Indexed OCR Text

Pages 421-440

◌ِبَادِيَةٍ كَانُوا عَلَى مَا أَحْبَيْتُ مِنْ طَاعَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْهَا إِلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ مَعْصِيَتِي إِلَّ
تَحَوَّلْتُ لَهُمْ عَمَّا يُحِبُّونَ مِنْ رَحْمَتِي إِلَى مَا يَكْرَهُونَ مِنْ غَضَبِي)) . ( ابن مردويه) .
٨٥٩٦ - عَنِ الْيمان بن حذيفةَ ، عَنْ عَليٍّ بن أَبي حنظلَةَ مَوْلَى عليّ بن أبي
طَالِبٍ عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنٍ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ قَالَ: ((إِنَّ
أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ خَصْلَتَانِ : إِتَّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأُمَلِ، فَأَمَّ اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ
يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا ◌ُولُ الأَمَلِ فَالْحُبُّ لِلُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي
الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ يُبْغِضُ، وَإِذَا أَحَبَّ عَبْدَاً أَعْطَاهُ الإِيمانَ أَلَا! إِنَّ لِلدِّينِ أَبْنَاءَ ،
وَلِلُّنْيَا أَبْنَاءً ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدِّينِ ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا قَدٍ
ارْتَحَلَتْ مُوَلِيَّةً وَالْآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةٌ، أَلَا! وَإِنَّكُمْ فِي يَوْمِ عَمَلٍ لَيْسَ فِيهِ
حِسَابٌ ، أَلَا! وَإِنَّكُمْ تُوشِكُونَ فِي يَوْمِ حِسَابٍ وَلَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ)) . (ابن أبي الدُّنيا
فِي قِصَرِ الأُمَلِ ، ونصر المقدسِي فِي أَمَالِيهِ، والْيمان ضَعيفٌ ) .
٨٥٩٧ - عَنْ جابر بن عبد اللَّهِ قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى عَليِّ بْنٍ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: مَا عَلَامَةُ المُؤْمِنِ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِّ وَ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلَامَةُ المُؤْمِنِ؟ قَالَ: سِتّةُ أَشْيَاءٍ حَسَنٌ : وَلْكِنْ فِي سِتَّةٍ مِنَ النَّاسِ
أَحْسَنُ : الْعَدْلُ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي الْأُمَرَاءِ أَحْسَنُ، وَالسَّخَاءُ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي الأَغْنِيَاءِ
أَحْسَنُ ، الْوَرَعُ حَسَنٌ وَلْكِنْ فِي الْعُلَمَاءِ أَحْسَنُ ، الصَّبْرُ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي الْفُقَرَاءِ أَحْسَنُ
التّوْبَةُ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي الشَّبَابِ أَحْسَنُ ، الْحَيَاءُ حَسَنَّ وَلْكِنْ فِي النِّسَاءِ أَحْسَنُ)).
( الدَّيلمي ) .
٨٥٩٨ - عَنْ هارون بن يحيىُ الْحَاطبي ، عن عثمان بن عمرو بن خالد
الزبيري ، عن أُبِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ بنِ الْحسين ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَله: ((إِنَّمَا تَكُونُ الصَّنِيعَةُ إِلَى ذِي دِينٍ أَوْ حَسَبٍ،
وَجِهَادُ الضُّعَفَاءِ الْحَجُّ، وَجِهَادُ المَرْأَةِ: حَسْنُ التَّبْعُلِ لِزَوْجِهَا، وَالتَّوَدُّدُ : نِصْفُ
٤٢١

م
الإِيمانِ - وَفِي لَفْظٍ: نِصْفُ الدِّينِ - وَمَا عَالَ امْرُؤَّ اقْتَصَدَ - وَفِي لَفْظٍ: وَمَا عَالَ امْرُؤْ
عَلَى اقْتِصَادٍ - وَاسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ، وَأَبِى اللَّهُ إِلَّ أَنْ يَجْعَلَ أَرْزَاقَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُونَ -)). ( الْعسكري، هب فِي الأَمثال وَقَالَ: ضَعِيفٌ بمرة ، حب
فِي الضُّعفاءِ ) .
٨٥٩٩ - عَنْ عاصم بن ضمرةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾
قَالَ: ((بَعَثَ آللَّهُ يَحْيِى بْنَ زَكَرِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ ، وَكَانَ يَحْنِىْ
تُعْجِبُهُ الْبَرِّيَّةُ أَنْ يَكُونَ بِهَا ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ قَالَ: يَا عِيسَى! قُلْ
لِيَحْيِىْ: إِمَّ أَنْ يُبَلِّغَ مَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِمَّ أَنْ تُبلِّغَهُمْ، فَخَرَجَ يَحْنِىْ
حَتَّى أَتْى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمَثَلُ ذَلِكَ
مَثَلُ رَجُلٍ أَعْتَقَ رَجُلًا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ رَزْقَهُ وَعَطَاءَهُ ، فَانْطَلَقَ وَكَفَرَ وَلَاَءَ نِعْمَتِهِ وَتَوَّلَّى
غَيْرَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُقِيمُوا الصَّلَةَ، وَمَثَلُ ذُلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَى مَلِكٍ
مِنْ مُلُوكِ بَنِي آدَمَ فَسَأَلَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنْعَهُ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤْتُوا
الزَّكَاةَ ، وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَقَالَ: لَا تَقْتُلُونِيٍ فَإِنَّ لِي كَنْزَاً
وَأَنَا أَقْدِي بِهِ نَفْسِي، فَأَعْطَاهُ كَنْزَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَصُومُوا ،
وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَشْى إِلَى عَدُوِّ وَقَدِ اعْتَدَّ لِلْقِتَالِ، فَلَ يُبَالِي مِنْ حَيْثُ أَتْى، وَإِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَقْرَءُوا الْكِتَابَ، وَمَثَلُ ذُلِكَ كَقَوْمٍ فِي حِصْنِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ ذُلِكَ
مَثَلُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، لَا يَزَالُونَ فِي حِرْزٍ وَحُصْنٍ حَصِينٍ )) . ( الْعسكري في المواعظ،
وأَبُو نعيم ) .
٨٦٠٠ - عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
كِتَاباً: ((مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِي، المُقِرِّ لِلزَّمَانِ، المُدْبِرِ لِلْعُمُرِ، المُسْتَسْلِمِ فِيهِ لِلدَّهْرِ،
الذَّامِّ لِلُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ المَوْتَى، الظّاعِنِ إِلَيْهِمْ عَنْهَا غَدَاً - إِلَى المَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ
مَا لَ يُدْرِكُ ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، عَرْضَ الأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ الأَيَّامِ، وَرِمْيَةِ
المَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيمِ المَنَايَا، وَأَسِيرِ المَوْتِ، وَحَلِيفٍ
٤٢٢
1
-- .
:

الْهُمُومِ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ، وَنَصَبِ الْأُفَاتِ ، وَصَرِيعِ الشَّهْوَاتِ، وَخَلِيفَةِ الأَمْوَاتِ،
أُمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ فِيمَا قَدْ تَبَيِّنْتُ مِنْ إِذْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُنُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالٍ
الْآخِرَةِ عَلَى مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرٍ مَا سِوَايَ ، وَالاهتِمَامِ بما وَرَايَ ، غَيْرَ أَنِّي حِينَ تَفَرِّدَ
بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَقَنِي رَأَبِي، وَتَصَرَّفَ بِي هَوَايَ، وَصَرَحَ إِلَى
مَحْضِ أَمْرِي ، فَأَفْضَى بِي إِلى جِدٌّ لَا يُزْرِي بِهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ ،
وَجَدْتُكَ أَيْ بُنِيٍّ مِنْ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ مِنْ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئَاً لَوْ أَصَابَكَ
أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ المَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا عَنَانِ مِنْ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ
إِلَيْكَ كِتَابِ هذَا إِنْ أَنَا بَقِيتُ أَوْ فَنِيتُ ، وَإِنِّي أُوصِيكَ يَا بُنِيَّ بِتَقْوَى اللَّهِ وَلُزُومٍ أَمْرِهِ،
وَعَمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ ، وَالْأَعْتِصَامِ بِحُبِّهِ ، فَهُوَ أَوْثَقُ السَّبَبِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، يَا بُنَّيَّ! أُحْيِ
قَلْبَكَ بِالمَوْعِظَةِ ، وَمَوَّتْهُ بِالزُّهْدِ ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ المَوْتِ ، وَأَكْثِرُهُ بِالْفَنَاءِ ،
وَبَصِّرْهُ فَجَائِعِ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ، وَفُحْشِ تَقَلُّبِ الْأَيَّامِ، وَاعْرُضْ عَلَيْهِ
أَخْبَارَ المَاضِينَ ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ ، وَاعْتَبِرْ بِآثَارِهِمْ ،
وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَعَمِّنْ انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُمُ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلُّوا
دَارَ الْغُرْبَةِ ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ، فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَاحْزِزْ آخِرَتَكَ ،
وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَمَا لَا تَعْرِفْ ، وَالدُّخُولَ فِيمَا لَاَ تُكَلَّفْ، وَأَمْسِكْ عَنِ السَّيْرِ إِذَا خِفْتَ
ضَلَالَةٌ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ خَيْرَةِ الضَّلَاَلَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الأَهْوَالِ، وَأُمُرْ بِالمَعْرُوفِ تَكُنْ
مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ المُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَخُضِ الْغَمَرَاتِ
إِلَى الْحَقِّ ، وَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى المَكْرُوهِ، وَأَلْجِىءٍ نَفْسَكَ فِي
الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيرٍ، وَمَانِعٍ عَزِيزٍ، وَأَخْلِصْ فِيْ
المَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الإِسْتِخَارَةَ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، لَ
تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحَاً، أَيْ بُنَيِّ! إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنًا، وَرَأَيْتُنِي ازْدَدْتُ وَهْنَاً ،
بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِيَّاكَ خِصَالاً مِنْهُنَّ أَنْ يُعَجَّلَ لِي أَجَلٌ قَبْلَ أَنْ أَفْضِيَ إِلَيْكَ مَا فِي
نَفْسِي، وَأَنْقُصَ فِي رَأَبِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقْنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَةِ
٤٢٣
١١
أ
٣٠

الْهَوَى ، وَفِتَنِ الدُّنْيَا فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النِّفُورِ ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ ،
مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلْهُ، فَبَكَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَفْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ،
لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مَا قَدْ كَفَاكَ تَجْرِبَتُهُ فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مُؤُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ
عِلَاجِ التِّجْرِبَةِ ، فَأَتَاكَ مِنْ ذُلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أُظْلِمَ عَلَيْنَا فِيهِ ،
أَيْ بُنَّ! إِنِّي لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَارِهِمْ، وَفَكَّرْتُ
فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ. حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ، بَلْ كَأَنِّي لِمَا قَدِ انْتَهِى إِلَيَّ
مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ
مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ نَحِيَتَهُ ، وَتَوَخَيْتُ لَكَ جَمِيلَتَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ
مَجْهُولَهُ ، وَرَأَيْتُ عِنَايَتِي بِكَ وَاجِبَةً عَلَيَّ ، فَجَمَعْتُ لَكَ مَا إِنْ فَهِمْتَهُ أَدَّبَكَ ، فَاغْتَنِمْ
ذُلِكَ وَأَنْتَ مُقْتَبِلٌ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْيَقِينِ ، فَعَلَيْكَ بِتَعَلُّمِ وَتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ وَتَأْوِيلِهِ ،
وَشَرَائِعِ الْإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لَا تُجَاوِزُ ذُلِكَ قَبْلَهُ إِلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ
أَشْفَقْتَ أَنْ تَلْبَسَكَ شُبْهَةٌ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَرَأْيِهِمْ مِثْلُ الَّذِي لَبِسَهُمْ،
فَتَقَصَّدْ فِي تَعَلُّمِ ذلِكَ بِلُطْفٍ، يَا بُنَيَّ! وَقَدِّمْ عِنَايَتَكَ فِي الأَمْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ نَظَرَاً
لَدَيْكَ، لَ مُمَارِيَاً وَلَ مُفَاخِرَاً، وَلَ طَلَبَاً لِعَرَضِ عَاجِلَتِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُكَ لِرُشْدِكَ ،
وَيَهِدِيكَ لِقَصْدِكَ فَاقْبَلْ عَهْدِي إِلَيْكَ ، وَوَصِيَّتِي لَكَ، وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ ! إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ
آخِذٌ بِهِ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ، وَالْإِقْتِصَارُ عَلَى مَا اقْتَرَضَ آللَّهُ عَلَيْكَ، وَالأَخْذُ بما
مَضْى عَلَيْكَ وَلَكَ مِنْ آبَائِكَ وَالصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْئِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا
لِنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكَّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ ذُلِكَ إِلى الأَخْذِ بما
عَرَفُوا، وَالْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذُلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ مَا
عَلِمُوا، فَيَكُونَ طَلَبُكَ ذلِكَ بِتَعَلُّمٍ وَتَفَهُّمٍ وَتَدَبُّرٍ، لَا بِتَوَارُدِ الشُّبُهَاتِ وَعِلْمٍ
الْخُصُومَاتِ، وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلْهِكَ وَقُدْرَتِهِ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ ،
وَاحْذَرْ كُلَّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ شُبْهَةً، وَأَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَاَلَةٍ ، فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا
قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ ، كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِدَاً ، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ
٤٢٤

لَكَ ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ فَرَاغِ نَظَرِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ خَبْطَ
عَشْوَاءَ ، وَلَيْسَ مِنْ طَالِبِ الدِّينِ مِنْ خَبْطٍ وَلَ خَلْطٍ ، وَالْإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ ، وَإِنَّ
أَوَّلَ مَا أَبْدَؤُكَ بِهِ فِي ذَلِكَ وَآخِرَهُ أَنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَّهِي وَإِلَّهَكَ، إِلَّهَ الْأَوَّلِينَ وَالْأُخِرِينَ ،
رَبَّ مَنْ فِي السَّمْوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِينَ ، بما هُوَ أَهْلُهُ ، وَكَمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَكَمَا يُحِبُّ .
وَيَنْبَغِي لَهُ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى نَبِّنَا مُحَمَّدٍ وَه، وَأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا نِعَمَهُ لِمَا وُفِّقْنَا مِنْ
مَسْأَلَتِهِ وَالْإِجَابَةِ لَنَا، فَإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ ، اعْلَمْ أَيْ بُنِيَّ! إِنَّ أَحَدَأَ لَمْ يُنِّىء عَنِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا نَبَّأَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَهِ، فَارْضَ بِهِ رَائِدَاً(١) ، فَإِنِّي لَمْ ألُكَ نَصِيحَةً وَلَمْ تَبْلُغْ
فِي ذُلِكَ ، وَإِنِّي اْتَهَدْتُ مَبْلَغِي فِي ذَلِكَ لِعِنَايَتِي وَطُولٍ تَجْرِبَتِي ، وَإِنَّ نَظَرِي لَكَ
كَنَظَرِي لِنَفْسِي ، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ ، أَحَدٌ صَمَدٌ ، لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلاَ يَزُولُ
وَلَمْ يَزَلْ ، أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَ أَوَّلِيّةٍ ، وَآخِرٌ بِلَا نِهَايَةٍ ، حَكِيمٌ ، عَلِيمُ ، قَدِيمٌ ، لَمْ
يَزَلْ كَذَلِكَ ، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ فِي صِغَرٍ خَطَرِهِ ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ ،
وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَعَظِيمِ حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْتَعِنْ بِلَّهِكَ فِي طَلَبٍ حَاجَتِكَ ، وَتَقَرَّبْ
إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ بِقُدْرَتِهِ، وَارْهَبْ مِنْهُ بِرُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ حَكِيمٌ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّ بِحَسَنٍ ،
وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّ عَنْ قَبِيحٍ ، إِجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانً بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، وَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ
لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمْ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ
يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ أَقْلِلْ مِمَّا تَعْلَمُ ، وَلاَ تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ
لَكَ ، إِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآَفَةُ الأَلْبَابِ ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ ، لَا
تَكُنْ خَازِنَاً لِغَيْرِكَ ، فَإِذَا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ
طَرِيقً ذَا مَشَقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَأَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَنَّكَ لَا غِنِى بِكَ عَنْ حُسْنِ الارْتِيَادِ ، وَقَدِّرْ
بَلَغَكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقَلُهُ
وَبَالاً عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ وَيُوَافِيكَ بِهِ حَيْثُ
(١) الرّائد: الذي يُرسَل في طَلَب الكلأ. (المختار: ٢٠٩)
٤٢٥

1
1
تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَئِمْهُ ، وَاغْتَنِمْ مَا أَقْرَضْتَ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ
أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُودَاً ، مَهْبِطُهَا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ ، فَلَيْسَ
بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ، وَلَ إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمْوَاتِ
وَالأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وَضَمِنَ الْإِجَابَةَ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ فَيُعْطِيَكَ ، وَتَطْلُبَ
إِلَيْهِ فَيُرْضِيَكَ، وَهُوَ رَحِيمٌ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَاباً ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلى مَنْ تَشَفَّعُ بِهِ
إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ التَّوْبَةَ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنَّقْمَةِ ، وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنْ رَحْمَتِهِ ،
وَلَمْ يَسُدَّ عَلَيْكَ بَابَ التَّوْبَةِ، وَجَعَلَ تَوْبَتَكَ النُّزُوعَ عَنِ الذَّنْبِ ، وَجَعَلَ سَيِّئْتَكَ وَاحِدَةً ،
وَجَعَلَ حَسَنَتَكَ عَشْرَاً، إِذَا نَادَيْتَهُ أَجَابَكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ
بِحَاجَتِكَ، وَأَثْبْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ ، وَسَأَلْتَهُ
مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهَا غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ ، وَصِحَّةٍ
الأَبْدَانِ، وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَتَمَامِ النَّعْمَةِ، فَأَلْحِحْ فِي المَسْأَلَةِ فَبِالدُّعَاءِ تُفْتَحَ أَبْوَابُ
الرَّحْمَةِ، وَلاَ يُقْنِطُكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدَرِ النَّّةِ، فَرُبَّمَا تَأَخَّرَتِ الْإِجَابَةُ
◌ِتَطُولَ مَسْأَلَةُ السَّائِلِ، فَيَعْظُمَ أَجْرُهُ، وَيُعْطَى سُؤْلَهُ، وَرُبَّمَا ادُّخِرَ ذُلِكَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ،
فَيُعْطَى أَجْرَ تَعَبُّدِهِ، وَلَ يَفْعَلُ بِعَبْدِهِ إِلَّ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْأُجِلَةِ ، وَلْكِنْ لَاَ
يَحْدُّ لُطْفَهُ أَحَدٌ ، وَلَ يَعْرِفَ دَقَائِقَ تَذْبِيرِهِ إِلَّ المُصْطَفُونَ، وَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ لِمَا يَبْغُى
وَيَدُومُ فِي صَلَاحِ دُنْيَاكَ ، وَتَسْهِيلِ أَمْرِكَ ، وَشُمُولِ عَافِيَتِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ،
إِعْلَمْ، أَيْ بُنِيَّ أَنَّكَ خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَاَ لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لَاَ لِلْبَقَاءِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ
قَلْعَةٍ ، وَدَارِ بُلْغَةٍ ، وَطَرِيقِ الْأُخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدَةُ المَوْتِ الَّذِي لَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ ، وَلَاَ
يَقُوتُهُ طَالِيُهُ ، فَاحْذَرْ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ ، وَأَعْمَالٍ مُرْدِيَةٍ ، فَتَقَعَ فِي
نَّدَامَةِ الْأَبَدِ ، وَحَسْرَةٍ لَا تَنْفَدُ ، فَتَفَقَّدْ دِينَكَ لِنَفْسِكَ، فَدِينُكَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ ، وَلَ
يُنْقِذُكَ غَيْرُهُ، أَيْ بُنَّيَّ! أَكْثِرْ ذِكْرَ المَوْتِ وَذِكْرَ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُقْضِي بَعْدَ المَوْتِ
إِلَيْهِ، وَاجْعَلْهُ نُصْبَ عَيْنَيْكَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ لَهُ حَذَرَكَ ، وَلاَ يَأْتِيكَ بَغْتَةٌ
فَبْهَرَكَ ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْآخِرَةِ ، وَكَثْرَةَ نَعِيمِهَا، وَحُبُورِهَا وَسُرُورِهَا وَدَوَامَهَا ، وَكَثْرَةَ صُنُوفٍ
◌َذَّاتِهَا، وَقِلَّةَ آفَاتِهَا إِذَا سَلِمَتْ، وَفَكِّرْ فِي أَلْوَانِ عَذَابِهَا، وَشِدَّةِ غُمُومِهَا، وَأَصْنَافِ يَ
٤٢٦
٠
.

نَكَالِهَا، إِنْ أَنْتَ تَيَقِّنْتَ فَإِنَّ ذلِكَ يُزْهِدُكَ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُكَ فِي الْأُخِرَةِ، وَيُصَغِّرُ
عِنْدَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَغُرُورَهَا وَزَهْرَتَهَا، فَقَدْ نَبََّكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبَيِّنَ أَمْرَهَا، وَكَشَفَ عَنْ
مَسَاوِئِهَا ، فَإِنَّكَ أَنْ تَغْتَرِّ بما تَرِى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِهَا إِلَيْهَا، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، كَكِلَابٍ
عَاوِيَّةٍ ، وَسِبَاعٍ ضَارِيَةٍ ، يَهُزُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقْهَرُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَكَثِيرُهَا
قَلِيلَهَا، قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَهَا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَتْ بِهِمْ طَرِيقَ الْعَمْىِ، وَأَخَذَتْ
بأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ ، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي فِتْنَتِهَا، وَأَنَّخَذُوهَا رِيًّا
فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بها، وَنَسَوْا مَا وَرَاءَهَا، فَإِنَّكَ يَا بُنِيَّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ مَنْ قَدْ شَابَتْهُ بِكَثْرَةِ
عُيُوبِهَا! أَّ بُنَّيَّ! إِنَّكَ إِنْ تَزْهَدْ فِيمَا قَدْ زَهَّدْتُكَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَتُعْرِضْ نَفْسَكَ
عَنْهَا فَهِيَ أَهْلُ ذُلِكَ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ نُصْحِي إِيَّاكَ مِنْهَا، فَاعْلَمْ يَقِينَاً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ
أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجْلَكَ ، فَإِنَّكَ فِي سَبِيلٍ مَنْ قَدْ كَانَ قَبْلَكَ، فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ،
وَاعْرِفْ سَبِيلَ المُكْتَسَبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبِ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرْبٍ ، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ،
وَلَ كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ ، إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَاضَ بما تَبْذُلُ
مِنْ نَفْسِكَ عِوَضَاً وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ حُرًّا! وَمَا مَنْفَعَةُ خَيْرٍ لَا يُدْرَكُ بِالْيَسِيرِ ، وَيَسِيرٍ لَاً
يُنَالُ إِلَّ بِالْعَسِيرِ، وَإِيَّكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ! وَإِنٍ
اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَفْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكُ قَسْمِكَ، وَآخِذٌ
سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ، وَإِنْ كَانَ كُلِّ مِنَ اللَّهِ - وَلِلَّهِ المَثَلُ
الْأَعْلَى - وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ فِي يَسِيرٍ مِمَّ تَطْلُبُ فَتَنَالَ مِنَ المُلُوكِ افْتِخَارَاً، وَبَيْعُ عِرْضِكَ
وَدِينِكَ عَلَيْكَ عَارٌ ، فَاقْتَصِدْ فِي أَمْرِكَ تُحْمَدْ مَعْقِبَةُ عَقْلِكَ ، إِنَّكَ لَسْتَ بَائِعَاً شَيْئاً مِنْ
عِرْضِكَ وَدِينِكَ إِلَّ بِثَمَنٍ، وَالمَغْبُونُ مَنْ حُرِمَ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّهِ ، فَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ ،
وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ ، وَإِنَّكَ وَمُقَارَبَةً مَنْ
يَشِينُكَ وَتَبَاعَدْ مِنَ السُّلْطَانِ، وَلاَ تَأْمَنْ خِدَعَ الشَّيْطَانِ، وَمَتَى مَا رَأَيْتَ مُنْكَرَاً مِنْ أَمْرِكَ
فَأَصْلِحْهُ بِحُسْنٍ نَظَرِكَ ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَصْفٍ صِفَةً ، وَلِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، وَلِكُلِّ أَمْرٍ وَجْهَاً ،
يَنَالُ الأَرِيبُ - أَيْ الْعَاقِلُ - فِيهِ رُدَهُ ، وَيُهْلِكُ الأَحْمَقُ بِتَعَسُّفِهِ فِهِ نَفْسَهُ ، يَا بُنِيَّ ! كَمْ قَدْ
رَأَيْتُ مَنْ قِيلَ لَهُ: تُحِبُّ أَنْ تُعْطَى الدُّنْيَا بما فِيهَا مِائَةَ سَنَةٍ بِلَا آفَةٍ وَلاَ أَذَّى، لَا تَرَى فِيهَا
٤٢٧

سُوءًا، وَيَكُونُ آخِرَ أَمْرِكَ عَذَابُ الْأَبَدِ ، فَلَ يَقْعُ فِيهَا وَلاَ يُرِيدُهَا، وَرَأَيْتُهُ قَدْ أَهْلَكَ دِينَهُ
وَنَفْسَهُ بِالْيَسِيرِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَهُذَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَحَبَائِلِهِ ، فَاحْذَرْ مَكِيدَتَهُ
وَغُرُورَهُ، يَا بُنِيَّ! أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلاَ تَنْطِقْ فِيمَا تَخَافُ الضَّرَزَ فِيهِ ، فَإِنَّ
الصَّمْتَ خَيْرٌ مِنَ الْكَلاَمِ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ، وَتَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ هِمَّتِكَ ، أَيْسَرُ مِنْ إِذْرَاكِكَ
مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِكَ، وَاحْفَظْ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِفْظَ مَا فِي يَدَيْكَ
خَيْرٌ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ ، وَحُسْنُ الَّذْبِيرِ مَعَ الْكَفَافِ أَكْفَى لَكَ مِنَ الْكَثِيرِ فِي
الْإِسْرَافِ، وَحُسْنَ الْيَأْسِ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الطَّلَبِ إِلى النَّاسِ، يَا بُنِيَّ! لَا تُحَدِّثْ مِنْ غَيْرِ
ثِقَةٍ فَتَكُونَ كَذَّاباً، وَالْكَذِبُ دَاءٌ فَجَانِبْهُ وَأَهْلَهُ ، يَا بُنِّيَّ ! الْعِقَّةُ مَعَ الشِّدَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنى
مَعَ الْفُجُورِ ، مَنْ فَكَّرَ أَبْصَرَ ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ هُجِرَ، وَرُبَّ مُضَيِّعٍ مَا يَسُرُّهُ ، وَسَاعٍ فِيمَا
يَضُرُهُ، مِنْ خَيْرِ حَظُّ المَرْءِ قَرِينٌ صَالِحٌ، فَقَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَبَايِنْ أَهْلَ
الشَّرِّ تَبِنْ مِنْهُمْ، وَلاَ يَغْلِيَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ فَإِنَّهُ لَنْ يَدَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَلِيلِكَ مَلْجَأَ ، قَدْ.
يُقَالُ: مِنَ الْخَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ، وَبِثْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ ، وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ،
الْفَاحِشَةُ تَقْصِمُ الْقَلْبَ، إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خَرْقَاً كَانَ الْخَرْقُ رِفْقَاً ، وَرُبَّمَا كَانَ الدَّاءُ دَوَاءً
وَالدَّوَاءُ دَاءً ، وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَغَشَّ المُنْتَصِحُ، إِيَّكَ وَالاتِّكَالَ عَلَى المُنِىْ!
فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النُّوكُى(١)، ذَكَّ قَلْبَكَ بِالأَدَبِ كَمَا يُذَكِّي النَّارَ الْحَطَبُ ، وَلَا تَكُنْ كَحَاطِبٍ
اللَّيْلِ وَغُثَاءِ السَّيْلِ، كُفْرُ النَّعْمَةِ لُؤْمٌ، وَصُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ، وَالْعَقْلُ حِفْظُ
التَّجَارُبِ ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ، وَمِنَ الْكَرَمِ لِينُ الشِّيَمِ، بَادِرِ الْقُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ
تَكُونَ غُصَّةً، وَمِنَ الحَزْمِ الْعَزْمُ، وَمِن سَبَبِ الْحِرْمَانِ التَّوَانِي، وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ
الَّادِ وَمَفْسَدَةُ المَعَادِ ، لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ ، فَرُبَّ مُشِيرٍ بما يَضُرُّ، لَآَ خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٌ ،
وَلَ فِي صَدِيقٍ ظَنِينٌ ، وَلَا تَدَعِ الطّلَبَ فِيمَا يَحِلُّ وَيَطِيبُ فَلا بُدَّ مِنْ بُلْغَةٍ(٢) ، وَسَيَأْتِيكَ
مَا قُدِّرَ لَكَ ، التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ، مَنْ حَلُمَ سَادَ ، وَمَنْ تَفَهَّمَ ازْدَادَ، وَلِقَاءُ أَهْلِ الْخَيْرِ
(١) النّوكي: الحمق، ما أنْوَكَهُ: ما أحمقَه. (القاموس: ٣/٣٢٢)
(٢) الْبُلْغَةُ: الكفاية. (لسان العرب: ٨/٤١٩)
٤٢٨

عِمَارَةُ الْقُلُوبِ ، سَاهِلْ مَا ذَلِّ لَكَ بِقُوَّةٍ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَطْمَحَ بِكَ مَعِيَّةُ اللَّجَاجِ! وَإِنْ
قَارَفْتَ سَيِّئَةً فَعَجِّلْ مَحْوَهَا بِالنَّوْبَةِ ، وَلاَ تَخُنْ مَنِ اثْتَمَنَكَ وَإِنْ خَانَكَ ، وَلاَ تُذِعْ سِرَّهُ وَإِنْ
أَذَاعَ سِرَّكَ، خُذْ بِالْفَضْلِ، وَأَحْسِنِ الْبَذْلَ، وَأَحْبِبْ لِلنَّاسِ الْخَيْرَ، فَإِنَّ هَذِهِ مِنَ
الأَخْلَاقِ الرَّفِيعَةِ ، وَإِنَّكَ قَلَّ مَا تَسْلَمُ مِمَّنْ تَسَرَّعْتَ إِلَيْهِ، وَكَثِيرَاً مَا يَحْمَدُ مَنْ تَفَضَّلْتَ
عَلَيْهِ ، اعْلَمْ ، أَيْ بُنِيَّ! أَنَّ مِنَ الْكَرَمِ الْوَفَاءَ بِالذِّمَمِ، وَالدَّفْعَ عَنِ الْحُرَمِ، وَالصُّدُودُ
آيَةُ المَقْتِ ، وَكَثْرَةُ الْعِلَلِ آيَةُ الْبُخْلِ ، وَبَعْضُ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَخِيكَ مَعَ الْإِلْفِ خَيْرٌ مِنْ
الْبَذْلِ مَعَ الْجَنَفِ (١)، وَمِنَ الْكَرَمِ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالتَّجُرُّمُ وَجْهُ الْقَطِيعَةِ ، احْمِلْ
نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ جُمُوِهِ عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى
اللِّينِ، وَعِنْدَ تَجَرُّمِهِ عَلَى الاعْتِذَارِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَنَّهُ ذُونِعْمَةٍ عَلَيْكَ ، وَلَا
تَضَعْ ذُلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَلاَ تَفْعَلْهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ ، وَلَا تَتَّخِذْ مِنْ عَدُوٌّ صَدِيقِكَ صَدِيقَاً
فَتُعَادِي صَدِيقَكَ ، وَلَا تَعْمَلْ بِالْخَدِيعَةِ فَإِنَّهَا أَخْلَاقُ اللَّئَامِ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ
- حَسَنَةً كَانَتْ أَمْ قَبِيحَةٌ -، وَسَاعِدْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَزُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ ، وَلَ تَطْلُبَنَّ
مِنْهُ المُجَازَاةَ ، فَإِنَّهَا مِنْ شِيَمِ الدَّنَاءَةِ ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ ، فَإِنَّهُ أَحْرَى لِلظَّفَرِ ،
لَا تَصْرِمْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيَابٍ ، وَلَ تَقْطَعْهُ دُونَ اسْتِعْتَابٍ ، وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ
أَنْ يَلِينَ لَكَ، مَا أَقْبَحَ الْقَطِيعَةَ بَعْدَ الصِّلَةِ، وَالْجَفَّاءَ بَعْدَ اللُّطْفِ، وَالْعَدَاوَةَ بَعْدَ
المَوَدَّةِ، وَالْخِيَانَةَ لِمَنِ اثْتَمَنَكَ، وَخُلْفَ الظَّنِّ لِمَنِ ارْتَجَاكَ، وَالْغَرَرَ بِمَنْ وَثِقَ بِكَ !
وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً، وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْرَاً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ ، وَلَاَ
تُضِيعَنَّ بِرَّ أَخِيكَ انَّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ ، وَلَ يَكُونُ
أَهْلُكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ، وَلاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ ، وَلاَ تَزْهَدَنَّ فِيمَنْ رَغِبَ إِلَيْكَ إِذَا
كَانَ لِلْخَلْطِ مَوْضِعَاً، لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، لَا يَكُونَنَّ
عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَلَ عَلَى الْبُخْلِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْبَذْلِ،
(١) الجَنَف: الميلُ والجور. (القاموس: ٣/١٢٤)
٤٢٩

وَلَ عَلَى النَّقْصِيرِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْفَضْلِ ، لَا يَكْتُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ ، فَإِنَّهُ
يَسْعِى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ ، وَاعْلَمْ أَْ بُنِيَّ ! أَنَّ الرِّزْقَ
رِزْقَانٍ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّهْرَ ذُو صُرُوفٍ ،
فَلَا تَكُونَنَّ مِمِّنْ يَسُبُّكَ لَاَعِنَةٌ لِلدَّهْرِ، وَمُحْفِلاً عِنْدَ النَّاسِ عُذْرَهُ، مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ
الْحَاجَةِ ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنى، إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ، فَأَنْفِقْ
يُسْرَكَ ، وَلاَ تَكُنْ خَازِنَاً لِغَيْرِكَ ، فَإِنْ كُنْتَ جَازِعَاً مِمَّا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ ، فَاجْزَعْ عَلَى مَا
يَصِلُ إِلَيْكَ، اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بما قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاءٌ يَشْبَهُ بَعْضُهَا
بَعْضَاً، وَلَا تَكْفُرَنَّ ذَا نِعْمَةٍ ، فَإِنَّ كُفْرَ النِّعَمِ مِنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ، وَلُؤْمِ الْخُلُقِ ، وَأَقِلَّ
الْعُذْرَ، وَلاَ تَكُونَنَّ مِمِّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّ إِذَا بَلَغَتْ فِي المَلَامَةِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ الغِنَىْ
بِالْقَلِيلِ وَالْبَهَائِمُ لَا تَنْفَعُ إِلَّ بِالضَّرْبِ، وَاتَّعِظْ بِغَيْرِكَ وَلاَ يَكُونَنَّ غَيْرُكَ مُتَّعِظَاً بِكَ ،
وَاحْتَذٍ بِحِذَاءِ الصَّالِحِينَ، وَاقْتَدٍ بِآدَابِهِمْ ، وَسِرْ بِسِيرَتِهِمْ، وَاعْرِفِ الْحَقِّ لِمَنْ عَرَفَهُ لَكَ
- رَفِيعَاً كَانَ أَوْ وَضِيعَاً - وَاْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ، وَحُسْنِ الْيَقِينِ ،
مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ ، نِعْمَ حَظُّ المَرْءِ الْقَنَاعَةُ! شَرُّمَا أَشْعَرَ قَلْبَ المَرْءِ الْحَسَدُ ، وَفِي
الْقُنُوطِ التَّفْرِيطُ، وَفِي الْخَوْفِ مِنَ الْعَوَاقِبِ الْبَغْيُ، الْحَسَدُ لَا يَجْلِبُ إِلَّ مَضَرَّةً وَالْبَهَائِمُ
وَغَيْظَاً، يُومِنُ قَلْبَكَ، وَيُمْرِضُ جِسْمَكَ، فَاصْرِفْ عَنْكَ الْحَسَدَ تَغْتَمْ ، وَأَنْقٍ صَدْرَكَ
مِنَ الْغِلِّ تَسْلَمْ، وَارْجُ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ الأَرْضِ وَالأَقْوَاتُ والسَّمْوَاتُ ، وَسَلْهُ طِيبَ
المَكْاسِبِ ، تَجِدْهُ مِنْكَ قَرِيبَاً، وَلَكَ مُجِيبَاً، الشُّحُّ يَجْلِبُ المَلَامَةَ ، وَالصَّاحِبُ
الصَّالِحُ مُنَاسِبٌ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ ، وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمْىِ، وَمِنَ التَّوْفِيقِ
سِعَةُ الرِّزْقِ، نِعْمَ طَارِدُ الْهُمُومِ الْقِينُ، وَفِي الصِّدْقِ النَّجَاءُ ، عَاقِبَةُ الْكَذِبِ شَرُّ
عَاقِبَةٍ ، رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ ، وَرُبَّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ
لَهُ حَبِيبٌ، مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ، مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقِى لَهُ، وَنِعْمَ
الْخُلُقُ ... وَأَوْثَقُ الْعُرَى التَّقْوَى، مَنْ أَعْتَبَكَ قَدْ هَوْى، وَقَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِذْرَاكَاً إِذَا
كَانَ الطَّمَعُ هَلاَكَاً، كَمْ مِنْ مُرِيبٍ قَدْ شَقِيَ بِهِ غَيْرُهُ، وَنَجَا هُوَ مِنَ الْبَلَاءِ، جَانِيكَ مَنْ
يَجْنِي عَلَيْكَ، وَقَدْ تَعَدَّى الصِّحَاحَ مَّبَارِكُ الْجَرَبِ ، وَلَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ، رُبَّمَا أَخْطَأَ
٤٣٠
٤٠٠

الْبَصِيرُ قَصْدَهُ، وَأَصَابَ الأَعْمَى رُشْدَهُ، لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَجَدٌ، وَلَ كُلُّ مَنْ تَوَّقَّى
نَجَا ، أَخِّرِ الشَّيْءَ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ عَجَّلْتَهُ، أَحْسِنْ إِنْ أَحْبَيْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، احْتَمِلْ
أَخَاكَ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ ، وَلاَ تُكْثِرِ الْعِتَابَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّغِينَةَ وَيَجُرُّ إِلَى المَغْضَبَةِ، وَكَثْرَتُهُ
مِنْ سُوءِ الأَدَبِ ، اسْتَعْتِبْ مَنْ رَجَوْتَ صَلاَحَهُ، قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ ،
مَنْ كَابَدَ الْحُرِّيَّةَ عُطِبَ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفُ زَمَانَهُ حُرِبَ ، مَا أَقْرَبَ النَّقْمَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ،
وَأَخْلَقَ مَنْ غَدَرَ أَنْ لَا يُولَى لَهُ ، زَلَّهُ الْعَالِمِ أَقْبَحُ زَلَّةٍ ، وَعِلَّةُ الْكَذَّابِ أَقْبَحُ عِلَّةٍ ، الْفَسَادُ
يُبِيدُ الْكَثِيرَ، وَالْإِقْتِصَادُ يُثَمِّرُ الْقَلِيلَ، وَالْقِلَّةُ ذِلَّةٌ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَكْرَمُ الطَّبَائِعِ ،
وَالْخَوْفُ شَرُّ لِحَافٍ ، وَالزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ لَ خَيْرَ فِي لَذَّةٍ تَعْقُبُ نَدَامَةٌ ، وَالْعَاقِلُ مَنْ وَعَظَنْهُ
التَّجْرُبَةُ، وَرَسُولُكَ تَرْجَمَانُ عَقْلِكَ ، وَكِتَابُكَ أَحْسَنُ نَاطِقٍ عَنْكَ، فَتَدَبَّرْ أَمْرَكَ ، وَتَقَصَّرْ
شَرَّكَ، الْهُذِى يَجْلُو الْعَمْىِ، وَلَيْسَ مَعَ اخْتِلافٍ اثْتِلَافُ، وَمِنْ حُسْنِ الْعَمَلِ افْتِقَادُ
حَالِ الْجَارِ ، لَنْ يَهْلَكَ مَنِ اقْتَصَدَ وَلَنْ يَفْتَقِرَ ، يُبِينُ عَنْ سِرِّ المَرْءِ دَخِيلُهُ ، وَرُبَّ بَاحِثٍ
عَنْ حَتْفِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ بَصِيرٌ، رُبَّ هَزْلٍ صَارَ جِدًّا، مَنِ اثْتَمَنَ الزَّمَانَ خَانَهُ ،
وَمَنْ تَعَظَّمَ عَلَيْهِ أَهَانَهُ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَسْلَمَهُ - أَيْ أَخْذَلَهُ -، لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمِى أَصَابَ ،
وَإِذَا تَغَيِّرَ السُّلْطَانُ تَغَيِّرَ المزَّمَانُ، وَخَيْرُ أَهْلِكَ مَنْ كَفَاكَ ، المِزَاحُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ
وَالْحِقْدَ ، اعْذِرْ مَنِ اجْتَهَدَ وَرُبَّمَا أَكْذِى الْحَقَّ، رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ ، وَتَمَامُ
الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ المَعَاصِي، وَخَيْرُ الْقَوْلِ الصِّدْقُ، وَالسَّلَامَةُ مَعَ الْإِسْتِقَامَةِ ، سَلْ عَنِ
الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ ، كُنْ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى بُلْغَةٍ، أَجْمِلْ لِمَنْ دَلَّ
عَلَيْكَ، وَاقْبَلْ عُذْرَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ، وَارْحَمْ أَخَاكَ وَإِنْ عَصَاكَ ، وَصِلْهُ وَإِنْ جَفَاكَ ،
وَعَوِّدْ نَفْسَكَ السَّمَاحَ ، وَتَخَيَّرْ لَهَا مِنْ كُلِّ أَحْسَنَهُ ، لَا تَتَكَلَّمْ بما ◌ِرْدِيكَ ، وَلَ مَا كَثِيرُهُ
يُزْرِيكَ، أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْتَصَفَ مِنْكَ، أَيْ بَنِيَّ! إِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ! أَا
جَرَّبْتَ بِكَمَالٍ، فَإِنَّ رَأْيُهُنَّ يَجُرُّ إِلَى أَقْنٍ (١)، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ ، إِكْفِفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
أَبْصَارِ هِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنَ الأرْتِيَابِ ، وَلَيْسَ
(١) الأقْن: قلّةِ العقل.
٤٣١

خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَا تَثِقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفَهُنَّ
غَيْرُكَ فَافْعَلْ، أَقْلِلِ الْغَضَبَ وَلاَ تُكْثِرِ الْعِتَابَ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّ المَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ ،
وَلَيْسَتْ بِقَهْرُ مَانَةٍ ، وَأَحْسِنْ لِمَمَالِيكِكَ الْأَدَبَ، وَإِنْ أَجْرَمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جُرْمَاً فَأُحْسِنٍ
الْعَفْوَ، فَإِنَّ الْعَفْوَ مَعَ الْعِزِّ أَشَدُّ مِنَ الضَّرْبِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ، وَخَفِّفِ الْقِصَاصَ ،
وَاجْعَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَمَلَا تَأْخُذُهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ أَحْرِى أَنْ لَا يَتَوَكَّلُوا، وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ
فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، فَإِنَّكَ بِهِمْ تَصُولُ ، وَبِهِمْ
تَطُولُ، وَهُمُ الْعُمْدَةُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَأَكْرِمْ كَرِيمَهُمْ، وَعُدْ سَقِيمَهُمْ، وَأَشْرِكْهُمْ فِي
أُمُورِهِمْ ، وَيَسِّرْ عَنْ مُعْسِرِهِمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ أَكْرَمُ مُعِينٍ ،
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ - وَالسَّلَامُ)) . (وكيع، والعسكري فِي المواعظ ) .
٨٦٠١ - عَنْ يحيى بن عبد اللَّهِ بنِ الْحَسن عَنْ أَبِهِ قَالَ: ((كَانَ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ يَخْطُبُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي مَنْ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ ؟ وَمَنْ
أَهْلُ الْفُرْقَةِ ؟ وَمَنْ أَهْلُ السُّنَّةِ؟ وَمَنْ أَهْلُ الْبِدْعَةِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَمَا إِذْ سَأَلْتَنِي
فَاقْهَمْ عَنِّي ، وَلَ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَسَأَلَ عَنْهَا أَحَدَاً بَعْدِي، فَأَمَّا أَهْلُ الْجَمَاعَةِ فَأَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَإِنْ قَلُوا ، وَذُلِكَ الْحَقُّ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرْقَةِ فَالمُخَالِفُونَ
لِي وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَإِنْ كَثُرُوا، وَأَمَّ أَهْلُ السُّنَّةِ المُتَّمَسِّكُونَ بما سَنَّهُ اللَّهُ لَهُمْ وَرَسُولُهُ وَإِنْ
قُلُوا، وَإِنْ قَلُّوا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدْعَةِ فَالمُخَالِفُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ ، الْعَامِلُونَ
بِرَأْيِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا، وَقَدْ مَضْى مِنْهُمُ الْفَوْجُ الأَوَّلُ وَبَقِيَتْ أَفْوَاجٌ، وَعَلَى اللَّهِ
قَصْمُهَا وَاسْتِثْصَالُهَا عَنْ جَدْبَةِ الأَرْضِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْفَيْءَ وَيَزْعَمُونَ أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا فَهُوَ وَمَالُهُ وَأَهْلُهُ فَيْءٌ لَنَا
وَوَلَدُهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنٍ وَائِلٍ يُدْغِى عَبَّدَ بْنَ قَيْسٍ، وَكَانَ ذَا عَارِضَةٍ وَلِسَانٍ
شَدِيدٍ ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! وَاللَّهِ! مَا قَسَمْتَ بِالسَّوِيَّةِ ، وَلَ عَدَلْتَ فِي الرَّعِيَّةِ،
فَقَالَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلِمَ - وَيْحَكَ ؟ قَالَ: لَأَنَّكَ قَسَمْتَ مَا فِي الْعَسْكَرِ ،
وَتَرَكْتَ الأَمْوَالَ وَالنِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ ، فَقَالَ عَلِيٍّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ
٤٣٢

فَلْيُدَاوِهَا بِالسَّمْنِ، فَقَالَ عَبَّدٌ: جِثْنَا نَطْلُبُ غَنَائِمَنَا، فَجَاءَنَا بِالتُّرَّهَاتِ! فَقَالَ لَهُ
عَلِيٍّ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبَاً فَلَ أَمَاتَكَ اللَّهُ حَتَّى تُدْرِكَ غُلَامَ ثَقِيفٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ :
وَمَنْ غُلَامُ ثَقِيفٍ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَا يَدَعُ لِلَّهِ حُرْمَةً إِلَّ انْتَهَكَهَا، قَالَ :
فَيَمُوتُ أَوْ يُقْتَلُ؟ قَالَ: بَلَى يَقْصِمُهُ قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ ، قَتْلُهُ بِمَوْتٍ فَاحِشٍ ، يَحْتَرِقُ
مِنْهُ دُبْرُهُ لِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ، يَا أَخَا بَكْرٍ! أَنْتَ امْرُؤْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ، أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّا لَ نَأْخُذُ الصَّغِيرَ بِذَنْبِ الْكَبِيرِ! وَأَنَّ الأَمْوَالِ كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ الْفُرْقَةِ ، وَتَزَوَّجُوا عَلَى
رُشْدَةٍ ، وَوَلَدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا لَكُمْ مَا حَوَى عَسْكَرُهُمْ، وَمَا كَانَ فِي دُورِهِمْ فَهُوَ
مِيرَاثٌ لِذُرِّيَّتِهِمْ فَإِنْ عَدَا عَلَيْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ أَخَذْنَاهُ بِذَنْبِهِ ، وَإِنْ كَفَّ عَنَّا لَمْ نَحْمِلْ عَلَيْهِ
ذَنْبَ غَيْرِهِ، يَا أَخَا بَكْرٍ! لَقَدْ حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِوَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ،
قَسْمُ مَا حَوَى الْعَسْكَرُ وَلَمْ يَعْرُضْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اتَّبَعْتُ أَثْرَهُ حَذْوَ النَّعْلِ
بِالنَّعْلِ، يَا أَخَا بَكْرٍ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ يَحِلُّ مَا فِيهَا، وَأَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ يَحْرُمُ
مَا فِيهَا إِلَّ بِحَقٍّ ، فَمَهْلًا مَهْلَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ! فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وَأَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ
- وَذَلِكَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي هُذَا غَيْرُ وَاحِدٍ - فَأَيُّكُمْ يَأْخُذُ أُمَّهُ عَائِشَةَ بِسَهْمِهِ؟ قَالُوا: لَ يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ ! بَلْ أَصَبْتَ وَأَخْطَأْنَا، وَعَلِمْتَ وَجَهِلْنَا، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ! وَتَنَاذِى النَّاسُ
مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، أَصَبْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَصَابَ اللَّهُ بِكَ الرَّشَادَ وَالسَّدَادَ ! فَقَامَ
عَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ وَاللَّهِ إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ وَأَطَعْتُمُوهُ لَمْ يَضِلَّ
بِكُمْ عَنْ مِنْهَاجِ نَبِّكُمْ قَيْسَ شَعْرَةٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذُلِكَ وَقَدِ اسْتَوْدَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ
المَنَايَا وَالْوَصَايَا وَفَصْلَ الْخِطَابِ عَلَى مِنْهَاجِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ، إِذْ قَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّ أَنَّهُ لَ نَبِيَّ بَعْدِي، فَضْلًا خَصَّهُ
اللَّهُ بِهِ إِكْرَامَاً مِنْهُ لِّهِ وَ﴿ حَيْثُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِهِ ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٍّ:
أَنْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ فَامْضُوا لَهُ ، فَإِنَّ الْعَالِمَ أَعْلَمُ بما يَأْتِي مِنَ الْجَاهِلِ
الْخَسِيسِ الْأَخَسِّ، فَإِّي حَامِلُكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْ أَطَعْتُمُونِي - عَلَى سَبِيلِ
الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَمَرَارَةٍ عَتِيدَةٍ ، وَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ، الْحَلَاوَةُ لِمَنِ
٤٣٣
1
------

اغْتَرَّ بها مِنَ الشِّقْوَةِ وَالنَّدَامَةِ عَمَّا قَلِيلٌ، ثُمَّ إِنِّي مُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَيْلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
أَمَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنَ النَّهْرِ، فَلَجُوا فِي تَرْكِ أَمْرِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ،
فَكُونُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - مِنْ أُولِئِكَ الَّذِينَ أَطَاعُوا نِيَّهُمْ، وَلَمْ يَعْصُوا رَبَّهُمْ، وَأَمَّا
عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَدْرَكَهَا رَأَيُ النِّسَاءِ ، وَشَيْءٌ كَانَ فِي نَفْسِهَا عَلَيَّ ، يَغْلِي فِي
جَوْفِهَا كَالِمِرْجَلٍ وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِ مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ، وَلَهَا بَعْدَ ذُلِكَ خُرْمَتُهَا
الأولى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ، يَعْفُو عَمِّنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فَرَضِيَ بِذْلِكَ
أَصْحَابُهُ، وَسَلَّمُوا لِأَمْرِهِ بَعْدَ اخْتِلَاطٍ شَدِيدٍ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! حَكَمْتَ وَاَللَّهِ
فِينَا بِحُكْمِ اللَّهِ، إِنَّا جَهِلْنَا، وَمَعَ جَهْلِنَا لَمْ نَأْتِ مَا يَكْرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ
يَسَّافٍ الأَنْصَارِيُّ :
لَخَطَأْ الْإِيرَادِ وَالْإِصْدَارِ
إِنَّ رَأْيَاً رَأَيْتُمُوهُ سَفَاهَاً
ذُلِكَ زَبْغُ الْقُلُوبِ وَالأَبْصَارِ
لَ تَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ فِي الْإِسْرَارِ
إِنَّمَا الْفَيْءُ مَا بِضَمِّ الْأَوَارِ (١)
وَمَتَاعٍ بِبْعِ أَيْدِي النِّجَارِ
لَ وَلاَ أَحْذُكُمْ لِذَاتِ خِمَارٍ
قَدْ رَضِيَنَا لَ خَيْرَ فِي الْإِكْثَارِ
لَيْسَ زَوْجُ النَّبِيِّ تُقْسَمُ فَيْئَاً
فَاقْبَلُوا الْيَوْمَ مَا يَقُولُ عَلِيّ
لَيْسَ مَا ضَمَّتِ الْبُيُوتُ بِفَيْء
مِنْ كِرَاعٍ فِي عَسْكَرٍ وَسِلَاحٍ
لَيْسَ فِي الْحَقِّ قِسْمُ ذَاتِ نِطَاقٍ
ذَاكَ هُوَ ، فَيْئُكُمْ خُذُوهُ وَقُولُوا
إِنَّهَا أُمُّكُمْ وَإِنْ عَظُمَ الْخَطْ - سبُ وَجَاءَتْ بِزَّلَّةٍ وَعِثَارٍ
فَلَهَا حُرْمَةُ النَّبِي وَحِقَا قُ عَلَيْنَا مِنْ سِتْرِهَا وَوَقَارٍ
فَقَامَ عَبَّادُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنَا عَنِ الْإِيمانِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ ، إِنَّ
اللَّهَ ابْتَدَأَ الأُمُورَ فَاصْطَفْى لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ، وَاسْتَخْلَصَ مَا أَحَبَّ، فَكَانَ مِمَّا أَحَبَّ أَنَّهُ
(١) الأوار: حرِّ النَّار والشَّمس والعطَشِ والدُّخانِ واللَّهبَ.
٤٣٤

ارْتَضِى الْإِسْلاَمَ، وَاشْتَقَّهُ مِنِ اسْمِهِ، فَتَحَلَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ شَقَّهُ فَسَهَّلَ
شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَعَزَّزَ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ حَارَبَهُ، هَيْهَاتَ مِنْ أَنْ يَصْطَلِمَهُ(١) مُصْطَلِمٌ !
جَعَلَهُ سَلْمَاً لِمَنْ دَخَلَهُ ، وَنُورَاً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ ، وَبُرْهَانَاً لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ ، وَدِينَاً لِمَنِ
انْتَحَلَهُ ، وَشَرَفَاً لِمَنْ عَرَفَهُ ، وَحُجَّةٌ لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَعِلْمَاً لِمَنْ رَوَاهُ ، وَحِكْمَةً لِمَنْ
نَطَقَ بِهِ ، وَحَبْلاً وَثِيقَاً لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ، وَنَجَاةً لِمَنْ آمَنَ بِهِ ، فَالْإِيمَانُ أَصْلُ الْحَقِّ ،
وَالْحَقُّ سَبِيلُ الْهُدَى، وَسَيْفُهُ جَامِعُ الْحِلْيَةِ ، قَدِيمُ الْعِدَّةِ، الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَالْغَنِيمَةُ
حِلْتُهُ، فَهُوَ أَبْلَجُ مِنْهَاجٍ، وَأَنْوَرُ سِرَاجٍ ، وَأَرْفَعُ غَايَةً ، وَأَفْضَلُ دَعِيَّةً، بَشِيرٌ لِمَنْ
سَلَكَ قَصْدَ الصَّادِقِينَ، وَاضِحُ الْبَانِ، عَظِيمُ الشَّأْنِ، الْأُمْنُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ
مَنَارُهُ، وَالْفِقْهُ مَصَابِيحُهُ، وَالمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ، فَعُصِمَ السُّعَدَاءُ بِالْإِيمانِ ، وَخُذِلَ
الأَشْقِيَاءُ بِالْعِصْيَانِ مِنْ بَعْدِ اتِّجَاهِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْبَانِ، إِذْ وَضَحَ لَهُمْ مَنَارُ الْحَقِّ وَسَبِيلُ
الْهُذِى، فَتَارِكُ الْحَقِّ مُشَوَّهُ يَوْمَ التَّغَابْنِ، فَالْإِيمَانُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الصَّالِحَاتِ ،
وَبِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ، وَبِالْفِقْهِ يُرْهَبُ المَوْتُ، وَبِالمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا
تَخْرُجُ الْآخِرَةُ ، وَفِي الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَفِي ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ مَوْعِظَةُ أَهْلِ
التَّقْوَى ، وَالتَّقْوَى غَايَةً لَا يَهْلَكُ مَنِ اتَّبَعَهَا، وَلَا يَنْدَمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لِأِنَّ بِالتّقْوَى فَازَ
الْفَائِزُونَ، وَبِالمَعْصِيَةِ خَسِرَ الْخَاسِرُونَ، فَلْيَزْدَجِرْ أَهْلُ النُّهْىِ، وَلْيَتَذَكَّرْ أَهْلُ النَّقْوَى ،
فَإِنَّ الْخَلْقَ لَ مُفْصِرَ لَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ دُونَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، مُرْفِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا
نَحْوَ الْقَصَبَةِ الْعُلْيَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، مُهْطِعِينَ (٢) بِأَعْنَاقِهِمْ نَحْوَ دَاعِيهَا، قَدْ شَخَصُوا
مِنْ مُسْتَقَرِّ الأَجْدَاثِ وَالمَقَابِرِ إِلى الضَّرُورَةِ أَبَدَاً، لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا، قَدِ انْقَطَعَتْ
بِالْأَشْقِيَاءِ الأَسْبَابُ، وَأَقْضَوْا إِلَى عَدْلِ الْجَبَّارِ، فَلَ كَرَّةً لَهُمْ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا، فَتَبرَُّوا
مِنَ الَّذِينَ آثْرُوا طَاعَتَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَفَازَ السُّعَدَاءُ بِلَآيَةِ الْإِيمانِ ، فَالْإِيمانُ يَا ابْنَ
(١) الصّلم: القطعُ. (النهاية: ٣/٤٩)
(٢) أَهْطَعَ: مَدْ عُنْقَهُ وَصَوَّبَ رأسَه. (النهاية: ٥/٢٦٦)
٤٣٥

قَيْسٍ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ ، فَالصَّبْرُ مِنْ ذُلِكَ
عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالرُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبُ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ
سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرِّمَاتِ ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا
هَانَتْ عَلَيْهِ المُصِيبَاتُ ، وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَالْيَقِينُ مِنْ ذُلِكَ
عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : تَبْصِرَةِ الْفِتْنَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَتَأْوُّلِ الْحِكْمَةِ ، وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ ،
فَمَنْ تَبَصَّرَ الْفِتْنَةَ تَأْوَّلَ الْحِكْمَةَ، وَمَنْ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ
عَرَفَ السُّنَّةَ ، وَمَنْ عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأَوَّلِينَ ، فَاهْتَذِى إِلَى الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ،
وَالْعَدْلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَمْرَةِ الْعِلْمِ ، وَزَهْرَةِ
الْحُكْمِ، وَرَوْضَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ فَسَّرَ جَمِيعَ الْعِلْمِ ، وَمَنْ عَلِمَ عَرَفَ شَرَائِعَ
الْحُكْمِ ، وَمَنْ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحُكْمِ لَمْ يَضِلَّ ، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفْرِطْ أَمْرَهُ وَعَاشَ فِي
النَّاسِ حَمِيدَاً، وَالْجِهَادُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ
المُنْكَرِ ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنٍ(١) الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرٌ
المُؤْمِنِ ، وَمَنْ نَهَى عَنِ المُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ المُنَافِقِ ، وَمَنْ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ قَضْى
الَّذِي عَلَيْهِ ، وَمَنْ شَنَأَ الْمُنَافِقِينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أَخْبِرْنَا عَنِ الْكُفْرِ عَلَى مَا بُنِيَ كَمَا أَخْبَرْتَنَا عَنِ الْإِيمانِ ،
قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا الْيَقْطَانِ! بُنِيَ الكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الْجَفَاءِ، وَالْعَمُى ،
وَجَلَّ ، فَإِنَّ فِيهِ نَبَأْ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأْ مَا يَأْتِي بَعْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بَيِّنَ، مَنْ خَالَفَهُ
مِنَ الْجَبَابِرَةِ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغْىِ الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ
المَّتِينُ ، وَنُورُهُ المُبِينُ ، وَشِفَاؤُهُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَّبِعَهُ، لَا
يَعْوَجُ فَيُقَامُ ، وَلَ يَزِيغُ فَيَتَشَعَّبُ ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلاَ يُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرّدِّ ، هُوَ الَّذِي
سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَنَّهُ، أَوْ وَلُّوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا: يَا قَوْمَنَا! ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً
(١) الشَّنَانُ: الْبُغْضُ.
٤٣٦

عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾(١)، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ
هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنَا عَنِ الْفِتْنَةِ
هَلْ سَأَلْتَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الأُيَّةُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَمّ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾(٢) عَلِمْتُ
أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللَّهِ﴿ حَيِّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذِهِ
الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ بها؟ فَقَالَ: يَا عَلِي! إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي ، قُلْتُ : يَا
رَسُولَ اللَّهِ! أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَحَزِنْتُ عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَشَقَّ ذُلِكَ عَلَيَّ ، فَقُلْتَ لِي : أَبْشِرْ يَا صَدِيقُ ! فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ
وَرَائِكَ، فَقَالَ لِي: فَإِنَّ ذُلِكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا خُضِبَتْ هَذِهِ مِنْ هُذَا!
وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِي وَرَأْسِي، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ ذلِكَ مِنْ
مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى الشُّكْرِ! فَقَالَ لِي : أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا
عَلِيُّ ! إِنَّكَ بَاقٍ بَعْدِي، وَمُبْتَلَّى بِأُمَّتِي، وَمُخَاصَمْ يَوْمَ الْقِيَامَةَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى،
فَأَعْدِدْ جَوَاباً ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي بَيِّنْ لِي مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي يُبْتَلَوْنَ بها، وَعَلَى مَا
أُجَاهِدُهُمْ بَعْدَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ سَتُقَاتِلُ بَعْدِي النَّاكِثَةَ(٣)، وَالْقَاسِطَةَ(٤)، وَالمَارِقَةَ (٥)،
- وَحَلَّهُمْ وَسَمَّاهُمْ رَجُلاً رَجُلًا -، ثُمَّ قَالَ لِي: وَتُجَاهِدُ أُمَّتِي عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ
الْقُرْآنَ مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ، وَلَ رَأْيَ فِي الدِّينِ، إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ
وَتَهْيُهُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَرْشِدْنِي إِلَى الْفَلَجِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
فَقَالَ: نَعَمْ ، إِذَا كَانَ ذُلِكَ فَاقْتَصِرْ عَلَى الْهُذِى، إِذَا قَوْمُكَ عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى
(١) سورة الجن، الآية: ١.
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٢/١.
(٣) النَّاكثين: أصحابُ الجمل، لأنهم نكثوا بيعتَهم. (النهاية: ٤/٦٠)
(٤) القاسطين: أهلُ صِفِّين لأنهم جاروا في حكمهم وبَغَوْا عليه. (النهاية: ٤/٦٠)
(٥) المارقين: الخوارج لأنهم مرَقوا من الدين كما يمرُق السهم من الرَّمية. (النهاية: ٤/٦٠)
٤٣٧

الْعَمْىِ، وَعَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ فَتَأَوَّلُوهُ بِرَأْيِهِمْ، تُتْبَعُ الْحُجَجُ مِنَ الْقُرْآنِ
بِمُشْتَبِهَاتِ الأَشْيَاءِ الْكَاذِبَةِ عِنْدَ الُّمَأْنِينَةِ إِلَى الدُّنْيَا وَالتَّهَالُكِ وَالتَّكَاتُرِ، فَاعْطِفْ أَنْتَ
الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا قَوْمُكَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، عِنْدَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ ، وَالأُمْرِ
الطَّامِحِ، وَالْهَرْجِ الْأُثِمِ، وَالْقَادَةِ النَّاكِثَةِ ، وَالْفِرْقَةِ الْقَاسِطَةِ ، وَالأُخْرَى المَارِقَةُ أَهْلُ
الْإِفْكِ الْمُرْدِي، وَالْهَوَى المُطْغِي، وَالشُّبْهَةِ الْحَالِقَةِ ، فَلاَ تَتَّكِلَنَّ عَنْ فَضْلِ الْعَاقِبَةِ ،
فَإِنَّ الْعَاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّكَ يَا عَلِيُّ أَنْ يَكُونَ خَصْمُكَ أَوْلِى بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَالاقْتِدَاءِ بِسُنِّي، وَالْعَمَلِ بِالْقُرْآنِ مِنْكَ، فَإِنَّ مِنْ فَلَجِ الرَّبِّ عَلَى
الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُخَالِفَ فَرْضَ اللَّهِ أَوْ سُنَّةً سَنَّهَا نَبِّ، أَوْ يَعْدِلَ عَنِ الْحَقِّ وَيَعْمَلَ
بِالْبَاطِلِ ، فَعِنْدَ ذُلِكَ يُمْلِي لَهُمْ فَيَزْدَادُوا إِثْماً، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ إِنَّمَا تُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا
إِثْمَأَ﴾(١) ، يَا عَلِيُّ! فَلاَ يَكُونَنَّ الشَّاهِدُونَ بِالْحَقِّ، وَالْقَوَّامُونَ بِالْقِسْطِ عِنْدَكَ
كَغَيْرِهِمْ، يَا عَلِيُّ! إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ، وَيَفْتَخِرُونَ بِأَحْسَابِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَيُزَكُونَ
أَنْفُسَهُمْ، وَيَمُنُّونَ دِينَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ عِقَابَهُ، وَيَسْتَحِلُونَ
حَرَامَهُ بِالْمُشْتَبِهَاتِ الْكَابَّةِ(٢) ، فَيَسْتَحِلُونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا
بِالْبَيْعِ، وَيَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ ، وَيَطْلُبُونَ الْبِرِّ ، وَيَتَّخِذُونَ فِيمَا بَيْنَ ذلِكَ أَشْيَاءَ مِنَ الْفِسْقِ لَاَ
تُوصَفُ صِفَتُهَا، وَيَلِي أَمْرَهُمُ السُّفَهَاءُ، وَيَكْثُرُ تَتَبُّعُهُمْ عَلَى الْجَوْرِ وَالْخَطَإِ ، فَيَصِيرُ
الْحَقُّ عِنْدَهُمْ بَاطِلاً، وَالْبَاطِلُ حَقًّ، وَيَتْعَاوَنُونَ عَلَيْهِ وَيَرْمُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَيَعِيبُونَ
الْعُلَمَاءَ وَيَتَّخِذُونَهُمْ سُخْرِيًّا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَبِأَيَّةِ المَنَازِلِ هُمْ إِذَا فَعَلُوا ذُلِكَ، بِمَنْزِلَةٍ
فِتْنَةٍ ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ؟ قَالَ: بِمَنْزِلَةٍ فِتْنَةٍ ، يُنْقِذُهُمُ اللَّهُ بِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ عِنْدَ ظُهُورِنَا،
السُّعَدَاءُ مِنْ أُولِي الأَلْبَابِ إِلَّ أَنْ يَدَعُوا الصَّلاَةَ ، وَيَسْتَحِلُوا الْحَرَامَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ،
فَمَنْ فَعَلَ ذُلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ ، يَا عَلِيُّ! بِنَا فَتَحَ اللَّهُ الْإِسْلاَمَ وَبِنَا يَخْتِمُهُ، بِنَا أَهْلَكَ
(١) سورة العمران، الآية: ١٧٨ .
(٢) الكاتبة: المزدحمة. (النهاية: ٤/١٣٨)
٤٣٨

وَالْغَفْلَةِ ، وَالشَّكُّ، فَمَنْ جَفَا فَقَدِ احْتَقَرَ الْحَقَّ، وَجَهَرَ بِالْبَاطِلِ، وَمَقَتَ الْعُلَمَاءَ ،
وَأَصَرَّ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ عَمِيَ نَسِيَ الذِّكْرَ وَاتَّبَعَ الظُّنَّ، وَطَلَبَ المَغْفِرَةَ بِلَا
تَوْبَةٍ وَلَ اسْتِكَانَةٍ ، وَمَنْ غَفِلَ حَادَ عَنِ الرُّشْدِ ، وَغَرَّتْهُ الأَمَانِيُّ، وَأَخَذَتْهُ الْحَسْرَةُ
وَالنَّدَامَةُ ، وَبَدَا لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ، وَمَنْ عَتَا فِي أَمْرِ اللَّهِ شَكَّ ، وَمَنْ شَكَّ
شَقَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَأَذَلَّهُ بِسُلْطَانِهِ، وَصَغَّرَهُ بِجَلَالِهِ، كَمَا فَرَّطَ فِي أَمْرِهِ فَاغْتَرَّ بِرَبِّهِ
الْكَرِيمِ، وَاللَّهُ أَوْسَعُ بما لَدَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالتَّيْسِيرِ، فَمَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ اجْتَلَبَ بِذْلِكَ
ثَوَابَ اللَّهِ ، وَمَنْ تَمَاذِى فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ذَاقَ وَبَالَ نَقْمَةِ اللَّهِ ، فَهَنِئَاً لَكَ يَا أَبَا الْيَفْظَانِ !
عُقْبِى لَاَ عُقْبِى غَيْرَهَا، وَجَنَّاتٌ لَاَ جَنَّاتَ بَعْدَهَا! فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ! حَدِّثْنَا عَنْ مَيِّتِ الأَحْيَاءِ، قَالَ: نَعَمْ! إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّبِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ، فَصَدَّقَهُمْ مُصَدِّقُونَ وَكَذِّبَهُمْ مُكَذِّبُونَ، فَيُقَاتِلُونَ مَنْ كَذَّبَهُمْ بِمَنْ صَدَّقَهُمْ،
فَيُظْهِرُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ يَمُوتُ الرُّسُلُ، فَتَخْتَلِفُ خُلُوفٌ، فَمِنْهُمْ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرَ: بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ
وَقَلْبِهِ ، فَذْلِكَ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْخَيْرِ، وَمِنْهُمْ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ: بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ، تَارِكُ لَهُ
بِيَدِهِ ، فَذْلِكَ خَصْلَتَانِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ تَمَسَّكَ بِهِمَا، وَضَيَّعَ خَصْلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ
أَشْرَفُهَا، وَمِنْهُمْ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ، تَارِكُ لَّهُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَذْلِكَ ضَيَّعَ شَرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ
مِنَ الثَّلاثِ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لَهُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ ، فَذَلِكَ مَيِّتُ
الأَحْيَاءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنَا عَلَى مَا قَاتَلْتَ طَلْحَةً
وَالزُّبَيْرَ ؟ قَالَ : قَاتَلْتُهُمْ عَلَى نَقْضِهِمْ بَيْعَتِي، وَقَتْلِهِمْ شِيعَتِي مِنَ المُؤْمِنِينَ حَكِيمَ بْنَ
جَبْلَةَ الْعَبْدِيَّ، مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَالسَّائِحَةَ وَالْأُسَاوِرَةَ بِلاَ حَقِّ اسْتَوْجَبُوهُ مِنْهُمَا، وَلَاَ
كَانَ ذُلِكَ لَهُمَا دُونَ الْإِمَامِ، وَلَوْ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذُلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
لَقَاتَلَهُمَا، وَلَقَدْ عَلِمَ مَنْ هُهُنَا مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَهِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَرْضَ
مِمَّنِ امْتَنَعَ مِنْ بِيعَةٍ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى بَايَعَ وَهُوَ كَارِهٌ وَلَمْ يَكُونُوا بَايِعُوهُ بَعْدُ الأَنْصَارُ، فَمَا
بَالِي وَقَدْ بَايَعَانِي طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنٍ، وَلَكِنَّهُمَا طَمِعَا مِنِّي فِي وِلَيَةِ الْبَصْرَةِ وَالْيَمَنِ ،
فَلَمَّا لَمْ أَوَلِّهِمَا وَجَاءَهُمَا الَّذِي غَلَبَ مِنْ حُبِّهِمَا لِلُّنْيَا وَحِرْصِهِمَا عَلَيْهَا خِفْتُ أَنْ يَتَّخِذَا
٤٣٩
:
------.. "

عِبَادَ اللَّهِ خَوَلاً، وَمَالَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنْفُسِهِمَا، فَلَمَّا زَوَيْتُ ذلِكَ عَنْهُمَا، وَذْلِكَ بَعْدَ أَنْ
جَرَّبْتُهُمَا وَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أَخْبِرْنَا عَنِ
الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أَوَاجِبٌ هُوَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عِه
يَقُولُ: إِنَّمَا أَهْلَكَ اللَّهُ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ قَبْلَكُمْ بِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ
المُنْكَرِ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ﴾(١) ، وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لَخُلْقَانٍ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ، فَمَنْ نَصَرَهُمَا نَصَرَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ خَذَلَهُمَا خَذَلَهُ اللَّهُ، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ
فِي سَبِيلِهِ عِنْدَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إِلَّ كَبُفْعَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، فَمُرُوا
بِالمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ ، لَ يُقَرِّبَانِ مِنْ
أَجْلٍ ، وَلَا يُنْقِصَانِ مِنْ رِزْقٍ ، وَأَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ ، وَإِنَّ الْأَمْرَ
لَيْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ كَمَا يَنْزِلُ قَطْرُ المَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بما قَدَّرَ اللَّهُ لَهَا مِنْ
زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي نَفْسٍ أَوْ أَهْلِ أَوْ مَالٍ ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ نُقْصَاناً فِي شَيْءٍ مِنْ
ذلِكَ وَرَأَىْ الْآخَرَ ذَا يَسَارٍ لاَ يَكُونَنَّ لَهُ فِنَةٌ، فَإِنَّ المَرْءَ المُسْلِمَ الْبَرِيءَ مِنَ الْخِيَانَةِ
لَيْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْذِى الْحُسْنَيْنِ: إِمَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ وَاقِعٌ، وَإِمَّا رِزْقٌ مِنَ اللَّهِ
يَأْتِيهِ عَاجِلٌ، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ ، وَمَعَهُ حَسَبُهُ وَدِينُهُ ، المَالُ وَالْبُنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ حَرْتُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ حَرْثُ الأُخِرَةِ ، وَقَدْ
يَجْمَعُهُمَا آللَّهُ لِِّقْوَامِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنَا عَنْ أَحَادِيثِ
الْبِدَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَلَهَ يَقُولُ: إِنَّ أَحَادِيثَ سَتَظْهَرُ مِنْ بَعْدِي ،
حَتَّى يَقُولُ قَائِلُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَه، كُلُّ ذَلِكَ اخْتِرَاءُ
عَلَيٍّ ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ! لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى أَصْلِ دِينِهَا وَجَمَاعَتِهَا عَلَى ثِنْتَيْنِ
وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا ضَالَّةً مُضِلَّةٌ تَدْعُو إِلَى النَّارِ ، فَإِذَا كَانَ ذُلِكَ فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٩.
٤٤٠
٠