Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
فرقا بين الداعية وغيره ( أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهى إظهار
أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة، وذلك يغرى) بالغين المعجمة والراء
(بمخالطته وفى مخالطة العامة لمن هو كذلك مفسدة كبيرة) قلت: هذا الوجه ذكره
أبو الفتح القشيرى فقال: إن ترك الرواية عنه إهانة له وإطفاء لبدعته، نقله عنه
الحافظ ابن حجر فى مقدمة شرح البخارى .
( والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوى الوازع الشرعى الذى
يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق فى الدين وارتكاب دناءة الكذب الذى
تنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين، كيف والكاذب لا يخفى تزويره، وعما قليل
ينكشف تبديله وتغريره) من الغرر (ويتهمه النقاد وتتناوله ألسن أهل الأحقاد ،
وكفى بشر سماعه) إشارة إلى المثل ((يكفيك من شرسماعه، والمراد كفى الكاذب
من الشر أن يسمع عنه (وأهلى المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك) أى من الكذب
( من غيرديانة، فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة لأعراضهم والأمانة)
لا يعزب عنك أن أصل الدعوى فى الوجه الثانى أنه قد تحمله الرغبة فى الدعاء إلى بدعته
واستمالة القلوب إليه على التدليس أو التأويل ، لاعلى تعمده لارتكاب صريح
الكذب، والجواب إنما يوافق ذلك (وقد احتج أهل الحديث بمن هو على أصولهم
داعية إلى البدعة لما قويت عندهم عدالته وأمانته كقتادة) ابن دعامة الدوسى،
فانه كان يدلس ، ورمى بالقدر ، قاله يحيى بن معين ، ومع هذا احتج به أهل
الصحاح ، ولاسيما إذا قال حدثنا ، انتهى بلفظه من الميزان ، وأثنى عليه فى
التذكرة (وغيره . فأن قتادة كان يرى رأى المعتزلة ويدعو إليه ، قال الذهبى فى
التذكرة: كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى يصيح به صباحا) قلت: لفظه فى التذكرة
(وكانيرى القدر، قال ضمرة بن شوذب: ما كان قتادة يرضى حتى كان يصيح به صياحاً»
يعنى القدر، قال الذهبي: نقله عن غيره ، ثم قال: قال ابن أبى عروبة والدستوائى
قال قتادة: كل شىء بقدر إلا المعاصى ، قلت: ومع هذا الاعتقاد الردىء ما تأخر
/

- ٢٨٢ -
أحد عن الاحتجاج بحديثه، انتهى من التذكرة (قلت : دعاة المبتدعةمن الخوارج
والجبرية وغيرهم هم أبعدهم عن القبائح وأصدقهم لهجة، وهمتهم مرجوحة إلا
الخطابية من الخوارج) قلت : الخطابية من غلاة فرق الشيعة ينسبون إلى أبى
الخطاب الأسدى كان يقول بالحلول فى جماعة من أهل البيت على التعاقب ، ثم
ادعى الالهية، قاله السخاوى فى شرح ألفية العراقى: وقال المناوى فى التعريفات:
إنهم يقولون: الأئمة أنبياء، وأبو الخطاب نبى، وهم يستحلون شهادة الزورلموا فقيهم
على مخالفيهم، وقالوا: الجنة نعيم الدنيا (والكرامية من الجبرية) هم نسبة إلى محمد بن
كرام ، وفى ضبط كرام ثلاثة أقوال: الأول: بالفتح وتخفيف الراء، والثانى بتثقيل
الراء ، قيده به السمعانى وابن ماكولا، قال إبراهيم: وهو الجارى على الألسنة،
الثالث بكسر الكاف على لفظ جمع كريم ، قال الذهبي : قال ابن حبان: إن ابن
كرام خذل حتى النقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث أوهاها، قال الذهبي:
قد سقت أخبار ابن کرام فی تاریخی الکبیر ، وله أتباع ، ومر یدون ، وقد سجن
بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات
بالشام ، قال ابن حزم: قال ابن كرام الأيمان قول باللسان ، وإن اعتقد الكفر
بقلبه فهو مؤمن ، قال الذهبي : قلت : هذا منافق محض فى الدرك الأسفل من
النار، فأيشٍ ينفع ابنَ كرام أن نسميه مؤمنا، انتهى، ولم يذكر الذهبى تجويزه
الكذب (وذلك) الوجه فى أبعدينهم عما ذكر (لأن الداعى إلى المذهب من أشد
الناس رغبة إلى إشادته والعمل به، ومن جملة ماذهبوا إليه) أى الخوارج والجبرية
( تحريم الكذب إلاهاتين الفرقتين) وهم الخطابية والكرامية ، فمن جملة بدعتهم
تجويز الكذب، فدعاتهم) وكان الأظهردعابما (أكذبهم وأسرعهم إلى ذلك
بخلاف غيرهم ) فيتعين ردهم مطلقا دعاة كانوا أولا (ولو سلمنا تهمتهم) أى دعاة
المبتدعة (لما كانت إلا فيما يخصهم من المذاهب دون سائر الأحكام) هذا هو رأى
المحدثين فى المبتدع غير الداعية أنه يرد من حديثه ما يقوى بدعته كما صرح به
.
-

٦
- ٢٨٣ -
الحافظ فى النخبة وشرحها (لأنها مهمة بتدليس أو نحوه من أمر يستجيزونه، أما لو.
انهمناهم بتعمد الكذب بقرائن راجحة على قرينة صدقهم لأجل الوازع الشرعى
لم يكن فى ردهم إشكال) لأجل التهمة بالكذب
(وأما الوجه الثانى) وهو التعليل بعدم قبول الداعية بالمفسدة فى قبوله (فالجواب
عليه أن نقول: إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أولا) يقوم (إن لم يدل)
الدليل الشرعى (على وجوب قبولهم لم تقبلهم) لعدم الدليل على القبول (هل كانوا
دعاة أو غير دعاة ) أى سواء كانوا، وإتيان هل لهذا المعنى لا أعرفه ( وإن دل)
الدليل الشرعى (على وجوب القبول) كما هو المفروض (لم يصلح ما أورده مانعاً من
امتثال الأمر) بقبولهم (ولا مسقطا بمعلوم الفرض) من قبولهم
قلت : وهاهنا بحثان فى قبول مطلق المبتدع داعية كان أو غيره، وذلك لأن
أهل الأصول أخذوا عدم البدعة فى رسم العدالة ، فالمبتدع ليس بعدل، فكيف
يقبل حديثه، فانه قبله أهل الحديث كما سمعت، ولم يردوا إلا الداعية، لا لأجل
بدعته، بل لأنه داعية إليها، وفسر الحافظ ابن حجر العدالة بأنها ملكة تحمل
على ملازمة التقوى والمروة ، وفسر التقوى بأنها اجتناب الأعمال السيئة من شرك
وفسق أو بدعة ، فأفاد أن ترك البدعة من ماهية العدالة ، فطابق كلام الأصوليين
فالمبتدع لا يكون عدلا على رأى الفريقين ، ثم إنه قسم البدعة إلى قسمين ،
ما يكون ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه
لیس منه ، انہی
قلت: ولا يخفى أن من كان بهذه الصفة فانه كافر، لرده ما علم ثبوته أو إثباتهلما
علم نفيه، وكلا الأمرين كفر، لأنه تكذيب للشارع ، وهذا ليس من محل .
النزاع ، إذ الكلام فى المسلم المبتدع، وأما ما يكون ابتداعه بفسق فقد اختارلنفسه
ونقل عن الجمهور أنه يقبل، مالم يكن داعية ، وحينئذ فلايرد إلا الداعية، ورده
لالأجل بدعته، بل لكونه داعية، وهذه مسألة قبول أهل التأويل ، والمصنف
٠
بـ

--- ٢٨٤ -
قد نقل فى كتبه الأربعة العواصم ومختصره الروض الباسم وهذا الكتاب
ومختصره فى أصول علم الحديث إجماعَ الصحابة على قبول فساق التأويل، ولا
يخفى أن هذا ينافى القول بشرطية عدم البدعة فى الراوى ورسم العدالة منافظة
ظاهرة ، وقد تقرر كونُ البدعة من الكبائر عند أئمة العلم، ودلت عليه عدة
أحاديث قد أودعناها رسالة ((حسن الاتباع، وقبح الابتداع ، وسقنا شطراً منها
صالحًا فى رسالتنا ((ثمرات النظر)) وأطلنا القول فى هذا البحث فيها .
وإذا عرفت هذا فلا يخلو قابل المبتدع إما أن يقول إنه عدل وإن ابتداعه
لا يخل بعدالته ، فهذا رجوع عن رسم العدالة ، أو يقول إنه لا يشترط عدم البدعة
فى العدل ، وإنه لا يطابق أحاديث الزجر عن البدعة .
البحث الثانى : أن تفسير العدالة بما ذكره الحافظ ابن حجر تطابقت عليه
كتب أئمة الأصول والحديث، وإن حذف البعض قيد الابتداع، فانهم قد اتفقوا
على أنها ملكة ، ولا يخفى أنه ليس هذا معناها لغة ، فتى القاموس العدل ضد
الجور ، وإن كان كلامه فى هذه الألفاظ قليل الافادة ، لأنه يقول: والجور نقيض
العدل ، فيدور، وفى النهاية لابن الأثير: العدل الذى لا يميل به الهوى ، وهو وإن
كان تفسيراً للعادل فقد أفاد المراد به، وفى غيرهما: العدل الاستقامة، ولأئمة
التفسير أقوال فى تفسيرها: قال الفخر الرازى فى مفاتح الغيب بعد سرده الأقوال:
إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفى الافراط والتفريط ، قلت : وهو قريب
من تفسيره بالاستقامة ، فانه فسرها الصحابة وهم أهل اللسان العربى بعدم الرجوع
إلى عبادة الأوثان، وأنكر أبو بكر الصديق على من فسرها بعدم الاتيان بذنب
وقال: حملته الأمر على أشده ، وفسرها أمير المؤمنين على عليه السلام بلاتيان
بالفرائض.
والحاصل أن تفسيرهم العدالة بالملكة ليس هو معناها لغة ولا أتى عن الشارع
فى ذلك حرف واحد ، وتفسيرها بالملكة تشديد لايتم وجوده إلا فى المعصومين
٠

- ٢٨٥ -
وأفراد من خلص المؤمنين، بل فى الحديث ((إن كل بنى آدم خطاؤون ، وخير
الخطائين التوابون» وفيه أنه «ما من فيّ الاعصى أوهمَّ إلا يحيى ابن زكريا) ولا يخفى
أن حصول هذه الملكة لكل راو من رواة الحديث معلوم أنه لايكاد يقع،ومن
طالع تراجم الرواة علم ذلك يقيناً، فالتحقيق أن العدل هو من قارب وسدّد وغلب
خيره على شره، وفى الحديث ((المؤمن واه راقع)) أى واه ما أذنب ، راقع بالتوبة
ومامه (( والسعيد من مات على رقعه)) أخرجه البزار، وإن كان فيهضعف فانه يشهد
له حديث ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفرلهم))
وهو حديث صحيح ، وقد أطلنا البحث فى هذا فى (ثمرات النظر)) وفى هذا هنا كفاية
ولما قرر المصنف فى كلامه ما يفيد قبول رواية المبتدع الداعية استشعر أنه
قد يقال: قد ثبت رد شهادة مَنْ له غرض فى الشهادة، أو من يتهم بمحاباة أو
عداوة أو نحو ذلك ، أجاب عنه بقوله ( وعلى العامة) أى العلماء (أن يفرقوا بين قبول
الرواية والشهادة) فان لكل منهما شروطا معروفة (و) أن يفرقوا (بين اعتقاد
ماليس عليه دليل من البدعة) أى وبين ماقام دليل عليه، وقبول الداعية قد قام
الدليل عليه كما قرره ، فابتداعه فى أمر لا يمنع عن قبوله فى غيره (ومتى تعدوا)
العامة ( فى ذلك ) أى بقبولهم له فى بدعته ( أتوا من قبل أنفسهم ) فى اتباعهم
للداعية فى بدعته، فان الدليل لم يقم على ذلك (مثال ذلك أنا لوخشينا مثل ذلك
من العامة إن سرنا فى البغاة) أى فى معاملتهم (بغير السيرة فى المشركين لم
يلزمنا أن نسير فيهم مثل سيرتنا فى المشركين) كما أن السيرة فيهم بغير السيرة فى
المشركين متعين ؛ فانه لا يغم من أموالهم شيئاً إلا الكراع والسلاح عند البعض
ولا يسترقُون ولا يذفف على جريحهم ولا يتبع مديرهم ( لئلا يتوهم بذلك العوام
أن اليغاة محقون أو محترمون) لم يلزمنا دفع وهم العامة بأن نسير فى البغاة مثل سيرتنا فى
المشركين لئلا يتوهم العامة أن البغاة محقون أو محترمون (احتراماً يوجبه ترك
قتالهم ، أو يشكك فى جوازه) كذلك لا تترك رواية المبتدع الداعية لئلا فترى

- ٢٨٦ -
العامة بقبول روايته على مخالطته ( على أن هذه المفسدة ) وهى مخالطة العامة للمبتدع
الداعية (مأمونة الوقوع بالرواية لحديث من قدمات من دعاة المبتدعة وتقادم عهده
فتأمل ذلك ، والله أعلم) كأنه يريد أنه قد يقال: إن المفسدة فى قبوله فى حياته ، فان
بقبوله فيها يحصل الندليس بما يقوى بدعته، فيحصل قبول مادلسه بعد مماته
**
٤٩
مسأة
[ فى بيان السن التى يصلح تحمل الحديث فيها )
(متى يصلح تحمل الحديث) أى فى أىّ سن يصلح تحمل الراوى عن غيره
الرواية ( العبرة) فى ذلك أى فى سن التحمل أو زمنه (بالعقل) أى بتعقل الراوى
(والتمييز (٢) ) لما يرويه، لا بحين معين ووقت متحد بين الرواة ( وقد يختلف
(١) قد أوضح العلامة ابن الصلاح هذه المسألة، وبين شأنها بيانا وافيا
قال : اعلم أن طرق نقل الحديث وتحمله على أنواع متعددة، ولمقدم على بيانها
بيان أمور :
الأول - يصح التحمل قبل وجود الأهلية ، فتقبل رواية من تحمل قبل
الاسلام وروى بعده، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده ،
ومنع من ذلك قوم فأخطئوا، لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن
ابن على وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأشباههم من غير فرق بين
ما تحملوه قبل البلوغ وما تحملوه بعده، وما يزالون قديما وحديثا يحضرون
الصبيان مجالس التحدث والسماع ، ويعتدون بروايتهم لذلك ، والله أعلم
الثانى - قال أبو عبد الله الزبيرى: يستحب كتب الحديث فى العشرين،

-٢٨٧ -
٠٠٠
٠٠٠
لأنها مجتمع العقل، قال: وأحب أن يشتغل دونها يحفظ القرآن والفرائض.
وورد عن سفيان الثورى قال : كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تسد
قبل ذلك عشرين سنة . وقيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبى نعيم ؟
فقال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم فى طلب الحديث صغارا، حتى
يستكملوا عشرين سنة . وقال موسى بن هرون : أهل البصرة يكتبون
لعشر سنين ، وأهل الكوفة لعشرين سنة ، وأهل الشام لثلاثين سنة،
والله أعلم .
قلت: وينبغى بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الاسناد أن يبكر باسماع
الصغير فى أول زمان يصح فيه سماعه ، وأما الاشتغال بكتبه الحديث وتحصيله
وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له ، وذلك يختلف باختلاف
الأشخاص ، وليس منحصرا فى سن مخصوص كما سبق ذكره آنفا عن قوم ،
والله أعلم .
الثالث - اختلفوا فى أول زمان يصح فيه سماع الصغير، فروينا عن موسى
ابن هرون الجمال أحد الحفاظ النقاد أنه سئل: متى يسمع الصبى الحديث؟
فقال: إذا فرق بين البقرة والدابة ، وفى رواية بين البقرة والحمار ، وعن
أحمد بن حنبل رضى الله عنه أنه سئل : متى يجوز سماع الصبى الحديث؟
فقال: إذا عقل وضبط ، فذكر له عن رجل أنه قال : لا يجوز سماعه حتى
يكون له خمس عشرة سنة، فأنكر قوله وقال: بئس القول ، وأخبر نى الشيخ
أبو محمد عبد الرحمن بنعبد الله الأسدی عن أبى محمد عبد الله بن محمد الأشیری
عن القاضى الحافظ عياض بن موسى السبتى اليحصبى ، قال : قد حدد أهل
الصنعة فى ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع، وذكر رواية البخارى فى صحيحه
بعد أن ترجم: متى يصح سماع الصغير؟ باسناد عن محمود بن الربيع ، قال :
عقلت من النبى صلى الله عليه وسلم مجة مجها فى وجهى وأنا ابن خمس سنين
من دلو ، وفى رواية أخرى أنه كان ابن أربع سنين .
قلت : التحديد بخمس هو الذى استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين
٦

- ٢٨٨ -
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
فيكتبون لابن خمس فصاعدا ((سمع)) ومن لم يبلغ خمساً ((حضر) أو ((أحضر))
والذى ينبغى فى ذلك أن يعتبر فى كل صغير حاله على الخصوص ، فان وجدناه
مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب ورد الجواب ونحو ذلك صححنا سماعه،
وإن كان دون خمس، إن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإنكان ابن خمس بل ابن خمسين.
وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى قال : رأيت صبيا ابن أربع
سنين وقد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر فى الرأى غير أنه إذا جاع
يبكي ، وعن القاضى أبى محمد عبد الله بن محمد الأصبهانى قال: حفظت القرآن
ولى خمس سنين، وحملت إلى أبى بكر بن المقرى، لأسمع منه ولى أربع سنين ،
فقال بعض الحاضرين : لا تسمعوا إليه فيما قرىء فانه صغير ، فقال لى ابن
المقرىء : اقرأ سورة الكافرين، فقرأتها، فقال: اقرأسورة الكوثر، فقرأتها
فقال لى غيره : اقرأ سورة والمرسلات، فقرأتها ولم أغلط فيها ، فقال ابن
المقرىء : اسمعوا له والعهدة على ، وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على
صحة ذلك من ابن خمس سنين مثل محمود، ولا يدل على انتقاء الصحة فيمن
لم يكن ابن خمس ولا على الصحة فيما كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود رضى
الله عنه، والله أعلم أهـ. كلام ابن الصلاح
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له ولوالديه: اعلم أن الكلام يجرى
فى موضعين: الأول فى أداء الحديث، والثانى فى وقت تحمله، أما إجراء
الكلام فى وقت أداء الحديث فقد سبق القول فيه ، وأما إحراؤه فى وقت
تحمله فهو موضع كلام المؤلف هنا، وهو الذى عناه ابن الصلاح بما قدمنا
نقله عنه. وقد علمت أن الشرط عندهم فى تحمل الحديث هو نفس التمييز
اتفاقا، وعلمت أن الصحيح فيه أنه غير مقدر بسن معينة ، بل المدار على
كونه بحيت يفهم الخطاب ويستطيع رد الجواب، كما علمت مما سبق أن الشرط
فى أداء الرواية هو كمال التمييز اتفاقا، وقد يختلف كمال التميز باختلاف الرجال كما أن
نفس التمييز يختلف باختلاف الصبيان، فلذلك اختلفوا فيما به يكون التمييز
وفيما به يكون كمال التمييز، والأصح الذى عليه الجمهور أن مقدار كمال التمييز
١

٠ - ٢٨٩ -
٠١
هو البلوغ، وأن المراهق لا يقبل أداؤه للرواية ، قياسا على الشهادة ، وأن
الدليل على هذا أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يرجعوا إلى المراهقين
فكان عدم رجوعهم دليلا على عدم قبول روايتهم، وأما أنهم ومن بعدهم
أباحوا استماع الصبيان، والاستماع مؤد إلى الرواية ، فان ذلك لا يستلزم إباحة
رواية الصبى، لاحتمال أن يكونوا إنما أباحوا للصبيان ذلك للتبرك، أو ليعتادوا
حضور مجالس التحديث ، وذانك من أعظم الفوائد، وقد استدل قوم على جواز
أداء المراهقين بأن أهل قباء قبلوا خبر أنس بن مالك وابن عمر رضى الله عنهما
فى تحول القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، وأنس وابن عمر إذ ذاك غير بالغين،
فان أنس ابن مالك كان يوم مقدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ابن عشرسنين،
وكان تحول القبلة بعدالهجرة بستة عشر أو سبعة عشرشهراكما فى صحيح البخارى
فلم يكن أنس بالغا يوم تحول القبلة، وأما ابن عمر فقد كان يوم أحد ممن لم
حتلم واستصغرهرسول الله صلى الله عليه وسلمعلى الجهاد ورده، فلم يكن بالغا
عند تحول القبلة قطعا، وأيضا فإن أقصى سن قدر لابن عباس يوم وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ابن خمس عشرة سنة. والجواب
عن هذا الاستدلال أنه لا يصح لأن أنسا وابن عمر لم يكن واحد منهما
مخبرا لأهل قباء بتحول القبلة، بل المخبر لأهل قباء غيرهما . ومن أقوى ما
يدل على ذلك أنه ورد فى رواية أنس « فر رجل من بني سلمة وهم ركوع
فى صلاة الفجر)) وورد فى رواية ابن عمر «فبينما الناس فى صلاة الصبح بقباء
إذ جاءهم آت - إلخ)) ثم ورد فى بعض الروايات أن الذى أخبر أهل قباء هو
عباد بن بشر، وورد فى بعضها الآخر أنه عباد بن نهيك ، فأذٍ وابن عمر
يرويان القصة بعد وقوعها بزمن ، ولو سلمنا أن أحدهما أو كليهما حدث أهل
قباء بتحول القبلة فغاية ما يدل عليه ذلك أن أهل قباء قبلوا خبرهما أو
خبر أحدهما، وذلك ليس بحجة على غيرهم ، فان تمسك متمسك بأن النبى صلى الله
عليه وسلم قررهم على ذلك فكان تقريره صلى الله عليه وسلم هو الحجة، فالجواب
أنا لا نسلم أنه صلوات الله وسلامه عليه قررهم، بل قال ((هم آمنوا بالغيب)).
(٢ - ١٩ تنقيح ٢)

٠٠٠
٠٠٠
٠.
.
٠٠
والخلاصة أنه إذا قال قائل : هل يشترط فى تحمل الحديث الاسلام والبلوغ
والعدالة? أو لا يشترط واحد من هذه الثلاثة إلا فى حال الأداء ؟ فالجواب
أن الذى عليه جمهور المحدثين أن الكافر إذا تحمل حديثا ثم أسلم فرواه قبلت
روايته، وكذا الصبى لو تحمل فى حال الصبا ثم بلغ فأدى والفاسق لو تحمل فى
خال الفسق ثم تاب فأدى تقبل رواية كل منهما، واستدلوا على جواز تحول
الصبى بأن جمهرة الصحابة ومن بعدهم قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن
ابن على والحسين بن على وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس والنعمان
ابن بشير والسائب بن يزيد والمسور ابن مخرمة وغيرهم، ولم يفرقوا بين ما
تحمله قبل البلوغ وما تحملوه بعده، وبأن جمهرة العلماء كانت تبيح حضور
الأحداث مجالسهم من غير نكير ، ومن أمثلة ما قبل العلماء فى حال الاسلام
من تحمل فى حال الكفر حديث جبير بن مطعم المروى فى الصحيحين أنه
سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب بالطور ، وكان جبير قد جاء
المدينة قبل أن يسلم ليتكلم فى شأن أسرى بدر . وقد وقع فى بعض روايات
البخارى لهذا الحديث ((وذلك أول ما وقر الايمان فى قلبى)) ومن أمثلة ذلك
أيضا حديث التنوخى رسول هرقل أو قيصر. فإن قال قائل : فاذا جوزنا
تحمل الصبى الحديث وقبلنا روايته بعد البلوع ، فهل ثمة حد من السن نقف
عنده بحيث إذا علمنا أن الصبى قد تحمل الحديث قبل أن يبلغه لم نقبل روايته
إياه بعد البلوغ ? وبعبارة أخرى: هل يكون التحمل صحيحا من كل صبى
بلغ فى الصغر ما بلغ ؟ فالجواب عن ذلك أن من أهل الحديث من حدد سنا
معينا وقف عنده، وذلك كما روى عن القاضى عياض أن أهل الصنعة حددوا
أُول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين ، وحجتهم فى ذلك ما روى
"عن محمود بن الربيع من قوله ((عقلت من النبى صلى الله عليه وسلم مجة مجها
فى وجهى من دلو وأنا ابن خمس سنين)) وقد بوب البخارى لهذا الحديث بقوله
((باب، متى يصح مماع الصغير؟)) وفى رواية الكشميهنى (باب - متى يصح
سماع الصبى الصغير)) قال العلامة العينى فى شرح هذه الترجمة («ومراده الاستدلال
على أن البلوغ ليس شرطًا فى التحمل ، واختلفوا فى السن الذى يصح فيه

- ٢٩١ .
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠
السماع للصغير : فقال موسى بن هارون الحافظ : إذا قرق بين البقرة والدابة
وقال أحمد بن حنبل: إذا عقل وضبط ، وقال يحيى بن معين: أقل من التحمل
خمس عشرة سنة، لكون ابن عمر رضى الله عنهما رد يوم أحد إذ لم يبلغها
وقد بلغ أحمد بن حنبل هذا القول فأنكره، وقال : بئس القول ، وقال عياض:
حدد أهل الصنعة ذلك بأن أقله سن محمود بن الربيع ، وكان ابن خمس، وفى
رواية أخرى أنه كان ابن أربع)) اهـ كلام العينى، والذى عليه الجمهور ممن
ارتضى سماع الصغير أنه لا حد للسن الذى يصح أن يتحمل فيه، وإنما المدار
على أن يميز ويدرك ويعى ، سواء أحصل له هذا القدر وهو ابن خمس أم
بعده أم قبله، لا أن الغالب على من كان دون الخمس أن يكون بعيدا من
الاستعداد لهذه الخلال ، فما ما ذكروه من حديث محمود بن الربيع وتمسكهم.
بظهره وجعلهم سنه مقياسا. فلا يتم به الاستدلال، وذلك لوجوه : أولها
أن الطبائع مختلفة أشد الاختلاف، وثانيا لعل محمودا يذكر المجة التى حدثت
له وهو ابن خمس لما اكتنفها مرأحوال، ثم هو لا يذكر أشياء أخرى حدثت
له وهو ابن ثمان أو عشر، والتجربة شاهد عدل على ذلك، فما من أحد إلا
وهو يذكر بعض ماحدث له فى سن مبكرة وهو مع ذلك ينسى أشياء حدثت
بعد ما يتذكره، فالعبرة بما ذكرنا من التمييز والادراك والوعى، لا بالسن، وعلى
هذا يحمل كلاء إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل وكلام موسى بن هرون
الحمدل الحافظ ، أما كتابة الحديث وضبطه فإن العبرة فيهما باستعداد الصبى لذلك
وتأهله له وقدرته عليه، ورأى كثير من العلماء أنه ينبغى للصبى أو لمن يلى
أمره أن يقدم بين يدى ضبط الحديث وكتابته تعلم الفقه، ومراد من أطلق
منهم اسم الفقه المقدار الذي به تصح عبادته، قال أبو عبد الله الزبيرى ((وأحب
أن يشتغل دونها بحفظ القرآن القرائض)) وغرضه من الفرائض الواجبات ،
وإنما استحبوا ذلك لسبين: أحدهما أن يكون قدخرج من حد الجهالة المطلقة
وثانيهما أن من عرف الذى يجب عليه لظالفه يكتسب بهذه المعرفة خشية وخوفا
يخضعانه عن الكذب الذى هو شر ما يبتلى به من يتصدى لهذا العالم الجليل

- ٢٩٢ -
الناس فى ذلك، وتختلف الأمور التي تحفظ، فالأمور العظيمة ) التى يعظم وقعها
ويندر حصولها ( ربما حفظت فى حال الصغر، بخلاف الألفاط ) ولم أجد هذافى
شرح الزين ولا فى كلام ابن الصلاح ( وبالجملة متى ثبت العقل والبلوغ والعدالة)
ذكر العقل والبلوغ مع العدالة زيادة إيضاح، وإلا فان ذكرها يكفى،لأنها لا يكون
متصفا بها إلا عاقل بالغ ( وجزم) فعل ماض عطف على قوله ثبت ( الثقة بأنه
يحفظ من صغره شيئاً لم يكن لأحد تكذيبه) قال زين الدين: ومنع من ذلك
قوم ، وهو خطأ مردود عليهم، وقد مثل من تحمل فى صباه برواية الحسنين ،
وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، وابن عباس، والسائب بن يزيد، والمسور
ابن مخرمة ، ونحوهم ، وقبل الناس روايتهم من غير فرق بين ماتحملوء قبل
البلوغ و بعده
وأما سن السماع فاختلفوا فيها على أقوال:
الأول: أن أقله خمس سنين، حكاه القاضى عياض فى الألماع عن أهل الصنعة،
وقال ابن الصلاح: هو الذى استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، وحجتهم فى ذلك
ما رواه البخارى فى صحيحه والنسائى وابن ماجه من حديث محمود بن الربيع قال:
عقلت من النبى صلى الله عليه وسلم مجة مجها فى وجهى من دلو وأنا ابن خمس
سنين، بوب عليه البخارى ((متى يصح سماع الصغير)) قال زين الدين: وليس
فى حديث محمود سنة متبعة ، إذ لا يلزم منه أن يميز الصغیر تمییز محمود ، بل قد
ينقص عنه وقد يزيد ، ولا يلزم منه أن لا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك،
ولا يلزم من عقل المجة أن يعقل غير ذلك مما سمعه، انتهى
قلت : على أنه أخبر عن نفسه، ولم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم قول
ولا تقرير ولا رواه فى حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما فيه دليل على جواز
المجة فى وجه الصبى مداعبة له وتبريكا عليه، وكأنه يقول: الدليل أنه رواه
محمود، وعين وقت تحمله، وقبله العلماء ولم يردوه، فيكون إجماعا على ذلك، ولئن

-- ٢٩٣.
سلم ففيه ماقاله الزين، ثم مما يدل على عدم اعتبار حد معين لسن التحمل أنهروى
الخطيب باسناده إلى القاضى أبى محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن اللبان الأصبهاني
قال: سمعته يقول: حفظت القرآن ولى خمس سنين، وأحضرت عند أبى بكر بن
المقرى وإلى أربع سنين، فأرادوا أن يسمعوا لى ما حضرت قراءته ، فقال بعضهم: إنه
يصغر عن السماع، فقال ابن المقرى: اقرأ سورة الكافرون ، فقر أتها ، فقال: اقرأ
سورة التكوير، فقرأتها، فقال لى غيره: اقرأسورة المرسلات، فقرأتها، ولم أغلط
فيها، فقال ابن المقرى: اسمعوا له والعهدة على، وفى شرح السخاوى أنه روى الخطيب
من طريق أحمد بن نصر الهلالى قال: سمعت أبى يقول: كنت فى مجلس ابن
عيينة فنظر إلى صبى دخل المسجد فكأن أهل المجلس تهاونوا به ، فقال سفيان:
كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، ثم قال: لو رأيتنى ولى عشر سنين، طولى
خمسة أشبار، ووجهى كلدينار، وأنا كشعلة نار ، ثيابى صغار، وأ كابى قصار،
وذيلى بمقدار، ونعلى كاذان فار، أختلف إلى علماء الأمصار ، مثل الحسن وعمرو
بزدينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبربى كالجوزة، ومقلمتى كالموزة، وقلمى كاللوزة، إذا
دخلت المسجد قالوا : أوسعوا للشيخ الصغير، قال النووى فى ترجمة ابن عيينة فى
التهذيب قال سفيان: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين، وكتبت وأنا ابن سبع سنين.
القول الثانى من الثلاثة : أنه متى فهم الخطاب ورد الجواب كان سماعه
صحيحاً، وإن كان ابن أقل من خمس، وإن لم يكن كذلك لم يصح، وإن زاد
على الخمس، قال زين الدين: وهذا هو الصواب، قلتٍ: واعل أهل القول [الأول](١)
يشترطون فهمه الخطب ورده الجواب.
القول الثالث: أنه إذا عقل وضبط، وهو قول أحمد بن حنبل ، قلت:
وهو قريب من الثانى .
الرابع قول موسى بن هرون الجمال : يجوز سماع الصغير إذا فرق بين البقرة
(١) زيادة يقتضيها السياق
۔

- ٢٩٤ -
والدابة ، وفى رواية بين البقرة والحمار، قال الحافظ ابن حجر: الذى يظهر أنه على
٢٠٠
سبيل المثال .
(إلا أن يكون) الخبر الذى تحمله الراوى حال صغره ورواه بعد كبره (أمرا يعلم
بطلانه بالضرورة أو الدلالة، فانه لا يقبل) قلت: لاخفاء فى أنهماكان كذلك فانه
لا يقبل ممن تحمل بعد تكليفه (ومثل هذا لم يقع فلا نطول بذكره، وكذا تقبل رواية
من سمع وهو كافر وروى) ذلك ( بعد الاسلام، فالعبرة بحال الأداء) أى حال
تأديته ما سمعه ، قال زين الدين: مثاله حديث جبير بن مطعم المتفق على صحته
أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ فى المغرب بالطور، وكان قدم فى فداء
أسارى بدر قبل أن يسلم ، وفى رواية للبخارى: وذلك أول ما وقر الأسلام فى قلبى
خاتمة - قال ابن الصلاح: وينبغى بعد أن صار الملحوظ بقاء سلسلة.
الأسناد أن يبكر باسماع الصغار فى أول زمان يصح فيه سماعه ، وأما الاشتغال بكتب
الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ، ويستعدله، وذلك.
يختلف باختلاف الأشخاص ، ولیس ینحصر فى سن مخصوص، انتهى.
ونقل زين الدين عن الزبير بن أحمد من الشافعية أنه قال: يستحب كَتْب
الحديث فى العشرين، لأنها مجمع العقل، قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ
القرآن والفرائض، قال الحافظ ابن حجر: المراد ما يجب على الشخص وجوبه
عين، لاعلم المواريث، وقال موسى بن إسحاق: كان أهل الكوفة لا يخرجون
أولادهم فى طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة ، وقال موسى بن
هرون الجمال: أهل البصرة يكتبون لعشر سنين ، وأهل الكوفة لعشرين ، وأهل
الشام نثلاثین .
***

٢٩٥ -
٢٠٠
٠
٥
٤
مسالة
| فى بيان أقسام التحمل !
(أقسام التحمل) قال زين الدين: الأخذ للحديث وعمله عن الشيوخ
ثمانية أقسام
الأول ( لفظ (١) الشيخ) أى سماء لفظه، قال الزي: سواء أحدث من كتابه
(١) ذكر المؤلف فى هذه المسألة طرق تحمل الحديث والألفاظ التى يؤدى
به الراوى فى كل طريق منها، وجماع هذه الطرق ثمانية - كما حكى الشارح
عن زين الدين - وسنذكر لك هذه الطرق مفصلة، وسنذ كر - مع كل طريق-
اللفظ الذى ينبغى للراوى أن يذكره فى كل طريق، فنقول:
الطريق الأول من طرق تحمل الحديث - وهى أمى الطرق وأرقاها وأقوى
ما ينبغى أن يتنافس فيه المحدثون - أن يسمع الراوى لفظ الشيخ، سواء أكان
الشيخ على من كتاب أو من حفظه، أم لم يكن على أصلا وإنما يحدث من غير
إملاء، غير أن الاملاء أعلى رتبة من التحديث من تغير إملاء، لأن الاملاء
يستتبع من شدة التحرى ودقة الضبط من الشيخ والراوى عنه أكثر ما يستتبعه
التحديث بلا إملاء، ولا فرق فى هذه الحالة بين أن يكون الشيخ ظاهراً لمن
يروى عنه من تلاميذه وأن يكون غير ظاهر بأن كان جالساً وراءستر، لكن
إذا لم يكن الشيخ ظاهرا للتلميذ اشترط أن يعرفه الثانية إما بصوته وإما بخبر
من يثق به ويعتمد خبره، وهذه التسوية بين حالى الشيخ فى ظهوره لتلاميذه
وعدم ظهوره لهم هى مذهب جمهرة المحدثين، وذهب أبو بسطام شعبة بن
الحجاج إلى أن سماع الراوى شيخه من غير رؤية لايجيز له الرواية عنه. قال:
((إذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه، فلهله شيطان تصور فى صورته
يقول حدثنا وأخبرنة)) ومقال شعبة هذا ما لا يصح ألى يعتمد عليه، فالشيطان
كما يتمثل بالشيخ من وراء حجاب يجوز أن يتمثل ٩ فى العيان والمعاهدة،

- ٢٩٦ -
٠٠٠
....
٠٠.
٠٠٠
قال الامام النووى رضى الله عنه ((وهو خلاف الصواب وخلاف رأى الجمهور)»
وقال الحافظ جلال الدين السيوطى ((ولقد كانوا يسمعون عائشة وغيرها من:
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب وبيروون عنهن اعتمادا على
الصوت)) وأقول: ليس الاستدلال مقصورا على عمل الصحابة والتابعين فى السماع
عن عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين، بل إن النبى صلى الله عليه وسلم أمر قومه
أن يأخذوا نصف دينهم عن عائشة، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن واحدا منهم
لن يراها وهو يأخذ عنها ، فكان ذلك منه إذنا صريحا فى جواز الأخذعمن }
يره الآخذ، ومثل ذلك فى الدلالة على هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن
بلالا ينادى بليل، فكلوا واشربواحتى ينادى ابن أم مكتوم)) فأمر عليه
الصلاة والسلام بالاعتماد على الصوت مع غيبة صاحب الصوت عمن يسمعه
فإذا تحمل الراوى بالسماع من الشيخ على إحدى الصور السابقة ساغ له أن يقول.
فى أدائه أحد الألفاظ الآتية :
الأول - أن يقول ((سمعت)) وهذه الكلمة أرقى الألفاظ الدالة على السماع
لكونها صريحة فيه .
الثانى - أن يقول ((حدثنى)) أو يقول ((حدثنا)) وهذان أدبى رتبة من
((سمعت))
الثالث - أن يقول ((أخبرفى)) أو يقول ((أخبرنا)) وهذان أدنى رتبة من
«حذثنی» و مامعها
الرابع أن يقول ((أنبأنا) أو (نبأنا)) أو ((أنبأنى)) أو ((نبأنى)) وهذه
الألفاظ تالية فى المنزلة لقوله ((أُخبرنى)) وما معها
الخامس أن يقول ((قال لنا)) أو ((ذكر لنا)) أو ((قال لى) أو ((ذكر لى))
وهذهالألفاظ تلیفی الرتبة ((أنبأنا» و ماذ کرناه معها
وهذا الذى ذكرناه من جواز ذكر أية لفظة من هذه اللفظات عندما
يريد التلميذ الذى سمع من لفظ شيخه أداء ماسمعه لغيره، ممن أنها مرتبة
المنازل حسبما ذكرنا - هو رأى جمهرة علماء الحديث، وذهب الشيخ أبو عمرو
ابن الصلاح إلى أن قول الراوى ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) أرقى من قوله «سمعت»

- ٢٩٧ --
أو من حفظه باملاء أو بغير إملاء ، وهو أرفع الأقسام، وأعلاها (عند الجمهور،
وأرفع ألفاظه) فى حال الأداء ( فيما سمعه من الشيخ) قال الخطيب: أرفع العبارات
(سمعت) فانها أرفع العبارات، وأما سمعنا بطريق الجمع فيطرقه احتمال سمع أهل
بلد هو فيهم (ثم حدثنا وحدثنى، ثم أخبرنا وأخبرنى) وهو كثير في الاستعمال،
هذا لفظه، وهو أرفع من سمعت من جهة أخرى، وهو أنه ليس فى سمعت دلالة
على أنه خاطبه به وفيها دلالة على أنه خاطبه بدورواه له (ثم أنبأنا وأنباتى، وهو قليل فى
الاستعمال، وإنما يستعمل) الأنباء (فى) الرواية (بالا جازة لا بالسماع من لفظ الشيخ
(ثم استعمل أنبأنا فى) عرف أهل (الازمان الأخيرة لما قرىء على الشيخ، وأما قال
لنا أو) قال (لى أو ذكر لنا أولى أو نحوه فهو مثل ما تقدم فى الاتصال) فهو مثل حدثنا
(غير أنه فى العرف لما قيل فى حال المذاكرة) قال ابن الصلاح: إنه لا تق به ،
وهو أشبه من حدثنا ، وخالف أبو عبد الله بن منده فى ذلك، فقال فيما رويناه
له : إن البخارى حيث قال ((قال لىفلان)» فهو إجازة، وحيث قال « قال فلان)فهو
تدليس ، ولم يقبل العلماء كلامه هذا، وقال ابن القطان: إِن رواية ذلك عن
البخارى لم تصح، قال الحافظ ابن حجر قالوا: إن ما قال فيه البخارى قال لنا فهو
ما حمله إجازة، قال: واستقرينا ذلك فوجدته فى بعض ما قال فيه ذلك يصرح
فيه بالتحديث فى موضع آخر (فأما قال وذ کر من غير حرف جر وضمیر)}من لنا
أولى ( فهو دونها) قال ابن الصلاح: إنها أوضع العبارات، ومع ذلك فهى محمولة
على السماع بالشرط المذكور فى المعنعن ، وهو حيث حصل الشرط الدينى ، ولذا
قال المصنف ( وهى كالعنعنة متصلة، إذا علم اللقاء وسلم القائل لذلك من التدليس
وذهب الزركشي والقطب القسطلانى إلى أن ((حدثنا)) أرقى إن كان قد حدثه
مع غيره، وأن (سمعت)) أرقى إذا كان قد سمع منه بخصوصه، ومع هذا فقد اشتهر فى
الاستعمال تخصيص قول الراوى ((ذكرلنا)) بما يسمعه من الشيخ فى حال المذكرات
والمناظرات، وتخصيص قوله ((أنبانا)) ونحوه بما يرويه عن الشيخ بطريق
الاجازة، لا بالسماع .

١
د- ٢٩٨-
لا سيما من عرف منه أنه لا يروى إلا ما سمعه كحجاج بن محمد ) هو المصيصى
(الأعور) أحد الثقات، روى عن ابن جريج وشعبة ، وعنه أحمد وابن معين
والذهلى، روى ألّترم عن أحمد أنه قال : ما كان أحفظه وأصح حديثه وأشد
تعاهده للحرؤف، ورفع أمره جداً (فروى كتب ابن جريج) هو عبد الملك
ابن عبد العزيز بن جريج أبو خالد المكى، أحد الأعلام الثقات ، يدلس ،وهو
فى نفسه مجمع على ثقته ، مع أنه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة،
كان يرى الرحمة فى ذلك ، كان فقيه أهل مكة فى زمانه ( بلفظ قال ابن جريج
فحملها الناس عنه واحتجوا بها) لأنه قد وجد فيها شرط المعنعن المتصل من علم
اللقاء والسلامة من التدليس وزيادة أن راويها لا يروى إلا ما سمعه
( الثانى) من أقسام الأخذ والتحمل (القراءة على الشيخ) (١) وهو يسمع
(١) الطريق الثانى من طرق التحمل أن يقرأ الراوى على الشيخ من كتاب
أو من حفظه أيضا، سواء أكان الشيخ حافظًاً لما يقرأ الراوى عليه أم لم يكن
حافظاً ، لكن إذا لم يكن الشيخ حافظا اشترط أن يمسك الشيخ بيده أصله
الذى فيه الأحاديث التى يقرأها القارىء أو أن يمسكه له ثقة مأمون، وهذا
الطريق تختص مند المحدثين باسم العرض، والكلام عنها من عدة وجوه :
الوجه الأول- هل الرواية بهذه الطريقه صحيحة أو غير صحيحة ؟ والجواب
عن ذلك أن الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل العلم بالحديث ذهبوا إلى صحة
التحمل على هذا الوجه وصحة الرواية بعد التحمل به، وروى عن أبى عاصم
النبيل ووكيع ومحمد بن سلام وعبدالرحمن بن سلام الجمعى ما يدل على أنهم كانوا
لا يجيزون للتحدث أن يروى ما تحمله بهذا الوجه، روى ذلك عن أبى عاصم
الزامهر متر ٤ وروى الخطيب عن وكيع أنه قال: ما أخذت حديثاً قط عرضا"
وروى عن محمد بن سلام أنه أدرك مالكا والناس يقرأون عليه فلم يسمع منه

- ٢٩٩ -
لذلك، و كذلك عبد الرحمن بن سلام لم يكتف بذلك، فقال مالك : أخر جوه
عنى، وممن قال بصحتها من الصحابة فيما رواه البيهقى فى المدخل: أنس بن مالك.
وابن عباس ،وأبو هريرة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة،
بن محمد، وسالم بن عبدالله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن
هرمز، وعطاء، ونافع وعروة، والشعبى، والزهرى، ومكحول، والحسن،
ومنصور ، وأيوب ، ومن أثمة أهل الحديث: ابن جريح والثورى وابن.
أبى ذئب، وشعبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدى، وشريك والليث وأبو عبيد
والبخارى، ومن لايحصى من أهل العلم وذوى الغيرة على دينهم، وروى الخطيب
عن إبراهيم بن سعيد أنه قال: لا تدعون تنطعكم ياأهل العراق، العرض مثال
السماع ، واستدل الحميدى ثم البخارى على صحة ذلك بما رواه ضمام بن تعاجة
لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك بربك
ورب من قبلك الله أرسلك - الحديث فى سؤاله عن شرائع الدين ، فلما فرغ
قال : آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائى ، فلما رجع إلى قومه
اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه أى قبلوه منه وأساموا، وأسند البيبقى فى
المدخل عن البخارى قال: قال أبو سعيد الحداد : عندى حبر عن النبى صلى الله
عليه وسلم فى القراءة على العالم ، فقيل له: ماهو؟ فقال: قصة ضمام الله أمرك
بهذا ؟ قال نعم
الوجه الثانى: إذا تم أن هذا الوجه صحيح، فهل هو مساء للسماع ، فى
لفظ الشيخ؟ والجواب أن أهل العلم بالحديث يختلفون فى هذا ، وأن لهم فى
ذلك ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول وهو مذهب الامام مالك وأصحابه وأشياخه من عاداه
أهل المدينة، ومذهب معظم علماء أهل الحجاز والكوفية ومذهب البخارى.
وخلاصته أن العرض يساوى السماع فى المرتبة ..
والمذهب الثانى- وهو مذهب أبى حنيفة وابن أبى ذئب والليث بن سعد
وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن عبدالله بن بكر، وكثير من العلماء، وهو أيضا

- ٣٠٠ -
٠٠
٠٠
رواية عن مالك حكاها عنه الدار قطنى - وخلاصته أن القراءة على الشيخ أرقى
من السماع منه، وقد عللوا هذا المذهب بأن الشيخ لو غلط فى حال سماع
الطالب منه لم يتهيأ للطالب أن يرد عليه، أما فى حال قراءة الطالب على الشيخ
فانه إذا أخطأ لم يسكت الشيخ على خطئه .
والمذهب الثالث- وهو الذى رجحه الإمام النووى فى تقريبه وذكر أنه
مذهب جمهور أهل المشرق - وخلاصته أن السماع من لفظ الشيخ أعلى رتبة
من القراءة عليه .
الوجه الثالث: إذا روى الراوى بهذا الطريق على أى صورة من صوره التى
ذكرناها فى مفتتح هذا الكلام ، فما اللفظ الذى يجوز له أن يقوله حين الرواية؟
والجواب على هذا أن الأحوط الأجود له أن يقول ((قرأت على فلان)) أو
يقول ((قرىء على فلان وأنا أسمع)) أو يذكر لفظاً من الألفاظ التى سبق
تعدادها فى الطريق الأول لكن بشرط أن يقيد ما يذكره منها بالقراءة كأن
يقول ((حدثنا قراءة عليه) أو ((حدثنا بقراءتى)) أو ((أخبرنا قراءة عليه))
وهل يجوز لمن تحمل بهذا الطريق أن يقول عند الرواية ((سمعت)»؟.
ذهب جمهور المحدثين إلى أنه لا يجوز له أن يذكر هذا اللفظ من بين الألفاظ
التى أبيحت له، لا مطلقا ولا مقيدا بالقراءة ، فلا يقول ((سمعت من فلان
قراءة عليه)) وذهب سفيان بن عيينة وسفيان الثورى وأحمد بن صالح
والقاضى أبو بكر الباقلانى ويروى عن مالك بن أنس إلى أنه يجوز أن يروى
بلفظ سمعت بشرط أن يقيده بالقراءة كسائر ألفاظ الوجه الأول
وهل يجوز لمن تحمل بهذا الوجه أن يقول عند الرواية ((حدثنى)) أو
((أخبرني)) بدون تقييد ذلك بالقراءة؟ والجواب أن للعلماء فى ذلك ثلاثة
مذاهب: الأول: لا يجوز ذلك مطلقا، لا بقوله (حدثنى)) أو (حدثنا)) ولا بقوله
((أُخبرنى)) أو ((أخبرنا)) وهذا مذهب يحيى بن يحيى وابن المبارك والأمام
أحمد بن حتبل والنسائى، والثانى: يجوز بأيهما شاء، وهذا مذهب الزهرى
ومالك وسفيان بن عيينة والبخارى، وحكاه القاضى عياض عن الأكثرين ،
والثالث: أنه يجوز إطلاق لفظ التحديث لا الأخبار، وهو مذهب الشافعى
أ