Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ - ٠ ٠٠ . . ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ يكن بصيرا بأسباب الجرح فلا يصلح للتزكية ، وإن كان بصيرا بها فلا معنى لاشتراط بيان السبب إذ الغالب - مع عدالته وبصيرته أنه ما أُخبر إلا وهو صادق فى مقاله، واختلاف الناس فى أسباب الجرح - وإن كان ثابتا - إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بأسباب الجرح أن يكون عارفا بمواقع الخلاف فى ذلك ، فلا يطلق الجرح إلا فى صورة علم الوفاق عليها ، وإلا كان مدلسا مطبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة، ألا ترى أن التعديل المطلق مقول بأن يقول المعدل: هو عدل ، أو ثقة، أو مقبول الحديث ، أو مقبول الشهادة ، فكذا الجرح المطاق . ولعامة العلماء أن العدالة ثابتة لكل مسلم باعتبار العقل والدين، خصوصا فى القرون الأولى، وهى القرون الثلاثة التى شهد النبى صلى الله عليه وسلم بعدالتها فلا يترك هذا الظاهر بالجرح المبهم، لأن الجارح ربما اعتقد ما لا يصلح سببا للجرح جارها بأن ارتكب الراوى صغيرة من غير إصرار أو شرب النبيذ معتقداً إباحته أو اهب بالشطرنج كذلك، فجرحه بناء عليه ، وكذا العادة الظاهرة أن الانسان إذا لحقه من غيره ما يسوءه فانه يعجز عن إمساك لسانه عنه، فيطعن فيه طعنا مبهما، إلا إن عصمه الله عز وجل، ثم إذا استفسر لا يكون له أصل، فثبت أنه لا بد فيه من بيان السبب، بخلاف التعديل لأن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر فلا معنى للتكليف بذكرها، وقولهم («الغالب أنه ما أخبر إلا وهو صادق فى مقاله)) غير مسلم ، لجواز أن يكون إخباره بناء على اعتقاده، وكذا أن يكون إخباره بناء على اعتقاده، وكذا قولهم (( الظاهر أنه يكون عارفا بمواقع الخلاف، يجوز ألا يعرف ذلك ، قال الغزالى رحمه الله: والصحيح عندنا أن هذا مختلف باختلاف أحوال المعدل ، فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى باطلاقه، ومن عرفت عدالته فى نفسه ولم تعرف بصيرته بأسباب الجرح والتعديل استخبرناه عن السبب ، وذكر أبو عمرو الدمشقى فى كتاب معرفة أنواع علوم الحديث فى هذه المسألة أن البخارى قد احتج بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس وكاسماعيل ابن أبى أويس وعاصم - - ١٤٢ - ٠٠ ابن على وعمرو بن مرزوق وغيرهم، واحتجمسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم ، وهكذا فعل أبو داود السجستانى ، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، فان قيل: قد اعتمد الناس ( وذكر سؤال ابن الصلاح وجوابه اللذين أثرنا لك عبارته فيهما عند إشارة الصنف إليهما ) ثم قال فى تمثيل الجرح المفسر بما لا يصلح جرحا: مثل طعن من طعن فى أبى حنيفة رحمه الله من الحساد المتعنتين أنه دس ابنه - أى أخفاه - ليأخذ كتب أستاذه حماد عند وفاته فكان يروى منها، وهذا ليس بصحيح، لأنه رحمه الله كان أعلى حالا وأجل منصبا من أن ينسب إليه ذلك، ويأبى كل الاباء دقة نظره فى دقائق الورع والتقوى وعلو درجته فى العلم والفتوى ، ولئن سلمنا أنه صحيح فليس فيه ما يوجب طعنا، لأنه إما أن أخذها تملكا أو عارية، وإما أن يكون قد روى منها شيئا أو لم يره، فان لم يرو فليس للطعن فيه مجال ، وإنى روى فاما أن يكون قد روى منها ما سمعه من أستاذه أوما أجازه .له، أو روى مالم يسمعه منه ولم يجزله براويته، فالأول دلالة الاتقاز، والثانى كذلك لأنه بطريق الوجادة وهو طريق مسلوك صحيح .. وذكر بعد ذلك كلاما طويلا، ثم قال: وليس كل من اتهم بوجه ما ساقط الحديث، مثل الكلبى وعبد الله بن لهيعة والحسن بن عمارة وسفيان الثورى وغيرهم ، فانه قد طعن فى كل واحد منهم بوجه، ولكن على درجتهم فى الدين وتقدم رتبتهم فى العلم والورع منع من قبول ذلك الطعن فى حقهم ومن رد حديثهم، إذ لورد حديث أمثال هؤلاء بطعن كل أحد انقطع طريق الرواية واندرس الاخبار ، إذ لم يوجد - بعد الأنبياء عليهم السلام - من لا يوجد فيه أدنى شىء مما يجرح به إلا من شاء الله ، فلذلك لم يلتفت إلى الطعن بأن الراوى ذكر شيخه بكنيته ولم يسمه ، ويحمل على أحسن وجهه وهو قصد الراوى إلى صيانة شيخه عن أن يطعن فيه بباطل، اه كلام فخر الاسلام البزدوى . وقال المحقق الآمدى ((اختلفوا فى قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما، فقال قوم: لا بد من ذكر السبب فيهما، أما فى الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به، فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا ، وأما فى -- ١٤٣ - .٠. ٠٠ العدالة فلأَ ن مطلق التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة ، لجرى العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر . وقال قوم : لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو اختيار القاضى أبى بكر ، وقال الشافعى رضى عنه : لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس فيما يجرح به، بخلاف العدالة فان سببها واحد لا اختلاف فيه . ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكـ سبب العدالة دون الجرح. والمختار إنما هو مذهب القاضى أبى بكر ، وذلك لأنه إما أن يكون المزكى والجارح عدلا بصيرا بما يجرح به ويعدل ، أو لا يكون كذلك : فان لم ينكن عدلا أو كان عدلا وليس بصيرا، فلا اعتبار بقوله، وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله؛ إذ الغالب - مع كونه عدلا بصيرا - أنه ما أخبر بالعدالة والجرح إلا وهو صادق فى مقاله ، فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك . والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يُبرح به وإن كان حقا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف فى ذلك، والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا فى صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين، وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة والاحاطة بسريرة المخبر عنه ، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال)) اهـ كلامه بحروفه . ونحن لا نقره على قبول الجرح المجمل وإن كان صادرا عن العدل ذى البصيرة، ونبنى ذلك على شيئين كل منهما فى ذاته يقضى ببيان السبب الذى حكم به الجارح على من جرحه، أو لهما: أنه لاحرج على الجارح فى ذكر السبب كما كان على المعدل حرج فى ذكر سبب العدالة ، لأن ذكر سبب واحد من الاسباب التى بها يجرح كاف، وثانيهما: أن الناس يختلفون فى أسباب المرح، فقد يكون الجارح يرى جرحه بسبب لايراه من يريد الاستدلال ، ثم إن الجارح قد - ١٤٤ - سبب العدالة ولا يجب بيان سبب الجرح لأن أسباب العدالة يكثر التصنع(١) فيها فيبنى المعدلون على الظاهر ، حكاه صاحب المحصول وغيره ، والثالث : أنه لا بد من ذكر أسباب الجرح والعدالة جميعاً، حكاه الأصوليون ، قالوا : وكما أنه قد يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك قد يوثق العدل بما لا يقتضى العدالة ، والرابع : عكسه، وهو أنه لا يجب ذكر سبب واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالماً بصيراً، وهو اختيار القاضى أبى بكر، ونقله عن الجمهور (وحكى الخطيب أنه ذهب إلى ذلك الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخارى ومسلم وغيرهما) قال ابن الصلاح: وهو الذى نص عليه الشافعى ، وقال الخطيب : هو الصواب عندنا (قال ابن الصلاح: وهو ظاهر مقرر فى الفقه وأصوله) ودليله ما أفاده قوله (لكثرة اختلاف الناس فيه ، فربما جرح بعضهم لاعتقاده أن ماجرح به مؤثر فى سقوط العدالة، وربما استفسر الجارح وذكر ما ليس بجرح ، فقد روى الخطيب عن محمد بن جعفر المدائنى أنه قيل لشعبة : لم تركت حديث فلان ؟ قال : رأيته يركض على برذون ، فتركت حديثه) قال الزين : فماذا يلزم من ركضه على برذون؟ قد قيل: ربما يلزم منه خرم مروءته، وذلك إذا كان فى موضع أو حال لا يليق بذلك، وعليه تحمل رؤية شعبة تحسينا للظن به لما ثبت من جلالته واتساع معرفته، حتى قال الامام أحمد: إنه أمة وحده فى هذا الشأن (وروى أبو حاتم يبنى الجرح على اعتقاده فيما يراه جرحا حقا، وقد لا يعرف أن فى الجرح بوصف ما خلافا ولا يخطر الاختلاف فيه بين العلماء بباله ، فاذا أطلق الجرح فى إحدى هاتين الحالتين لم يكن مدلسا ولا ملبا ، وعسى أن يكون الوصف الذي اعتقد أنه جارح ولم يعرف فيه خلافا ولم يخطر بباله أن يكون منار خلاف - ليس جارحا عند غيره، فما لم يذكر السبب - مع أنه لا حرج عليه من ذكره- يبقى كلامه غير مقبول. (١) فى الأصلين ((التتبع)) محرفا عما أثبتناه عن التدريب الذى نقل هذه العبارة هو الآخر . - ١٤٥ - عن يحيى بن سعيد قال: أتى شعبة المنهال بن عمرو فسمع صوتا فتركه) والمنهال وثقه ابن معين والنسائى، واحتج به البخارى فى صحيحه (قال ابن أبى حاتم) فى بيان الصوت لذى سمعه شعبة ( سمعت أبى يقول: إنه سمع قراءة بألحان، فكره السماع منه من أجل ذلك، وقد روى الخطيب باستله) إلى وهب بن جرير (أنه قال) قال شعبة: أنيت منزل المخبال بن عمرو (فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت فقيل له) أى لشعبة (ألاسألت عنه؟ ألا قل ماهو) و لعله كان المنهال غير عالم بذلك فى منزله ، ويحتمل أن لاتعلم أنت ماهو، فلماه غير طنبور، قيل : الورع مافعله شعبة، لأن الطنبور لا يضرب فى بيت أحد لا يعلمه، وذلك مما يخرم المروءة إِن لم يكن فسقا (قال) الخطيب (وروينا عن شعبة أنه قال: قلت للحكم بن عتيبة: لم تروعن زاذان ؟ قال: كان كثير الكلام) يحمل ذلك على أنه فيما لا يعنيه ، فيكون خرما للمروءة ، وزاذان قال ابنحبان فى الثقات : كان يخطىء كثيراً، انتهى. وقال أحمد بن حميد الدارى: حدثنا جرير، فقال المصنف (وعن جرير أنه قال: رأيت سماك بن الحارث) فى شرح الزين ((بن حرب)) ( يبول قائما فلم أكتب عنه) يحمل على أنه فى مكان يخرم المروءة البول فيه، فهده أمثلة لما استفسر الجارح عن جرحه ففسره بما ليس بجرح واعلم أنه لا تصريح من المفسرين المذكورين بكمبم جرحوا من ذكر، إذ شعبة لم يجرح من رآه يركض على يرذون ، بل قال: تركت حديثه ، ولم يجرحه وكأنه رأى ذلك من خوارم المروءة، وأنه يفسرها بسيرة أمثاله، وأن مثل ذلك الرجل لا يركض على برذون ، وكذلك مَن سمع فى بيته صوت الطنبور لم يجرحه بل قال: كره السماع منه، وكذلك منرآه كثير الكلام، ولاشك أن هذا تحمق ومبالغة (وقد عقد الخطيب لهذا بابا فى الكفاية) كما حكاه الزين فى شرح ألفيته (قلت: أكثر من هذا الاختلاف فى العقائد) فانها فرتقت كلمة العباد، وأورثت بينهم التعادى إلى يوم المعاد، فى مسائل أكثرها - أو كلها- ابتداع، لم يقع لها (١٠ - تقيح ٢) - ١٤٦ - ذكر فى سلف الأمة التى يجب لها الاتباع، كمسألة خلق القرآن أو قدمه ، والقول يخلق الأفعال أو عدمه ( ثم إن العداوة أمر زائد على مجرد اعتقاد الخطأ واعتقاد التكفير، فان العداوة إذا وقعت بين مؤمنين متفقى العقيدة لم يقبل كلام أحدهما فى الآخر، كيف أمر العقائد) فان التعادى عليها عظيم، بل سفكت بسبيها الدماء، وهتكت المحارم، وارتكبت القبائح بسببها والعظائم، كما يعرف ذلك من له إلمام يكتب التاريخ والرجال، وتطلع إلى معرفة الحقائق والأحوال (لاسيما فى حق المتعاصرين ، ولاسيما فى حق المتجاورين، فقد جرح بذلك ) أى بأمر العقائد (خلق كثير ) بل أكثر ما تجد الجرح فى كتب الرجال يكون بالرفض والنصب والغلو فى التشيع والقول بخلق القرآن، وكل ذلك من مسائل الاعتقاد (ووقع فى الجرح به عصبية فى الجانبين ، لاسيما من كان داعية إلى مذهبه ، فانه يبغض ويحمل على الوقيعة فيه) اعلم أن فى المقام بحثين : الأول : أن أصل الكلام هنا فى أنه لا يقبل الجرح إلا مبين السبب، وهذا الذى ذكره المصنف من اختلاف العقائد بحث. اخر، فانه لا يقبل الجرح من المتعاديين مجملا ولامفسراً لمانع العداوة ، والبحث الثانى فى قوله « سيما فى حق المتعاصرين)» فانه لا يَعْرِفُ حال الشخص بجرح أو عدالة إلا من عاصره، ولا طريق إلى العلم بأحواله لمن فى عصره ممن غاب عنه ولمن يأتى بعده إلا من المعاصرين له ، إذ مَنْ قبلهم لا يعلمون وجوده ، ومن بعدهم لا يعرفونه إلا بنقل الأخبار عمن عاصره وشاهده وجالسه وأخذ عنه ، وقد سبق المصنفَ إلى مثل كلامه الحافظُ الذهبى، فانه قال فى الميزان فى ترجمة أحمد بن عبد الله بن أبى نعيم مالفظه: كلام الأقران بعضهم فى بعض لا يعبأ به، ولاسها إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أولجسد لا ينجومنه إلامن عصر اله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين، فلو شئت سردت من ذلك كراريس، انتهى ، قال ابن السبكى: قد عقد ابن عبد البر بليا - ١٤٧ - فى حكم قول العلماء بعضهم فى بعض بدأ فيه بحديث الزبير (دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء)) انتهى، وفيه البحث الذى عرفته، فالأولى أن يناط رد كلام المتعاصرين بعضهم فى بعض بمن يُعلم بينهما مانع من عداوة أو تحاسد أو منافسة أو نحوها مما يقع بين الأقران ، وقد أطلنا فى ذلك فى تمرات النظر فى علم الأرفليطالع قلت : ومن أمثلة القدح بالمخالفة فى الإعتقادات قول بعضهم فى البخارى ((إنه تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ» قال ابن السبكى: فيالله ويا للمسلمين! أيجوز لأحد أن يقول ((البخارى متروك)) وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة مع أن الحق فى مسألة اللفظ سهه ، إذ لا يستريب عاقل أن تلفظه من أفعاله الحادثة التى هى مخلوقة لله، وإنما أنكرها الامام أحمد لبشاعة لفظها ، انتهى . (والسبب الثانى) لم يتقدم له ذكر الأول ، إلا أن ما قدمه من ذكر العقائد هو مقابل لما ذكره ثانياً، فكأنه ذهب وهمه إلى أنه ذكرسببين: الأول: اختلاف العقائد، والثانى: (التضعيف بالوهم والخطأ) أى بكون الراوى واهما أو مخطئا، فانه قد أطلق عليه بسبب ذلك الضعف (غبسبب هذين الأمرين أطلق كثير من المحدثين اسم الكذاب على من هو كاذب فى اعتقاده أو غالط فى بعض روايته لأن اسم الكذب يتناوله) أى الواهم فى روايته والغالط فيها ( فى اللغة وإن كان العرف یأبی ذلك) فانالكذب فيه ما کان عن عمد (حتی قوی عندی أن قولهم) أى المحدثين ((فلان كذاب)» من جملة الجرح المطلق الذى لم يبين سببه والله أعلم) قد تقدم للمصنف مثل هذا، إلا أنه قيده هنالك بقوله ((إن قول المحدثين فلان كذاب من قبيل الجرح المطلق الذى لم يفسر سببه، فيتوقف فيمن هذه حاله حتى يعرف السبب)) فقيده بمن حاله كحال مثلبت البنانى إذ كلامه هنالك فی سیاق ذ کره، فانه قال «فهذا يحيى بن معين يطلقي ذلك - أى الكذب - - ١٤٨ - على ثابت الورع الزاهد ، ولم يتعمد شيئا من ذلك ، بل لم يظهر منه كثرة الخطأ)) انتهى ، إذا عرفت هذا فكلامه هنا مطلق يقيده مامضى هذا هو الصحيح فى الجرح، وأنه لابد من ذكر سببه، بخلاف العدالة كما قال (وأما العدالة فلا يجب ) على من يعدل غيره (ذكر سببها، لأنه يؤدى إلى ذكر اجتناب جميع المحرمات وفعل جميع الواجبات، كما أشار إليه الزين) حيث قال: إن ذلك يُجوج المعدل إلى أن يقول: ليس يفعل كذا ولا كذا، ويعدُ ما يجب عليه تركه ، ويفعل كذا وكذا ، فيعدُّ ما يجب عليه فعله، فيشق ذلك ويطول تفصيله ( وكما بينته فى العواصم) فانه قال فيها بعدسرده لوجوه أربعة فى الاستدلال على ذلك : خامسها وهو الوجه المفتمد، إنما هذه الوجوه المتقدمة شواهد له ومقوياته وهو أن اشتراط التفصيل فى التعديل يؤدى إلى ذكراجتناب المعدّل لجميع المحرمات وتأديته لجميع الواجبات، على مذهب المعدل فى تفسير العدالة ، فان كان ممن يشدد ذكر ذلك كله، وإن كان ممن يترخص ذكر اجتنابه لجميع الكبائر معدداً لهذا ولجميع معاصى الأدنياء الدالة على الخسة وقلة الحياء وقلة المبالاة بالدين ، فيقول المعدل مثلا : إن فلانا ثقة عندى لأنى شاهدته يقيم الصلوات الخمس ويحافظ عليها ويصوم رمضان ويؤدى الزكاة ويؤدى فريضة الحج، إن كان ممن تلزمه هاتان الفريضتان، ويذكر أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الله عم قادر، ويعدد سائر الصفات الذاتية والمقتضاة، وأنه يستحقها لذاته لالمعنى، ويذكر جميع ما يتعلق باعتقاده من مسائل الوعد والوعيد والامامة والبر والولاء ، ثم ساق فى تعداد ذلك، ثمقال : وغير ذلك مما لايكاد الانسان يحصيه مع التأمل الكثير، ومازال المسلمون يعدلون الشهود ويعدلون حملة العلم والرواة من أول الاسلام إلى يوم الناس هذا، ما نعلم أن أحداً منهم عَدَّل على هذه الصفة ولا مايقاربهاولامايدانيها ولا نعلم أن أحداً طلب هذا من المعدلين ولا نصِفَه ولائلته ولار بعهِ، وعملُ القضلة مستمر إلی یوم الناس على الاكتفاء بالتعدیل الجملى ، انتهنی - ١٤٩ -. قلت: وسره أن العدالة وصف ملتْم من أمور كثيرة وضع لفظ ((عدل)) جزائها، فكأن القائل ((فلان عدل)) قال: فلان آت بكل ما يجب مجتذب لما يحرم ، وهذا يشترط فى المعدل أن يكون عالما بأسباب العدالة ، بخلاف القدح، فانه شىء واحد ، لأنه عبارة عن شىء خرم العدالة ، فلا يعسر ذكره ، ولا يتعين ماهو حتى يعرب عنه قائلُه ، ولا يشترط فى قائله المعرفة بأسباب القدح، فانه لوقال من يجهل أن السرقة حرام « إن فلانا رأيته يسرق)» كان قدحا ، وقد عرفت معنى قوله (وهذا شىء لم ينقله أحد من الأمة أبداً، ولأنها) أى العدالة ( الأصل فى أهل الاسلام) اعلى أن هذه مسألة خلاف بين الأمة ، منهم من ذهب إلى أن الأصل الفسق وهر الذى ذهب إليه العضد وصرح به فى شرح مختصر ابن الحاجب ، وتبعه عليه الآخذون من كتابه ، مستدلين بأن العدالة طارئة وبأن الفسق أغلب ، وقد حققنا فى ثمرات النظر أن الأصل أن كل مكلف يبلغ سن التكليف على الفطرة كما دل له حديث ((كل مولود يولد على الفطرة)) وفى معناه عدة أحاديث،وفسر به قوله تعالى ((فطرة الله التى فطر الناس عليها)» فان بقى عليها من غير مخالطة بمفسق وأتى بما يجب فهو عدل على فطرته مقبول الرواية، وإن لابس مفسقا فله حكم مالا بسه، وقد أشار سعد الدين فى شرحه على شرح العضد إلى هذا ، وتعقبه صاحب الجواهر بما ليس بجيد، وقد ذكرناه هنالك، وقد استدل لهم بأن الأصل الفسق بأنه الغالب، ولكنه قيده بعضهم بأن هذه الأغلبية إنما هى فى زمن قبع التابعين لا فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم ، لحديث ((خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب)) وعلى هذا التقييد يتم القول بأن الأصل أى الأغلب الفسق فى القرون المتأخرة ، فلا يؤخذ الحكم كليا بأن الأصل الايمان ولا بأن الأصل الفسق، بأن يقال فى الأول: إنه الأصل فى القرون الثلاثة ، وفى الثانى : إنه الأصل فيما بعدها - ١٥٠ -- وقد استدل الجلال فى نظام الفصول على أن الأصل هو الفسق بقوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور)) ((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)) قلت: ولا يخفى أنه غير صحيح، إذ المراد من الآيات أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى الكفار، كما يدل عليه سياق الآيات، لا أن المراد أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى المسلمين الذين ليسوا بعدول ، وكذلك تفريعه عليه بأنه يحمل الفرد المجهول على الأعم الأغلب، وهو أنه يحمل المسلم المجهول العدالة على الفسق - غير صحيح، لأنه ليس لنا أن نفسق مسلماً مجهول العدالة لأجل أن الأغلب الفسق، لأن هذا تفسيق بغير دليل من نص أو قياس مع قولهم (( لا تفسيق إلا بقاطع)» بل نقول: يبقى المسلم المجهول العمالة على الاحتمال، لا ترد خبره حكما بفقه، ولا نقبله حكما بعدالته ، بل يبقى على الاحتمال حتى يبحث عنه ويتبين أى الأمرين يتصف به ، وينبغى أن يكون هذا مراد من يقول بأن الأصل الفسق وقول المصنف إن الأصل العدالة يقتضى أنه لايحتاج إلى التعديل لأنه لا حاجة إليه إذ كون ذلك هو الأصل كاف وفى قوله ( فتقوت ) : أى العدالة ( وترجحت بأدنى سبب ) وهو التعديل المطلق ما يؤيد ذلك التأصيل ، لأنه لا حاجة إلى التعديل إلا لتقوية الأصل كما يؤيده قوله (ولهذا قال جماعة بقبول المجهول ، ونقل إجماع الصحابة على قبول مجاهيل الأعراب ، وقبل علىّ عليه السلام من أجهه بعد يمينه ، وقبل النبى صلى الله عليه وسلم الأعرابيين فى شهادتهما على الهلال ، وقد استوفيت هذا المعنى فى العواص) وذلك أنه لما قدح السيد على بن محمد بن أبى القاسم على المحدثين بقبولهم المجهول حاله من الصحابة أجاب عنه المصنف رحمهما الله بأجوبة : أحدها أن قبول مجهول الصحابة ليس مذهباً يختص به المحدثون ، بل هو مذهب مشهور منسوب إلى أكثر طوائف الاسلام إلى الزيدية والحنفية والشافعية، والمعتزلة ، وغيرهم. من أكابر العلماء ، أما الزيدية فنسبه إليهم علامتهم بغير منازعة الفقيه عبد الله - ١٥١ - ابن زيد فى كتاب الدرر فى أصول الفقه، ولفظه فيها : إن مذهبنا قبول المجهول ، قال المصنف: هكذا على الاطلاق صحابيا كان أوغير صحابى، وهو أكثر تسامحاً من كلام المحدثين ، واحتج بقبوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيين فى رؤية الهلال ويغير ذلك، وأما الحنفية فمشهور عنهم ، وأما الشافعية فنسبه إليهم المنصور بالله فى كتاب الصفوة وغيره ، وأما المعتزلة فذكره الحاكم أبو الحسين ، ولفظه فى المعتمد ((ولا قيمة أن فى بعض الأزمان كزمن النبى صلى الله عليه وسلمقد كانت العدالة منوطة بالاسلام، وكان الظاهر من المسلم كونه عدلا ، ولهذا اقتصر النبى صلى الله عليه وسلم فى قبول خبر الأعرابى عن رؤية الهلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت على إسلام من كان يروى الأخبار من الأعراب)) انتهى، ففى كلامه إجماع الصحابة على قبول المجهول من الصحابة، بل من الأعراب، وحديث الأعرابيين معروف أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان والحاكم ، وأما قوله « وقبل على عليه السلام)) فهو إشارة إلى ما أخرجه المنصور بالله وأبوطالب أنه عليه السلام كان يستحلف بعض الرواة ، فان حلف صدقه، وقال الحافظ الذهبى : هوحديث حسن، قال المصنف: والتحليف ليس يكون للمخبورين المأمونين، وإنما يكون لمن يجهل حاله، ويجب قبوله، فيتقوى عليه السلام بيمينه طيبة لنفسه وزيادة فى قوة ظنه ، ولو كان المستحاف ممن يجرم قبوله لم يحل قبوله بعد يمينه ، وهذا أعظم دليل أنه عليه السلام إنما اعتبر الظن فى الأخبار)» انتهى قوله ((وقبل النبى صلى الله عليهو سلم الأعرابيين)) يشير إلى حديث ابن عباس رضى الله عنه قال: جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنى. وأيت الهلال، يعنى رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم ، فقال: يابلال، أذن فى الناس أن يصوموا غداً، تقدم من أخرجه ، إلا أن هذا الأعرابى واحد، وهذا هو الذى ذكره المصنف ونسبه إلى من ذكرناه ، إلا أنه قال ابن حجر فى التلخيص: قال الترمذى إنه مرسل، قال ٨٩ - - ١٥٢ - النسائى: وهو أولى بالصواب، وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة ، انتهى، وأماقصة الأعرابيين فأخرجها أبو داود عن رجل من الصحابة، وفيها أنه قدم أعرابيان فشهدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله لَأَهَلاَ الهلال ورأياه أمس عشية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا، اهـ (إذا عرفت هذا) أى أنه لا يقبل الجرح إلا مبين السبب (فاعلم أن ابن الصلاح أورد سؤالا حسنا فقال ما معناه: (١) إنا إن لم نقبل الجرح المطلق (١) هاك اعتراض ابن الصلاح بلفظه، وجوابه عنه، قال: ((قلت : ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس فى جرح الرواة وردحديثهم على الكتب التى صنفها أئمة الحديث فى الجرح والتعديل، وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم : فلان ضعيف، وفلان ليس بشىء، ونحو ذلك، أو قولهم : هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت ، ونحو ذلك ، فاشتراط بيان السبب يفضى إلى تعطيل ذلك ، وسدباب الجرح فى الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك - وإن لم نعتمده فى إثبات الجرح والحكم به - فقد اعتمدناه فى أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك ، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة فوية يوجب مثلها التوقف ، ثم من انزاحت عنه الريبه منهم يبحث عن حله أو حسب الثقة بعدالته قبلمنا حديثه ولم تتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهم ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فانه مخلص حسن، والله أعلم)) اهـ كلامه بحروفه - والخلاصة أنه مع ورود هذا الاعتراض متمسك برأيه الذى أثرناه لك من أن الجرح المجمل لا يقبل، وقد حاول أن يجد فائدة للمؤلفات التى صنفها أكابر العلماء فى الجرح وذكروا فيها عن بعض الناس حكما بالجرح غير مبين السبب، وكأنه يقول: إن مؤلفى هذه الكتب كلهم ممن يذهب إلى قبول الجرح المجمل، لأنهم لو لم يكونوا ممن يذهب إلى ذلك لوجدناهم يذكرون الجرح مسببا بسببه دائما ، وإلا لم تكن لكتبهم فائدة، وقد عثر لمن لا يقبل الجرح المجمل على هذه الفائدة وهى أن ذكر الجرح المجمل فى هذه الكتب يجعل قارئها يتوقف فى - الحكم على من جرحوه جرحا مجملا، ولا يعدله إلا بعد البحث والتحرى ، فاذا أثبت البحث اله عدل حكم بعدالته، وإلا فلا ، وفى هذا القدر كفاية. ١ - ١٥٣ - اند باب الجرح، لأن عبارات الأئمة فى كتب الجرح والتعديل ) لاحاجة إلى ذكر التعديل كما لايخفى ( مطلقة فى الغالب ) إذ مبین السبب قليل جدا. (وأجاب:) ابن الصلاح ( عن ذلك بما معناه إنا لم نقل إن من جرح من غير تفسير للسبب فهو يحتج به) حتى يلزم أنا لم نقبل جرحاً إلا مبين السبب ( بل نقول إما أن نبحث عن حاله) أى حال من جرح جرحاً مطلقاً عن السبب (ونبين ثقته وإتقانه) بعد البحث عنه ( بحيث تضمحل تلك الريبة التى حصلت من إطلاق الجرح حكمنا بثقته) لفظ ابن الصلاح ((وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده فى إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه فى أنا توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن مثل ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف ، ثم إن من زاحت عنه تلك الريبة منهم بالبحث عن حاله أو جب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف )) ثم قال ما معناه ( مثل بعض رجال الصحيحين الذين مسهم مثل هذا الجرح) الذى لم يبين سببه (فافهم ذلك فانه مخلص حسن، وإلا) يحصل لنا بالبحث ثقته وإتقانه ( توقفنا فى حاله) فلا تحكم له ولا عليه؛ أما الأول فلأنه وإن كان الأصل العدالة فقد أوجب الجرح الجملى التوقف فى حاله فَقَتَّ فى حَضُد ذلك الأصل، وأما إذا قلنا الأصل الفسق فأوضح ( ويترك حديثه لأجل الريبة القوية) الحاصلة من القدح الجملى ( لا لأجل ثبوت الجرح) واعلم أن هذا يشعر بأن البخارى لم يكن فى رواته من قدح فيه إلا بقدح مطلق، وقد تقدم للمصنف ذلك وأن الذين خرج لهم البخارى ثمن قدح فيهم ليس إلا قدحا مطلقاً عن بيان السبب، وقرره هنا ، وليس بصحيح ، وقد بينا فى ثمرات النظر خلافه، ونقلنا كلام أئمة الجرح والتعديل فى جماعة من رواة الشيخين قدحا مبين السبب ، وعرفه بما فى عكرمة (قلت: وترك ابن الصلاح القسم الثالث، وهو أن يبحث فتظهر صحة الجرح، وإنما تركه لظهور الحال فيه) وهو أنا قد تركنا قبول حديثه قبل البحث، فبعد - - :١٥- ظهور صمة القدح تركه بالأولى ، فرجال الحديث كالخلال البين والأمور المشتبهات وكلام أبن الصلاح فى رجال الحديث ، ويجرى مثله فى الحديث وأن تضعيفه المطلق يوجب ريبة فيه وترك العمل به حتى يظهر سبب ضعفه ، ومن هنا نعلم أن معنى قولهم: ( لا يقبل الجرح إلا مفسراً)) أى لا يعمل به فى الرد إلا مفسراً، لا أنه لا يقبل مطلقًا، وأنه لا حكم له، بل له حكم هو ثبوت الريبة وتركه قال الزين (ولما نقل الخطيب عن أئمة الحديث أنه لا يقبل الجرح إلا مفسراً قال : فان البحارى احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم كمكرمة مولى ابن عباس فى التابعين) هذا مثال لمن خرَّج البخارى حديثه من قدح فيه قدحاً مطلقاً ولكنه غير صحيح، ففى الميزان بسنده عن جرير بن يزيد قال: دخلت على على ابن عبدالله بن عباس فاذا عكرمة فى وثاق عندباب الحش، فقات له: ألا تتقى الله، قال: إن هذا الخبيث يكذب على أبى، قال: وروى عن ابن المسيب أنه كذَّب عكرمة، ثم أخرج بسنده عن أيوب عن عكرمة، قال: أنزل متشابه القرآن ليضَلَّ به، قال الذهبي: قلت: ما أسوأها عبارة وأخبثها! بل أنزله ليهدى به، ويضل به الفاسقين، وأخرج عن محمد بنسيرين أنه قال فى عكرمة: ما يسوءنى أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب ، وساق كلمات العلماء فى جرحه مفسراً شيئاً كثيراً، فلا يتم هنا ما قدمه المصنف أن الكذب من الجرح المطلق، فانه لم يرد على بن عبد الله بن عباس وابن سيرين إلا الكذب حقيقة كما تفيده عبارةهما وقد وثق عكرمة أمة من الناس، قال ابن منده : أما حال عكرمة فى نفسه فقد عدله أمة من التابعين زيادة على سبعين رجلامن خيار التابعين ورفعاتهم ، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكبير أحد من التابعين ، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، قال ابن عبدالبر: عكرمة من جلة العلماء ولا يقدح فيه كلام من . تكلم فيه، وذكر الحافظ ابن حجر فى مقدمة فتح الباری کلام الناس فیه قدحا وتوثيقاً ثم قال: إنه لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه بعد ماثبت له من الرتب السنية - ١٥٥ .- (وإسماعيل بن أبى أويس فى المتأخرين) قال الحافظ ابن حجر: لم يخرج عنه البخارى فى الصحيح سوى حديثين مقرونا بغيره فى كل منهما، اهـ، قال ابنمعين فى إسماعيل: هو وأبوه يسرقان الحديث، قال الدولابى فى الضعفاء: سمعت النصر بن سلمة المروزى يقول : كذاب، كان يحدث عن مالك بمسائل وهب، وقال ابن معين: إسماعيل بن أبى أويس يسوى فلسين، ثم فلين اه، زاد الزين نقلا عن الخطيب : وأما قم بن على وعمروبنمرزوق فى المتأخرين عن التابعين (قلت إسماعيل هذا قد أ كثر القاسم عليه السلام) أى ابن إبراهيم المعروف بالرسى (من الرواية عنه، كما ذلك ظاهر فى كتاب الأحكام) الذى ألفه حفيده يحيى بن الحسين الهادى ، لأنه يرويه عن جده عن إسماعيل ، قال المصنف فى العواصم: وغالب رواية القاسم فى كتابه الأحكام تدور على الأخوين إسماعيل وعبد الحميد أبى بكر ابنى عبد الله بن أبى أويس عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ( قال الخطيب: وهكذا فعل مسلم) وتمام كلامه كما فى شرح الزين ((فانه أى مسلم احتج بسويد بن سعيد وجماعة غيره اشتهر عمن ينظر فى حال الرواة الطعن عليهم ، قال: وسلك أبو داود هذه الطريقة وغير واحد ممن بعده )) (ثم روى ) ظاهر ه أن الراوى الخطيب لقوله (عن الجوينى والرازى والخطيب وغيرهم) ولا يصح؛ وكأنه سقط من النسخة التى عندى ((، روى الزين)) فان هذه الرواية رواها الزين، فإنه قال: واختاره تلميذه- الغزالى قلت وقد قال أبو المعالى وابن الخطيب الحق أن تحكم بما أطلقه العالم بأسبابها قال فى شرحه: هذا من الزوائد على ابن الصلاح، وذلك أن إمام الحرمين أبا المعالى الجوينى قال فى كتاب البرهان : الحق أن المزكى إن كان عالما بأسباب - ١٥٦ - الجرح والتعديل اكتفينا باطلاقه، وإلافلا، وهو الذى اختاره أبو حامد الغزالى(١) والامام فخر الدين بن الخطيب ، إلا أنه لا يخفى أن الذى فى كلام المصنف الخطيب والذى فى كلام الزين ((بن الخطيب)) فينظر (أنهم صححوا الاكتفاء بالجرح المطلق من الثقة البصير بمواقع الجرح العارف باختلاف الفقهاء قبله ، قلت: هذا یقوىإذا عرف مذهبه على التفصيل فى جميع ما يمكن وقوع الخلاف فيه من مسائل الباب . فلمن وافقه فى مذهبه قبوله دون من خالفه) قال الزين: وممن اختاره من المحدثين أيضا الخطيب؛ فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل فى بيان السبب: «على أنا نقول إن كان الذى يرجع إليه فى الجرح عدلا مرضيا فى اعتقاده وأفعاله عارنا بصفة العدلة والجرح وأسبابهما عارفا باختلاف الفقهاء فى أحكام ذلك قبل قوله (١) هالكلام حجة الاسلام الامام الغزالى فى هذا الموضوع ، قال مانصه : ((الفصل الثانى فى ذكر سبب الجرح والتعديل - قال الشافعى: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل ، إذ قد يجرح بما لايراه جارحا ، لاختلاف المذاهب فيه، وأما العدالة فليس لها الاسبب واحد ، وقال قوم : مطلق الجرح يبطل الثقة، ومطلق التعديل لا يحصل الثقة ، لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر ، فلا بد من ذكر سببه، وقال قوم: لابد من ذكر السبب فيهما جميعا أخذا بمجامع كلامِ الفريقين. وقال القاضى: لا يجب ذكر السبب فيهما جميعا، لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا الشأن فلا يصلح للتزكية ، وإن كان بصيرا فاى معنى للسؤال ؟ والصحيح عندنا أن هذا يختلف باختلاف حال المزكى ، فمن حصلت منه الثقة بمصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه، ومن عرفت عدالته فى نفسه ولم تعرف بصيرته بشروط العدالة فقد تراجعه إذا فقدنا عالما بصيرا به ، وعند ذلك نستفصله ، أما إذا تعارض الجرح والتعديل قدمنا الجرح ، فان الجارح اطلع على زيادة ما اطلع عليها المعدل ولانفاها، فاز نفاها بطلت عدالة المزكى ؛ إذ النفي لا يعلم إلا إذا جرحه بقتل إنسان فقال المعدل ((رأيته حيا بعده)) تعارضا، وعدد المعدل إذا زاد قيل: إنه يقدم على الجارح، وهو ضعيف، لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على مزيد، ولا ينتفى ذلك بكثرة العدد)) اهـ كلامه .. ٠ - ١٥٧ - فيمن جرحه مجملا ولا يسأل عن سببه)) انتهى. وفى نقل المصنف بعض إسهام لمن تأمله . قال ابن السبكى فى الطبقات: ولنختم هذه القاعدة - وهى قاعدة الجرح والتعديل - بفائدتين عظيمتين لا يراهما الناظر فى غير كتابنا هذا: إحداهما: أن قولهم ((إنه لا يقبل الجرح إلا مفسراً)) إنما هو فى جرح من ثبتت عدالته واستقرت، فاذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له : ائت ببرهان على هذا ، وفى حق من يعرف حاله لكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال إذذاك للجارحين: فسرا مارميها: به، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ولا نطالبه بالتفسير ، إذ لافائدة فى طلبه قلت: بل الظاهر أنه لا يجوز لنا طلب تفسيره ؛ لأنه تفكه بعرضه بغير غرض دينى ؛ ثم قد أحسن بالتعبير بقوله («فاذا أرادرافع رفعها فلابد من النفسير» بدون وتحرّ ولم يقبل فانه إذا أطلق لم يرفعها لكنه يوجب توقفا وريبة قال: والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما نطلبهحيت يحتمل الحال شكا، إما لاختلاف فى الاعتقاد، أو لنهمة يسيرة فى الجارح، أو نحو ذلك مما يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهى إلى الاعتبار به على الاطلاق.، بل يكون بين بين ، أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح خيراً من أخيار الأمة مبرأ عن مظان التهمة وكان المجروح مشهورا بالضعف متروكا بين النقاد فلا يتلعثم عند جرحه ولا يحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه والحال هذه طلب لغيبة لاحاجة إليها ، فنحن نقبل ابنمعين فى إبراهيم بن شعيب -شيخ روى عنه ابن وهب - أنهليس بشىء، وفى إبراهيم بن المدينى أنه ضعيف وفى الحسين بن الفرج الخياط أنه كذاب يسرق الحديث، وعلى هذا وإن لميتبين الجرح ، لأنه مقدم فى هذه الصناعة جرح جماعة غير ثابتى العدلة قلت : كأنه يريد بقبوله أنه يوجب توقفا وعدم قبول لحديث من أُطلق جرحه، لا أنه يحكم على من جرحه، كذلك أنه ليس بعدل وأنه مجروح. - ١٥٨ - قال : ولا يقبل قوله فى الشافعى ولو فَسَّر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع بأنه غیر محق بالنسبة إليه ، انتهى · والمصنف قد ألم بشىء من هذا فى قوله (ثم ذكر مسألة تعارض الجرح والتعديل ، وذكر الخلاف فيها ) وأن فيها ثلاثة أقوال (١) (١) إذا اجتمع فى رجل واحد كلامان أحدهما يجرحه ويجعله غير مرضى الرواية والآخر يعدله ويجعله مرضى الرواية ، فهل يكون الحكم للكلام الذى يتضمن الجرح، ويعتبر التعديل كأن لم يكن! أو يكون الحكم للكلام الذى تضمن التعديل، ويعتبر الجرح كأن لم يكن ؟ أو يتعارض الكلامان فيطلب ترجيح أحدهما؟ وهل الحكم بأحد الاحتمالات مطلق أو مقيد بقيود أحكى الشارح فى هذه المسألة ثلاثة أقوال ، لكن المنصوص عليه فى كتب القوم خمسة أقوال، ونحن نذكرها لك منسوبة إلى من ذكرها من العلماء : القول الأول، وحاصله أنه إذا اجتمع جرح مفسر وتعديل، فالجرح مقدم على التعديل ، ذكر هذا القول ابن الصلاح في علوم الحديث والامام النووى فى التقريب . القول الثانى، وحاصله أنه إذا اجتمع جرح وتعديل كان الجرح مقدمافى . كل حال إلا فى حال واحد، وهو أن يقول المعدل عن السبب الذى ذكره الجارح مستندا لجرجه: لقد عرفت هذا السبب عنه، ولكنى أعلم أنه قد تاب منه وسنت توبته، فإنه حينئذ يقدم المعدل على الجارح ، ذكر هذا الحافظ جلال الدين السيوطى فى التدريب ونسبه إلى الفقهاء. القول الثالث، وحاصله أن الجرح مقدم فى حالتين ، وهما أن يكون عدد الجارحين أقل من عدد المعدلين ، وأن يكون عدد الجارحين مساويا لعدد المعدلين ،أما إذا زاد عدد المعدلين عن عدد الجارحيز فان التعديل يقدم على الجرح ، ذكر ذلك غير واحد من حملة العام منهم الامام النورى. القول الرابع، وحاصله أن الجرح مقدم على التعديل إذا تساوى الجارحون والمعدلون فى الحفظ أو كان الجارحون أحفظ من المعدلين ، فاما إذا كان - ١٥٩- ٠٠٠ ٠ ٠ ٠٠ . . ٠٠ المعدلون أحفظ من الجارحين فان التعديل مقدم على الجرح، فالعبرة إذن بالأحفظية ، حكي هذا القول البلقيني فى محاسن الاصطلاح. القول الخامس، وحاصله أنه إذا اجتمع جرح منسر و تعديل فانهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما على الآخر إلا بم جح، حكى هذا القول ابن الحاجب وغيره عن ابن شعاز من المالكية، قال الحافظ السيوطى نقلا عن الحافظ العراقى مانص ه ((وكلام الخطير يقتضى نفى هذا القول، فانه قال: اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان وعدله مثل عدد من جرحه فان الجرح به أولى ، ففى هذه الصورة حكاية الاجماع على تقديم الجرح خلاف ما حكاه ابن الحاجب)) اهـ قلت: وستقف فى كلام الآمدى على الموضع الذى احتار أن يكون فيه تعارض قول الجارح والمعدل وبحث فيه عن مرجح يترحيح به أحد الكلامين . ويحصل ترجيح أحد الكلامين على الآخر - على ماذكره ابن الحاجب- بكثرة العدد ، أو بشدة الورع والتحفظ فى أحد الفريقين، أو بزيادة البصيرة والعلم فى أحد الفريقين ، أو بغير ذلك مما يترجح به قائل أحد الكلامين على الآخر ، فان استويا من كل وجه فى العدد وفى الورع والتحفظ وفى البصيرة والعلم وفى غير ذلك من الصفات التى تكون سببا فى الأخذ بكلام القائل فهل يسقط الكلامان جموعا أو يرجع إلى أصل المسألة وهو أن الجرح مقدم على التعديل؟ لم أقف على نص فى هذه الحال، والذى تطمئن إليه النفس أه يرجع فى هذه الحال إلى أصل المسألة . قال ابن الصلاح مانصه ((إذا اجتمع فى شخص جرح وتعديل فالجرج مقدم ؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله ، والجارح يخبر عن باطن خفي على العدل ، فان كان عدد المعدلين أكثر فقدقيل: التعديل أولى ، والصحيح الذى عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه، والمه أعلم» قال الحافظ الخطيب ما نصه «باب القول فى الجرح والتعديل إذا اجتمعا أيهما أولى - اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان وعدله مثل - ١٦٠ - ١ عدد من جرحه فان الجرح به أولى، والعلة فى ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ، ويصدق المعدل ويقول له : قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها ، وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفى صدق قول الجارح فيما أخبربه، فوجب لذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل - ثم ساق سندا إلى حماد بن زيد أنه كان يقول : كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه، ويحسن الثناء عليه، فاذا سألنا أهل بلاده وجدناه على غير ما يقول ، قال : وكان يقول بلدى الرجل أعرف بالرجل ، قلت : لما كان عندهم زيادة علم بخبره على ما علمه الغريب من ظاهر عدالته جعل حماد الحكم لما علموه من جرحه ، دون ما أخبربه الغريب من عدالته - ثم ساق سندا إلى عبد الله بن الزبير الحميدى أنه قال : فان قال قائل. لم لا تقبل ما حدثك الثقة حتى انتهى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم لما انتهى إليك من ذلك من جرحه لبعض من حدث به ، وتكون مقلدا ذلك الثقة مكتفيا به غبر مفتش له وهو حمله ورضیه لنفسه ؟ فقلت:لأنه قد انتهى إلى فى ذلك علم ما جهل الثقة الذى حدثنى عنه ، فلا يسعنى أن أحدث عنه لما انتهى إلى فيه، بل يضيق ذلك على، ويكون ذلك واسعا الذى حدثنى عنه إذا لم يعلم منه ما علمت من ذلك - ثم قال بعد كلام آخر: فصل إذا عدل جماعة رجلا وجرحه أقل عددا من المعدلين ، فان الذى عليه جمهور العلماء أن الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ، لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين فى العلم بالظاهر ، ويقولون: عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره وقد اعتلت هذه الطائفة بأن كثرة المعدلين تقوى حالهم وتوجب العمل بخبرهم ، وقلة الجارحين تضعف خبرهم، وهذا بعد ممن توهمه، لأن المعدلين وإن كثرها ليسوا بخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه - لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح)، لأنها شهادة باطلة على نفى ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه، فثبت ما ذكرناه )) هـ كلامه.