Indexed OCR Text
Pages 141-160
ومثل يحيى بن سلام البَصْري، روى عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر رضي الله عنه، أن النبي ◌َِّّم قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، إِلا خلف الإمام، وهو في ((الموطأ(١)) عن وهب عن جابر من قوله. الطبقة الخامسة قوم عمدوا إلى أحاديث مرويّة عن التابعين أرسلوها عن رسول الله مَ اله ، فزادوا فيها رجلاً من الصحابة. مثل إبراهيم بن محمد المقدسيّ ، روى عن الفِرْيائِيِّ عن الثَّورِي ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي ظبيان، عن سلمان، عن رسول اللّه عَ لّهم ، أَنه قال: ((ليس شيء خيراً(٣) من أَلفِ مثلهِ إِلا الإنسان)، والحديث في كتاب الثَّوري عن الأعمش عن إبراهيم مرسلاً عن النبي ◌ِّ له. = أبي القاسم علي بن الحسن الدمشقي من حديث علي بن جندل، ثنا الحسين بن اسماعيل المحاملي ، ثنا أبو حذافة ، ثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الشفق الحمرة)). قال أبو القاسم : تفرد به علي بن جندل الوراق عن المحاملي عن أبي حذافة أحمد ابن اسماعيل السهمي، وقد رواه عتيق بن يعقوب عن مالك، وكلاهما غريب، وحديث عتيق أمثل إسناداً نقول: وأحمد بن اسماعيل هو راوي ((الموطأ)) عن مالك، وآخر أصحابه وفاة. قال الخطيب وغيره : لم يكن ممن يتعمد الكذب، وضعفه الدار قطني وقال: أدخلت عليه أحاديث في غير («الموطأ)) فرواها، وقال ابن عدي: حدث عن مالك وغيره بالبواطيل . (١) ١٧٥/١ بشرح الزرقاني وافظه: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام. وقد جاء من طرق يشد بعضها بعضاً عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) أخرجه أحمد ٣٣٩/٣، وابن ماجة رقم ٨٥٠، وانظر طرقه في ((نصب الراية)) ١١،٧/٢ للامام الزيلعي، ((وإمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام» للكنوي. (٢) في الأصل: خير، والتصحيح من كتب السنة، والحديث رواه الطبراني والضياء عن سلمان، والقضاعي عن ابن عمر، والعسكري عن جابر، وغيرهم. وأسانيده ضعيفة، وقد حسنه الحافظ العراقي. - ١٤١ - الطبقة السادسة قوم الغالبُ عليهم الصلاح والعبادة، ولم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه وإتقانه ، فاستخفوا بالرواية ، فظهرت أحوالهم. مثل ثابت بن موسى الزاهد، دخل على شريك بن عبد اللّه القاضي والمستملي بين يديه ، وشريكٌ يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول اللّه بٍَّ ، ولم يذكر متن الحديث، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: ((من كثر صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار(١))) وإنما أراد بذلك: ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعاً بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدّث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه . الطبقة السابعة قوم سمعوا من شيوخ وأكثروا عنهم ، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ ، فحدثوا بها ، ولم يميزوا بين ماسمعوا وبين ما لم يسمعوا. قال يحيى بن معينٍ: قال لي هشام بن يوسف : جاءني مُطَرِّفُ بن مازن ، (١) أخرجه ابن ماجة في ((سننه)) رقم ١٣٣٣ من حديث ثابت بن موسى، عن شريك ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار» قال السخاوي في «المقاصد الحسنة)»: لا أصل له وإن روي من طرق عند ابن ماجة بعضها، وأورد الكثير منها القضاعي وغيره . تقول: وقد اتفق أئمة الحديث: ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك الثابت . - ١٤٢ - فقال : أُعطني حديث ابن جُرَيْجٍ ومعمر ، حتى أسمعه منك ، فأعطيته ، فكتبه عني ، ثم جعل يحدِّث به عن مَعْمَرٍ وابن جريج أَنفسِهما. الطبقة الثامنة قوم سمعوا كتباً مصنَّفة عن شيوخ أَدركوهم ، ولم ينسخوا أسماعهم عنهم عند السماع، وتهاونوا بها ، إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث، فحملهم الجهل والشّرَهُ على أن حَدَّثُوا بتلك الكتب من كتب مشتراة ، ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ ، وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون . وهذا النوع مما كثر في الناس، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء، اللهم إلا أن تكون النسخة مقروءة على شيخه، أو مقابلَة بأصل شيخه، أَو أَصلٍ مقابلٍ بأصل شيخه ، ونحو ذلك من الاحتياط والضبط ، فإن ذلك جائز له أن يرويه ، لا سيما في هذا الزمان ، فإن التعويل على النقل من الكتب والقراءة لما فيها ، لا على الحفظ ، فان الحفظ كان وظيفة أولئك الموفّقين السعداء. وقد تقدم في الباب الاول من هذه المقدمة شرح ذلك مستقصى . الطبقة التاسعة قوم ليس الحديث من صناعتهم ، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع التي يحتاج المحدّث إلى معرفتها ، ولا يحفظون حديثهم، فيجيئهم طالب العلم، فيقرأ عليهم ماليس من حديثهم ، فيجيبون ويقرُّون بذلك وهم لا يدرون . قال يحي بن سعيد: كنا عند شيخ من أَهل مككأنا وحفصُ بن غياث، فإذا - ١٤٣ - جاريةُ بن هرم(١) يكتب عنه ، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدَّثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا ؟ فيقول : حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا ، فيقول حفص: حدّثك القاسم ابن محمد عن عائشة بكذا وكذا ؟ فيقول : حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا ، ويقول : حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله ؟ فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله ، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها ، فقال جارية : تحسدونني؟ فقال له حفص : لا، ولكن هذا يكذب ، قال حفص: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يُسَمِّهِ لي ، فقلت له يوماً : ياأبا سعيد: لعلي كتبت عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: هو موسى ابن دینار . الطبقة العاشرة قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه ، وُرفوا به ، فتلفت كتبهم بأنواع من التلف ، فلما سئلوا عن الحديث حدثوا به من كتب غيرهم ، أو من حفظهم على التخمين ، فسقطوا بذلك . منهم عبد الله بن طِيعَة الحَضْرَمي، على جلالة محله ، وعلوٍّ قدره ، لما احترقت كتبه بمصر ذهب حديثه ، فخلط من حفظه ، وحدث بالمناكير ،فصار (١) أبو شيخ الفقيمي قال النسائي: ليس بالقوي ، وقال الدارقطني: متروك ، وقال ابن عدي : أحاديثه كلها لا يتابعه عليها الثقات. وفي الأصل («هدم)» بالدال والتصويب من «ميزان الاعتدال» للذهي، وأنقصة التي أوردها المصنف ذكرها الذهي أيضاً في ترجمته. - ١٤٤ - في حدٌّ من لا يُحتَج بحديثه. وكان أحمد بن حنبل يقول: سماعُ ابن المبارك وأقرانه الذين سمعوا من ابن لهيعة قبل وفاته بعشرين سنة صحيح ، لأجل احتراق کتبه(١) . الفصل الثالث في النسخ (٣ وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول : في حده وأر كانه النسخ : عبارة عن الرفع والإزالة ، في وضع اللسان العربي، وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب، والأول هو المقصود. وَحَدُّهُ : أَنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه . وقد اشتمل هذا الحد على ألفاظ تحتاج إلى بيان . أَما قولنا ((الخطاب)) وإيثارنا إياه على ((النص)) فليكون شاملاً للَّفظ والفَحْوَى والمفهوم وكلٌّ دليل، إِذ يجوز النسخ بجميع ذلك. (١) والذين سموا منه قبل احتراق كتبه هم العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله ابن يزيد المقرىء، وعبد الله بن مسفة القمني، فكل حديث يرويه أحد هؤلاء العبادلة عنه ، فهو صحيح إذا صح باقي السند . (٢) من أجل علوم الحديث معرفة الناسخ والمنسوخ، وقد صنف فيه غير واحدمن الحفاظ، ومن أحسن المؤلفات فيه كتاب «الاعتبار)» تأليف محمد بن موسى بن عثمان الحازمي أحد الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله ، ولد سنة ٥٤٨ ، وتوفي سنة ٥٨٤ هـ وكتابه هذا فريد في بابه ، لا نعلم له نظيراً في موضوعه . - ١٤٥ - *- ١٠ وأما تقييد الحدِّ بالخطاب المتقدم، فَلأَنَّ ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة ، ولا يسمى نسخاً لأنه لم يزل حكم خطاب . ٤ وأَما تقييده بارتفاع الحكم ، ولم يخصص بارتفاع الأمر والنهي ، فَلِيَعُمَّ جميع أنواع الحكم: من الندب والكراهية والإباحة ، فإن جميع ذلك قدينسخ. وأما قولنا: ((لولاه لكان الحكم ثابتاً)، فلأن حقيقة النسخ : الرفع ، فلو لم يكن هذا ثابتاً ، لم يكن هذا رافعاً، فإنه إِذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد انقضاء ذلك الوقت ، لا يكون الثاني نسخاً ، بل الرافع: مالا يرتفع الحكم لولاه. وأما قولنا: ((مع تراخيه عنه)) فلأنه لو اتصل به كان بياناً لمعنى الكلام، وإِنما يكون رافعاً إذا ورد بعد استقرار الحكم ، بحيث إنه يدوم لولاه، هذا حدُّه، وهو أَعْمُّ حدٍّ وجدته للعلماء وأَخصره . ولم ينكر النسخ من المسلمين إلا آحاد لا اعتداد بهم ، فإن الأمة مجتمعة على جوازه ووقوعه . وأَما أَركانه، فأربعة: ناسخ : وهو الله تعالى. ومنسوخ : وهو الحكم المرفوع. ومنسوخ عنه: وهو المكلف. ونسخ: وهو قوله الدال على رفع الحكم الثابت. وقد يسمى الدليل ناسخاً مجازاً ، فيقال : هذه الآية ناسخة لتلك . وقديسمى الحكم ناسخاً، فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، - ١٤٦ - والحقيقة هو الأول. الفرع الثاني : في شرائطه شروط النسخ أربعة : الأول: أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً ، لا عقلياً . الثاني: أن يكون النسخ بخطاب، فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخاً. الثالث : أن يكون الخطاب المرفوع حكمه غير مقيد بوقت يقتضي دخوله زوال الحكم ، كقوله تعالى: ( ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة: ١٨٧ ]. الرابع : أن يكون الخطاب الرافع متراخياً ، لا كقوله : ( حتى يعطوا الجزية عن يدِ ) [ التوبة: ٢٩] وهاهنا أمور يتوهم أنها شروط، وليست شروطاً . الأول : أن يكون رافعاً للمثل بالمثل ، بل الشرط : أن يكون رافعاً فقط. الثاني : ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ ، بل يجوز قبل وقته . الثالث : لا يشترط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص، بل يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد في وقت واحد . الرابع : لا يشترط أن يكون نسخ القرآن بالقرآن ، والسنة بالسنة ، فلا يشترط الجنسية ، بل يكفي أن يكون بما يصح النسخ به، وقد اشترطه الشافعي رحمه الله ، وسيجيء بيانه . الخامس : لا يشترط أن يكون الناسخ والمنسوخ نصَّيْن قاطعين، إذيجوز - ١٤٧ - نسخ خبر الواحد بخبر الواحد، وبالتواتر، وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد. السادس : لا يشترط أن يكون الناسخ منقولاً بمثل لفظ المنسوخ ، بل أن يكون ثابتاً بأي طريق كان . السابع: لا يشترط أن يكون الناسخ مقابلاً للمنسوخ ، حتى لا ينسخ الأمر إلا بالنهي ، والنهي بالأمر، بل يجوز أن يضخ كلاهما بالإباحة ، وأن ينسخ الواجب المضيّق بالموسّع. الثامن: لا يشترط كونها ثابتين بالتص، بل لو كان بِلَحْنِ القَوْلِ وظاهره(١) وفحواه ، و کیف كان ، جاز . التاسع : نسخ الحكم ببدل ليس بشرط ، بل يجوز نسخ الحكم بغير بدل ، وقال فوم : لا بد من البدل . العاشر : نسخ الحكم بما هو أخف منه ليس بشرط ، بل يجوز بالمثل والأثقل (٢)، وقال قوم: يجوز بالأخف، ولا يجوز بالأثقل، وليس ذلك ضابطاً. (١) لحن القول وفحواه: هو المفهوم الموافق، ودلالة الظاهر: هي دلالة اللفظ على معنى متبادر منه، وليس مقصوداً بسوق الكلام أصالة مع احتماله التفسير والتأويل ، وقبوله للنسخ في عصر الرسالة . (٢) لقد اتفقوا على جواز الفسخ بالمساوي كما وقع بالأخف، لكنهم اختلفوا في الأثقل، فذهب الجمهور الى جوازه ، خلافاً للشافعي ، وقد استدل الجمهور بوقوعه ، فقد كان الكف عن الكفار واجباً بقوله تعالى : ( ودع أذاهم ) [ الأحزاب: ٤٩] ثم نسخ بايجاب القتال وهو أثقل ، أي أكثر مشقة ، ونسخ الحبس في البيوت للنساء والايذاء للرجال في الزنى بالحد وهو أثقل ، لأنه الرجم للمحصنين والمحصنات ، والجلد لغيرهم ولغيرهن . - ١٤٨ - الفرع الثالث : في أحكامه ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ ، خلافاً لبعضهم ، فإنهم قالوا : من الأَفعال ما لا يمكن نسخه ، مثل شكر المنعم والعدل ، فلا يجوز نسخ وجو به، ومثل الكفر والظلم ، فلا يجوز نسخ تحريمه، والآية إِذا تضمنت حكماً جاز نسخ تلاوتها دون حكمها ، ونسخ حكمها دون تلاوتها ، ونسخها جميعاً ، وقد ظن قوم استحالة ذلك . ويجوز نسخ القرآن بالسُّنَّة، والسُّنَّة بالقرآن عند الأكثرين ، فإن كلاّ من عند الله ، والعقل لا يحيله ، وقد دل السمع على وقوعه . أما نسخ السنة بالقرآن ، فإِن التوجه إلى بيت المقدس ليس في القرآن ، وهو من السنة، وناسخه القرآن ، وصوم يوم عاشوراء كان ثابتاً بالسنة ، ونسخه القرآن بصوم شهر رمضان . وأما نسخ القرآن بالسنة ، فنسخ الوصية الوالدين والأقربين بقوله تظاهر : ((لا وصية لوارث(١))) لأن آية الميراث لا تمنع الوصية، إِذ الجمع بينهما ممكن . وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز نسخ السنة بالقرآن ، كما لا يجوز (١) وهو حديث صحيح، وقد ساق الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٠٣/٤، ٤٠٥ أسانيده عن أبي أمامة ، وعمرو بن خارجة ، وأنس وابن عباس وعبد الله بن عمرو ، وجابر ، وزيد بن أرقم والبراء ، وعلي بن أبي طالب ، وخارجة بن عمرو رضي الله عنهم من: واية أبي داود والترمذي وابن ماجة والنسائي والدار قطني وأحمد والبزار وأبي يعلى والحارث بن أبي أسامة والطبراني وابن عدي وابن عساكر ، وقد توسع في الكلام على طرقه فارجع اليه . - ١٤٩ - نسخ القرآن بالسنة ، خلافاً لغيره (١). ولا ينسخ الحكم بقول الصحابي ((نسخ حكم كذا)) ما لم يقل: ((سمعت رسول الله عٍَّ )، فإِذا قال ذلك، نظر في الحكم، إِن كان ثابتاً بخبر الواحد، صار منسوخاً بقوله ، وإِن كان قاطعاً ، فلا . ولا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد. والإِجماع لا ينسخ به ، إِذلا نسخ بعد انقطاع الوحي . وإِذا تناقض نصان ، فالناسخ هو المتأخر . ولا يعرف تأخره بدليل العقل ، ولا بقياس الشرع، بل يعرف بمجرد النقل، وذلك بطرق : الأول: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، كقوله ◌َّ ي: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) (٢). الثاني: أَن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ ، وأَن ناسخه متأخر. الثالث : أن يذكر الراوي التاريخ، مثل أن يقول: سمعت عام الخندق، (١) راجع الرسالة للامام الشافعي ص ١٠٦، ١١٠ بتحقيق العلامة أحمد شاكر. وقد ذهب بعض السلف إلى أن آية الوصية (كتب عليكم إذا حفر أحدكم الموت .... ) [البقرة: ١٨] على ظاهر ها غير أن الحكم الذي يستفاد منها - وهو وجوب الوصية للوالدين والأمر بين ولو كانوا وارثين - قد عمل به برهة، ثم نسخه الله أي خص منه بآية المواريث الوصية لوالدي الموصي وأقربائه الذين يرثونه وأقر فرض الوصية لمن كان منهم لايرته، وقد أكد هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله « إِن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» انظر الطبري ٣٨٨/٣، ٣٩٠ (٢) أخرجه مسلم في (صحيحه)) رقم (١٩٧٥) كتاب الأضاحي - باب ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وأصحاب «السنن»، من حديث بريدة رضي الله عنه . - ١٥٠ - أَو عام الفتح ، وكان المنسوخ معلوماً قبله . ولا فرق بين أن يروي الناسخ والمنسوخ راوٍ واحد ، أَو راويان. ولا يثبت التأخر إلا بطرق. مثل أن يقول الصحابي: ((كان الحكم علينا کذا ، ثم نسخ ، لأنه ربما قاله عن اجتهاد . ولا أن يكون مثبتاً في المصحف بعد الآخر ، لأن السَُّرَ والآيات ، ليس إثباتُها على ترتيب النزول، بل ربما قُدْمَ وَأُخْرَ . ولا أَن يكون راويه من أَحْدَاث الصحابة، فقد يَنقُلُ الصِيُّ عَمّنْ تَقَدَّمَتْ صحبَتُهُ ، وقد ينْقُلُ الأَكابر عن الأصاغر وبعكه. ولا أَن يكون الرَّاوي أَسْلَم عامَ الفتح ، إذ لعلَّه في حالة كفره ، ثم رَوَى بعد إِسلامه، أَو سَمِعَ من سَبَقَ بالإِسلام . ولا أن يكون الراوي قد انقطعت صُحبَتُهُ ، فرَمايظُنُّ أَن حديثه يتقدَّمُ على حديث من بقيت صحبته ، وليس من ضرورة من تأخّرَتْ صحبته أَن يكون حديثه متأخراً عن وقت انقطاع صحبة غيره. ولا أَن يكون أَحدُ الخبرين على وَفق قضيَّة العقل والبراءة الأصلية ، فرَما يظن تقدمه، ولا يلزم ذلك، كقوله مٍَِّّ: ((لا وُضُوءَ ◌َمَا مَسَّتْهُ النَّار))(١) (١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) بلفظ قريب منه من حديث أبي أمامة وفي سنده محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب كما قال الهيثمي في («المجمع» ٢٥٢/١ ونخ حديث («توضؤوا مما مست النار» الذي رواه مسلم ٢٧٣/١ وأبو داود ٧٩/١ والنسائي ١٠٥/١ ثابت بحديثين صحيحين، أولهما رواه أحمدفي ((المسند)) رقم ٢٣٧٧ من حديث ابن إسحاق حدثنا محمد بن عمروبن عطاء قال: دخلت على ابن عباس= - ١٥١ - لا يجب أنْ يكون متقدماً على إيجاب الوضوء مما مسَتَهُ النار، إذْ يَخْتَمِلِ أَنْه أُوجِبَ ثم ◌ُسِخَ . ثم النسخ في حق من لم يبلغه الخبر حاصل ، وإن كان جاهلاً به . وقال قومٌ: ما لم يبلغه لا يكون نَسْخاً في حقّه . الفصل الرابع في بيان أقسام الصحيح من الحديث والكذب ، وفيه أربعة فروع الفرع الأول : في مقدمات القول فيها اعلم أنه ليس كل خبر بمقبول ، ولا كل خبر بمردود ،ولسنا نعني بالقبول: التصدیق ، ولا بالرد : التكذيب ، بل يجب علينا قبول قول العدل ، وربما كان كاذباً أَو غالطاً ، ولا يجوز قبول قول الفاسق ، وربما يكون صادقاً . = ببيت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لند يوم الجمعة، قال: وكانت میمونة قد أوصت له به، فكان إذا صلى الجمعة بسط له فيه، ثم انصرف إليه، فجلس فيه للناس، قال: فسأله رجل وأنا أسمع عن الوضوء مما مست النار من الطعام ؟ قال: فرفع ابن عباس يده إلى عينيه وقد كف بصره ، فقال : بصر عيناي هاتان ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ لصلاة الظهر في بعض حجره، ثم دعا بلال إلى الصلاة ، فنهض خارجاً ، فلما وقف على باب الحجرة ، لقيته هدية من خبز ولحم بعث بها اليه بعض أصحابه، قال: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه، ووضعت لهم في الحجرة ، قال: فأكل وأكلوا معه ، قال: ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه إلى الصلاة ، ومامس ولا أحد ممن كان معه ماء ، قال: ثم صلى بهم ، وكان ابن عباس إنما عقل من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم آخره . والثاني حديث جابر ، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود ٨٨/١ والنسائي ١٠٨/١ وابن الجارود رقم ٢٤ والبيهقي ١٥٥/١، ١٥٦ كلهم من طريق شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والنووي . - ١٥٢ - وإنما نعني بالقبول : ما يجب العمل به ، وبالمردود : مالا تكليف علينا في العمل به . والأحاديث المخرَّجة في كتب الأئمة : منها ماهو صحيح، ومنها ما هو سقيم ، والفائدة في تخريج مالا يثبت إِسناده، ولا تُعَدَّلُ رُواته: أَن الجرح والتعديل مختلف فيهما . ومن الأئمة من رَأى الاحتجاج بالأحاديث المتكلّم فيها ، ومنهم من أبطلها. والأصل فيه: الاقتداء بالأئمة الماضين ، فإنهم كانوا يُحَدِّثون عن الثقات وغيرهم ، فإذا سئلوا عنهم؛ بيَّنوا حالهم . ألا ترى أنّ مالك بن أنس إمام أهل الحجاز بلا مدافعة ، قد روی عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، أَبي أُميَّةَ البصري وغيره ممن تكلموا فيه . ثم الإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام أهل الحجاز بعد مالك ، رَوَى عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وغيره من المجروحين ، والإِمامَ أبا حنيفة إمام أهل الكوفة ، رَوَى عن جابر بن زيد الجعْفِيِّ وغيره من المجروحين ، ثُمَّ بعده أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي ، ومحمد بن الحسن الشيباني رویا عن الحسن بن عمارة وغيره من المجروحين ، وكذلك من بعد هؤلاء من أمة المسلمين قرناً بعد قرن ، لم يخل حديث إمام من الأئمة عن مطعون فيه من المحدثين والأئمة . وفي ذلك غرض ظاهر ، وهو أن يعرفوا الحديث من أَين مخرجه ، وأَن المنفرد به مجروح أو عدل . - ١٥٣ - قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين، وسَجَرنا به التّنور، وأخرجنا به خبزاً نضجاً . وقال الحاكم رحمه الله: وأهل العراق والشام والحجاز يشهدون لأهل خراسان بالتقدُّم في معرفة الصحيح ، لسَبْق البخاري ومسلم إليه ، وتفرُّدهما به . [أَصح الأسانيد ] وأَصح الأسانيد فيما قيل(١): مالك عن نافع عن ابن عمر (٢). وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة(٣). والزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي . (١) قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند ١٣٨/١: لأئمة الحديث وحفاظه كلمات في أصح الأسانيد، فالامام أحمد واسحاق بن راهويه مثلا يذهبان إلى أن أصح الأسانيد باطلاق : الزهري عن سالم عن أبيه، والبخاري يذهب إلى أن أصحها باطلاق : مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي الترجمة التي اشتهرت عند المحدثين بأنها سلسلة الذهب. قال الإمام النووي في « التقريب» مع شرح الحافظ السيوطي في التدريب ص ١٩: والمختار أنه لا يجزم في اسناد أنه أصح الأ سانيد مطلقاً لأن تفاوت مراتب الصحة مرتب على تمكن الاسناد من شروط الصحة ، ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل واحد من رجال الاسناد الكائنين في ترجمة واحد ، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك ، إذ لم يكن عندهم استقراء تام ، وإنما رجع كل منهم بحسب ماقوي عندهم، خصوصاً اسناد بلده لكثرة اعتنائه به . فانتهى تحقيقهم إلى أنه ينبغي تقييد هذا الوصف بالبلد أو الصحابي ، ونصوا على أسانيد كثيرة ، بعضهم أطلق ، وبعضهم قيد . (٢) وأيوب عن نافع، عن ابن عمر ، ويحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر . (٣) والزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وحماد بن زيد عن أيوب، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة، واسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي ، عن أبي هريرة، ومعمر عن حمام ، عن أبي هريرة . - ١٥٤ - ومحمد بن سيرين عن عَبِيدَة عن علي (١) . ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة (٣). والزهري عن سالم عن أبيه(٣). (١) وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده ، عن علي، ويحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري ، عن سليمان بن بلال التميمي عن الحارث بن سويد عن علي . (٢) يقيد بما إذا صرح يحيى بن أبي كثير بالتحديث فانه موصوف بالتدليس (٣) وقد قالوا: أصح الأسانيد عن أبي بكر، اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر، وأصح الأسانيد عن عمر، الزهري عن عبيد الله بن عبد بن عتبة، عن ابن عباس عن عمر، والزهري عن السائب بن يزيد عن عمر . وأصح الأسانيد عن عائشة هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة، وأفلح بن حميد ، عن القاسم عن عائشة، وسفيان الثوري ، عن ابراهيم بن يزيد بن قيس ، عن الأسود، عن عائشة ، وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ، ويحي بن سعيد ، عن عبيد الله ابن معمر ، عن القاسم، عن عائشة، وأصح الأسانيد عن سعدبن أبي وقاص ، علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب ، عن سعد بن أبي وقاص ، وأصح الأسانيد عن ابن مسعود، الأعمش عن ابراهيم أن يزيد ، عن علقمة عن ابن مسعود، وسفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر ، عن ابراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود. وأصح الأسانيد عن أم سلمة، شعبة ، عن قتادة عن سعيد، عن عامر أخي أم سلمة، عن أم سلمة، وأصح الأسانيد عن أبي موسى الأشعري، شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبيه مرة، عن أبي موسى الأشعري ، وأصح الأسانيد عن أنس بن مالك ، مالك عن الزهري عن أنس، وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس ، ومعمر عن الزهري عن أنس ، وحماد بن زيد عن ثابت عن أنس ، وشعبة عن قتادة عن أنس، وهشام الدستوائي عن قتادة عن أنس ، وأصح الأسانيد عن ابن عباس، الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، وأصح الأسانيد عن جابر بن عبد الله، سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن جابر . وفائدة معرفة أصح الأسانيد مما ذكر وغيره أنه إذا عارضه حديث مما لم ينص فيه إمام على أصحيته عليه وإن كان صحيحاً ، فان عارضه مانص أيضاً على أصحيته، نظر إلى المرجحات ، فأيهما كان أرجح حكم بقوله ، وإلا رجع إلى القرائن التي تخف أحد الحديثين فيقدم بها على غيره . - ١٥٥ - الفرع الثاني : في انقسام الخبر إليها . الخبر ينقسم إلى : ما يجب تصديقه ، وإلی مایجب تكذيبه،والی مایجب التوقف فيه . فالأول : يتنوع أنواعاً . أولها : (ما أخبر عنه عدد التواتر، فيجب تصديقه ضرورة ، وان لم يدل علیه دلیل آخر . وثانيها : ما أخبر الله عنه ، فهو صدق بدلالة استحالة الكذب عليه . وثالثها: خبر الرسول ◌ََّله ، بدليل المعجزة على صدقه. ورابعها : ما أخبرت عنه الأمة ، إذ ثبت عصْمَتها بقول الرسول . وخامسها: كل خبر يوافق ماأخبَرَ الله عنه، أَو رسوله، أَو الأمة . وسادسها: كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله صَ لّه بمسمع منه ، ولم يكن غافلاً عنه ، فسكت عليه . وسابعها : كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه ، والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب ، والامتناع من السكوت . القسم الثاني : مايجب تكذيبه ، ويتنوع أنواعاً أولها : ما يعلم خلافه بضرورة العقل أَو نظره، أَو الحس، أَو أَخبار التواتر ، كمن أخبر عن الجمع بين الضدين ، ونحو ذلك . وثانيها : ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة والإجماع. - ١٥٦ - وثالثها : ماصرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب . ورابعها : ماسكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به ، مع جريان الواقعة بمشهد منهم ، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره ، لتوقّر الدواعى على نقله كما لو أخبر مخبر أَن أمير البلدة قتل في السوق على ملأٍ من الناس ، ولم يتحدث أهل السوق به ، فيقطع بكذبه . القسم الثالث : ما يجب التوقف فيه وهو جملة الأخبار الواردة في أحكام الشرع ماعدا القسمين المذكورين، مما لم يعرف صدقه ولا كذبه . قسمة ثانية أما التي يعلم صدقها . فمنها : ما يعلم ضرورة ، كالخبر بأن السماء فوق الارض . ومنها : ما يعلم باستدلال عقلي ، كالخبر بحكمة الله. ومنها : ما يعلم باستدلال سعي، كالخبر بوجوب الصلاة والصوم ونحوهما ومنها : ما يعلم بأمر راجع إلى المخبر ، وهو أن يكون ممن لا يجوز عليه الكذب . وهو نوعان : أحدهما : لا يجوز الكذب عليه أصلاً، وهو الله تعالى ، والرسول عَ له ، لصدقه بالمعجزة، وإجماع الأمة. - ١٥٧ - الثاني: لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر به وإِن جاز في غيره، وذلك أن يكون المخبر ممن لا داعي له إلى الكذب ، مثل أن يكونواجماعة لا يجمعهم داعٍ واحدٌ إلى الكذب . ومنها : ما يعلم صدقه من جهة السامع، مثل أن يخبر بحضرة من يدَّعي عليه العلم، ولم ينكره عليه، بشرط أن يكون السامعون جماعة لا يمسكها عن الإنكار رغبة ولا رهبة ، فإن من العادة إِنكارهم على من يخبر بالكذب عنهم . وأَما التي يعلم كذبها : فمنها : ما يعلم كذبه ضرورة واستدلالاً، عقلياً وسمعياً ، كماقلنا في الصدق. ومنها : ما يعلم كذبه بأمر راجع إلى الخبر وكيفية النقل ، بأن ينقل نقلاً خفياً ما كان من حقه أن ينقل نقلاً ظاهراً ، وقد توفّرت دواعي الدِّين أو العادة أو كلاهما على نقله ، كالنقل عن أصول الشرائع ، أو عن حادثة وقعت في بلدة عظيمة، أو معجزة الأنبياء . وأَما التي لا يُعْلَمُ صدقُها ولا كذبها، فهي أخبار الآحاد ، لا يجوز أَن يكونَ كلها كذباً، لأنَّ العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن يكون كلها كذباً، مع كثرة رواتها واختلافهم، ولا أن يكون كلها صدقاً، لأن النبي ◌ِّ له قال: ((سيُكذَب عليَّ بعدي)) ولأن الأمة كذبوا جماعةً من الرواةِ ، وحذفوا أحاديث كثيرة علموا كذبها فلم يعملوا بها . - ١٥٨ - قسمة ثالثة قسم يجب تصديقه ، وقسم يجب تكذيبه ، وقسم يحتملها على السواء ، وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر . فالأول والثاني : قد ذكرا فيما تقدّم . والثالث: خَبَرُ الفاسق ، فإنه يحتمل الصدق والكذب ، فإن كان صادراً عن غلبة عقله، فيكون صدقاً ، وان كان صادراً عن غلبة هواه، فيكون كذباً. والرابع : خبرُ العدل ، فإن جانب صدقه أرجح ، لظهور غلبة عقله على هواه ، اکنه غیر یقین . الفرع الأول : في أقسام الصحيح من الأخبار الصحيحُ من الأخبار التي يعمل بهما قسمان: مشهورٌ، وغريبٌ . فالمشهور ضربان : أحدهما : ما بلغ حدَّ التواتر ، والآخر : ما لم يبلغ حد التواتر . والغريب ضربان . أحدهما: مالم يدخل في حدّالإنكار ، والآخر : ما دخل في حد الإنكار. فالأول يسمى : علمّ يقين ، وهو أخبار التواتر . والثاني يسمى: علمَ طمأنينة، وهو أخبار الآحاد التي لم يختلف السلف فيها وفي العمل بها . والثالث يسمى : على غالب الرأي، وهو ما اختلف العلماء في أحكام الحوادث - ١٥٩- على ورود أخبار فيها متعارضة ، فقبلها بعضهم ، وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل. والرابع يسمى : علم ظن، وهو ماردَّه السلف من الأخبار التي يخشون منها الإثم على العامل بها ، لقربها من الكذب، كما يخشون الإثم على تارك العمل بالمشهور، لقربه من الصدق والمحدثون لا يطلقون اسم الصحيح الا على ما لا يتطرق إليه تهمة بوجه من الوجوه . وما ليس بصحيح ، فهو عندهم حسن،وغريب، وشاذ، ومعلل ، ومنفردبه، ولكل واحد من هذه الأقسام شرح وبيان نذكره في هذا الفرع. فلنقسم القول فيه الى قسمين : أحدهما : في الصحيح، والآخر : في الغريب ، والحسن . القسم الأول في الصحيح وينقسم إلى عشرة أنواع، خمسة منها مُتَّفَقُ على صحتها، وخمسة مختلف فی صحتها . النوع الأول : من المتفق عليه اختيار الإمَامَيْن أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين مسلم، وهي الدرجة العليا من الصحيح، وهو الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله عَّهِ ، وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالروايه عن الصحابة وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ - ١٦٠ -