Indexed OCR Text

Pages 81-100

الشيخ سمع ما قرأهُ .
هذا مُستَنْدُ ما ذهبوا إليه ، وإن كان أكثر العلماء والفقهاء والمحدثين
على الأول ، فإن نِسْبةَ هذه الجوائز المحتَمَلَةَ إلى الراوي أَقْرَبُ من نسْبتها
إلى الشيخ ، وَلَأَنْ يَغْلَطَ الراوي ويَسْهُوَ وَيُصَحْفَ؛ والشيخ لا يَغْفُل
عن سماعه، أَقْرَبُ وأمكنُ من جواز غَلَطِ الشيخ وسهوِه وتصحيفه
ونسبة الخلل في السماع ، ولكلِّ نظرٌ واجتهادٌ .
الطريق الثالثة :
سماعُ ما يُقرَأُ على الشيخ، ويَتتَزَّل منزلة القراءة عليه، لكنَّه ينقُص
عنها بأَنَّ السامعِ رَمًا غَفَل عن سماع بعض القراءةِ كما سبق، فأما
القارىء ، فلا يجري هذا في حقُّه ، ويجوز له أن يقول: حَدَّثَنا،
وأَخْبرَنا سماعاً يُقْرأ عليه .
الطريق الرابعة :
الإجازة : وهو أن يقول الشيخ للراوي شفاهاً، أو كتابةً ، أو
رسالةً: أجَزْتُ لك أن ترويَ عني الكتاب الفلانيّ، أو ما صح عندك
من مسموعاتي ، وعند ذلك يجب الاحتياط في معرفة المسموع ، أما
إذا اقتصر على قوله : هذا مسموعي من فلان ، فلا يجوز له الرواية
عنه ، لأنه لم يأذن له في الرواية .
وهذا تسليط من الشيخ للراوي على أن يقول: حَدَّثَنا وأخبرنا
- ٨١ -
٢ - ٦

إجازة ، أو أنبأنا ، على اصطلاح المحدثين كما سبق ، ويقيدها بالمشافهة ،
أو بالكتابة ، أو بالرسالة .
وقال قوم : لا يجوز فيما كان بالكتابة والرسالة أن يقول فيه :
حدثنا ، وإنما يقول: أخبرنا ، كما يقول : أخبرنا الله في كتابه ، وعلى
لسان رسوله ، ولا يقول فيه : حَدَّثَنا .
أما قوله في الإجازة: (( حَدَّثنا، وأخبرنا، مطلقاً، فجوَّزه قوم ،
وهو فاسد ، كما ذكرنا في القراءة على الشيخ .
وقال قوم : لا تحل الرواية بالإجازة ، حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب،
ثم يقول المجيز للراوي : أتعلم ما فيه ؟ فيقول : نعم ، ثم يجيز له الرواية
عنه به . فأما إِذا قال له المجيزُ : أجزتُ لك عني الحديث بما فيه ، والسامعُ
غير عالم به ، فلا يحِلُّ له ، كما أنه لو سمع ولم يعلم ، فلا يجوز له ، وكما
قالوا في القاضي : يشهد الشاهد على كتابه والشاهد لاعِلْمَ له بما فيه .
وهذا القول راجع إلى من جَعَل العلم والفقه ، ومعرفة حكم الحديث
ومعناه شرطاً في الرواية ، وقد سبق ذكره في الفرع الأول .
وأعلى درجات الإجازة المشافهة بها ، لانتفاء الاحتمال فيها .
ويتلوها : الرسالة ، لأن الرسولَ يضبط ويَنْطق.
وبعدهما : الكتابة ، لأن الكتابة لا تنطق ، وإن كانت تَضْبِطُ .
- ٨٢ -

ثم هذه الإجازة الجائزة ، إنما هي في حق الموجود والمعروف عارية
من الشرط .
وأما الإجازة للمعدوم والمجهول ، وتعليقها بالشرط ، ففيها
خلافٌ نذكره .
أما المجهول ، فمثل أن يقولَ المحدّث : أجزت لبعض الناس ، فلا
يصح ذلك ، لأنه لاسبيل إلى معرفة البعض الذي أجيز له .
وأما إجازة المعدوم ، فمثل أن يقول المحدث : أجزت لمن يولد
لفلان ، أو لكلّ من أعقب فلان ، أو لِعَقِبِ عقبه أبداً ما تناسلوا ، فقد
أجازه قوم ، ومنع منه آخرون .
وأما الإجازة المعُلَّقَة بشرط ، فمثل أن يقول المحدّث: أجزت لفلان
إن شاء ، أو يخاطب فلاناً ، فيقول : أجزت لمن شئت رواية حديثي ،
أو أُجزت لمن شاء ، فمنع منها قوم ، وأجازها آخرون .
وقال قوم : لاتجوز الإِجازة للمغدوم والمجهول، ولا تعليقُها بشرط،
لأنها تَحَمُّلٌ يُعتبر فيه تعيين المحتمل، وهذا هو الأجدرُ بالاحتياط،
والأولى بحراسة الحديث وحفظه (١) .
(١) قال ابن الصلاح في ((مقدمته) س١٥٢: إن الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير
أهل العلم من أهل الحديث وغيرم: القول بتجويز الاجازة، وإباحة الرواية بها، وفي الاحتجاج لذلك
غموض ، ويتجه أن نقول : إذا جاز أن يروي عنه مروياته، وقد أخبره بها جلة ، فهو كما لو أخبره
تفصيلاً، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقاً كما في القراءة على الشيخ كماسبق، وإنما الغرض=
- ٨٣ -

وقال قوم : إنما يجوز أن يُجيز لمن كان موجوداً حين إجازته ، من
غير أن يُعَلْق بشرطٍ أو جهالةٍ ، سواء كانت الإجازة بلفظ خاصٌ أو عامٌ.
أما الخاص : فقوله: أجّزْت لفلان بن فلان.
وأما العامَ : فقولهُ : أجَزْتُ لبني هاشمٍ ، ولبني تميمٍ، وكذلك إذا
قال : أجزْتُ لجماعة المسلمين .
هذا إِذا كان الذين أُجَازَ لَهُمْ مَوُجودين، والله أعلم
الطريق الخامسة : المناولة
و تُسمى: العَرْضُ، وصورتُهُ: أن يكون الرَّاوي مُتْقناً حافظاً،
فيقدُمُ المستفيدُ إليه جزءاً من حديثه ، أو أكثر من ذلك ، فیناوله إياه،
فيتَأْمُّلُ الراوي حديثَهُ، فإذا خَبَرَهُ وعرفَ أَنّهُ من حديثه ، قال
للمستفيد : قد وقفتُ على ماناوَ لتَنيه ، وعرفتُ ما فيه ، وأنه روايتي عن
= حصول الافهام والفهم ، وذلك يحصل بالاجازة المقيمة .
قال العلامة أحمد شاكر في شرح الألفية ص ١٣١ بعد أن نقل كلام ابن الصلاح المتقدم :
أقول : وفي نفسى من قبول الرواية بالاجازة شيء ، وقد كانت سبباً لتقاصر الهمم عن سماع
الكتب سماعاً صحيحاً بالاسناد المتصل بالقراءة الى مؤلفيها حتى صارت في الاعصر الاخبرة رسما
يرسم، لاعلماً يتلقى ويؤخذ. ولو قلنا بصحة الاجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين
او أشخاص معينين لكان هذا أقرب إلى القبول، ويمكن التوسع في قبول الاجازة لشخص أو أشخاص
معينين مع إبهام الشىء انجاز، كأن يقول له : أجزت لك رواية مسموعاتي أو أجزت رواية ماصح
وما يصح عندك أني أرويه . أما الاجازات العامة كأن يقول: أجزت لاهل عصري، أو أجزت لمن
شاء، أو لمن شاء فلان، او المعدوم، أو نحو ذلك ، فاني لا أُشك في عدم جوازها.
- ٨٤ -

شُيوخي، فحدّث عني بها (١).
قال الحاكم : أجاز ذلك خلق كثير من أئمة الحديث من أهل المدينة،
ومكة ، والكوفة ، والبصرة ، ومصر ، وخراسان، رأوا العرضَ سماعاً.
قال : وقد قال مُطرّف بن عبد الله: صحبتُ مالكاً سبْعَ عشرة سنة،
فما رأيتُه قرأ«الموطأ، على أحد، وسمعته يأبى أُشَدَّ الإباء على من
يقول : لا يجزئه إلا السَّماعُ ويقول : كيف لايُجْزِئك هذا في الحديث ،
ويجزئك في القرآن ، والقُرآن أعظَمُ ؟!
وقال غيرُ مُطرِّف، سُئِلَ مالك عن حديثه : أَسَاعٌ هو ؟ فقال :
منه سماع ومنه عَرْضُ ، وليس العرض عندنا بأدنى من السماع.
هذا مالكٌ سيد الناس في الحديث ، قال: وأما فقهاء الإسلام فلم
يَرَوْا العرض سماعاً .
وقال الغزالي رحمة الله عليه : صُورة المناولة أن يقول : خذ هذا
الكتابَ وحدِّثْ به عني ، ومجردُ المناولة دونَ هذا اللفظ لامعنى لها ، وإذا
وجد هذا اللفظ فلا معنى للمناولة .
وأصحاب الحديث يُرُّبون المناولة قبل الإِجازه، وهي عندهم أَعْلَى
(١) ولها صورة ثانية، وهي أن يعطي الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعاً مقابلا به، ويقول له:
هذا سماعي عن فلان فاروه عني ، أو أجزت لك روايته عني ، ثم يبقيه معه ملكاً له أو بعيره
أياه لينسخه ويقابل به ، ثم يعيده للشيخ . وسيذكر المؤلف ذلك عن الغزالي قريباً .
- ٨٥ -

دَرَجَةً منها .
ومنهم من ذهب إلى أنها أَوْقَى من السماع(١)، والظاهر أن المناولة أحوط
من الإجازة ، لأنَّ أقل درجاتها أنّها إِجازة مخصوصة محصورة في كتاب
بعينه ، يعلم الشيخ ما فيه يقيناً ، أو قريباً من اليقين ، بخلاف الإجازة ،
على أن الشيخ يشترط في المناولة والإجازة البراءة من الغلط والتصحيف ،
والتزام شروطِ روايَةِ الحديث ، فبهذه الشروط يخرج من العهدة ،
وحينئذ يجوز للرَّاوي أن يقول : حدثنا ، وأخبرنا ، مناولةً وعَرْضاً ؛
وأنبأنا مطلقاً ، باصطلاح المحدثين .
الطريق السادسة : الكتابة
لا يخلو أن يكون الكتاب تذكرة ، والرواية عن علم ويقين ، بعد
ما يتذكر بالنظر فيه ، أو يكونَ الكتاب إماماً لا يتذكر ما فيه ، فإِن
كانت تذكرة، قبلتْ روايته، لأنه لا فرق بين التَّذَكْرِ بالفِكر، أو
بمذكر آخَرَ ، إذ في الحالتين روى عن مذكر ، ولا يمكن اشتراط
أن لا يَنْسَى ، لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه ، وإن كان إماماً ،
فلا يَخْلو أن يكون كتابه بسماعه وخطُّه، أَوْ ستماعه بخَطُّ غيره، والخط
معروف، والكاتب ثقة، أو سماع أبيه (٢) بخطُ أبيه، أو راوٍ معروف
(١) قال النووي رحمه الله: الصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة.
(٢) في المطبوع «ابنه» وهو تصحيف.
- ٨٦ -

بالرواية ، معروف الخط .
وعلى ذلك ، ففيه خلاف ، فمن أهل الحديث من جعل الكتاب
كالسماع ، وقالوا: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطُه ،
أو كتاب أبيه بخطه، وله ثقة بعلمه بخطُ أبيه، حلّتْ له الرواية ، كما
لو سمعه وتذكر سماعَه ما فيهِ .
وعلى هذا يجب أن يحِلَّ له إذا عَلم أنه راوٍ معروف ، فلا فرق
بين خطّ أبيه وغيره ، وهذا القول يُجَوِّزُ له أن يرويَ بالخط ،
وإِن لم يتذكر.
ومنهم من قال : لا يجوز له الرواية إِنْ لم يتذكَّر ، لأن الخط لم
يوضع في الأصل إلا للتذكر .
وقيل : إِذا رأى خطَّه في كتاب ، أو خط من يعرفه ويثق إِليه ،
فلا يخلو : إما أن يعلم أنه سَمِعَه ، وإما أن يعلَم أنه لم يَسْمَعْ ، أو يظن أنه
لم يَسْمَعْ، أو يُجَوِّز من نَفسِهِ سماعَهُ أو عدم سماعِهِ على السَّواء، وإما أن
لا يذكر أنه سمع أو قرأ ، ولكنه غلب على ظنّه سماعه أو قراءته .
ففي الأول : تجوز الرواية .
وفي الثاني والرابع: لا تجوز له الرواية ، لأنه كيف يُخبرُ عما يَعْلمُ
كَذَبَهُ أو يشك فيه ؟!
وفي الثالث : اختلفوا ، فأجازه قوم ، ومنع منه آخرون ، لأن
- ٨٧ -

الرواية عن الغير حكم منه بأنه حدَّثه، فلا يجوز إلا عن علم، ولأن
الخطَّ يشبه الخطّ.
أما إذا قال الشيخ: هذا خَلِّي ، قُبل منه، لكن لا يَروي عنه ما لم
يُسَلْطْه على الرواية بصريح قوله، أو بقرينةٍ حاله، كالجلوس لرواية الحديث.
فإن قال عدلُ: هذه نسخةٌ صحيحة من ((صحيح البخاري )) مَثَلاً ،
فرأى فيها حديثاً ، فليس له أن يرويَهِ عنه، ولكن هل يلزمه العَمَلُ
به؟ إن كان مقلداً، فعليه أن يسأل المجتهد ، وإن كان مُجْتهداً، فقال
قومٌ : لا يجوز له العمل به مَالم يَسْمَعْهُ .
وقال قوم: إذا علم صحة النسخة بقول عدلٍ ؛ جاز له العمل (١) .
والقول الجامع لهذا : أنه لا ينبغي له أن يرويَ إلاَّ ما يعلم سماعه أولاً،
وحفظه وضبطه إلى وقت الأداء ، بحيث يتيقن أنَّ ما أدَّاهُ هو الذي
سمعه ؛ فإِن شك في شيء منه؛ فَلْيتْرُكِ الرواية .
أما إذا كان في مسموعاته عن شيخ حديث واحدٌ شَكَّ في أنه سمعه
(١) اذا وجد الشخص أحاديث بخط راويها سواء لقيه أو سمع منه أم لم يلقه ولم يسمع منه،
أو وجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين ، ففي هذه الانواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن
أصحابها ، بل يقول : وجدت بخط فلان اذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول : قال فلان ونحو
ذلك ، والقول بوجوب العمل بما في هذه الكتب هو الذي لايتجه غيره في الاعصار المتأخرة،
فانه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول ، لتعذر شرط الرواية فيها ،
فاذا اطمأن الباحث إلى صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه وكان ثقة مأمونا ، وجب أن يعمل بما فيه
من الاحاديث التي يصح سندها .
- ٨٨ -

منه أو من غيره، فلا يجوز له أن يقول : سمعت فلاناً ، ولا أن يقول:
قال فلان ، لأنه شاكٌّ ، ولا يجوز له أن يرويّ الحديث بالشك المطلق،
بل لو سمع من شيخ مائة حديث ، وعلم أن حديثاً واحداً لم يَسْمَعُه،
ولكنه التبس عليه ولم يعرفه، فلا يجوز له رواية شيء من تلك المائة عن
ذلك الشيخ ، لأنه ما من حديث منها إلا ويجوزُ أن يكون هو ذلك
المشكوك فيه .
أما إذا أنكر الشيخ الحديث ، فلا يخلو من ثلاث جهات :
الأولى: أن ینکرہ قولاً ، ولا يخلو ان ینکره إنکار جاحدٍ قاطعٍ
بكذب الرَّاوي ، وحينئذ لا يعمل به ، ولا يصير الرَّاوي مجروحا ،
أو ينكره إنكار متوقف، وقال: لست أذكره ، فيعمل بالخبر ، لأن
الراوي جازم أنه سمعه منه ، وهو ليس قاطعاً بتكذيبه .
وقال قوم : إن نسيان الشيخ للحديث يبطله ، ولَيْسَ بشيءٍ ، فإن
للشيخ أن يعمل بالحديث إذا رَوَى له العدلُ عنه ، ولهذا تفصيل آخر .
قالوا : ينظر الشيخ في نفسه (١)، فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان،
أو كان ذلك عادته في محفوظاته ، قبل رواية غيره عنه ، وإن كان رأيه
يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر ، رُدَّ ، فقلمًا ينسى الإنسان شيئاً حفظه
لا يَتَذَكَّرُ بالتذكير ، والأمور تبنى على الظواهر ، لاعلى النّوادر ،
(١) في المطبوع: «حديثه).
- ٨٩ -

وحينئذ يقول الشيخ : حدثني فلان عنّي أنني حدثته .
والجهة الثانية : أن ينكرَهُ فعلاً ، فإذا عمل الشيخ بخلاف الخَبَرِ ،
فإن كان قبل الرواية ، فلا يكون تكذيباً بوجه، لأن الظاهر أنه تركه
لما بلغه الخبر، وكذلك إذا لم يُعلم التاريخ، حُملَ عليه تحرياً لموافقة السنة.
وأما إذا كان بعد الرواية، نظر فيه، فإن كان الخبر يحتمل ما عمل
به بضرب تأويل ، لم يكن تكذيباً ، لأن باب التأويل في الأخبار غير
مسدود ، لكن لا يكون ◌ُحُجَّةً ، لأن تأويله برأيه لا يلزم غيره . وإن
كان الخبر لا يحتمل ما عمل به ، فالخبر مردود .
الجهة الثالثة : أن ينكره تركا ، فإِذا امتنع الشيخ من العمل
بالحديث ، ففيه دليل على أنه لو عرف صحته لما امتنع من العمل به ،
فإنه يحرمُ عليه مخالفتهُ ، مع العلم بصحته ، وله حكم الجهة الثانية .
الفرع الثالث
في لفظ الراوي وإيراده ، وهو خمسة أنواع
النوع الأول : في مراتب الأخبار ، وهي خمس :
المرتبة الاولى :
وهي أعلاها : أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله عَ ليه يقول
كذا، أو حدثني بكذا ، أو أخبرني بكذا ، أو شافهني بكذا ، وكذلك
غیر الصحابي من الرواة عمن رووا عنه ، فهذا لا يتطرق إليه احتمال ، وهو
- ٩٠ -

الأصل في الرواية والتبليغ والإِخبار .
المرتبة الثانية :
أن يقول الصحابي: قال رسول الله عَزٍّ كذا ، أو حدثنا ، أو
أخبرنا بكذا ، وكذلك غيرُ الصحابي عن شيخه ، فهذا ظاهره النقل ،
وليس نصاً صريحاً ، إذ قد يقول الواحد منا : قال رسول الله ، اعتماداً
على ما نقل إليه وإِن لم يسمعه منه ، فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك
اعتماداً على ما بلغه تواتراً أو على لسان من يثق إليه . ألا ترى أن ابن
عباس روى أن النبي ◌ٍَِّّ قال: إنما الربا في النَّسيئة» (١) فلما رُوجع فيه
قال : سمعته من أسامة بن زيد، وكذا غيره من الصحابة .
وهذا النوع وإِن كان محتملاً ، فهو بعيد ، لاسيما في حق الصحابي ،
فإن الصحابي إذا قال: قال رسول الله عَّ اللّه، فالظاهر من حاله أنه لم يقله
إلا وقد سمعه ، بخلاف من لم يعاصر النبي عبَّةٍ، لأن قرينة حاله
تُعرْف أنه لم يسمع، ولا يُوهم قوله السماع، والصحابي يوهم قوله السماع،
(١) أخرج البخاري ٣٠٣/٤ ومسلم ٢٦/١٢ أن أبا سعيد الخدري لقي أبن عباس ، فقال له :؟
أرأيت قولك في الصرف أشيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم شيئاً وجدثه في
كتاب الله عز وجل ! فقال ابن عباس : كلا لا أقول. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأنتم أعلم به ، وأما كتاب الله فلا أعلمه ، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (( ألا إنما الربا في النسيئة)). وإنما قال ابن عباس لابي سعيد: فأنتم أعلم به لكون
أبي سعيد وأنظاره كانوا أسن منه، وأكثر ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي السياق
دليل على أن أباسعيد وابن عباس متفقان على أن الاحكام الشرعية لا تطلب ألا من الكتاب والسنة .
- ٩١ -

فلا يُقدم عليه إلا عن سماعه. هذا هو الظاهر، وجميع الأخبار إنما نقلت إلينا
كذلك، إذ يقال: قال أبو بكر: قال رسول الله عٍَّ، وقال عمر:
قال رسول الله عَيْءٍ ، فلا يفهم من ظاهر ذلك إلا السماع ، وكذلك
حكم غير الصحابي فيما يرويه عن شيخه .
المرتبة الثالثة :
أن يقول الراوي: أمر رسول الله بطالي بكذا ، أو نهى عن كذا،
فهذا يتطرق إليه احتمالات ثلاثة .
أحدها : في سماعه ، كما في قوله .
والثاني : في الأمر ، إذ ربما يرى(١) ما ليس بأمر أمراً، فقد اختلف
الناس في قوله : افعل ، هل هو : الأمر ، أم لا ؟
فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر : لاحجة فيه ما لم ينقل اللفظ (٢).
والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا على تحقيقاً أنه أمر
بذلك ، بأن يسمعه يقول : أمرتكم بكذا وكذا ، أو يقول : افعلوا ،
وينضم إليه من القرائن ما يعرف به كونه أمراً ، ويدرك ضرورة
قصده إلى الأمر .
(١) في المطبوع ((يروي))
(٢) وهو ضعيف مردود، لاننا إذا عملنا بهذا الاحتمال لم تقبل إلا الرواية باللفظ النبوي، وبطلت
الرواية بالمعنى ، وهي أكثر الروايات ، والظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته الاوضاع
اللغوية أنه لا يطلق ذلك ألا فيا تحقق أنه أمر أو نهي وان لم يكن كذلك في نفس الامر ، ثم إنه
الاحتمال الذي استدل به بعض أهل الظاهر يجري في الخبر ،اذ يحتمل أنه ظن ماليس بخبر خبراً،
فلا وجه لتخصيص الامر .
- ٩٢ -

والثالث : احتمال العموم والخصوص . حتى ظن قوم أن مطلق هذا
يقتضي أمر جميع الأمة .
والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضاً ينبغي أن يتوقف في هذا،
إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمراً للأمة، أو لطائفة ، أو لشخص بعينه.
وكل ذلك يبيح له أن يقول: أمر ، فيتوقف فيه إلى الدليل ، لكن
يدل عليه أن أمره للواحد أمر للجماعة ، إلا إذا كان لوصف يخصه من
من سفر أو حيض(١)، ولو كان ذلك لصرح به الصحابي، كقوله: («أمرنا
إذا كنامسافرين ألاَّ نتزع خفافَنَا ثلاثة أيام ، (٢) نعم لو قال: أُمرنا بكذا
وُلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة، ◌ُمل عليه، وإلا
احْتُمِل أن يكون أمراً له ، أو للأمة ، أو الطائفة.
المرتبة الرابعة :
أن يقول الراوي : أمرنا بكذا ، نُهينا عن كذا ، أوجب علينا
كذا ، أبيح لنا كذا ، ◌ُظر علينا كذا ، من السنة كذا ، السنة
جارية بكذا .
فهذا جميعه في حكم واحد ، ويتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة التى
تطرقت إلى المرتبة الثالثة .
واحتمال رابع، وهو الآمر، فإنه لا يُدرى أنه رسول الله عَلَّه ،
(١) في المطبوع ((حضر))
(٢) أخرجه الشافعي، وأحمد ، والترمذي ، والنسائي وغيرهم من حديث صفوان بن عسال رضي
الله عنه، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وهو كما قال .
- ٩٣ -

أو غيره من العلماء .
فقال قوم : لا حجة فيه ، لأنه محتمل .
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله ، وأمر رسوله ،
لأنه يريد به إثبات شرع ، وإقامة حُجة .
وقال بعضهم : في هذا تفصيل ، وذلك إِن كان الراوي أبا بكر الصديق
رضي الله عنه، فيُحمل على أن الآمِرَ هو النبي صَلِّ، لأن أبا بكر
لا يقول : أمرنا، إِلا وآمِرَهُ النبي ، لأن غير التي لا يأمره، ولا يلتزم
أمرَ غيره ، ولا تأمّر عليه أحد من الصحابة . فأما غير أبي بكر ، فإِذا
قال: أُمِرْنا، فإنه يجوز أن يكون الآمر النبي عٍَّ وَغَيْرُه، لأن
أبا بكر تَأَمَّر على الصحابة ، ووجب عليهم امتثال أمره ، وقد كان
غيرُ أبي بكر رضي الله عنه من الصحابة أميراً في زمن رسول الله عَّ له
وبعده ، فيجوز أن يضاف الأمرُ إليهم .
أما إذا قال: أُبيح ، وأُوجب، وُظرٍ ، فيقوى في جانبه أن
لا يكون مضافاً إلا إلى التي تترائية، لأن الإيجاب والإباحة والحظر
إلى النبي عَظِلّهِ دون غيره، بخلاف الأمر، فإن الإمام قد يأمر بما يوجبه
الشرع، ولا يقال: أوجَبَ الإِمام ، إلا على تأويل إضافة الإيجاب إليه
بنوع من المجاز ، لصدور الأمر بالإيجاب عنه .
وأما قوله : من السنة كذا ، والسنة جارية بكذا ، فالظاهر أنه
- ٩٤ -

لا يريد إِلا سُنَّةَ رسول الله عَّهِ ، ومن يجب اتباعه دون غيره ، ممن
لا تجب طاعته ، ولا فرق أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله
عَطالته، أو بعد وفاته(١).
أما التابعي إذا قال: أُمِرنا ، فإِنما يحتمل أمر الرسول ، وأمر الأمة
بإجماعها ، والحجة حاصلة به ، ويحتمل أمر الصحابة ، ولكن لا يليق
بالعالم أن يطلق ذلك ، إلا وهو يريد من تجب طاعته ، لكن الاحتمال
في قول النابعي أظهر منه في قول الصحابي .
المرتبة الخامسة :
أن يقول الراوي : كنا نفعل كذا ، وغرضه تعريف أحكام الشرع،
فإِن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبي عنّ اله على
وَجْه ظهر للنبي ولم ينكره ، لأن تعريف الحكم يقع به (٢).
فإن قال : كانوا يفعلون كذا ، وأضافه إلى زمن رسول الله صلى الله
(١) إذا روى الصحابي حديثاً وقال التابعي الذي رواه عنه: يرفعه أو ينميه أو يبلغ به أو يرويه
أو قال الصحابي : من السنة كذا أو أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا، أو كنا نفعل ذلك على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كل ذلك ونحوه من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب
الحديث وهو قول أكثر أهل العلم. مثال ذلك قول أم عطية: أمرنا أن تخرج في العيدين العوائق
وذوات الخدور ، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين. وكقولها أيضاً : نهينا عن اتباع
الجنائز ولم يعزم علينا. وهما في («الصحيحين»، ولأني داود من حديث أبي هريرة: حذف السلام سنة.
(٢) وهذا له حكم الرفع أيضاً فيا رجحه الحاكم والرازي والآمدي والنووي في ((المجموع)» والعراقي
وأبن حجر ، لأن ذلك يشعر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه ،
وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة . ومثاله قول جابر رضي الله عنه : كنا نعزل على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم . متفق عليه.
- ٩٥ -

عليه وسلم ، فهو دليل على جواز الفعل ، لأن ذِكْره في مَعْرِضِ الحجة
يَدُل على أنه أَراد ما فعله الرسول، أَوسكت عليه)، دون ما لم يبلغه ،
وذلك يدل على الجواز ، مثل قول ابن عمر رضي الله عنهما («كنا نُفاضل
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنقول : خيرُ الناس بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان، فيبلُغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكره)) (١) وكقول أبي سعيد الخدري:
« كنا تُخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر في
ز كاة الفطر، (٢) .
فأما قول التابعي : كانوا يفعلون ، فلا يدل على فعل جميع الأمة ،
بل يدل على البعض ، فلا حجَّة فيه، إلا أن يصرِّح بنقله عن أهل
الإجماع ، فيكون نقلاً للاجماع .
(١) أخرجه البخاري في («صحيحه» ١٣/٧ بلفظ: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم . ورواه أيضاً ٤٦/٧ بلفظ: كنا
لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمالانفاضل
بينهم . ولابي داو ٥١١/٢٥ كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله
عليه وسلم بعده أبو بكر ، ثم عمر، ثم عثمان ، وزاد الطبراني في رواية: فيسمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك فلا بنكره .
(٢) في المطبوع ((صاعاً من بر)) وهو خطأ، والحديث أخرجه البخاري ٢٩٥/٣، ومسلم ٦٧٨/٢،
وأبو داود ١٥١/٢، ١٥٢، والترمذي رقم ٦٧٣ والنسائي ٥١/٥، وابن ماجة ٥٨٥/١
بلفظ: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير
حر أو مملوٍ صاعا من طعام ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر
أو صاعاً من زبيب ....
- ٩٦ -

وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي بيانه .
وقيل : إنه إذا قال : كانوا يفعلون كذا ، فإنه يفيد أن جميع الأمة
فعلت ذلك ، أَو فعل البعض ، وسكت الباقون ، أو فعلوا بأجمعهم
فعلاً على وجه ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليهم .
وبالجملة فإن الراوي إذا قال قولاً في محلِّ الاجتهاد، فلا يلزمنا تقليده،
لأنه يحتمل أنه قال عن اجتهاد ، واجتهاده لا يترجح على اجتهاد غيره ،
أما إذا قال قولاً لامحل للاجتهاد فيه ، فَحُسْن الظن يقتضي أنه ما قاله
إلا عن طريق ، وإذا بطل الاجتهاد تعين السماع.
النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث ومعناه .
لاخلاف بين العلماء أن المحافظة على لفظ الحديث وحُرُوفِه ونَقْطُه
وإعرابه أمرٌ من أمور الشريعة عزيز، وحكم من أحكامها شريف ، وأنه
الأولى بكلِّ ناقل ، والأجدر بكل راوٍ ، وحتى أوْجَبه قومٌ ، ومنعوا
من نقل الحديث بالمعنى .
والكلام في ذلك له تفصيل وشرحٌ ، فنقول :
قال العلماء : نَقلُ الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع
الخطاب ، ودقائق الألفاظ ، أما العالم بالفرق بين المحتمل وغير المحتمل ،
والظاهر والأظهر ، والعامّ والأعمّ، فقد جوز له ذلك الشافعي وأبو حنيفة
وجماهير الفقهاء : ومعظم أهل الحديث .
- ٩٧ -
م - ٧

وقال قومٌ : لايجوز إلا إبدال اللفظ بما يُرادفه ويُسَاويه في المعنى ،
كما يُبدل القعود بالجلوس، والعلم بالمعرفة، والقدرة بالاستطاعة، والخطر
بالتحريم ، ونحو ذلك . وعلى الجملة : فيما لا يتطرق إليه تفاوت في الفهم،
وإنما ذلك فيما فُهم قطعاً ، لافيما فهم بنوع استدلال يختلف فيه الناظرون.
فانقسم القول في هذا إلى أربعة أقسام :
الأول : أن يكون الخبر محكماً، وحينئذ يجوز نقله بالمعنى لكل
من سمعه من أهل اللسان ، لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً دائماً ، فإذا تعين
معناه ، ولم يقع الخلل في الوقوف عليه من عرف اللسان ، رخص (١)
في نقله بالمعنى لحصول الغرض منه بلفظ آخر .
الثاني : أن يكون الخبر ظاهراً، ويحتمل غير ما ظهر ، فلا يجوز
النقل بالمعنى إِلا للفقيه العالم بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد ، لأن المعنى
وإن ظهر منه بظاهره ، فقد احتمل مجازه ، والخصوص في عمومه ، فلا
يرخّص في نقله بالمعنى إِلا للعالم بطرق الدين والفقه ، حتى يأمّن إِذا
كاه لفظاً آخر من الخلل ، فلعل الجاهل بالفقه يكسوه لفظاً لا يحتمل
صرف مجازه ، ولا صرف خصوصه ، ويكون المراد باللفظ المسموع ،
مجازَه أو خصوصَه ، فتفوتُ الفائدة ، أو يَنْقله بلفظ أعم من اللفظ
(١) في المطبوع ((وخس ))
-- ٩٨ -

لجهله بالفرق بين الخاص والعام، فيوجب مالا يوجبه الأول ، فيلزمه
المحافظة على اللفظ .
الثالث : أن يكون الخبر مشتركا أو مشكلا ، فلا يجوز النقل
بالمعنى على جهة التأويل ، لأنه لا يوقف على معناه والمراد منه إلا بنوع
تأويل، وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره، فإنه يكون ضرباً من القياس،
فلا يحل نقله إلا باللفظ المسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد
القسمين الأولين اللذين يحلأن له .
الرابع : أن يكون الخبر مجملا ، فلا يُتَصوَّر نقله بالمعنى، لأنه
لا يوقف على معناه: وما لا يوقف على معناه ، فلا يتصور نقله بمعناه ، فيكون
الامتناع بذاته لابدليل يحجر الناقل عنه ، ويكون ضرباً آخر من الحجّة
غيرِ الضَّرْب الأول .
والقول الضابط في نقل الحديث بالمعنى : أن اللفظ إذا كان ما يجب
نقله للعمل بمعناه، فَوْقِفَ على معناه حقيقة، ثم أُدْي بلفظ آخر بغَيْر
خلل فيه ، سقط اعتبار اللفظ ، فالنقل باللفظ عزيمة ، وبالمعنى رخصة
في بعض الأخبار ، على التفصيل المذكور .
ويدل على ذلك : جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم ، فإذا جاز إبدال
العربية بالعجمية ، فَلأَنْ يجوزَ بالعربية أولى .
وذلك لأنا نعلم أنه لا تعَبُّد في اللفظ، وإنما المقصود هو المعنى
- ٩٩ -

وإيصاله إلى الخلق ، وليس ذلك كالتشهد والتكبير وما تُعبِّدَ لله
فيه باللفظ".
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نَضَّر (٢) الله امرءاً
سمع مقالتي فوعَاءا ، فأدَّها كما سَمِعَها، فرُبَّ مبلغ أوعى مِنْ سَامِع،
ورُبَّ حامل فِقْهٍ وليس بفقيه، وربَّ حامِلِ فِقْهِ إلى من هو أفقه منه، (٣
قلنا : هذا الحديث هو الحجة ، لأنه ذكر العلة ، وهي اختلاف
الناس في الفقه ، فما لا يختلف فيه الناس من الألفاظ المرادفة لا يمنع منه.
وهذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد ، وإن
أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول الرسول صلى الله عليه وسلم في
أوقات مختلفة ، لكن الأغلب أنه حديث واحد ، نقل بألفاظ مختلفة،
وذلك أول دليل على الجواز .
(١) ذكر العلماء أن هذا الخلاف لا يجري في ثلاثة أنواع. النوع الاول: ماتعبد بلفظه كالتشهد والقنوت
ونحوهما، صرح به الزركشي. والنوع الثاني: ماهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم التي افتخر
بانعام الله عليه بها،ذكره السيوطي في ((التدريب)). والنوع الثالث: ما يستدل بلفظه على حكم
لغوي الا أن يكون الذي ابدل اللفظ بلفظ آخر عربيا يستدل بكلامه على أحكام العربية،
ذكره جمهور النحاة . وهذا الخلاف أيضاً لا يجري في الكتب المصنفة ، فأنه لا يجوز فيها ابدال
لفظ بلفظ آخر وإن كان مرادفاً له ، لان الرواية بالمعنى إنما رخص فيها من رخص حين كان
الحرج شديداً على الرواة في ضبط الالفاظ، وهذا غير موجود في ما اشتملت عليه الكتب .
(٢) جاء في ((النهاية)) نضره ونضره وأنضره، أي أنعمه، ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة،
وهي في الأصل حسن الوجه والبريق ، وإنما أراد حسن خلقه وقدره .
(٣) أخرجه الترمذي رقم ٢٦٥٩ ، وابن ماجة ٨٤/١ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح ، وفي الباب عن زيد بن ثابت ، عند الترمذي
وابن ماجة، وصححه ابن حبان، وعن جبير بن مطعم عند أحمد وابن ماجة .
- ١٠٠ -