Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة، بان له فسادُ وضع الأقسام التي ذكرها الحاكمُ. وإذْ قد فَرَغنا من إبطال هذه الدعوى، فلنذكر التحقيقَ في قبول الأخبار من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي ذكرُها، فمهما (١) كانت تلك الشرائط موجودةً في حق راو، كان على شرطِهم وغَرَضِهم، ولزمهم قبولُ خبره، تفرَّد بالحديث أو شارَكَه فيه غیرُه. نعم يُفيد هذا في باب الترجيحات، عند تعارُض الأخبار حالةَ المذاكرة بين المتناظرين، وذلك من وظيفة الفقهاء(٢)، لأن قصدَهم إثباتُ الأحكام، (١) يستعملُ أهل القرن الخامس والسادس مثلُ المؤلف وقبله الغزالي في كتبهم لفظة (مهما) بمعنى (إذا)، وهو استعمال اصطلاحي فشا بينهم، لا تُساعِدُ عليه كتبُ اللغة. واستعمله الأصمعي بهذا المعنى، كما جاء في كلامٍ له نَقَلَه عنه ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) ص ١٩٤، في النوع السادس والعشرين، في التفريع الثامن فيه، فالله أعلم. (٢) وما أجلّ وظيفتهم وأخطرها، ومن التهجّم خُفوفُ بعض المتهوسين إلى الأخذ بأول حديثٍ يَبلُغهم في المسائل الخلافية، من غير نظر إلى أنه هل هناك مُعارِض أقوى أو ما هو طريقُ الترجيح بين المتعارضين أو ما هو وجهُ الجمع بينهما، وربما يُسارع إلى نفي ما لم يبلغه، وهو يدعي في ذلك كلِّه أنه أخذ بقول الأئمة الفقهاء حيث نُقِلَ عن كل منهم أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولكن ذلك فيما إذا لم يكن معارِضُ هناك، وأين له معرفة ذلك، والمُوفَّقُ من وقف عند حدِّه ولم يُنازِعْ الأمرّ أهلَه. على أن الرواة مهما بَرّعوا قلما يُصيبون في تفقهاتهم، وليس أدل على ذلك مما رُدَّ على أبي عبد الله البخاري من تفقهاته في (صحيحه)) مع جلالة مقداره في الحفظ وعِظَمِه في النفوس، ولقد أنصفَ الأعمشُ حين قال لأبي يوسف أنتم الأطباءُ ونحن الصيادلة، على ما رواه ابنُ عبد البر في ((جامع العلم)). وفي ((التلبيس)» لابن الجوزي جملةٌ تفقهات للرواة يَحْكيها عنهم ليُعتبر بما فيها من = ١٤٢ ومجالُ نظرهم في ذلك متسع، وقد أورد بعضُ أئمتنا في باب الترجيحاتِ نيِّقاً وأربعين(١) وجهاً في ترجيح أحد الحديثين على الآخر. ثم الحديث الواحد لا يخلو: إما أن يكون من قَبِيل المُتواتِر، أو من قَبِيل الآحاد، وإثباتُ المُتواتِر في الأحاديث عَسير(٢) جداً، سيما على مذهب من لم يعتبر العَدّدَ في تحديده. وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء تُوجب العملَ دون العلم، فلا تعويلَ على مذهب الكوفيين(٣) في ذلك، وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها توجبُ العلمَ. وتفاصيلُ مذاهب الكل مذكورةٌ في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة: فقد اتفقوا أنه لا يُشترَطُ في قبول الآحاد العَدَدُ قلَّ أو كَثُر، والله أعلم. = العبر، وفيما ذكره المصنف إشارةٌ إلى ما قلنا. ز. (١) وأبلَغَها المصنِّفُ إلى خمسين وجهاً في كتابه «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار))، ونقلها برمتها العراقي في شرح تبصرته - أي شرح ألفيته ٣٠٣:٢ _ ٣٠٥ - ، وليس بين تلك الوجوه كونُ أحدِ الحديثين مما رواه البخاري أو مسلم مثلاً دون الثاني، وإنما ذَكَر فيه أوصافاً ترجع إلى نفس الرواة لا المُخرِّجين أصحابِ الكتب. ووجوهُ الترجيح والجمع مما اختلفت فيه آراءُ فقهاء الأمصار، واعتركت فيه أنظار النظار، وأما ما يقال من وجوب العمل بما في الصحيحين من غير توقف على النظر فيهما بخلاف غيرهما، فقد رُدَّ بأن ظاهرَه غيرُ مستقيم، لأن المراد إن كان أعمَّ من المجتهد وغيرِه ففيه أن المجتهد لا يجب عليه أن يقلد غيره، وإن كان المقصودُ المقلد فليس له إلاّ أن يتبع مجتهده. ز. (٢) وقد تساهل كثير ممن ألَّف في الحديث في دعوى التواتر في أحاديث غايةٌ ما ثبت فيها انجبارُ ما فيها من الضعف بطرق تُشْرَد. ز. يعني كالسيوطيِّ ومن تَّبِعَه كالكتاني. (٣) من نفاة خبر الآحاد. ز. ١٤٣ وهذا باب نَذْكُرُ فيه الشروطَ المعتبرةَ المذكورةَ عند الأئمة التي من احتَوى عليها، وتحلَّى بحليتها، لَزِمَ قبولُ خبره، واستَحقَّ إخراجَ حديثه في الصحيح، ثم نُردِفُه بذكر قصدِ البخاري في وضع كتابه، وكذلك نذكُرُ شرطَ من عداه من الأئمة الذين ذكرناهم أولاً، فهاتان مقدمتان من حيث الإِجمالُ والتفصيلُ ذكرتُهما مجملاً، ثم أذكرهما مفصلاً، فأقول: اعلم وفَّقك الله تعالى أنه لما كان كلُّ مكلَّف من البشر، لا يكاد يَسلم من أن تشوب طاعته معصيةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى أن لا يُقبَلَ إلَّ طائعٌ محضَ الطاعة، لأن ذلك يُوجِبُ أن لا يُقبَل أحد، وهكذا لا سبيل إلى قبول كل عاص، لأنه يُوجِبُ أن لا يُرَد أحد. وقد أمَر الله تعالى بقبول العدل، ورَدِّ الفاسق بنص القرآن، فاحتيج إلى التفصيل: فكل من ثبَتَ كذبُه رُدَّ خبرُه وشهادته، لأن الخبر ينقسم إلى الصدق والكذب، فالصدقُ هو الخبَرُ المتعلَّقُ بالمخبر عنه على ما هو عليه، والكذبُ عکسُه. وقد اختلف العلماء في حد الخبر، فقالت طائفة: الخبر ما دَخَله الصدقُ والكذب، وقيل: ما جاز أن يكون صدقاً وأن يكون كذباً، وقيل: ما كان صدقاً أو كذباً. وهذه حدود رسمية، لا تكاد تَسلم عن النُّقُوض، والكلامُ فيها يليق بالأصول. ١٤٤ ثم الخبرُ منقسم إلى متواتِرٍ وآحاد، فالمتواترُ ما يُخبر القومُ الذين يَبْلُغُ عدَدُهم حداً يُعلَم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أنَّ اتفاقَ الكذب منهم مُحال، والتواطؤَ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلُهم، قُطِعَ عند ذلك بصدقه، وأَوجَبَ حصولَ العلم ضرورة. وأما الآحاد فما قَصَر عن حد التواتر، ولم يَحصُل به العلم، ولكن تداولته الجماعة . ثم الأخبار كلها على ثلاثة أضرب: فضَرْبٌ منها تُعلَمُ صحتُه، وضَرْبٌ منها يُعلَمُ فسادُه، وضَرْبٌ منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحدٍ من الأمرين دون الآخر. أما الضربُ الأول فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر: أن يكون مما تَدُلُّ العقول على مُوجَبِه، كالإِخبار عن حدوث العالم وإثبات الصانع . وأما الضربُ الثاني وهو ما يُعلَمُ فسادُه، فهو الذي تَدفعُ العقولُ صحتَه بموضوعها والأدلةِ المنصوبةِ فيها، نحوُ الإِخبار عن اجتماع المتضادَّينِ، أو أنَّ الجسمَ الواحدَ في الزمنِ الواحدِ في مكانين، أو مما يدفعه نصُّ القرآن أو السنَّةِ المتواترة، أو أجمعت الأمة على رده تكذيباً له، وغير ذلك. وأما الضربُ الثالث الذي لا يُعلَم صحتُه من فساده، فإنه يجب الوقفُ عن القطع بكونه صدقاً أو كذباً، وهذا الضربُ لا يَدخُلُ إلَّ فيما يجوزُ أن يكون ويجوزُ أن لا يكون، وهي الأخبار التي يأثرُها علماءُ الإِسلام في إثبات الأحكام الشرعية المختلَفِ فيها بين الأئمة. وإنما وجب التوقف فيما هذه حاله من الأخبار، لعدم الطريق إلى العلم ١٤٥ بكونها صدقاً أو كذباً، فلم يكن الحكم بأحد الأمرين فيها أولى من الحكم بالآخر، إلاّ أنه يجب العمل بما تضمنته من الأحكام إذا وُجدَتْ فيها الشرائط التي نذكرها بعد. فإذا ثبَتَ أن الحاجة داعية في تصحيح الخبر إلى اعتبارِ أوصافٍ في المخبر، فلنذكر الآن ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص لَزِمَ قبولُ خبره : الشرطُ الأولُ: الإِسلامُ، وهو المقصودُ الأعظمُ، فروايةُ أهل الشرك مردودة، ومستنَدُ ذلك الكتابُ والسنةُ والإِجماع، وليس هذا موضعَ إحصائها، وإنما نُشيرُ إشارة عارِيَةً عن الأدلة، فإن تحمَّل الروايةَ وهو مشرك، ثم أدَّاها في الإِسلام فلا بأس بذلك . والشرطُ الثاني: العقلُ، وبه يَتوجَّه الخطابُ، ومنه يُتَلقَّى الصوابُ، والمفقودُ عقلُه لا يخلو إما أن يكون مجنوناً أو صبياً، وكلاهما لا تُقْبَل روايتُه ولا شهادتُه، والأصلُ فيه قوله عليه السلام: ((رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقِل)). والحديث مشهور من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلا حاجة بنا إلی ذکر إسناده . ولأن حال الراوي إذا كان مجنوناً دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف الله ويرجوه، لما فيه من الاستعداد، فإذا رُدَّ خبرُ الفاسق، فخبَرُ المجنون أولى بذلك، والصبيُّ عند عدم التمييز بمثابة المجنون، وأما حالةَ التحمل فقد ذهب قوم إلى المنع إذا لم يكن مميزاً، وخالفهم في ذلك آخرون. ١٤٦ وأما من زال عقله بأمر طارىء كالاختلاط وتَغيّبِ الذهن فلا يعتد بحديثه، ولكن يلزم الطالبَ البحثُ عن وقت اختلاطه(١)، فإن كان لا يمكن الوصولُ إلى علمه طَرِحَ حديثُه بالكلية، لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختَلَط في حال صحته جاز له الرواية عنه وصح العمل بها. شرطٌ آخر: الصدق، وهو عمدة الأنباء، وعُدَّة الأنبياء، وشيمة الأبرار، وأرومة الأخيار، والبرزخ بين الحق والباطل، والفيصل بين الفاضل والجاهل، فمن تحلى بغير حليته، فلا يخلو كذبُه(٢) إما أن يكون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في أحاديث الناس فإن كان كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الحديث أو ادعاء السماع أو ما شاكل ذلك، فقد ذهب غيرُ واحد من الأئمة إلى ردِّ حديثه وإن تاب، نقلنا ذلك عن سفيان الثوري وابن المبارك ورافع بن الأشْرَس وأبي نعيم وأحمد بن حنبل وغيرهم. أما إذا قال: كنتُ أخطأتُ فيما رويتُه ولم أتعمد الكذب فإن ذلك يُقبلَ منه . (١) وللحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي جزء لطيف فيهم سماه ((الاغتباط فيمن رمي بالاختلاط)) مفيد في بابه. ز. وهو مطبوع متداول. (٢) ومن ينسب إلى الكذب في كتب الجرح قد لا تكون نسبتُه إليه بالمعنى المراد هنا، لأن الواهم المخطىء كاذب لعدم مطابقة خبره للواقع، فيُنسَبُ الرجل إلى الكذب من جهة أنه كان يَهِمُ، سيما في لغة أهل المدينة، والقادحُ في الراوي تعمُّد الكذب وهو المرادُ هنا، فمجرد نسبة الراوي إلى الكذب لا يكون قادحاً لأنه جرحٌ غيرُ مُفسّر، أما الواهم فله أحکام. ز. ١٤٧ وأما الذي يَكذِبُ في أحاديث الناس فإنه متى جُرِّبَ عليه ذلك وظهر فإنه يُرَدّ حديثه، وكذا من عُرِفَ بقبول التلقين وتكرر ذلك منه واشتَهَر به فلا يُقبل حديثُه، وكذا من عُرِفَ بالتساهل في رواية الحديث وقلة المبالاة في تَعَاهُدِ الأصول في حالتي التحمل والأداء ، يُرَدُّ خبرُه. شرطٌ آخر: أن لا يكون مدلِّساً، والتدليسُ وإن كان أنواعاً فبعضُها أسهلُ من بعض، وكان جماعةٌ من ثقات الكوفيين والبصريين مُوْلَعين به ممن حديثُهُ مُخَرَّجُ في الصحاح، غير أن شرطَ الصحيح لا يحتمل ذلك(١). (١) قال الحافظ أبو سعيد صلاح الدين العلائي في ((جامع التحصيل لأحكام المراسيل)) ص ١٢٩، بعد أن سرد أسماء من ذُكِر بالتدليس من الرواة: هؤلاء كُلُّهم ليسوا على حد واحد بحيث إنه يُتوقَّفُ في كل ما قال فيه واحد منهم: (عن) ولم يُصرِّح بالسماع، بل هم على طبقات: أولُها: من لم يُوصَف بذلك إلاَّ نادراً جداً بحيث إنه لا ينبغي أن يُعدّ فيهم كيحيى بن سعيد وهشام بن عروة وموسى بن عقبة. وثانيها: من احتمل الأئمةُ تدليسَه وخَرَّجُوا له في الصحيح وإن لم يُصرِّخ بالسماع، وذلك إما لإِمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما رَوَى، أو أنه لا يدلس إلاَّ عن ثقة، وذلك كالزهري وسليمانَ الأعمشِ وإبراهيم النَّخَعي وإسماعيلَ بنِ أبي خالد وسليمان التيميِّ وحُميد الطويل والحكم بن عُتَيْبَة ويحيى بن أبي كثير وابن جريج والثوري وابن عيينة وشَريكٍ وهُشيمٍ، ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديثُ الكثيرُ مما ليس فيه التصريحُ بالسماع، وبعضُ الأئمة حَمَلَ ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوِها، من شيخه، وفيه تطويلٌ، والظاهرُ أن ذلك لبعض ما تقدم آنفاً من الأسباب. اهـ. موسى بن عقبة ذكره ابن حبان والإسماعيلي بالتدليس، قال الإِسماعيلي يقال: إنه لم يَسمع من الزهري شيئاً، وروايتُه عن الزهري في ((صحيح البخاري)». وأبان بن عثمان له عن أبيه في ((صحيح مسلم»، قال أحمد: ما سَمِع من أبيه. = ١٤٨ شرطٌ آخر: العدالةُ، وقد أجمع أهلُ العلم على أنه لا يُقبَلُ إلَّ خبرُ العدل، وكلُّ حديث اتصل إسنادُه بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العملُ به إلَّا بعد ثبوت عدالةِ رجاله وإمعان النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن عدالةً الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإخبارِه عن طهارتهم. وصفاتُ العدالة هي اتباعُ أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنُّبُ الفواحش المُسْقِطَةَ، وتَحرِّي الحقِّ، والتوقِّي في اللفظ مما يَتْلَمُ الدينَ والمروءةَ، وليس يكفيه في ذلك اجتنابُ الكبائر حتى يجتنب الإِصرارَ على الصغائر، فمتى وُجِدتْ هذه الصفاتُ كان المُتَحَلِّي بها عدلاً مقبولَ الشهادة والرواية . وأبو إسحاق الفزاري له عن أبي طُوّالة في ((البخاري)) ولم يَسمَعْ منه، ذكره ابن مردويه . = وزهرة بن معبد توقف ابن أبي حاتم في روايته عن ابن عمر وهي في ((البخاري)). وسُلَيم بن عامر قال أبو حاتم: لم يُدرك المقداد بن الأسود، وحديثُه عنه في ((صحيح مسلم)). وعامر الشعبي أنكر أحمدُ سماعه من أبي هريرة، وخَرَّجا في الصحيحين حديثه عنه. وأبو عُبَيدة ما سَمَعَ أباه ابنَ مسعود، وقد أدخلوا حديثَه في الصحيح، إلى غير ذلك مما تجده وأمثاله في الكتابِ المذكور وغیرِهِ، وهو كتابٌ جليلٌ جَمُّ الفوائد في بابه. فقبولُ تلك الأحاديث على فرض انقطاعها لأحد الأسباب المتقدمة قبولٌ للمُرْسَلِ وتصحيحٌ له كما هو مذهبُ الأئمة الأربعة وأصحابِهم على اختلافٍ بينهم في شرط الأخذ بالمرسل، وإن خَالَفَ ذلك مُصطلحَ المحدثين بعدهم. وأما عَدُّ تلك الأحاديث - في غير ما ورد فيه تصريح السماع بطريق صحيح - مسموعةً خاصةً، فَتَجَؤُّهُ دون إثباتِه خرطُ القَتَاد، ومعرفةُ أمثال تلك المواضع من الصحاح تُجْدِي عند التعارض والترجيح. ز. ١٤٩ غير أنه تُعتَبَرُ في صحة الرواية أشياء ولا تُعْتَبَرُّ في الشهادة. فمنها: أن يكون الشخصُ - بعد أن ثَبتَتْ عدالتُه، وجانَبَ ما يُنافِي العدالةَ نحوَ السفهِ وغيرِه - معروفاً عند أهل العلم بطلب الحديثِ وصَرْفٍ العناية إليه (١). ومنها: أن يكون حفظُه مأخوذاً عن العلماء لا عن الصُّحُف. ومنها: أن يكون ضابطاً لما سمعه وقت سماعه، متحفظاً على شيخه في روايته من أن يُدلِّسَه إن كان ممن يُعْرَفُ بالتدليس. وكان يحيى بن سعيد(٢) يقول: ينبغي في هذا الحديث غيرُ خَصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويكونَ يَقهمُ ما يقال، ويُبُصِرُ الرجال، ثم يتعاهد ذلك(٣). وقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ العلمُ إلاّ عن ثلاثة: حافظ له (١) وهذا الشرطُ مما اشترطه الحاكمُ واختلفوا فيه، قال ابن حجر: والظاهرُ من تصرف الشيخين اعتبار ذلك إلاّ إذا كثُرتْ مخارجُ الحديث، فيستغنيان عن اعتباره كما يُسْتَغْنَى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام. قال: ويمكن أن يقال: إن اشتراطَ الضبط يُغني عن ذلك إذ المقصودُ بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيدُ اعتناء بالرواية لتَركَنَ النفسُ إلى كونه ضَبَطَ ما روى. اهـ. على أن دعوى كون الراوي معروفاً بطلب الحديث وبصرف العناية إليه، تكون مردودةً بأول نظرة فيما إذا لم يَرو إلاَّ حديثاً واحداً أو حديثين عن رجل واحد. ز. وكلامُ ابن حجر الذي نقله شيخُنا هو في ((النكت)) ٢٣٨:١، و((تدريب الراوي)) للسيوطي ٦٩:١ - ٧٠، ونصُّ ((التدريب)» أكملُ. (٢) هو أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري، الإِمام الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيت بعينيّ مثل يحيى بن سعيد القطان، ولد سنة ١٢٠ ومات سنة ١٩٨. (٣) هو في ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص ١٦٤. ١٥٠ أمينٍ عليه، عارفٍ بالرجال، ثم يأْخُذُ نفسَه بدرسه وتكريره حتى يستقر له حفظُه(١). ومنها: أن يكون متيقظاً سليم الذهن عن شوائب الغفلة. ومنها: أن يكون قليلَ الغلط والوَهَم، لأن من كَثُرَ غَلَطُه وكان الوهمُ عليه غالباً رُدَّ حديثُه وسَقَط الاحتجاج به. ومنها: أن يكون حسنَ السَّمْت، موصوفاً بالوقار، غيرَ مشهورٍ بالمجون والخلاعة، إذ ارتكابُ هذا مُفضٍ إلى السفه. ومنها: أن يكون مُجانباً للأهواء تاركاً للبدع، فقد ذهب أكثرُهم إلى المنع إذا كان داعيةً، واحتملوا رواية من لم يكن داعية . فهذه جوامعُ الأوصاف، ولها تَوابِعُ ولواحِقُ لا يمكن إحاطةُ العلم بها إلاّ بعد الممارسة والمطالعة للكتب المصنفة في هذا الشأن. ثم اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذاهبَ في كيفية استنباط مخارج الحديث، نُشِيرُ إليها على سبيل الإِيجاز، وذلك أن مذهبَ من خَرَّج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقاتٌ أيضاً، وحديثُه عن بعضهم صحيحٌ ثابتٌ يلزمُهُ إخراجُه، وعن بعضهم مدخولٌ لا يَصلُّحُ إخراجُه إلاَّ في الشواهد والمتابعات(٢). وهذا بابٌ فيه غُموضٌ، وطريقُهُ معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل (١) هو في ((الكفاية في علم الرواية)) ص ١٦٥. (٢) المتابعة: أن تُوجَد موافقةُ راوٍ لراو ظُنَّ انفراده بحديث عن شيخه لفظاً. والشاهدُ: أن يُوجَدَ متن يُشْبِهُه ولو معنىّ من طريق صحابي آخر. وتتبعُ الطرق لذلك: اعتبارٌ في مُصطلحِھم. ز. ١٥١ ومراتبٍ مَداركهم. ولنوضِخْ ذلك بمثال، وهو أن يُعلَم مثلاً أن أصحاب الزهري على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في (الطبقة الأولى) فهو الغايةُ في الصحة، وهو غايةُ مقصدٍ البخاري . (والطبقة الثانية) شارَكَتْ الأولى في العدالة، غير أنّ الأولى جَمَعتْ بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزَامِلُه في السفر ويُلازِمُه في الحضر، والطبقة الثانية لم تُلازِم الزهري إلَّ مدةً يسيرةً فلم تُمارِسْ حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. (والطبقة الثالثة) جماعةٌ لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غيرَ أنهم لم يَسْلَمُوا من غوائِل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي. (والطبقة الرابعة) قومٌ شاركوا أهلَ الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل وتَفَرَّدُوا بقلة مُمارَسِتِهِم لحديث الزهري، لأنهم لم يُصاحِبُوا الزهري كثيراً، وهم من شرط أبي عيسى الترمذي. وفي الحقيقة شرطَ الترمذي أبلغُ (١) من شرط أبي داود لأن الحديثَ إذا كان ضعيفاً أو مَطْلَعُه من حديثِ أهل الطبقة الرابعة، فإنه يُبَيِّن ضَعْفَه ويُنَبِّهُ عليه، فيصيرُ الحديثُ عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتمادُه على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة: فكتابُهُ مشتملٌ على هذا الفن، فلهذا جعلنا شرطَهُ دون شرط أبي داود(٢). (١) يعني: أَعْلَى. (٢) وقد اعتُرِضَ على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأُ بالأحاديث الغريبة = ١٥٢ = الإِسناد غالباً، وليس ذلك بعيبٍ، فإنه رحمه الله يُبيِّنُ ما فيها من العلل ثم يُبيِّن الصحيحَ في الإِسناد، وكان قصدُه رحمه الله ذكرَ العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له. وأما أبو داود رحمه الله فكانت عنايتُه بالمتون أكثرَ، ولهذا يذكر الطرقَ واختلافَ ألفاظها والزياداتِ المذكورةَ في بعضها دون بعض، فكانت عنايتُه بفقه الحديث أكثرَ من عنايتِه بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد وربما لم يذكر الإِسنادَ المُعلَّلَ بالكلية. ولهذا قال في رسالته إلى أهل مكة: سألتم أن أذكر لكم: الأحاديثَ التي في ((كتاب السنن)) أهي أصُّ ما عرفت في الباب؟ فاعلموا أنه كذلك إلاَّ أن يكون قد رُوِي من وجهين صحيحين، وأحدُهما أقوى إسناداً والآخرُ صاحبُه أقومُ في الحفظ فربما كتبتُ ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلَّ حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديثُ صحاحٌ فإنه يكثر، وإذا أعدتُ الحديثَ في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرتُ الحديثَ الطويل لأنه لو كتبتُه بطوله لم يَعْلَم بعضُ من سمعه ولا يَفْهَمُ موضعَ الفقه منه، فاختصرتُه لذلك، إلى أن قال: وما في كتابي من حديثٍ فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لم يصح مسنداً وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحُّ من بعض، إلى أن قال: والأحاديثُ التي وضعتُها في (كتاب السنن)) أكثرُها مشاهير، وهو عند كلِّ من كتب شيئاً من الحديث، إلاّ أن تمييزَها لا يقدر عليه كلُّ الناس، والفخرُ بها أنها مشاهير فإنه لا يُحتج بحديثٍ غريبٍ ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتُجَّ بحديثٍ - غريب - وجدت من يطعن فيه، ولا يَحتَجُّ بالحديث الذي قد احتُجَّ به إذا كان الحديثُ غريباً شاذاً. فأما الحديثُ المشهورُ المتصل الصحيح فليس يقدر أن يردّه عليك أحد. قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون الغريب من الحديث، إلى آخر ما ذكره ابن رجب في ((شرح ١٥٣ (والطبقة الخامسة) نَفَرٌ من الضعفاء والمجهولين(١)، لا يجوز لمن = علل الترمذي)» ٦٢٥:٢ - ٦٢٧، وسيذكر المصنّفُ بعضَ ((رسالة أبي داود)) على اختلاف يسير في اللفظ. ز. (١) قال ابن رجب في ((شرح العلل)» ٣٧٦:١ - ٣٨٠: اختلف الفقهاءُ وأهلُ الحديث في رواية الثقة عن رجلٍ غيرِ معروف هل هو تعديل له أم لا، وحكى أصحابُنا عن أحمد في ذلك روايتين، والمنصوصُ عن أحمد يدل على أنه من عُرف أنه لا يَروي إلاّ عن ثقة فروايتُه عن إنسان تعديل له، ومن لم يُعرّف منه ذلك فليس بتعديل، وصَرَّح بذلك طائفة من المحققين من أصحابنا وأصحابٍ الشافعي. قال أحمد في رواية الأثرم: إذا روى الحديثَ عبدُ الرحمن بنُ مهدي فهو حجة، وفي رواية أبي زرعة: مالكُ بن أنس إذا روى عن رجل لا يُعرَف فهو حجة، قال يعقوب بن شيبة: قلتُ ليحيى بن معين: متى يكون الرجلُ معروفاً إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثلُ ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهلُ علمٍ، فهو غيرُ مجهول، فقلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء یروون عن مجهولین. انتھی. وهذا تفصيلٌ حَسَنٌ ومخالف لإطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه المتأخرون أنه لا يَخرُجُ الرجل من الجهالة إلاّ برواية رجلين فصاعداً، عنه، وابنُ المديني يشترط أكثرَ من ذلك فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيى بنُ أبي كثير وزيد بنُ أسلم معاً، إنه مجهول، ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده إنه مجهول، وقال فيمن يروي عنه ابنُ المبارك ووكيعٌ وعاصم: هو معروف، وقال فيمن روى عنه عبدُ الحميد بنُ جعفر وابنُ لهيعة: ليس بالمشهور، وقال فيمن روى عنه ابنُ وهب وابنُ المبارك: معروف، وقال فيمن روى عنه مالك وابن عيينة معروفٌ ... ، قال ابنُ عبد البر في ((استذكاره)): إن من روی عنه ثلاثة فلیس بمجهول، قال: وقیل اثنان. انتهى - كلام ابن رجب - . والرجلُ قد يكون مجهولاً عند أبي حاتم ولو روى عنه جماعة ثقات - يعني أنه مجهول الحال - وقد رَدُّوا عليه. ويتكلم أبو الحسن بن القطان فيمن لم يوثقه إمامٌ عاصَرَ = ١٥٤ يُخَرِّجُ الحديثَ على الأبواب أن يُخرِّجَ حديثَهم إلَّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد، وهم عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا (١). فأما أهلُ الطبقة الأولى فنحو مالك، وابن عيينة، وعُبَيد الله بن عمر، ويونس، وعقيل الأيليين، وشعيب بن أبي حمزة، وجماعةٍ سواهم. وأما أهل الطبقة الثانية فنحو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغیرِهم. = ذلك الرجلَ أو أخذه عمن عاصره، ويَعُدُّه مجهولاً، ولم يُوافقوا عليه، وفي الصحيحين جماعة جَهَّلَهم أبو حاتم وعَرَفَهم غيرُه كأحمد بن عاصم البلخي وأسباط أبي اليَسَع وبيان بن عمرو وعبيد الله بن واصل والحكم بن عبد الله المصري وعباس القنطري ومحمد بن الحكم المروزي، وجَهَّلَ ابنُّ القطان إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي، وَجهَّلَ أبو القاسم اللالكائي أسامةَ بن حفص المديني كما في ((تدريب)) السيوطي ١ :٣٢٠. قال الذهبي في ((الميزان)) عند ترجمة مالك الزَّبَادِي: قال ابن القطان: هو ممن لم تَثْبُتْ عدالتُه، يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة الصحيح عدد كثير ما علمنا أن أحداً وثقه، والجمهورُ على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعةٌ ولم يأت بما ◌ُنگرُ علیه أن حديثه صحیح . وقال أيضاً عند ترجمة حفص بن بُغَيل: وفي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضَعَّفهم أحدٌ ولا هم بمجاهیل. اهـ. ز. (١) هكذا في طبعة حيدرآباد الهند، وفي طبعة شيخنا ( ... إلاّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه ... ) وهو كذلك في ((فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي)» للحافظ أبي القاسم عبيد الإِسْعِرْدِي ثم القاهري، ص ٣٦، نقلاً عن الحازمي. ١٥٥ والطبقة الثالثة نحوُ سفيان بن حسين السُّلَّمِي، وجعفر بن بَرْقَان، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرهم. والطبقة الرابعة نحوُ إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفِي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، وجماعةٍ سواهم. والطبقة الخامسة نحو بحر بن كَنِيْزِ السَّقَّاء، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرِهم، وهم خلق كثير اقتصرتُ منهم على هؤلاء، وقد أفردتُ لهم كتاباً استوفيتُ فيه ذکرهم(١). وقد يُخْرجُ البخاري أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الطبقة الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه(٢)، ولیس غرضي في هذا (١) هو كتاب الضعفاء والمجهولين. (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((مقدّمة فتح الباري)) ص ١٠، بعد أن ذكر كلامَ الحازمي ملخصاً ما نصه: ((وأكثرُ ما يُخَرِّجُ البخاري حديثَ الطبقة الثانية تعليقاً، وربما أخرج اليسيرَ من حديث الطبقة الثالثة تعليقاً أيضاً، وهذا المثالُ الذي ذكرناه هو في حق المكثرين، فيُقَاسُ على هذا أصحابُ نافع، وأصحابُ الأعمش، وأصحابُ قتادة، وغيرُهم، فأما غيرُ المكثرين فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قَوِي الاعتمادُ عليه فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتمادُ عليه فأخرجا له ما شاركه فيه غيرُه وهو الأكثر)). انتھی. وهذا الذي قيّد به ابنُ حجر كلامَ الحازمي لا بدّ منه، فإن من المقرّر عند أهل العلم = ١٥٦ المثال(١) ترتيبَهم على وِزَان ما قد خَرَّجوا في الصحاح وإنما قصدي التنبيهُ والتعريفُ. وعلى هذا يُعتذَرُ لمسلم في إخراجه حديث حَمَّاد بن سَلَمة، فإنه لم يُخرج إلَّ رواياتِه عن المشهورين، نحو ثابت البُنَّاني، وأيوب السختياني، وذلك لكثرةٍ ملازمتِه ثابتاً وطولٍ صحبته إياه، حتى بَقِيَتْ صحيفةُ ثابتٍ على ذُكْرِه وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما أحاديثُه عن آحاد البصريين، فإنَّ مسلماً لم يُخرج منها شيئاً، لكثرة ما يُوجَد في رواياته عنهم من الغرائب، وذلك لقلة ممارسته لحديثهم. وعلى هذا ينبغي أن يُسبّر حالُ الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته، فمهما حصل الفهمُ بحال الراوي على النحو المذكور، وكان الراوي محتوياً على الشرائط المذكورة، تعيّن إخراجُ حديثه منفرِداً كان به أو مشارَكاً. ولا أعلم أحداً من فِرَق الإِسلام القائلين بقبول خبر الواحد، اعتبر = أنه لا يُشتَرَط عند البخاري في الحديث المعنعن إلَّ لقاء المُعَنْعِنِ المعَنْعَنَ عنه ولو مرةً، ولا يُشترَطُ طولُ الملازمة أبداً، وأما مسلم فيكتفي بإمكان اللقاء فحسب، وما دام أن الأمرَ على ذلك فلا يصح إطلاقُ القول بأن البخاري يشترط في رواة ((صحيحه)) أن يكونوا طويلي الملازمة لشيوخهم أو أن مسلماً يشترط الملازمةَ وإن كانت يسيرةً، ونبّه على نحو ما ذكرتُه العلامةُ الأمير محمد بنُ إسماعيل الصنعاني في ((توضيح الأفكار)» ١٠٣:١، فافهم ذلك والله يرعاك . ولعل الحازمي رحمه الله تعالى أشار إلى هذا التفصيل بقوله الآتي: ((وليس غرضي في هذا المثال ترتيبَهم على وزان ما قد خرّجوا في الصحاح وإنما قصدي التنبيةُ والتعريفُ)). (١) وفي طبعة حيدرآباد: (في هذا الباب). ١٥٧ العَدَدَ، سوى متأخري المعتزلة، فإنهم قاسوا الروايةَ على الشهادةِ، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مَغْزَى هؤلاء إلَّ تعطيلُ الأحكامِ كما قال أبو حاتم بن حِبَّان(١). فإن قيل: إذا كان الأمر على ما ذكرتَ، فإنَّ الحديث إذا صَحَّ سندُه، وسَلِمَ من شوائب الجرح، فلا عبرة بالعَدَد والأفراد، وقد يُوجَدُ على ما ذكرتَ حديثٌ كثير (٢)، فينبغي أن يُناقَش البخاريُّ في تركِ إخراج أحاديث هي من شرطه، وكذلك مسلمٌ ومن بعده. قلتُ: الأمرُ على ما ذكرتُ من أن العبرة بالصحة لا بالعَدَد، وأما البخاري رحمه الله تعالى فإنه لم يلتزم أن يُخرج كلَّ ما صح من الحديث، حتى يتوجَّه عليه الاعتراضُ، وكما أنه لم يُخرج عن كل من صَحَّ حديثُه ولم يُسَب إلى شيء من جهات الجرح، وهم خلق كثير يبلغ عدَدُهم نيفاً وثلاثين ألفاً، لأن تاريخَه يشتمل على نحوٍ من أربعين ألفاً وزيادة، وكتابُه في الضعفاء دون سبع مئة نفس(٣)، ومن خَرَّجهم في جامعه دون (١) في مقدّمة ((صحيحه)) ١: ١٤٥. (٢) أي حديث كثير صحيح. (٣) هذا العددُ الذي ذكره الحازمي للرواة المترجم لهم في ((تاريخ البخاري))، و ((ضعفائِه))، قد سبقه إلى نحو ذلك الحاكم، فذكر في ((المدخل إلى الإكليل)) ص ١٩ ما نصه: ((وقد ذكرنا وجوهَ صحة الأحاديث على عشرة أنواع على اختلاف بين أهله فيه، لئلّاً يتوهم متوهم أنه ليس يصح من الحديث إلاّ ما أخرجه البخاري ومسلم، فإنّا نظرنا وتأملنا ووجدنا البخاري قد جمع كتاباً في «التاريخ» على أسامي من رُوِي عنهم الحديثُ من زمان الصحابة إلى سنة خمسين ومئتين، فبلغ عددُهم قريباً من أربعين ألف رجل وامرأة، المخرّج - له - منهم في ((الصحيحين)) للبخاري ومسلم، وقد جمعتُ أنا أساميهم وما = ١٥٨ ألفين(١)، كذا لم يُخرج كلَّ ما صَحَّ من الحديث. = اختلفا فيه فاحتج به الآخرُ، فلم يبلغوا ألفي رجل وامرأة، ثم جمعتُ من ظهر جرحُه من جملة الأربعين ألفاً، فبلغوا مئتين وستة وعشرين رجلاً. فليعلم طالبُ هذا العلم أن أكثر الرواة للأخبار ثقاتٌ، وأن الدرجة الأولى منهم محتج به في الكتابين، وأن سائرَهم أكثرُهم ثقات. وإنما سَقَط أساميهم من الكتابين (الصحيحين)) الوجوه التي قدّمنا ذِكْرَها لا يَخرُج عنها». انتهى، وذكر الحاكم نحو ذلك في ((المدخل إلى الصحيحين)) ص ١١١ - ١١٢. ونَقَل كلامَ الحازمي الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء» ١٢ : ٤٧٠، في ترجمة الإِمام البخاري وأقرّه. وهذا الذي ذكروه يَنقُضُه شاهدُ الوجود، فإن الرواة المترجم لهم في («التاريخ الكبير)) مع ((الكنى)) هم ١٣٧٧١، على ترقيم الناشر، وهذا العددُ ينقُصُ كثيراً جدّاً عن الأربعين ألفاً بحيث لا يُحتملُ تأويلُ كلام الحازمي وغيره بحمله على اختلاف النسخ، أو الاختلاف في العدّ، والله تعالى أعلم. وعدد الرواة المترجم لهم في ((الضعفاء الصغير» ٤١٨ راوياً، ولو أضيف إلى ذلك من جاء ذكرهم في كتاب الضعفاء الكبير - ولم نقف عليه - فقد يصلُ إلى قريب مما ذكره الحازمي في عدد المترجم لهم في «الضعفاء»، وأما العددُ الذي ذكره الحاكم للضعفاء من أنهم ٢٢٦ رجلاً، فهو مبني على رأيه أنه لا يُجَوِّزُ الجرحَ بالتقليد، فالمجروحُ على رأيه هو من ظَهَرَ جرحُه عنده اجتهاداً ومعرفةً، كما أشار إلى ذلك في مقدّمة ((المدخل إلى الصحيحين)) ص ١١٤، وكتابُه في الضعفاء وهو القسم الأول من ((المدخل إلى الصحيحين)) مشتمل على العددِ المذكور تقريباً، فقد ذَكَر فيه ٢٣٣ راوياً. (١) كان القائمون برواية الحديث وحمل السنة في عهده وقبله في الكثرة بمكان. قال الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) ص ٥٥٩ - ٥٦٠ حدثنا الحسين بن نبهان، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن أنس بن سيرين قال: أتيت الكوفةَ فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديثَ وأربع مئة قد فَقُهُوا. وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان، حدثنا مذكور بن سليمان الواسطي، = ١٥٩ = قال: سمعت عفان (شيخ أحمد) يقول، وسمع قوماً يقولون نسخنا كتبَ فلان ونسخنا کتب فلان، فسمعتُه يقول: نرى هذا الضربَ من الناس لا يُفْلِحُون، كنا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا، فقدمنا الكوفةَ فأقمنا أربعةً أشهر، ولو أردنا أن نكتب مئة ألف حديث لكتبنا بها، فما كتبنا إلاَّ قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلاّ بالإملاء إلَّ شريكاً فإنه أبى علينا، وما رأينا بالكوفة لحاناً مُجَوِّزاً - أي متجوِّزاً بالعربية - . وقال: حدثني أحمد بن يزيد السُّوسِي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن التميمي، حدثنا هانىء بنُ سكين الْعَبْسِي، قال سمعت سفيان الثوري وذُكِرَ عنده كثرةُ المحدثين فقال: أو ليس قد يضرب مثل (إذا كثرت الملاحون غرقت السفينة). أهـ. وقولُ أبي زرعة فيمن صنف في الصحيح من أهل عصره سيأتي في كلام المصنف في ص ١٨٥، ولم يُرِدْ هؤلاء الحفاظُ جمعَ جميع الصحاح من السنة في كتبهم ولا حَمْلَ الناس على ما في كتبهم فقط، بل جمع كلٌّ منهم ما تيسر له حسب ما يَرَى من الشروط، ومَنْعُ الإِمام مالك حين أراد بعضُ الخلفاء حَمْلَ الناس على ((الموطأ)) أشهَرُ من أن يُذكَر. قال الشيخ أبو بكر بنُ عِقال الصِّقِلِّي في ((فوائده)» على ما رواه ابن بَشْكُوال: إنما لم يَجْمَع الصحابةُ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن، لأن السنن انتشرت وخَفِي محفوظُها من مدخولها، فؤُكِلَ أهلُها في نقلها إلى حفظهم، ولم يُوكَلُوا من القرآن، إلى مثل ذلك، وألفاظُ السنن غيرُ محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابَهُ ببديع النظم الذي أعجز الخلقَ عن الإِتيان بمثله، فكانوا في الذي جَمَعوه من القرآن مجتمعين، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصاً مختلفين، فلم يصح تدوينُ ما اختلفوا فيه، ولو طَمِعوا في ضبط السنن كما اقتدروا على ضبط القرآن لما قَضَّرُوا في جمعها. ولكنهم خافوا إن دَوَّنُوا ما لا يتنازعون فيه أن تُجْعَل العمدةُ في القول على المدوَّن، = ١٦٠ ويشهد لصحة ذلك ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد، أنبأنا ابن طلحة في كتابه، عن أبي سعد الماليني، أنبأنا عبد الله بن عدي، حدثني محمد بن أحمد، قال: سمعت محمد بن حَمْدُويَهْ يقول: سمعت محمد بن إسماعيلَ يقول: أحفَظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيح، وأحفَظُ مئتي ألفٍ حدیث غیرٍ صحيح. وأخبرنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه، أنبأنا أبو علي أحمد بن محمد بن شهريار، أنبأنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي قال: سمعت من يحكي عن البخاري أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلاَّ صحيحاً (١) وما تركتُ من الصحيح أكثر. = فيكذبوا ما خرج عن الديوان، فتبطل سنن كثيرة، فوَسَّعُوا طريقَ الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها على قدر عناية كل واحد في نفسه، فصارت السنن عندهم مضبوطاتٍ، فمنها ما أصيب في النقل حقيقةً الألفاظ المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي السنن السائمة من العلل، ومنها ما حفظ معناها ونسي لفظها، ومنها ما اختلفَتْ الروايات في نقل ألفاظها، واختلف أيضاً رواتُها في الثقة والعدالة، وهي تلك السنن التي تدخلها العللُ، فاعتبَرَ صحيحَها من سقيمها أهلُ المعرفة بها، على أصولٍ صحيحة وأركانٍ وثيقة، لا يخلص منها طعنُ طاعنٍ ولا يُوَمِّنُها كيدُ كائد. اهـ. وهذا كلام في غاية المتانة. ز. (١) أي عنده وفي نظره، ومما يُلْفَت إليه النظرُ أن الشيخين لم يُخرِجًا في الصحيحين شيئاً من حديث الإِمام أبي حنيفة مع أنهما أدركا صغارَ أصحاب أصحابه وأخذا عنهم، ولم يُخرجا أيضاً من حديث الإِمام الشافعي مع أنهما لقيا بعضَ أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلاَّ حديثين أحدهما تعليقاً والآخر نازلاً بواسطة مع أنه أدركه ولازمه . - ونَقَل عنه في غير موضع من ((التاريخ الكبير))، ولكنّه دلّسه، فقال في ١٨٢:١/٤ و١٦:٢/٤ ((قال ابن هلال)»، فنَسَبه إلى جدّه الثاني، انظر تعليق المعلّمي اليماني في الموضعين، وقد أشار إلى هذا - تبعاً ومستفاداً من تحقيق المعلّمي - شيخُنا =