Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَامِعُ الأَعَلَيْثُ القُدْسِيّةُ مَوسُوعة جامعة مشروحة ومُحققة تأليف أبو عبد الرحمن عِصَام الدين الصّبابطى المجلد الأول (جزء ٢٠١) ٤٠ فَأَمَّا الزَُّ فَيَذْ هَبُ جُفَاًهُ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ (الرعد / ١٧) إهداء إلى أقرب الناس من قلبى، وأولاهم بحبى .. مَنْ وسعتنى رحمتهما صغيراً، وأسعدتنى صحبتهما كبيرا .. إلى والدىّ الكريمين. ثُمَّ إلى جميع أحبتى من: زوج، وولد، وأخ، وأخت، وقريب، وجار، وصاحب، .. وإلى سائر المسلمين فى الأرض . على طريق الله نبراساً يضيىء للنفس البشرية جوانب الخير والرشد والفلاح .. وعسى ألا تقوتنى من بعضهم دعوة صالحة قد يحجب الله بها عنى غاشية العذاب، أو يجزينى بها حسن الثواب .. إليهم جميعاً أهدى هذا الكتاب،،، و کتبه عصام الدين بن سيد بن عبد رب النبى ٣ بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُنُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ﴾ ( آل عمران / ١٠٢). يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثُّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىِ تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْرَقِيبًا ﴾ (النساء / ١). يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَقُولُهُ لِ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزَاعَظِيمًا ﴾ ( الأحزاب / ٧٠) *. (*) هذه الخطبة تسمى عند العلماء بـ ((خطبة الحاجة)) وهى تشرع بين يدى كل خطبة سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو نكاح أو درس أو محاضرة. انظر مقدمة السلسلة الصحيحة للألبانى . أما بعد ... فإن قوة هذه الأمة فى ولائها لربها .. وترابطها فى ارتباطها بدينه .. وعزتها فى إعزازها لكلماته .. وشرفها فى دعوتها إليه .. ورخاءها فى طاعته .. وعافيتها وأمنها فى اعتصامها به .. والخير جميعاً فى إيمانها وعملها بكتاب الله وسنة رسوله وقد آمنت أمة محمد وَّله فى عهدها الأول بذلك كله، فعضت بنواجذها على كتاب ربها وسنة نبيها، وقبضت على دينها قبضة المؤمن الموقن بجمال وكمال دينه، وصلاحه لقيادة الحياة وهداية الناس، فعاش الكتاب والسنة حينذاك فى القلوب إيماناً وعقيدة، وفى العقول فكراً وثقافة، وفى النفوس واعظاً ومربياً، وبين الناس حاكماً وقاضياً، وبالجملة كانا فى حياة المسلمين روحاً وغاية وفى جماعتهم بنيةً وقواماً وشريعة ونظاماً. ولما كان ذلك هو حال أمة الإسلام أعزها الله بعزه وحماها بحمايته وأيدها بجنود من عنده وحقق فيها وعده كما قال تعالى: !٠٠٦/٧ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِنْ تَنْصُرُواْاللَّهَيَصُرُّكُمْ وَيُنَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد / ٧) ٦ وأفاض عليها من بركات السماء والأرض فأكل المسلمون من فوقهم ومن تحت أرجلهم قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّ ءَامَنُواْ وَأَتَّةً إِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ ( الاعراف / ٩٦) وقال : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّتِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَ مِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة / ٦٦) فلما وهنت عضتها على دينها، وتداعت قبضتها على الكتاب والسنة، وراحت تهتدى بغير هدى الله، وتصدر عن غير نهجه، وتحتكم إلى غير حكمه، وتركت الدعوة إليه والجهاد فى سبيله أفل عزها وغرب مجدها، وامتدت إليها يد الأعداء تفرق وحدتها، وتستأصل شوكتها، وتسلب خيراتها، وتنتهب ثرواتها، وتستذل أبناءها، وتسعى إلى محو عقيدتها وطمس تراثها وتغيير هويتها وتزوير تاريخها حتى أصبحت قوة هذه الأمة العظيمة وأمجادها حكاية من حكايات الماضى وذكرى من ذكريات التاريخ. إلا أنَّ المتأمل فى تاريخ الأمم وحضارات الشعوب يجد أن حضارات الأمم السابقة قد اندحرت وبادت بعدما عزت وسادت لأنها لم تكن تملك رصيداً حقيقياً من الخصائص والمؤهلات التى تتيح لها البقاء، وتمدها بروح النماء ذلك لأنها - فى أساسها - ولدت موقوتة بفترة محدودة بحالة قد أفرزتها إلى الوجود أسباب سياسية أو اقتصادية أو تقلبات اجتماعية طارئة ، فلما دارت دورة التاريخ انقضت فترتها وانتهت حالتها وتغيرت أسبابها فانتهى حينئذ دورها، وفقدت أهليتها للبقاء ٧ وقدرتها على الاستمرار فاندثرت وبادت ولم يبق منها إلا آثار وأطلال تحكى لمن بعدها من الأجيال قصة مجد بائر وعز غابر. ولكن الأمر مختلف تماما بالنسبة إلى أمة الإسلام، فإن هذه الأمة العظيمة لم تقم على أساس حضارى مادى متقلب تعصف به عواصف التاريخ وتطويه حركته المتغيرة، ولكن قوة هذه الأمة وحضارتها ترجع إلى الإسلام وهو دين سماوى ووحى إلهى أنزله الله الذى خلق الكون ودبر حركته وسير نظامه وأجرى سننه فجعل الإسلام صالحاً لكل زمان مناسباً لكل مكان، لا تذهب به العواصف ، ولا تبليه الحوادث . وعلى ذلك فإن أسس وجود هذه الأمة وعوامل قوتها وازدهارها ومقومات رسالتها ودعوتها - وهى مصادر الإسلام المتمثلة فى الكتاب والسنة - لا تزال حية باقية قادرة على النماء والعطاء لم تخلص إليها يد الشر والعدوان - على كثرة مادبرت وكادت- بسوء لأنها ربانية محمية بحماية الله، محفوظة بحفظه، وهذه خصيصة خص الله بها هذا الدين، وشرف كريم شَرَّف الله به هذه الأمة. قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَفِظُونَ ( الحجر/ ٩) فإن كتاب الله عزَّ وجلَّ قد يسَّرَ اللهُ له من الدواعى الملزمة بحفظه، ومهَّد له من الأسباب القاضية بحراسته، مع إحاطته بعنايته وإرادته ماعصمه الله به من الضياع والفقد، والزيادة والنقص، والتحريف والتبديل . والحقيقة التى تستعصى على الشك والجدل أن القرآن الذى تتلوه أمة محمد ◌َّ له اليوم هو بلفظة ومعناه بل وبطريقة أدائه ونطقه وترتيب ٨ آياته وسوره هو القرآن نفسه الذى كان النبى وَ اله يتلوه على أصحابه سواءاً بسواءٍ كما جاءه به جبريل عليه السلام من لدن حكيم حميد. أما السنة النبوية المطهرة فهى محفوظة فى جملتها بحفظ الله عز وجل لم يضع منها شىء، ذلك لأن إرادة الله سبحانه وتعالى حفظ الذكر تقتضى أيضاً حفظ السنة لأنها مبينة له: ففيها شرح مقاصده وتفصيل مجمله وتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه والدليل على منسوخه، وتلك حكمة مرادة أن يكون النبى وعَّله مبيناً عن ربه شارحاً لكتابه. قال تعالى : ﴿وَنَّنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل / ٤٤) فضياع السنة إذن - بغير شك- ضياع لجملة من الدين . ولقد حاول بعض المفسدين لأسباب مختلفة أن يدسوا فى السنة ماليس منها فحدثوا كذبا على رسول الله وعَ ظله، وتقولوا عليه مالم يقل فوضعوا ألوفا من الأحاديث المكذوبة على لسانه، ولكن شاء الله تبارك وتعالى أن يحفظ لهذه الأمة دينها فقيض للسنة رجالا أفذاذاً من خيرة المسلمين ديناً وأمانة وكفاءة فوضعوا أدق المناهج العلمية وأعظم القواعد النقدية التى يتميز بها الحديث الصحيح من غيره ثم عكف هؤلاء الأئمة الأفذاد على جمع الحديث وطلب أسانيده وقاموا بتدوينه ونقد رجاله وتمحيص متونه وأقاموا صرحاً شاهقاً من العلوم والمؤلفات الحديثية فألَّفوا فى صحيحه وضعيفه وعلله ورجاله وطبقات رواته وسائر فنونه التى تيسر للباحث التمييز بين مايصح نسبته إلى النبى وَّه وما لا يصح نسبته إليه. والناظر بعين الإنصاف إلى هذه المؤلفات الكثيرة القيمة - فى فنون الحديث وعلومه - يدرك أنه لم يتوفر لشىء من الكتب على ٩ وجه الأرض بعد كتاب الله عز وجل ماتوفر للسنة النبوية من منهج دقيق وتطبيق واع وصدق بالغ واتقان كامل وحرص شديد على حفظها وصيانتها . ولا يفوتنى عندئذ أن أنبه على ضرورة أن يتحرى المسلمون فى رواية الحديث والاستشهاد به أو استخدامه فى الوعظ والتعليم وغير ذلك فلا يذكروا على لسان النبى وَّه إلا ما يستوثقون من قبوله وعدم رده، ويتأكدون من توثيق أهل العلم لإسناده. ولهذا فإننا حرصنا فى كتابنا هذا - جامع الأحاديث القدسية - لعلمنا أن الأحاديث القدسية كثيراً مايستخدمها الوعاظ والخطباء فى مواعظهم وخطبهم لحب العامة لها وإقبالهم عليها - أن نبين ما استطعنا - والفضل كله لله - مصدر كل حديث ودرجته حتى يكون القارىء على بصيرة من أمره نبتغى بذلك وجه الله والذبّ عن سنة رسول الله والله هو الهادى إلى صراط مستقيم. هكذا يطمئن العقل المنصف والقلب المؤمن إلى صحة الكتاب والسنة. وهما مصدر الخير والبركة للمسلمين. فمنهما يستمد المسلمون عقيدتهم الصافية ودعوتهم السامية ومنهما يأخذ المسلمون أحكام عبادتهم وأمور شريعتهم، وعلى ضوئهما يتربى المسلمون خلقاً سامياً وسلوكاً فاضلاً ونظرة واسعة شاملة للإنسان والكون والحياة، ومن الكتاب والسنة تقوم الأسس الموجهة إلى وحدة المسلمين وترابطهم وقوتهم، والداعية إلى نهوضهم برسالة الهداية للعالمين. وإذن يبدو جليا أن ضعف أمتنا اليوم لا يرجع إلى عيب فيما تمتلك أمتنا من مقومات قادرة على هداية الناس وقيادة الحياة، وإنما العيب ١٠ - على وجه التأكيد- يكمن فى غفلتنا عن هذه المقومات، والتفاتنا بعيداً عن هذه الهدايات . ولا يزال داع من القرآن والسنة يدعو أمة الإسلام إلى العودة إلى الكتاب والسنة والعضِّ عليهما والانطلاق بهما لهداية الناس أجمعين . والواقع يؤكد أن العالَمَ اليوم فى حاجة ملحة لما فى الكتاب والسنة من نور وخير وهدى ينقذه مما يعانيه من ضلال فى العقيدة واضطراب فى الفكر وفساد فى الأخلاق وتمزق فى الروابط والعلاقات یكاد يودى بحضارته وتقدمه ويقوده إلى الخراب والدمار. ١١ الحديث القدسی تعريفه :- هو مارواه النبى وَّ له عن ربه تبارك وتعالى على غير النسق القرآنى ونظمه وإعجازه، ولكنه فى نظمه وأسلوبه بسائر الحديث النبوى أشبه . وهو يعد فى جملة السنة النبوية لكون راويه هو النبى وَ له ، وله صيغ متعددة يعرف بها وقد استقصيناها فى كتابنا هذا ولله الحمد والمنة، وقد اختلف العلماء فى كون نسبته إلى الله سبحانه وتعالى بلفظه ومعناه أو بمعناه دون لفظه، وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى فى آخر هذه المقدمة . صیغه : -. أكثر الصيغ التى يعرف بها الحديث القدسىّ وأشهرها ؛ ما كان صريحاً فى بيان هذه النسبة مثل قول النبى وعَ ظله: ((قال الله : .... )) أو ((يقول الله :.... )) أو ((قال ربكم :.... )) أو ((يقول ربكم :.... )) أو ((أوحى الله .. أن ... )) أو ما أشبه ذلك من الصيغ التى تثبت القول للرب تبارك وتعالى عن طريق إسناد فعل القول - أو ما يؤدى معناه - إسناداً صريحاً إليه . ١٣ وهناك صيغ أخرى يعرف بها الحديث القدسى عن طريق الدلالة منها : (١) ما أوردناه فى كتابنا هذا برقم (٦١٩) من رواية ابن حبان فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلهر: ((يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط ، فيقال: يا أهل الجنة! فينطلقون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذى هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار! فينطلقون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من مكانهم الذى هم فيه، فيقال: [هل تعرفون هذا؟] فيقولون: [نعم ربنا هذا الموت]، فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين: كلاهما خلود ولا موت فيه أبداً)). ففى هذا الحديث يقول النبى وَ له: ((فيقالُ)) هكذا على مالم يسمَّ فاعله، فلم يحدد لنا النبى ◌ّ لفر من الذى نادى أهل الجنة وأهل النار فسألهم جميعاً عن الموت قائلاً لهم: ((هل تعرفون هذا؟)) فلم نعرف هل هو الحق تبارك وتعالى؟ أم هو ملك من ملائكته ؟ حتى ورد فى الحديث جواب أهل الجنة وأهل النار لهذا السائل قائلين: ((نعم ربنا)). فدل جوابهم هذا على أن الذى خاطبهم بالنداء والسؤال هو المولى عز وجل، فعرفنا حينئذ أن الحديث قدسیّ بهذه الدلالة . ١٤ (٢) ما أوردناه فى كتابنا هذا برقم (٦١١) من رواية ابن أبى الدنيا وابن النجار من حديث أنس بن مالك قال : ((إذا كان يوم القيامة دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وبقى الذين عليهم المظالم [نادى مناد من تحت العرش ]: يا أيها الجمع تتاركوا المظالم [وثوابكم علىّ])). فإن قوله فى هذا الحديث: ((نادى مناد من تحت العرش)) لم يعرف منه أن صاحب النداء هو الرب تبارك وتعالى إلا من قوله فى ندائه: ((وثوابكم علىّ)) فإنه لا يصح أن يكون ذلك إلا :الله عز وجل فالحديث - على افتراض صحته- قدسىّ بهذه الدلالة . وهناك أحاديث ربما يظنها البعض أحاديث قدسية وهى فى الحقيقة ليست كذلك فلم نوردها فى كتابنا هذا مثال ذلك : (١) ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه (جـ١ ص٣٢٩) قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وعمرو الناقد جميعا عن هشيم قال ابن الصباح حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله عز وجل : ﴿وَلَ تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتِْهَا ﴾ [ الإسراء / ١١٠]. قال: نزلت ورسول الله فَّله متوار بمكة فكان إذا صلَّى ١٥ بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه وَله : ولا تجهر بصلاتك فیسمع المشركون قراءتك، ولا تخافت بها عن أصحابك أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر وابتغ بين ذلك سبيلاً. يقول : بين الجهر والمخافتة . فإن قول ابن عباس فى الحديث: ((فقال الله تعالى لنبيه وَاخيه: ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون ... )) ليس من كلام الرب تبارك وتعالى إنما هو تفسير الصحابى للآية (٢) مارواه البخارى فى صحيحه (جـ٨ ص١٢٨) قال: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا جعد أبو عثمان حدثنا أبو رجاء العطاردى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى وَلَ﴾ [فيما يروى عن ربه عز وجل] قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثمَّ بين ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هوهمّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة)). ١٦ وكذلك رواه مسلم فى صحيحه (جـ١ ص١١٨) من طريق عبد الوارث أيضاً بهذا الإسناد بمثله . وهذا الحديث مع أن سياقه - كما هو ظاهر - للنبى عليه ، وجملة ألفاظه مسندة إليه إلا أنَّ لجنة القرآن والحديث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية قد عدَّت كلاً من رواية البخارى ومسلم له حديثاً قدسياً !! وجعلتها ضمن أحاديث كتابها ((الأحاديث القدسية)) برقمى (٣٦)، (٤٢) ذلك لما ورد فى الحديث من قول راويه: ((عن النبى وَل فيما يروى عن ربه عزّ وجلّ ... )) ولكننا لم نعده ولا ما أشبه ضمن كتابنا ((جامع الأحاديث القدسية)) وحملنا قول الراوى فى الحديث: ((عن النبى وَ لّ فيما يروى عن ربه عز وجل)) على أن معنى الحديث ليس من اجتهاد النبى وَ له وإنما أوحى إليه به من ربه عز وجل . (٣) ما رواه النسائى فى سننه (جـ ٢ ص ١٥٢ : ١٥٣) باب (جامع ما جاء فى القرآن) بإسناده عن أبي بن كعب رضى الله عنه أن رسول الله وَ له كان عند أضاة بنى غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال : ((إن الله عز وجل يأمرك أن تقرىء أمتك القرآن على حرف، قال: أسأل الله معافاتَةُ ومغفرتَهُ، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرىء أمتك القرآن على حرفين، قال: أسأل الله معافاته ومغفرته، ١٧ وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرىء أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرىء أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا)). وقد ورد هذا الحديث فى كتاب ((الأحاديث القدسية)) للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برقم (٢٨٣) على أنه حديث قدسى وهو ليس كذلك فليس فيه من اللفظ المنسوب - صراحةً - للرب عز وجل شىء !! (٤) ما ورد أيضاً فى كتاب ((الأحاديث القدسية)) للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برقم (٤١) معزواً لمسلم فى صحيحه : ((قال رسول الله وَظله: إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى)). ولا أدرى لأى شىء عُدّ هذا حديثاً قدسياً !! مظانه :- الحديث القدسى مبثوث فى مدونات السنة ومصنفاتها المختلفة من مسانيد وسنن ومعاجم وجوامع وغيرها لايتميز دون سائر أحاديثها فى باب مستقل أو موضع محدد. وقد قام بعض العلماء ١٨ بجمع طرف منها كل بحسب ماتيسر له فى كتب مستقلة سنشير إليها فى موضع آخر. طريقة نقله :- هو منقول بطريق الآحاد كعامة الأحاديث النبوية ولذا فإنه يطرأ عليه ما يطرأ عليها من صحة وحسن وضعف ووضع، بل إنه الإقبال العامة عليه كان مجالاً لاختراع الكذابين واختلاق الوضاعين مما يستلزم ضرورة النظر فى أسانيده وفحص متونه ليعرف صحيحه من سقيمه . منزلته :- ليس للحديث القدسىّ قوة إعجاز خاصة كالقرآن الكريم، ولكنه لجلالة نسبته، ولطف موضوعه كان له موقع خاص فى السمع، واستقبال متميز فى النفس، وأثر ظاهر فى الشعور والوجدان . وأغراضه :- موضوعه الحديث القدسىّ لا يتعرض لتفصيل الأحكام الفقهية، ولا لبيان الشرائع التعبدية كالحديث النبوى، ولكنه يركز على بناء النفس الإنسانية وتقويمها وتربيتها على الأغراض الشرعية والمقاصد الربانية فتجده وارداً فى حضّ النفس على الطاعات والمندوبات، وفى تحذيرها من المعاصى والمنكرات، وفى الدعوة إلى الخير والفضيلة ومكارم الأخلاق، وفى توجيه النفس إلى ١٩ حب الله وطلب رضاه، وفى الترغيب فى الجنة والتخويف من النار، وبالجملة فإنه يدور فى فلك الوعظ والتوجيه والتربية . أهم المؤلفات فيه: قد سبق فى التأليف فيه ((محيى الدين بن العربى)) فى القرن السادس الهجرى فجمع فيه مائة حديث وحديث فى كتاب أسماه: ((مشكاة الأنوار فيما روى عن الله سبحانه من الأخبار)) ثم تبعه الشيخ ((عبد الغنى النابلسى، ثم الشيخ ملا على القارى المتوفى سنة ١٠١٤ هـ نقل الزركلى أنه ألف أربعين حديثاً مخطوطة فى الأحاديث القدسية . ولكنّ أهمّ المؤلفات فيه وأشهرها وأكبرها : (١) كتاب ((الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية)) للحافظ المناوى المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ وعدة أحاديثه مائتان واثنان وسبعون حديثاً مرتبة على الحروف. (٢) كتاب ((الإتحافات السنية فى الأحاديث القدسية)) للشيخ محمد المدنى وقد ضمتّه ثمانمائة وأربعة وستين حديثاً رتبها على ثلاثة أبواب : : أولها ما كان مبدوءاً بلفظ (قال)، والثانى ما كان مبدوءاً بلفظ (يقول)، والأخير مالم يكن مبدوءاً بواحد منهما وهذا الأخير مرتب على الحروف مع مراعاة الحرف الثانى . ومما يجدر التنبيه إليه أن أحاديث هذه الإتحافات لم تؤخذ من ٢٠