Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ بعض (١). = سندِهِ ما يَقتضِي الضعفَ، ولا جابِرَ له: حُكِمَ بضعفِهِ ولم يُلتَفَت إلى سكوتٍ أبي داود)». قلتُ - القائل ابن حجر -: وهذا هو التحقيقُ، لكنه خالف ذلك في مواضعَ من (شرح المهذَّب)) وغيره من تصانيفه، فاحتَجَّ بأحاديث كثيرة من أجل سكوتِ أبي داود عليها، فلا يُغتر بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن حجر. بل قال النووي رحمه الله في أوائل كتابه ((الأذكار)» في آخر فصول المقدّمة ما نصه: ((واعلم أن ((سنن أبي داود)) من أكثر ما أنقل منه، وقد روينا عنه أنه قال: ((ذكرتُ في كتابي: الصحيحَ وما يُشْبِهُهُ ويُقاربُه، وما كان فيه ضعف شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحّ من بعض)). هذا كلامُ أبي داود، وفيه فائدة حسنةٌ يَحتاجُ إليها صاحبُ هذا الكتابِ وغيرِهِ، وهي أن ما رواه أبو داود في ((سنته))، ولم يذكر ضعفه، فهو عنده صحيحٌ أو حسنٌ، وكلاهما يُحتج به في الأحكام، فكيف بالفضائل. فإذا تقرر هذا، فمتى رأيت هنا حديثاً من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يُضَعِّفْه، والله أعلم)). انتهى. وقال أيضاً في كتابه ((الترخيص في الإِكرام بالقيام)) ص ٤٤: ((وقد عُلِم ما قاله أبو داود رحمه الله تعالى في رسالتِه المعروفة، - يعني هذه الرسالة -، وحاصلُه أن كلَّ ما ذَكَرَه في كتابه ولم يَتَكلَّم فيه، فهو حَسَن)). انتهى. وهذا التعميمُ من الإِمام النووي رحمه الله تعالى موضع تعقّب كما عرفت قريباً من كلام الحافظ ابن حجر وكلام شيخنا الكوثري رحمهما الله تعالى. هذا، وإن الحافظ ابنَ كثير قال في ((اختصار علوم الحديث)) ص ٤٤ بعد أن ذكر قول أبي داود: ((وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح)): ((ويُروَى عنه أنه قال: وما سكتُ عنه فهو حسن)). انتهى. والظاهرُ أن هذه الروايةَ شاذة ضعيفة، والروايةُ الصحيحة: (فهو صالح)، كما جاءت في رسالته، ونقلها عنه الجمُّ الغفيرُ من الحفاظ الجهابذة كابن الصلاح، والنووي في ((تقريبه))، والعراقي وغيرِهم، ولم يذكروا سواها. (١) ظاهرُ هذا يقتضي أن المسكوت عنه إما صحيح أو أصح، فإن (أفعل) يقتضي المشاركةَ غالباً، ولكن المتعيّن أن أبا داود استعمل (أصح) هنا بالمعنى اللغوي، فكثيراً ما = ٤٢ = يطلق المحدّثون هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين أيضاً، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((تهذيب سنن أبي داود)» ٣: ١٣٤، إنّ هذا كثير في كلام المتقدّمين، قال: ولو لم يكن اصطلاحاً لهم، لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: هذا أصحّ من هذا، ولا يدل على أنه صحيح مطلقاً. انتهى. وحيث إنّ أبا داود حَصَرَ التبيينَ في الوهن الشديد ومفهومُه أن غيرَ الشديد لا يبيّنه، وظهر بالاستقراء أيضاً وجودُ الضعيف في المسكوت عنه: تعيّن أن قوله (وبعضها أصح من بعض) بمعنى بعضها أرجح من بعض، سواء أكان صحيحاً، أو حسناً، أو ضعيفاً محتملاً ضعفُه في الأحكام على رأي أبي داود وغيرِهِ ممن ذهب هذا المذهبَ، وانظر ((فتحَ المغيث)) للسخاوي رحمه الله تعالى ١: ٩٠ - ٩١، فقد نبّه على ذلك. وقال الحافظ البِقَاعي في ((النكت الوفية)) في الورقة ٧٢ ب - ٧٣ أ: « ... ليس يمسلَّم أن كل ما سكت عليه أبو داود يكون حسناً، بل هو وَهَمِّ أَتَى: مِنْ جهةِ أن أبا داود يريدُ بقوله: (صالح) الصلاحيةَ الاصطلاحيةَ، ومِنْ فَهْم أنَّ (أُصحَّ) في قوله: (وبعضُها أصحُّ من بعض)، تقتضي اشتراكاً في الصحة، وكذا قولُهُ: (إنه يَذْكُرُ في كل باب أصَخَّ ما عَرَف فيه). وليس الأمرُ في ذلك كذلك، أما من جهة قوله (صالح) فلأنه يَحتِمِلُ أن يريد صلاحيتَهُ للاحتجاج، فكذا يَحتمِلُ أن يريد صلاحيتَهُ للاعتبار، فإن أبا داود قال في (الرسالة)) التي أرسلها إلى من سأله عن اصطلاحه في كتابه: ذكرتُ فيه الصحيحَ، وما يُشْبِهُهُ، ويُقَارِيُّهُ، وما فيه وَهْنٌ شديد بيَّنته، ومَا لَا فصالحٌ، وبعضُها أصحُّ من بعض)). ثم قال البقاعي: ((واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع: ١ - الأول: الصحيح، ويجوزُ أن يُريد به الصحيحَ لذاته. ٢ - والثاني: مُشْبِهُهُ، ويمكنُ أن يريد به الصحيحَ لغيره. ٣ - والثالث: مُقارِبُهُ، ويَحتمِلُ أن يريد به الحسنَ لذاته. ٤ - والرابع: الذي فیه وهْنٌ شدید. = ٤٣ = ٥ - وقولُهُ: (ومَا لا)، يُفهَمُ منه أن الذي فيه وَهْنٌ ليس بشديد، فهو قسم خامس . فإن لم يَعتَضِد كان صالحاً للاعتبار فقط، وإن اعتَضَد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة، وصَلَح للاحتجاج، وكان قسماً سادساً. وعلى تقدير تسليم أنَّ مرادَه (صالحٌ) للاحتجاج، لا يستلزم الحكمَ بتحسين ما سَكَتَ عليه، فإنه يَرى الاحتجاجَ بالضعيف إذا لم يُوجَد في الباب غيرُهُ، ... اقتداءً بأحمد رضي الله عنه. وأما من جهة (أصَحَّ)، فلا يَخفى عليك أن تصريحَهُ بأنه يَحتجُّ بالضعيف يوضح أن مراده المفاضلة بينها في الاحتجاج، أي وبعضُها أقوى في بابِ الاحتجاجٍ من بعض، لا المشاركة في نفس الصحة، ... فظهر بهذا أن (أصحّ) ليست على بابها». انتهى. وهذه العبارة التي عزاها البقاعي إلى ((رسالة أبي داود)) من قوله: (ذكرتُ فيه الصحيحَ، وما يُشبِهُه، ويُقاربُه)»: هي بعينها غيرُ مذكورة في ((الرسالة)) بل رواها الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في ((تاريخه)) ٥٧:٩، حيث قال: ((حدثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القاري الدِّيْنَوَرِي بلفظه، قال: سمعت أبا بكر بن داسَهُ يقول: سمعت أبا داود يقول: كتبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضَمَّنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - ، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ذكرت الصحیحَ وما يُشْبِهُه ویُقاربه)). انتهى. هذا، والمباحثُ المتعلّقةُ بشرط أبي داود في ((سننه)) الذي ذكره في رسالته هذه، تراها في مبحث (الحديث الحسن) في ((مقدّمة ابن الصلاح)) و((التقييد والإِيضاح)» للعراقي ص ٣٨ - ٤١، و((حاشية الزركشي على مقدّمة ابن الصلاح)) ورقة ٥١ - مخطوط -، و((النكت على كتاب ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر ٤٣٢:١ - ٤٤٥، و ((النكت الوفية بما في شرح الألفية)) البقاعي ورقة ٧٣ - ٧٧ - مخطوط -، والفتح المغيث)) للسخاوي ٨٧:١ - ٩٩، و((تدريب الراوي)) للسيوطي ١٦٧:١ - ١٧٠، و ((توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار» للعلامة الأمير اليماني ١٩٦:١ - ٢١٨، = ٤٤ = و((الأجوبة الفاضلة الأسئلة العشرة الكاملة)) للعلامة اللكنوي ص ٦٧، ٧٣ - ٧٤، و(ظفر الأماني)) له أيضاً ص ١٦٤ - ١٦٦، و«توجيه النظر إلى أصول الأثر)) للعلامة طاهر الجزائري ٣٦٥:١ - ٣٧١، و((قواعد في علوم الحديث)) للعلامة ظَفَر أحمد التهانوي ص ٨٣ - ٨٩. وقال العلامة النظار محمد بن إبراهيم الوزير اليماني بعد بحث طويل عن شرط أبي داود، انتهى فيه إلى جواز الاعتماد على أبي داود فيما سكت عليه، قال ما نصه: ((فهذا الكلامُ الذي أوردتُه يُعرِّفُ شرط أبي داود، ومن أحبّ الكشفَ عنه فهو أولى وأقربُ إلى التحقيق التام وهو طريقةُ أهل الإتقان من طلبة هذا الشأن، وأعونُ كتابٍ على ذلك كتابُ («الأطراف)» للحافظ الكبير جمال الدين أبي الحجاج المِزّي لمعرفة طرق الحديث، وكتاب ((الميزان)) للذهبي للكشف عن أحوال الرجال، وأقربُ منهما (مختصر)) الحافظ عبد العظيم - المنذري - لسنن أبي داود، فإنه تكلم على جميع ما فيها مما يحتمل الكلام، وبين ما فيها مما في (الصحيحين)) وغيرِهما، وصححه أو حسّنه أبو عيسى الترمذي، وجوّد الكلامَ على حديثها غايةَ التجويد، وجاء كتابُه مع كثرة فوائده صغيرَ الحجم لم يزد على مجلّد)». انتهى. والحافظ المنذري صنع مثل ذلك من النقد والبيان في ((الترغيب والترهيب)» أيضاً الذي ألّفه بعد ((مختصر سنن أبي داود)»، وقال في مقدّمة ((الترغيب)) ٥:١: «وأنبّهُ على كثير مما حضرني حالَ الإِملاء مما تساهل أبو داود رحمه الله في السكوت عن تضعيفه)». وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في أواخر مقدّمة ((نيل الأوطار)) ١٢:١ (وقد اعتنى المنذري رحمه الله في نقد الأحاديث المذكورة في ((سنن أبي داود))، وبيَّن ضعفَ كثير مما سكت عنه، فيكون ذلك خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج، إلّ في مواضعَ يسيرةٍ قد نبهتُ على بعضها في هذا الشرح)). ومن أجل أن سكوتَ أبي داود يحتمل أن يكون مما تساهل فيه، ترى العلماء المحققين إذا احتجوا بحديث سكت عليه أبو داود قالوا: سكت عليه أبو داود والمنذري، = ٤٥ وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر (١)، وهو كتابٌ لا يَردُ عليك سُنَّةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ صالح إلّ وهي فيه، إلاَّ أن يكون كلامٌ اسْتُخْرِجَ من الحديث، ولا يكاد يكون هذا(٢). = كما تراه في مواضع من ((نصب الراية)) للزيلعي، منها ١: ١ و١٤ و١٧ و٧٦ - و ١٢٣. و ١٤٠:٢، ومن ((فتح القدير)) الكمال بن الهُمَام، منها: ١٧:١ و٤٢٦ و ٥٢٦ ... ، ومن ((نيل الأوطار)) للشوكاني، منها في باب ما جاء في كراهية القَزَع، عقب الحديث الثالث ١١٠:١، وفي باب حُجة من لم يكفِّرِ تارك الصلاة، عقب الحديث الثاني ٢٥٧:١، وفي باب بيان أنها الوسطى، عقب الحديث الثامن ٢٧٧:١، وفي باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنَها، عقب الحديث الرابع ٢: ٩٨. ولا فرق بين أن يكون سكوتُ المنذري عليه في ((مختصر سنن أبي داود)) أو في ((الترغيب والترهيب))، كما هو ظاهر بيّن. وقال الإِمام ابن قيم الجوزية في فاتحة ((تهذيب مختصر سنن أبي داود للمنذري)) ٩:١: ((ولما كان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري - رحمه الله تعالى - قد أحسن في اختصاره - أي سنن أبي داود - وسبق حتى جاء من خَلْفه له تبعاً: جعلتُ كتابَه من أفضل الزاد، واتخذتُه ذخيرةً ليوم المعاد، فهذّبتُه نحو ما هذب هو به الأصلَ، وزدت عليه من الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يُكملها، والتعرُّضَ إلى تصحيح أحاديثَ لم يُصحِّحْها، والكلامَ على متون مشكلة لم يَفْتَحْ مُقْفَلَهَا، وزيادةً أحاديثَ صالحةٍ في الباب لم يُشِر إليها ... )). انتهى. فعلى هذا ينبغي للمعتني بـ ((سنن أبي داود)) الاعتناء بـ ((تهذيب)) ابن القيّم أيضاً، وإذا سكت على حديثٍ الإِمامُ أبو داود، ثم المنذريُّ وابنُ القيم فلا يكاد ينزل من درجة الاحتجاج به، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي لأطريته بالثناء والمدح أكثر مما ذكرتُ. (٢) قوله: (إلاَّ أن يكون كلام ... ) مستثنى منقطع، والمراد - والله أعلم - أن الكتاب مستوعِبٌ - في نظر المؤلف - لجميع السنن، لكنه لم يتعرض لذكر كلام الأئمة = ٤٦ ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزمَ للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب، ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم - بعد ما يكتبُ هذا الكتاب - شيئاً (١)، وإذا نَظَرَ فيه وتَدَبَّرَه وتَفَهَّمَه حينئذ يَعلَمُ مقدارَه. وأما هذه المسائل مسائلُ الثوري ومالك والشافعي(٢)، فهذه الأحاديث أصولُها. ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (٣)، ويكتبَ أيضاً مثل ((جامع سفيان الثوري))، فإنه أحسنُ ما = الفقهاء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، الذي استنبطوه من السنن بوجه من وجوه الاستنباط ، فمثل هذا الكلام لا يوجد في كتابه إلَّ نادراً، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي لا يَضُرُّه شيئاً أن لا يكتب غيرَ هذا الكتاب، وجاء النص في ((توجيه النظر)) للشيخ الجزائري ١: ٣٧٠ كالآتي: «ولا يضرّ رجلاً أن لا يكتب من العلم شيئاً بعد ما يكتب هذا الكتاب)). ولعلَّه من تصرُّفِ الشيخ كما خبرتُ أسلوبَه. (٢) أي المسائل التي استنبطوها. (٣) هذا القول من الإِمام أبي داود رحمه الله تعالى يُشعِرُ بأهمية أقوالِ الصحابة واجتهاداتِهم، فإنها تقع كالشرح والتفسير لمشكلات السنة، وكالبيان والتفصيل للمأخوذ من الأخبار من غيرها، وكالتتمة للحديث في إيضاح الحوادث والمسائل المستجدة في عهدهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك علم عظيم، ولذلك ترى أئمةً التابعين فمن بعدهم إلى رأس المئتين كانّتْ تآليفُهم الحديثية ممزوجةٌ بفتاوى الصحابة وأقاويلِهم، والإِمامُ البخاري مع تسمية كتابه ((الجامع الصحيح)) بـ ((المسند)) أكثرَ من ذكر أقاويلِ الصحابة وفتاوى التابعين في تراجم (صحيحه))، وذلك لأهميتها وشدّة الحاجة إليها في معرفة السنن على وجهها، وتمييز المعمولِ بها من الأحاديث من غيرها، فافهم ذلك فإنه مهم. ٤٧ وضَع الناسُ من الجوامع(١). والأحاديث التي وضعتُها في ((كتاب السنن)) أكثرُها مشاهير (٢)، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلاَّ أن تمييزها لا يقدر عليه كلُّ الناس، والفخرُ بها أنها مشاهيرُ، فإنه لا يُحتَجُّ بحديثٍ غريبٍ ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقاتِ من أئمة العلم. ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدتَ من يَطْعَنُ فيه ولا يَحْتَجُّ بالحديث الذي قد احتَجَّ به، إذا كان الحديث غريباً شاذاً(٣). فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح، فليس يقدر أن يرده عليك أحد. (١) ليس المراد بالجامع هنا ما اشتهر عند بعض المتأخرين أنه الكتابُ المشتمل على ثمانية أبواب من السير، والآداب، والتفسير، والعقائد، والفتن، والأحكام، والأشراط، والمناقب، بل (الجامع) في اصطلاح المتقدّمين هو كلُّ كتابٍ جامعٍ لمجموعةٍ من الأحاديث من المسانيد وغير المسانيد، سواء أكانت من جميع الأبواب الثمانية المذكورة أو بعضها، وسواء أكانت مرتبةً على الأبواب الفقهية كجامع الإِمام سفيان الثوري وجامع الإِمام معمر بن راشد البصري، أو على ترتيب آخر من طرق الترتيب المعروفة عند قدامى المحدّثین. (٢) لا يريد بالمشاهير هنا (المشهور) المصطلح عليه بين المحدّثين أو الأصوليين، بل المراد - والله أعلم - الأحاديث المشتهرة عند المحدّثين الدائرة بين الأئمة الفقهاء وأصحاب الفتيا، والمعمولِ بها عند جميعهم أو بعضهم، وإن كانت في نفسها أخبار آحادٍ. (٣) قيّد الغريب بالشاذ، فلا يعني بالغريب هنا الحديث الفرد الذي لا مطعن في راويه ولا في متنه، بل المراد الوُحدان والمفاريد التي فيها مطعن سنداً أو متناً، بأن يكون راويها ممن لا يُحتمل تفرّدُه أو يكونَ خالَفَه من هو أوثقُ منه أو أرجحُ، أو يكونَ متنُهُ غريباً غير متلقى بين أئمة الفتيا لأجل علّة فيه، وهذا هو المراد من الغريب في قول إبراهيم النخعي الآتي، والله تعالى أعلم. ٤٨ وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريبَ من الحديث. وقال يزيد بنُ أبي حبيب: إذا سمعتَ الحديث، فأنشُدْهُ كما تُنْشَد الضالةُ، فإن عُرف وإلاَّ فدَعْه (١). وإنَّ من الأحاديث في ((كتاب السنن)) ما ليس بمتصل، وهو مرسلٌ ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصحاحُ عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل (٢)، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة (٣)، والحَكم عن مِقْسَم عن ابن عباس، وليس بمتصل. وسماعُ الحَكَمِ من مِقْسَم أربعةُ أحاديث(٤)، وأما أبو إسحاق عن الحارث(٥) عن علي، فلم يَسمع أبو إسحاق (١) أي فإن عرف مخرجُه وتبيَّن تلقي العلماء له فخُذ به، وإلّ فدعه فإنه خبر ضعيفٌ أو معلول. (٢) يعني أن ما أودعه في كتابه من الأحاديث غير المتصلة هو لأجل أنه لم يجد في الباب حديثاً متصلاً على رسم أهل الحديث، والله أعلم. (٣) قال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) ٢٦٩:٢ - ٢٧٠: ((ووقع في (سنن النسائي) من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المُخْتلعات، قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غيرَ هذا الحديث، أخرجه عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن سلمة، عن وُهَيب، عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن من أحد في رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة)). (٤) كذا قال أبو داود، وقال شعبة بن الحجاج: أحاديث الحكم عن مِقْسَم كتابٌ سوى خمسة أحاديث، قال يحيى بن سعيد القطان: هي حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزيمة الطلاق، وجزاء الصيد، وإتيانِ الحائض، كذا في ((سير أعلام النبلاء)» للحافظ الذهبي ٢١٠:٥، وكون باقي الأحاديث كتاباً لا يقتضي الانقطاعَ، فإن الأخذ من الكتابِ - وهو وجادة ـــ أحدُ وجوه التحمل. (٥) أي الحارث الأعور. ٤٩ من الحارث إلاّ أربعة أحاديث، ليس فيها مسند واحد(١). وأما ما في ((كتاب السنن)) من هذا النحو فقليل، ولعلَّ ليس للحارث (١) لم أقف فيما رجعتُ إليه من الكتب على تعيين هذه الأحاديث الأربعة التي قال أبو داود: إن أبا إسحاق سمعها من الحارث، وقال أبو داود في كتاب الصلاة من ((سننه)) ١٨١:٥ - ١٨٢ في (باب النهي عن التلقين) بعدما أخرج حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي مرفوعاً: ((يا عليّ لا تفتح على الإِمام في الصلاة»، قال ما نصُّه: ((أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلَّ أربعة أحاديث ليس هذا منها)). وهذا يدل على أن فيما سمع أبو إسحاق عن الحارث ما هو مسند مرفوع أيضاً وإلاّ لا وجه لهذا النفي، فقولُه هنا: إنه ليس في تلك الأحاديث الأربعة حديثٌ مسند، فيه نظر. هذا، وجملةُ ما الحارث في ((سنن أبي داود)» أربعةُ أحاديث، كما يظهر من ((تحفة الأشراف)» للمزي ٧: ٣٥٠ - ٣٥٧. وما رواه أبو إسحاق عن الحارث بدون سماع فهو مما أخذه من كتابٍ، كما نَصّ عليه أحمدُ العِجْلي، نقله عنه الذهبي في ((السير)) ٤: ١٥٤ وفي ((الميزان)) ٣: ٤٣٥ في ترجمة الحارث . وجاء في (سير أعلام النبلاء)» ٣٩٦:٥ في ترجمة أبي إسحاق ما يلي: ((قال ابن عيينة: دخلتُ على أبي إسحاق، فإذا هو في قُبَّة تُرْكِيَّة ومسجدٌ على بابها، وهو في المسجد، فقلت: كيف أنت؟ قال: مثلُ الذي أصابه الفالجُ، ما ينفعني يدٌ ولا رِجلٌ، - وقد كان أضِرَّ في آخر عمره - فقلت: أسمعتَ من الحارث؟ فقال لي ابنه يونس: هو قد رأى علياً رضي الله عنه، فكيف لم يسمع من الحارث؟ فقلتُ: يا أبا إسحاق رأيت عليّاً؟ قال: نعم)). انتهى. والحارث الأعور توفي سنة ٦٥ بالكوفة، وولد أبو إسحاق - وهو كوفي - لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، كما في ((السيرة ١٥٥:٤ و ٥: ٣٩٣، فقد أدرك أبو إسحاق الحارثَ إدراكاً بيّناً، وتعاصّرًا في الكوفة سنين طوالاً . ٥٠ الأعور في ((كتاب السنن)) إلَّ حديث واحد، وإنَّما كتبته بأَخَرَةٍ (١). وربما كان في الحديث ما تَثْبُتُ صحةُ الحديث منه، إذا كان يخفى ذلك عليَّ، فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه(٢)، وربما كتبته وبينته(٣)، وربما لم أقف عليه (٤)، وربما أتوقف عن مثل هذا(٥)، لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كلُّ ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث، لأن علم العامة يَقْصُر عن مثل هذا(٦). (١) أي أخيراً. وللحارث في ((سنن أبي داود)) أربعة أحاديث، كما سبق. (٢) يريد والله أعلم أنه قد يكون الحديثُ صحيحَ الإِسناد سليماً من العلّة في الواقع، ولكن أبا داود لا يظهر له ما يُثْبِتُ سلامته وصحته، فلا يُخرجُ مثلَ هذا الحديث نظراً إلى أنه لم يتضح له سلامتُه من مغمزٍ أو علّةٍ. (٣) أي أنه قد يخرج الحديثَ المعلولَ ويبيّن علَّتَه لتُعرَف. (٤) يعني أنه قد يمكن أن يكون بعضُ ما أخرجه من الحديث معلولاً لكنَّه لم يَقِفْ على علّته، فهذا عذرُه في إخراجه. (٥) يعني أنه قد يخرج الحديث المعلول ويسكت عن بيان علّته وتفصيل الكلام فيها، فإنه ضرر على العامة، فإنهم تقصر أفهامُهم عن مثل ذلك. وإنما فسَّرتُ كلماتِ أبي داود هذه وبعضَ جُملٍ سَبَقَتْها وجْمَلٍ تَلْحَقُها، نظراً إلى أن كلامَ المتقدّمين تَغْلِبُ عليه العَفْويةُ في التعبير، فيختلف أسلوبُ كلامهم عن أسلوب كلام المتأخرين، فيغمض فهمُّه على الطلبة. (٦) قال الإِمام الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في ((شرح علل الترمذي)» ٨٩٢:٢، بعد أن نقل هذا النصّ عن الإِمام أبي داود ما نصه: ((وهذا كما قال أبو داود، فإن العامة تقصر أفهامُهم عن مثل ذلك، وربما ساء ظنُّهم بالحديث جملةٌ، إذا سمعوا ذلك. وقد تَسَلَّطَ كثيرٌ ممن يطعن في أهل الحديث بذكر شيء من هذه العلل، وكان مقصودُه بذلك الطعنَ في أهل الحديث جملةً، والتشكيكَ فيه أو الطعن في غير حديثٍ = ٥١ وعدد كتب هذه ((السنن))(١) ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل، منها ما لا يصح(٢)، ومنها ما هو مسند عند غيري، وهو متصل صحيح (٣). = أهلِ الحجاز، كما فعله حسين الكرابيسي في كتابه الذي سماه بـ ((كتاب المدلِّسين))، وقد ذُكِر كتابُه هذا للإِمام أحمد فَذَتَّهُ ذمّاً شديداً، وكذلك أنكره عليه أبو ثور وغيره من العلماء .. . وقد تسلط بهذا الكتاب طوائفُ من أهل البدع من المعتزلة وغيرِهم في الطعن على أهل الحديث، كابن عَبَّاد الصاحب ونحوِه، وكذلك بعضُ أهل الحديث ينقل منه دسائسَ - إما أنه يخفى عليه أمرُها أو لا يخفى عليه - في الطعن على الأعمش ونحوِه كيعقوب الفسوي وغيرِه. وأما أهلُ العلمِ والمعرفةِ والسنَّةِ والجماعةِ فإنما يذكرون عِلَلَ الحديث نصيحةٌ للدّين وحفظاً لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم وصيانةً لها، وتمييزاً مما يدخُلُ على رواتِها من الغلط والسهو والوهم، ولا يُوجِبُ ذلك عندهم طعناً في غير الأحاديث المعلّة، بل تقوى بذلك الأحاديثُ السليمةُ عندهم لبراءتها من العلل وسلامتِها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّاً، وهمُ النقادُ الجهابذةُ الذين ينتقدون انتقادَ الصَّيْرَفِي الحاذقِ للنقد البَهْرَج من الخالص، وانتقادَ الجوهري الحاذق للجوهر مما دُلِّس به)). انتهى. وانظر مثالاً آخر لاستغلال بعض المبتدعة بُحوثَ الجرح والتعديل للطعن على أهل الحديث، في حاشية ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ١١٢ نقلاً عن الرامهرمزي في كتابه ((المحدِّث الفاصل)) ص ٣٠٩ - ٣١١. (١) يريد بالكتب هنا الأجزاء. (٢) لعلَّةٍ في سنده غير الإِرسال، أو لكون مُرسِلِه يرسل عن الضعفاء والمتروكين. (٣) ولما لم يكن عنده مسنداً أورده مرسلاً، أو لوجه آخر اقتضى إيراده مرسلاً. ٥٢ ولعل عددَ الذي في كتبي من الأحاديث قَدْرُ أربعة آلاف وثمانٍ مئة حديث(١)، ونحو ست مئة حديث من المراسيل(٢). فمن أحب أن يُميِّزَ هذه الأحاديثَ مع الألفاظ، فربما يجيء حديثٌ من طريق، وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طَلَبَ اللفظة التي يكون لها معانٍ كثيرةٍ(٣). (١) وقد عدَّ الأستاذُ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله تعالى، أحاديثَ ((سنن أبي داود)) في الطبعة التي خَدَمَها، فبلغت ٥٢٧٤ حديث. ولا غرابة في هذا، لأن النسخ في روايات ((سنن أبي داود» تختلف بالزيادة والنقصان في عدد الأحاديث والتقديم والتأخير. وأيضاً فإن النسخة التي عدَّها الشيخ محيي الدين عبد الحميد أعطى فيها الحديثَ المكرَّرَ رقماً مستقلاً، فقد عدَّ جميع المتون ولو كانت بلفظ واحد أو متقارب ما دامت أسانيدُها متغايرةً، فلعل أبا داود أراد بما ذكره من العدد: الأحاديثَ غيرَ المكررة، والطريقتان معهودتان عند المحدثين. (٢) عددُ المراسيل حسب ترقيم العلامة الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لكتاب ((المراسيل)): ٥٤٤ حدیث. (٣) المقصودُ من هذا الكلام - والله أعلم - التنبيهُ على أن المؤلِّف لاَحَظَ في اختياره الأحاديثَ التي وردت بطرق مختلفة الطريقَ التي ألفاظُها أكثرُ جمعاً للأحكام ودلالةً عليها، ولو كانت تلك الطريقُ غيرَ مشهورة، لأن غايته توسيع دائرةِ الأحكام المستنبطة من الأحاديث. فقولُه (من أحب أن يميِّز هذه الأحاديثَ مع الألفاظ) يعني من أراد أن يُوازِن أحاديثَ كتابه ويُقارِنها، مع ملاحظة ألفاظها المختلفة التي جَاءَتْ من طرق مختلفة، (فربما يجيء حديث من طريق ... ) أي فقد يتفق أن يجدَ حديثاً رُوِي في ((كتاب السنن)) من طريق غيرٍ مشهورة مع كونه معروفاً عند عامة أصحاب الحديث من طريق الأئمة المشهورين، فوجهُ ذلك ما أفاده بقوله (غير أنه ربما طَلَب اللفظةَ التي يكونُ لها = ٥٣ وممن عرفتُ مَن نقل مِن جميع هذه الكتب(١)، فربما يجيء الإِسنادُ فيُعْلَمُ من حديثٍ غيرِهِ أنه غيرُ متصل، ولا يتبينه السامعُ إلَّ بأن يعلم الأحاديثَ، ويكونَ له فيه معرفة، فيقفَ عليه، مثلُ ما يُروَى عن ابن جريج، قال: أُخبرت عن الزهري، ويرويه البُرْساني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يَسمَعُ يظُنُّ أنه متصل، ولا يصح بتةً (٢)، فإنما تركناه لذلك، لأن أصلَ الحديث غيرُ متصل، ولا يصح، وهو حديث معلول. ومثلُ هذا كثير، والذي لا يعلم يقول: قد تَرَك حديثاً صحيحاً من هذا، وجاء بحديث معلول(٣). = معان كثيرة)، يُريدُ أن وجهَ اختياره تلك الطريقَ غيرَ المشهورة اشتمالُها على لفظة تتضمن معاني كثيرة وأحكاماً متعدّدة، والمتفقّهُ إنما يهمه مثلُ هذه اللفظة ويطلبها، فلذا آثرها المؤلِّفُ بالاختيار، والله تعالى أعلم. (١) أي الكتب والمجاميع المؤلفة في جمع الأحاديث. (٢) أي قطعاً، يقال: لا أفعله بَنَّهُ والبتّة - بهمزة الوصل لا غير - أي لا أفعلُهُ قطعاً . (٣) المقصودُ من هذا الكلام توجيه المؤلِّف النظرَ إلى أنه قد يخرج حديثاً فيه علّة إذ لم يجد في الباب أصلح منه، ولكنه قد يتفق أن فيما تركه حديثاً معلولاً أشدَّ علةً مما أخرجه، ولكن تخفى علّتُه على غير الناقد، فيظن أن أبا داود ترك الصحيح وأتى بالمعلول، والواقعُ ليس كذلك، فإن الحديث الذي تركه أبو داود وظّه غيرُ الناقد صحيحاً هو أضعفُ وأقوى علةً مما أخرجه، وقد أَوضحَ ذلك بالمثال المذكور، ففيه أن السندَ الأول - ابن جريج أُخبرتُ عن الزهري - واضحُ الانقطاع، وأن السند الثاني - البُرْسَاني عن ابن جريج عن الزهري - يوهمُ الاتصال، مع أنه منقطع أيضاً وإن كان البرساني دلَّس في الصيغة وجعل بدل (أُخبرتُ) عَنْ، فقد يظن الغافلُ أن الثاني متصلٌ، وأن أبا داود غفل عن هذا المتصل الصحيح، والأمرُ ليس كذلك. = ٥٤ ولم أصنف في ((كتاب السنن)) إلَّ الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائلِ الأعمال وغيرها، فهذه الأربعةُ الآلاف والثمانُ مئة، كلُّها في الأحكام(١). فأما أحاديثُ كثيرةٌ صحاحٌ في الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها. والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتخّبِين وأزواجه أمهات المؤمنين، وسلَّم تسليماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وبيّن أبو داود أيضاً أن كشفَ العلة الخفية في الحديث يتوقف على معرفة طرق الأحاديث الواردة في الباب، قال علي بن المديني رحمه الله تعالى: ((البابُ إذا لم تُجْمَع طُرُقُه لم یتبین خطؤه)) . (١) بل في كتاب ((السنن)) بعض أبواب لا تتعلق أصالة بالأحكام نحو (الحروف والقراءات) و (الملاحم) و (السنة) وغيرها. 9،9،96 شَرُوَظُ الأَهْزِ التََّيَّةُ الحافِظِ أِ الفَصْلِ مَُمَّد بْنْطَاهِرُ المَقْدِيّ ولدسنة ٤٤٨ وتوفيسنة ٥٠٧ رحم اللهتعالى ، 9،9،9. شِرُوَطَ الأَهْرُ الَّة لِلحَافِظ أير بَكْرٌ مُجَمَّد بْن مُوسَىَ الحَازميّ ولدسنة ٥٤٨ وتوفي سنة ٥٨٤ حمدالله تعالى اعْتَنى بھمَا عبد الفتاح أبو غدة وُلِدَسَنَّة ١٣٣٦ وَتُوفّ سَنَّة ١٤١٧ رَحَمَهُ الله تعالى مكتب المطبوعات الإسلاميَّة ٥٦ التقدمة للرسالتين: شروط الأئمة الستة، وشروط الأئمة الخمسة بسْمِاللهِ الرّحمنِ الرَّحْمَّيِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وقائدِ الغُرِّ المُحَجَّلين، وعلى آله وصحبه حَمَلةِ لواء الشرع المبين، وعلى من تبعهم بإحسان من علماء الدين، الذين ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وبعد فهاتان الرسالتان: ((شروط الأئمة الستة)) للمحدّث الحافظ الرحّال أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة ٥٠٧، و((شروطُ الأئمة الخمسة))، للحافظ الناقدِ الجِهْذِ الإِمام أبي بكر محمد بن موسى الحازمي الهَمَذَاني، المتوفى سنة ٥٨٤ عن ٣٦ سنة، اعتنيتُ بخدمتهما نظراً إلى أهميتهما وجلالة موضوعهما. ومعلوم أن الكتب الستة المعروفة للأئمة الستة المتعاصرين، لها المقامُ الأسنى والمنزلةُ العليا من بين كتب الحديث، وقد احتَوَتْ هذه الكتبُ على مُعْظَم أحاديثِ الأحكام، مع تفرّدِ كلّ منها بمزايا فقهية أو حديثية لا توجد في غيره، فأصبحت هذه الكتب - على تفاوت مراتبها في الصحة - من أصول الإِسلام الحديثية، تلقتها الأمة وتداولتها بالإِجلال والاحترام شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً، وذلك مع عدم إنكار فضل الدواوين الحديثية التي دوّنها الأئمةُ الذين سبقوا هؤلاء أو جاؤوا بعدهم. ٥٧ ولكثرة تداولِ هذه الكتب الستة وحُسنِ تلقيها بين طلبة الحديث وعلمائه - على مدى القرون - أصبح البحثُ عن شروط مُؤْلِّفِيها ومَناهِجِهم فيها جزءاً هامّاً من علم المصطلح، وقد أفرده بعضُهم بالتأليف، وتعرّض له آخرون ضمن كتب مصطلح الحديث، بل استَطْرَدَ له بعضُ الحفاظ في كتب الرجال عند تراجم هؤلاء الأئمة. ولا ريب أن الاستفادةَ من كتابٍ - كما ينبغي - لا تَحصُلُ إلَّ بعد مَعرِفَةِ منهج مؤلّفه وغرضِهِ من تأليفه وشرطِهِ فيه، وأهمُّ ما أُلَّف لإِيضاح هذا الجانب من جوانب البحوث المتعلقة بهذه الكتب مجتمعة: ((شروط الأئمة الستة)) لأبي الفضل المقدسي، و((شروط الأئمة الخمسة)) لأبي بكر الحازمي، بل لا ثالثةَ لهاتين الرسالتين في هذا الموضوع فيما أعلم. وقد عُنِيتْ كتبُ المصطلح من زمن النووي فمن بعده بالنقل عنهما والبحثِ عن محتوياتهما قبولاً وردّاً، وذلك مما يدلُّ على أهميتهما وعِظَم شأنهما على صِغَر حَجْمهما، ولم يُدخِل الحازميُّ - تبعاً للأقدمین - کتاب ((السنن)) لابن مَاجَهْ في الأصول، لكثرة الضعاف والمناكير والموضوعات فيما تفرد بإخراجه، وإن سبقه المقدسيُّ بإدخاله فيها حينما ألّف ((أطراف الكتب الستة)) و((شروط الأئمة الستة)) وتبعه على ذلك جُلُّ المتأخرين. كلمة عن شروط الأئمة : من المقرّر أن لصحةِ الأحاديث - أخبار الآحاد - وقَبُولِها شروطاً عامة - كإسلام الراوي وعدالته مثلاً - يَجبُ تَوَافُرُها في أسانيدِها ومتونِها، وأن تلك الشروط بعضها مجمع عليها بين أئمة الحديث وأئمة الاجتهاد، وبعضها مما اختلفت فيه أنظارُهم وتعدّدت فيه أقوالُهم، وتلك الشروط موضعُ بيانها كتب أصول الحديث وأصول الفقه. ٥٨ وحينما يقول العلماء (شروط الأئمة الخمسة) أو (شروط الأئمة الستة)، أو (شرط البخاري)، أو (شرط الشيخين)، فلا يعنون به ذلك المعنى المعروف للشروط، وإنما الشروطُ هنا عبارة عن مناهج هؤلاء الأئمة في كيفية اختيار الأحاديث لتخريجها في كتبهم وعن التزاماتهم في ذلك، وتَلْتَحِقُ بذلك أغراضُهم وأهدافُهم في تصانيفهم. وقد قال ابنُ طاهر المقدسي رحمه الله تعالى في فاتحة رسالته: ((اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم - من أصحاب السنن - لم يُنْقَل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يُعرفُ ذلك مِن سَبْر كُتِهِم، فيُعلَمُ بذلك شرطُ كل رجل منهم)). انتھی. وهذا الذي قاله ابنُ طاهر ليس على عمومه، فإن جُلَّ هؤلاء الأئمة قد أُثِرِتْ عنهم كلماتٌ متفرقة، تُخبر عن موضوع كتبِهم ومنهجهم فيها، بل الإِمامُ مسلم رحمه الله تعالى أبان عن مَنهجِه في مقدّمة ((صحيحه)) الحافلةِ الهامَّةِ، وكذا الإِمام أبو داود رحمه الله تعالى في ((رسالته إلى أهل مكة))، وفي (العلل الصغير)) للإِمام الترمذي رحمه الله تعالى كثيرٌ مما يُؤَخَذُ منه منهجُه وشرطُه، وقد يُعرف ذلك بالنظر في أسماء كتب بعضِهم، فاسما «الصحيحين)) واسمُ ((جامع الترمذي)) التي سَمَّوْا بها كتبهم، تَدلُّ بالجملة على شروطهم ومناهجهم في كتبهم، كما فصَّلتُ ذلك في رسالتي ((تحقيق أسمَيْ الصحيحين واسم جامع الترمذي))، وهي مطبوعة ببيروت سنة ١٤١٤. نعم هناك من العلماء من لم يكتفوا بتصريحات هؤلاء الأئمة المُصنَّفين بل زادوا لهم من عندهم شروطاً، إمّا تخميناً وإما سَبْراً لكتبهم، فمن بنى ٥٩ على مجرّد التخمين، فقد غلط غلطاً فاحشاً فيما قَدَّر لهم أو لبعضهم من شروط، ومن قال شيئاً بسَبْر كتبهم فهذا قيمتُه قيمةُ سَبْره، وقلّما قالوا في ذلك شيئاً يصح قبولُه على وجهٍ عام، كما ستتبيَّنَه من هاتين الرسالتين وتعليقاتِهما إن شاء الله تعالى. وأكثرُ ما وقع النزاع في هذا الباب في تعيين شرط الشيخين أو أحدهما، وكثرت فيه أقاويلُهم، حتى قال النووي رحمه الله تعالى - قولاً فيه نظر -: ((إن المراد بقولهم على شرطهما: أن يكون رجالُ إسناده في كتابيهما، لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما)). انتهى. وأفاد آخرون أنه يتعيّن أن يقال: إن المراد بقولهم على شرطهما: أن يكون إسنادُ الحديث المصحَّح محتجّاً برواته في ((الصحيحين)) أو أحدِهما على صورةِ الاجتماع، سالماً من العلل، كما أوضحه الحافظ ابنُ حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ١: ٣١٤ - ٣١٦، وفي بحث آخر له نقله عنه الحافظ السيوطي في ((تدريب الراوي)) ١٢٨:١ - ١٢٩. وهذا احتياطٌ من الحفاظ ليحصلَ الجزمُ يكون الحديث على شرطهما أو شرط أحدهما، وإلَّ فالأمرُ أنَّ الشيخين إنما اشترطا في كتابيهما الصحةَ، وشروطُ الصحة عامةً معروفةٌ ومؤسِّسَةٌ قبل عصر الشيخين وفي عصرهما، فقد صَحَّحَ الأحاديثَ قبلهما شيوخُهما وشيوخُ شيوخِهما على قوانين الصحة وشروطها . وأَخُصُّ بالذكر هنا شيخاً جليلاً من شيوخ البخاريِّ والذُّهليِّ وهذه الطبقةِ العاليةِ الشأن، وقد افتتح البخاريُّ ((الصحيحَ)» بروايته وهو الإِمام الحافظ الفقيه عبدُ الله بن الزبير الحُميدِي المكي، المتوفى سنة ٢١٩ رحمه ٦٠ الله تعالى، فله كلماتٌ هامة في أصول المصطلح، رواها عنه الحافظُ الخطيب البغدادي في مواضع من كتابه «الكفاية في علم الرواية)»، تُعد من أسبق الكلمات التي وَرَدَتْ إلينا عن المتقدمين في مصطلح الحديث، وفيها دلالةٌ ناطقةٌ بأن الحديث الصحيح عرّفه العلماءُ التعريفَ الكاشف له قبل الشيخين. فليس البخاري ومسلم أولَ من توجه إلى تمييز الصحيح بتعريفه ورسم مبانيه، بل سبَقَهما شيوخُهما وشيوخُ شيوخِهما قبلهما بلا ريب . وأكتفي هنا بنقل كلمة واحدة للحُميدي كنموذج لكلماتٍ أخر له ولغيره من أقرانه وشيوخه، روى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في ((الكفاية في علم الرواية))(١) في باب (وصف من يُحتَج بحديثه ويَلْزَمُ قبولُ روايته) عن الحُميدي رحمه الله تعالى قال: ((فإن قال قائل: فما الحديث الذي يَثْبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزمنا الحجةُ به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متصلاً غيرَ مقطوع، معروفَ الرجال، أو يكونَ حديثاً متصلاً حدّثنيه ثقةٌ معروفٌ، عن رجلٍ جَهِلتُه وعَرَفه الذي حدّثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدّثنيه عنه، حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يقل كلُّ واحدٍ ممن حدّثه: سمعتُ أو حدّثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّثِ عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإِدراك المحدِّث من حدّث عنه، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم(٢). (١) ص ٢٤ - ٢٥. (٢) هذا التعريفُ للحديث الصحيح من الإِمام الحميدي - شيخ البخاري وشيخ =