الترمذي رقم (١٨٦) باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر؛ ورواه مسلم رقم (٧٠٠) كتاب «صلاة المسافرين)) باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، ولم يذكر الترمذي علة الحديث ، بل ذكر حديثاً يعارضه من طريق حفش وهو الحسين بن قيس الرحي ، وضعفه من أجله وإنما احتج بالعمل فقط، ونقل أقوال الفقهاء، وقد رد الإمام النووي على الترمذي قوله هذافي « شرح مسلم » فقال. وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به ، بل لهم أقوال ... وذكرها، ثم قال : وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة ، وهو قول ابن سيرين وأشرب من أصحاب مالك، وحكاه الخطاني عن القفال عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث ، واختاره ابن المنذر ، قال ، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس : أراد أن لا يخرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره . اهـ (٢) رواه أحمد في «المسند» رقم (١٦٩١٨) من حديث معاوية، وإسناده صحيح، ورواه أبو داود، والحاكم والبيهقي وغيرهم، وكذا رواه أحمد من أحاديث صحابة آخرين بأسانيد صحاح ثابتة ، وفد قال به بعض أهل العلم من المحدثين، وانظر رسالة « كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر)» للعلامة أحمد شاكر فإنه قد استوفى الكلام في هذا الموضوع . - ١٧٣ - فإذا كان كتاب الترمذي على كثرة مافيه من الأحاديث، لم يسقط العمل بشيء منه ، إلا بحديثين ، فكيف يُظن أنه لا صحيح إلا مافي كتابي البخاري ومسلم؟! القسم الثاني : في الغريب والحسن وما يجري مجراهما قد تقدم في القسم الأول ذكر الصحيح المتفق عليه، والمختلف فيه : يدخل في هذا القسم عند من خالف في صحّته . والغريب أنواعُ أُخرى من جهاتٍ متعدّدةٍ، فَرُبَّ حديثٍ مُخَرَّج في الصحیح ، وهو غریب من جهة طريقه ، مثل حديث جابر بن عبد الله فيحفرٍ الخندقِ، وُجُوعِ الذِي عِلّهِ، وتعصيبهِ بطنَهُ، وذكر أهل الصفة، وهو حديث طويل قد أخرجه البخاريء(١)، وقد تفرَّدَ به عبدُ الواحد بن أَثْنَ عن أبيه ، وهو من غرائب الصحيح . ومثل حديث عبد الله بن عمرو لما حاصرَ النبيُّ ◌َّ لَّهِ الطائف وقوله: ((إِنَّا قافلون غداً ... )) الحديث، وقد أخرجه مسلم (٣) في كتابه ، وهو غريب تفرَّدَ به السَّائب بن فرُّوخ الشاعر عن ابن عمرو . ومن الغرائبِ: غرائبُ الشيوخ، مثل قول ابن عمر: عن الني عَّهِ: ((لا يبيعُ حاضرٌ لِبادِ) رواه الرَّبيع بن سليمان عن الشافعي عن مالك عن نافع عن (١) ٣٠٤/٧، ٣٠٦ في المنازي باب غزوة الخندق. (٢) ١٤٠٢/٣، ١٤٠٣ في الجهاد والسير - باب غزوة الطاقة رقم (١٧٧٨). - ١٧٤ - ابن عمر٤١، ولم يروه عن مالك غيرُ الشافعي ، ولا الشافعي ، غيرُ الربيع . ومن الغرائب : غرائبُ المُتُون، كما رَوَى محمد بن المنكدر عن جابر : أن رسول الله ◌َِّ قال: ((إن هذا الدينَ متين، فأَوغِلُ فيه برفق ... )) (٢) الحديث. فهذا غريب المثْنِ ، وفي إسناده غرابةٌ أيضاً . ومن الغرائب : الإفرادُ ، وهو أَن ينفَردَ أَهلُ مدينةٍ واحدة عن صحابيّ بأحاديث عن النبي عَّهِ، لايرويها عنه أهلُ مدينةٍ أُخرى، أَو ينفردَ به راوٍ واحدٌ عن إِمام من الأئمة وهو مشهور ، مثل ماحدَّث حمّادُ بن سلمة عن أبي العُشَرَاءِعن أبيه قال: قلتُ يارسول الله، ماتكون الذكاة إلاَّ في الخَلْق واللّةِ؟ فقال: ((لو طعنتَ في فخذها أجزاً عنك))(٣) فهذا حديث تفرَّدَ به حَمّادُ بن سلمة(٤) عن أبي العُشَرَاءِ ، ولا يُعْرَفُ لأبي العشراء إلا هذا الحديث، وإن كان (١) مسند الشافعى ١٥٤/٢ كتاب ((البيوع)» وقد أخرجه مالك مطولاً في ((الموطأ »٦٨٣/٢ باب النهي عن بيع الحاضر للبادي، والبخاري ٣٠٩/٤ باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل)، ومسلم ١١٥٥/٣ باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وفي الباب عن ابن عباس وجابر وأنس عند مسلم. (٢) وتمامه (فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى)) ذكره الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد)) ٦٢/١ وقال: رواه البزار وفيه يحي بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب، وضعفه الحافظ في ((التقريب» وترجمه الذهي في « الميزان» بقوله: ضعفه ابن المدين والنسائي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد : واه ، وقال أبو زرعة : لين الحديث . (٣) أخرجهأحمد ٣٣٤/٤ وأبو داودرقم ٢٨٢٥ والترمذي رقم ١٤٨١ و ٣٩٥٦ والنسائي ٢٢٨/٧ كتاب ((الصيدوالذبائح» باب ذكر المتردية في البئر. وابن ماجة رقم ٣١٨٤ وقال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي الشراء عن أبيه غير هذا الحديث وهول: أبو المشراء مجهول، كما في «التقريب)). (٤) في المطبوع «مسلمة)) وهو خطأ. - ١٧٥ - مشهوراً عند أهل العلم ، وإنما اشتهرَ من حديث حماد. وربَّ حديث يُحَدِّثُ به رجلٌ من الأئمة وحده ، فيشتهر لكثرة منیرویهِ عنه، مثل ما رَوَى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي صَ له (( نهى عن بيع الولاء وهبته)،(١) هذا حديث لا يُعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه عُبَيْد الله بن عَبْد الله بن عمر، وشُعْبةُ، وسفيان الثوري، ومالك بن أَنسٍ وغيرُ واحدٍ من الأمة . ورُبَّ حديثٍ إِنما يُسْتَغْربُ لزيادة تكون فيه، وإنما يصح اذا كانت الزِّيَّادةُ ممن يُعْتَمَدُ على حفظهِ، مثل مارَوَى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر، قال: (( فرض رسول الله بٍَّ زكاة الفِطْرِ من رمضان على كل ◌ُحُرّ أَو عبدٍ، ذَكرٍ أَوْ أُنثَى من المسلمين: صاعاً من تمرٍ ، أَو صاعاً من شعيرِ))، فزاد مالك في هذا الحديث ((من المسلمين))(٢). (١) أخرجه البخاري ١٢١/٥٠ كتاب («العتق)) باب الولاء وهبته و٣٧/١٢ كتاب («الفرائض) باب الولاء لمن أعتق، ورواه مسلم رقم (١٥٠٦) كتاب ((المتق)) باب النهي عن بيع الولاء وهبته، وكذلك رواه أحمد وأصحاب («الفن)» الأربعة. (٢) هو في ((الموطأ)» ٢٨٤/١ والبخاري ٢٩٣/٣، ٢٩٤ ومسلم ٦٨٦١٢ باب زكاة الفطر على المسلمين، وأخرجه أحمد وأصحاب («السنن» وقد أطلق أبو قلابة الرفاعي ومحمد بن وضاح وابن الصلاح ومن تبعه أن مالكاً انفرد بهذه الزيادة دون أصحاب نافع. قال الحافظ: وهو متعقب برواية محمد بن نافع المذكورة في الباب الذي قبله ( يعني في البخاري) وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بهذه الزيادة . وقال النووي في «شرح مهم»: رواه ثقتان غير مالك عمر بن نافع والضحاك، وقد ذكر الحافظ في «الفتح» ما وقع له من رواية جماعة غيرهما فانظره. - ١٧٦ - ورَوَى أَيوبُ السُّختياني، وعُبَيَد اللّه بن عمر، وغيرُ واحدٍ من الأئمة هذا الحديث عن نافعٍ عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه ، من المسلمين)). فأخذَ جماعة من الأئمة بحديث مالك، واحتجُوا به ، منهم الشافعي،وأحمد ابن حنبل ، وغيرهما . قالوا : إذا كان للرَّجُلِ عَبِيدٌ غير مسلمين، لم يؤدِّ عنهم صدقة الفطر . فإذا زَادَ حافظٌ ممن يُعتَمدُ على حفظه وثِقَته، قُبلَ ذلك منه، وكان الحديثُ مع ذلك غريباً لهذه الزيادة . وربَّ أَحاديث مشهورة في أيدي الناس، متداولة بين الأئمة ، لم يخرج منها في الصحيح شيءٍ . ورب أحاديث ◌ُخرجت في الصحيح، وهي غير مشهورة ولا متداولة بين الأئمة . ورب حديث شاذّ انفرد به الثّقةُ ، إلا أَنَّه لا أصل له ، ولا يُتاَبَعُ عليه، فيخالفُ فيه الناسَ ، ولا يُعرفُ له عَلَّةٌ يعلَّلُ بها ، فإن الحديث المعلل : هو ماعُرفَتِ علَّهِ ، فَذُكِرَتْ ، فزالَ الخللُ منه . والشاذ : ما لا يُعرفُ له علة . ورُبَّ حديث يروى من أوجه كثيرة ، وإِنما يُسْتغرب لإسناده. مثلُ: ماحدَّثَ أَبُو كُريبٍ وَأَبو هشام الرفاعيُّ، وأَبو السَّائبِ، والحسين ابنُ الأسود قالوا : حدثنا أبو أسامةَ عن بُرَيد بن عبد الله بن أبي بردة عن - ١٧٧ - م-١٢ مے جده أبي بُردة عن أبي موسى، أن النبي صَّ له قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكلُ في مِعِى واحد)» هذا حديث غريبٌ من قبل إِسناده ، فإنه قد رُوي هذا الحديث من غير وجه(١) . وإنما استُغرب من حديث أبي موسى لا غير . قال الترمذي [ رحمه الله]: ما ذكرنا في كتابنا - يعني («الجامع)) الذي له - حديثٌ حسنٌ ، فإنما أردنا حسن إِسناده عندنا ، كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتْهَمُ بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسنٌ .(٢) فالحديث الحسن إِذاً: واسطة بين الصحيح والغريب (٣)، والله أعلم. هذا آخر القول في [ الباب] الثالث من هذه المقدمة . (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٢٤/٢ باب ما جاء في معى الكافر، والبخاري كتاب «الأطعمة) باب المؤمن يأكل في معى واحد، ومسلم رقم (٢٠٦٢) كتاب «الأشربة» باب المؤمن يأكل في معى واحد ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) وقد اعترض الحافظ العراقي على الترمذي بأنه حكم في ((جامعه)) على أحاديث بالحسن ، مع أنها لم ترد إلا من وجه واحد ، مثل حديث اسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه ، عن عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)) والترمذي نفه قال في شأن هذا الحديث : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ولا نعرف في الباب إِلا حديث عائشة . (٣) قال ابن الصلاح في ((المقدمة)) ص ٣٣: الحديث الحسن قسمهان، أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال اسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي: لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفق ، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي منه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من = - ١٧٨ - الباب الرابع في ذكر الأئمة الستة - رضي الله عنهم - وأسمائهم، وأنسابهم، وأَعمارهم، ومناقبهم وآثارهم . هذا باب واسع ، إِن أتينا فيه بالواجب مِنْ ذكر هؤلاء القوم، طال وخرج عن حدِّ المقدمات ، وتجاوز قدر المختصرات ، وتركنا الغرض المقصود إليه . وإنما نذكر فيه طرفاً مما أشرنا إليه، ونُكَتّاً مما نَبَّهْنا عليه، لِيُعْرَفَ بالمذكور قدر المتروك ، ويُستدل بالشاهد على الغائب ، فإن القوم كانوا أعلام الهدى ، ومعادن الفضائل ، واللسان في وصفهم مطلق العنان . وقد بدأنا بذكر مالك رحمه الله، لأنه المقدَّمُ زماناً وَقَدْراً ، ومعرفة وعلماً، ونباهة وذكراً ، وهو شيخ العلم، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في ذكر تخريج الحديث قدمنا عليه البخاري ومسلماً للشرط الذي لكتابيهما ، فلا نقدمهما عليه في الذّكر، إِذ هو أَحق وأولى، وكتاباهما أَجدر بالتقديم من كتابه وأُخْرَى . = تابع راويه على مثله أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذاً أو منكراً . القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والاتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً أو منكراً سلامته من أن يكون معللاً، وجمهور الفقهاء وأكثر أهل العلم بالحديث على أن الاحتجاج بالحسن جائز كالاحتجاج بالصحيح ولو كان الحسن أقل درجة منه ، ولقد أدرج جماعة من المحدثين الحسن في الصحيح ، منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، مع اعترافهم بأنه دونه رتبة . - ١٧٩ - [الإمام] مالك هو أَبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد ، من بني حمیر ابن سبأ الأكبر، ثم من بني يَشْجُب بن قحطان ، وفي نسبه خلاف غير هذا. ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة . وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة ، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره. هو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث ،وكفاه فخراً أَن الشافعي من أصحابه . أخذ العلم : عن محمد بن شهاب الزهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ونافع مولى عبد الله بن عمر [ رضي الله عنهما ]، ومحمد بن المنكدر ، وهشام ابن عروة بن الزبير، واسماعيل بن أبي حكيم ، وزيد بن أسلم ، وسعيدبن أبي سعيد الَقْبُري، ومَخْرَمَة بن سليمان ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأَفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم ، وشريك بن عبد الله بن أبي ◌َر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم . وَأَخَذَ العِلم عنه خَلْق كثيرٌ لايُحْصَوْنَ كَثْرَةً ، وهم أَئمة البلاد . - ١٨٠-