Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - أنها بلدة قاعدة ديار ربيعة النسبة إليها نصيبينى، قال فى الميزان: إنه قال الجوزقائى: كان يكذب، وقال البخارى: منكر الحديث، وقال الفسائى: متروك، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعا، انتهى، قال الزين : مثاله حديث رواه عمرو ابن خالد الحرانى عن حماد بن عمرو النصيبى، عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعاً ((إذا لقيتم المشركين فى طريق فلا تبدؤم بالسلام - الحديث)) فهذا حديث مقلوب ، قلبه حماد بن عمرو أحد المتروكين فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف بسهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة، =الثالث: رغبة الراوى فى تبين حال المحدث : أحافظ هو أم غير حافظ ! وهل يفطن لما وقع فى الحديث من القلب أم لا يفطن ? فان تبين له أنه حافظ وأنه متيقظ. يفطن لما يقع فى الحديث من القلب أقبل على التحمل عنه وروى أحاديثه، وإن تبينت له غفلته وبلادة ذهنه أعرض عنه، ومثال ذلك ما ذكره المؤلف نقلا عن الحافظ ابن حجر من صنيع أهل بغداد مع الامام البخارى ، ومثل ما ذكره الشارح نقلا عن الحافظ ابن حجر أيضا من صنيع تلاميذ محمد بن عجلان معه . وأما عن البحث الرابع - وهو المتعلق بحكم من يقلب الحديث - فنقول: ذكر المصنف تبعا لزين الدين وابن الصلاح - أن المحدثين الأثبات فعلوا ذلك للاختبار ، وأن فعلهم لهذا القصد يدل على أنهم يجوزونه إذا تعلق به غرض الاختبار ، ثم قال المصنف ((وفى جوازه نظر)) وبنى الشارح هذا على النهي عن الأغلوطات . والعبد الضعيف يرى أن الذهاب إلى تجويز القلب للاختبار أولى ، وأن النهى عن الأغلوطات معارض بالأمر بأن يتبين الانسان عمن يأخذ دينه، والأعمال بالنيات ، فإذا نوى القالب أن يتثبت من حفظ المحدث حتى يطمئن قلبه إلى الأخذ عنه فلا شىء فيه وأما فعله للاغراب فلا شك عندنا فى أنه لا يجوز ، وأما وقوعه من المحدث عن غفلة وبغير قصد ، فلا شك عندنا أيضافى أنه معذور فيه لأنه لم يقصد إليه، إلا أنه يجعل المحدث ضعيفا لضعف ضبطه . - ١٠٢ - هكذا رواه مسلم فى صحيحه من رواية شعبة والثورى وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن محمد الدراوردى كلهم عن سهيل، قال أبو جعفر العقيلى: لا نعرف هذا من حديث الأعمش، إنما هو من حديث سهيل بن أبى صالح ( وإسماعيل ابن أبى حية) بالحاء المهملة ومثناة محتية (اليسع) لم يذكره الذهبى فى الميزان ولا الحافظ فى التقريب ، وفى نكت البقاعى: قال البخارى: منكر الحديث ، وقال ابن المدينى: ليس بشىء، وقال ابن حبان: روى عن جعفر وهشام، منا كبره يسبق إلى القلب أنه المتعمدلها، قاله فى لسان الميزان (وبهاول بن عبيد الكندى) فى الميزان قال أبو حاتم : ضعيف الحديث ذاهب ، وقال أبو زرعة: ليس بشىء ، وقال ابن حبان : يسرق الحديث، وساق له أحاديث: منها حدثنا المنجنيقى، ثنا الحسن ابن فزعة، حدثنا بهاول قال: سمعت سلمة بن كهيل عن ابن عمر مرفوعً((ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة فى قبورهم- الحديث)) وقد ساق له ابن حمان هذا المتن فقال : عن سلمة عن نافع عن ابن عمر ، ثم قال : ولا يعرف هذا إلا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر (القسم الثانى) من قسمى المقلوب (أن يؤخذ) بالحا المعجمة والذال كذلك (إسنادمتن فيجعل على متن آخر و) يؤخذ (متن هذا فيجعل بأسناد آخر، وهذا) القسم من المقلوب (قد يقصد به الأغراب أيضاً) كما يقصد بالقسم الأول (فيكون ذلك) باعتبار القصد ( كالوضع ، وقد يفعل ذلك ) فى الأسناد والمتن ( اختبارا) من فاعله ( للحفظ ) من سامعه (وهذا) الاختبار (يفعله أهل الحديث كثيرا، وفى جوازه نظر) لما يترتب عليه من تغليط السامع، ويشمله حديث النهى عن الأغلوطات ( إلاأنه إذا فعله أهل الحديث لم يستقر حديثاً، وقد يقصدون بذلك اختبار المحدث هل يقبل التلقين ) وممن فعل ذلك يحيى بن معين مع أبى نعيم الفضل بن دكين بحضرة أحمد بن حنبل . روى الخطيب ن طريق أحمد بن . منصور الروباذى قال : خرجت مع أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق ، - ١٠٣ - فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أن أمتحن أبانعيم، قتهاه أحمد ، فإنته، فأخذ ورقة فكتبفيها ثلاثین حديثا من حديث أبى نعيم ، وجعل على كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديثه ، ثم أتينا أبا نعيم، فخرج إلينا ، فجلس على دكان حذاء بابه وأقعد أحمد عن يمينه ويحيى عن يساره، وجلست أسفل، فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت، ثم الحادى عشر فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثى، فاضْرِبْ، ثم قرأ العشرة الثانية، وقرأ الحديث الثانى، فقال : وهذا أيضاً ليس من حديثى، فاضرب عليه ، ثم قرأ العشرة الثالثة ، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم ثم قبض على ذراع أحمد، ثم قال: أما هذا فوَرَعُه يمنعه عن هذا، وأما هذا ــ وأو.أ. إلى - فأصغر من أن يعمل هذا ، ولكن هذا من عملك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين حتى قلبه عن الدكان ، ثم قام فدخل داره ، فقال له أحمد: ألم أنهك عن هذا وأقُلْ لك إنه ثبت ، فقال يحيى : هذه الرفسة أحب إلى من سفرى. انتهى (وممن فعل ذلك شعبة وحماد بن سلمة ) إمامان معروفان من أئمة هذا الشأن، ذكرهما فى التذكرة ( وأنكر حرمى) بمهملتين فمثناة تحتية بعد الميم - هو أبو عمارة بن أبى حفص أخذ عنه ابن المدينى وبندار وغيرهما ، فال ابن معين : صدوق ولكن فيه غفلة (على شعبة لما حدثه) أى حدث حرمی (بهز) بموحدة فهاء ساكنة فزاى - بن أسد إمام حافظ (أن شعبة قلب أحاديث على أبان بن أبى عياش) هذا هو المحدث به ( فقال حرمى: يا بئس ما صنع) أى شعبة. (وهذا) أى قلب الأحاديث مناً واسناداً ( يخل) بفهم السامع وحمل له على الغلط ، وهذا هو سبب الانكار منه على شعبة، وكان حرمى يرى تحريم ذلك ( ومما فعله أهل الحديث) من التقليب ( للاختبار قصتهم مع البخارى) لاختباره (ببغداد وهى مشهورة) أخرجها ابن عدى فى مشايخ البخارى، وأخرجها أبو بكر الخطيب فى التاريخ فى غير موضع وساقها الحافظ ابن حجر فى نكته على ابن - ١٠٤ - الصلاح باسناده إلى أن قال: سمعت أحمد بن عدى يقول : سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخارى قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا , من هذا الاسناد لاسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ثم دفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضرها المجلس يلقون ذلك على البخارى، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين ، فلما اطمأن المجلس بأهله ابتدر إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث ، فقال البخارى : لا أعرفه ، فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فما زال يلقى إليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته . والبخارى يقول : لا أعرفه. فكان الفقهاء فى المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : فهم الرجل . ومن فيهم من غير أولئك يقضى على البخارى بالعجز والتقصير وقلة الحفظ . ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخارى : لا أعرفه . ثم سأله عن آخر فقال : لا أعرفه . فلم يزل يلقى إليه واحداً بعد واحد ، فلما فرغ من عشرته والبخارى يقول: لا أعرفه، انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخارى لا يزيدهم على («لا أعرفه)» فلما على البخارى أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وأما حديثك الثانى فهو كذا ، والثالث والرابع على الولاء ، حتى أتى على العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، رد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر الناس له بالحفظ ، وأذعنوا له بالفضل. قال الحافظ ابن حجر : سمعت شيخنا - يريد به الحافظ العراقى - غير مرة يقول : ما العجب من معرفة البخارى بالخطأ من الصواب فى الأحاديث، لاتساع - ١٠٥ - معرفته ، وإنما نتعجب منه فى هذا لكونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة . قال الحافظ ابنحجر: وممن امتحنه تلاميذه بذلك: حد بن عجلان، رو یناق المحدث الفاضل لأبى محمد الرامهرمزى : ثنا عبد الله بن القاسم بن نصر ، ثنا خلف بن سالم ، ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: قدمت الكوفة وفيها محمدبن عجلان وفيها ممن يطلب الحديث مليح بن الجراج وفيها وكيع وحفص بن غياث ويوسف بن خالد السمتى، فكنا نأتى محمد بن عجلان فقال يوسف السمتى: هل نقلب عليه حديثه حتى ننظرفهمه؟ قال: ففعلوا، فما كان عن سعيد جعلوه عن أبيه، وما كان عن أبيه جعلوه عن سعيد ، قال يحيى: فقلت لهم: لا أستحل هذا ، فدخلوا عليه فأعطوه الجزء ثمر فيه، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد، فعرضٍ عليه، فقال: ما كان عن أبى فهو عن سعيد، وما كان عن سعيد فهو عن أبى، ثم أقبل على يوسف فقال: إن كنت أردت سبتى وعيبى فلبك الله الاسلام! وقال لحفص: ابتلاك الله فى يديك! وقال لمليح: لا ينفعك الله بعلمك! قال يحيى: فمات مليح قبل أن ينتفع بعلمه ، وابتلى حفص فى يديه بالفالج ، وفى دينه بالقضاء ، ولم يمث يوسف حتى اتهم بالزندقة. (القسم الثالث ) من أقسام المقلوب، إلا أنه غير خاف عليك أن المصنف قسم المقلوب إلى قسمين فى أول بحثه ، وتبع فى هذا زين الدين، فانه قال فى نظمه: وقسموا المقلوب قسمين إلى ما كان مشهوراً براو أُبدلا ثم ذكر ما ذكره المصنف من القسمين، ثم قال زين الدين: ومن أقسام المقلوب ( ما انقلب على راويه ولم يقصد قلبه) وذ کر زين الدين مثاله فقال: مثاله مارواه جريربن حازم عن ثابت البنانى ، عن أنس، رضى الله عنهم ! قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترونى) فهذا حديث انقلب إسناده على جرير بن حازم ، وهذا الحديث مشهور ليحيى بن - ١٠٦ -. أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هكذا رواه الأئمة الخمسة من طرق عن يحيى ، وهو عند مسلم والنسائى من رواية. حجاج بن أبى عثمان الصواف عن يحيى، وجرير إنما سمعه من حجاج بن أبى عثمان الصواف ، فانقلب عليه ، وقد بين ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود فى المراسيل ، عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان عن حماد بن زيد ، قال : كنت أنا وجرير بن حازم عند ثابت البنانى تحدث حجاج بن أبى عثمان عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم فذكره ، فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس، وهكذا قال إسحاق ابن عيسى الطباع: حدثنا جرير بن حازم بهذا فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وهم أبو نصر - يعنى جرير بن حازم - إنما كنا جميعا فى مجلس ثابت البنانی، فذ کرما تقدم ، انهى. ( نوع آخر من المقلوب) أى هذا (وهو: ما انقلب متنه على بعض الرواة كما رواه مسلم من حديث أبى هريرة فى السبعة الذين يظلهم الله فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، قال فيهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله ، وإنما هو حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، كما أخرجه البخارى ومسلم معا) فى إحدى روايتيه (فى هذا الحديث، ولأن المعروف) عادة (أن اليمنى هى المنفقة ) وهذان هما الدليل على القلب، إلا أنه قال الحافظ ابن حجر: إِن بعضهم حمل هذا على ما إذا كان الانفاق باليمين يستلزم إظهار الصدقة ، فان الانفاق بالشمال والحال هذا يكون أفضل من الانفاق باليمين، اهـ. قلت : ليس الكلام فى الأفضلية، بل فى كون الحديث مقلوبا مخالفاً للمعروف من الرواية المتفق عليها ومن العادة فى الانفاق (ومثل ما أخرج البخارى) عطفاً على قوله ((كما أخرج)) ( من حديث أبى هريرة فى محاجة الجنة والنار فى تفسير قوله تعالى ((هل من مزيد)»: وأما النار فينشىء الله لها من يشاء ، وأما الجنة فلا يظلم ربك أحدا ) ١ - ١٠٧ والانشاء إنما هو للجنة، لاالنار ( انقلب هذا على بعض الرواة، وإنما هو: وأما الجنة فينشىء الله لها من يشاء، وأما النار فلا يظلم ربك أحدا، وكذلك) أى بهذا اللفظ الذى لا انقلاب فيه (خرجاه) الشيخان (جميعاً من حديث أبى هريرة هذا من غير طريق) أى من طرق كثيرة (وخرجاه كذلك ) غير مقلوب (من حديث أنس من غير اختلاف ) كما وقع فى الأول ( وكذلك قال الله تعالى (( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) ) ومن ينشئه للنار يعذبه من غير بعثة رسول إليه ولا تكليف، ولا يجوز عليه لقوله «ولا يظلم ربك أحدا» فهو من أدلة الانقلاب ( وهى سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا). ولما ذكر ابن الصلاح بعد فراغه من أقسام الضعيف أموراً مهمة وقد نظمها الزين فى ألفيته، فأشار المصنف إليها بقوله ( تنبيهات - الأول: إذا وقف أحد على إسناد ضعيف لم يكن له أن يحكم بضعف الحديث (١)، بل يحكم بضعف الأسناد) يعنى إذا وجدت حديثا باسناد ضعيف ، فليس لك أن تقول الحديث أى متنه ضعيف ، بل تحكم بضعف الاسناد ، وعبارة زين الدين : وإن تجد - نا ضعيف السند فقل ضعيف أى بهذا فاقصد (١) قال الامام النووى فى التقريب: ((إذا رأيت حديثا باسناد ضعيف فلك أن تقول : هو ضعيف بهذا الاسناد ، ولا تقل ضعيف المتن ، بمجرد ضعف ذلك الاسناد ، إلا أن يقول إمام: إنه لم يرو من وجه صحيح ، أو إنه حديث ضعيف مفسرا ضعفه، فان أطلق ففيه كلام)) اهـ بحروفه. قال العبد الضعيف كان الله تعالى له : ومبنى هذا الكلام على شيئين : الأول أنه لا تلازم بين الاسناد والمتن ، فقد يكون المتن صحيحا والاسناد الذى روى به غير صحيح، وتكون صحة المتن ثابتة برواية أخرى لا مغمز فى أحد رواتها، وقد تقدم ذكر ذلك . والثانى أنه لا يقبل الجرح المطلق أى الذى لم يبين الجارح معه سبب الجرح، وسيأتى هذا مفصلا - - ١٠٨ - وعبارة المصنف توهم أنه لا يحكمبه بضعف المتن أصلا ، ولیس کذلك، بل تحكم به مقيداً بذلك الاسناد، وإنما لا نحكم مطلقاً لجواز أنه قد رواه إمام باسناد صحيح ثبت بمثله الحديث ، ولكنه قال الحافظ ابن حجر: إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد وبذل الوسع فى التفتيش عن ذلك المتن من مظانه فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة فما المانع من الحكم بالضعف بناء على غلبة الظن، انتهى ، ولا يتم قول المصنف (ويقف فى تضعيف الحديث على نص إمام على أنه ضعيف لا يصح له إِسناد) ولك أن تقول: مراده بقوله إذا وقف أحد أى ممن ليس له أهلية البحث والتفتيش لا غيره، فیوافق كلام ابن حجر، ويدل له ما يأتى من قوله ومن وقف إلخ ( ويبين) أى الامام الذى ضعف الحديث (سبب التضعيف، فان لم يبين ففيه كلام يأتى إن شاء الله تعالى) هكذا قاله ابن الصلاح، وأراد بالذى يأتى ماذكره فى النوع الثالث والعشرين فى آخر فائدةذكرها فيه، والمصنف أراد بالذىيأتى له فى أثناء مسألة من تقبل روايته، وهو أن الجرح لا يقبل إلا مبين السبب. (ومن وقف على كتب الحفاظ الذين يحصرون فيها طرق الحديث كلها وتمكن ما تمكن منه أهل الفن فله أن يحكم بمالهم أن يحكموا به) وكذا إذا وُجد كلامُ إمام من أئمة الحديث، وقد جزم بأن فلاناتفرد به، وعرف المتأخر أن فلانا المذكور قدضعف بتضعيف قادح، فما الذى يمنعه من الحكم بأن الحديث ضعيف؟! (الثانى) من التنبيهات ( إذا أراد أحد أن يكتب (١) حديثا ضعيفً لم (١) ليست الكتابة قيدا، بل رواية الحديث بأى نوع من أنواعها تأخذ هذا الحكم، والمراد من كلمة الحديث فى هذا الموطن المتن ، وتلخيص الموضوع: أن الحديث الذى يريد الراوى أن يرويه إما أن يكون صحيحا ثبتت صحته بقول الأئمة أو بمعرفة رواته وتبين اجتماع الصفات الموجبة لصحة ما يروونه فيهم، وإما ألا يكون الحديث بهذه المنزلة ، فاز كان الحديث صحيحا وأراد إنسان أن يرويه وجب عليه أن يذكره بصيغة الجزم كأن يقول := 1 - ١٠٩ - يكتبه بصيغة الجزم، وليكتبه بصيغة التمريض) من نحو ((رُوِى)) (أو البلوغ أو نحو ذلك ) مثل ورد وجاء وَنقَل بعضهم . (الثالث) منها: (لا يجوز ذكر الموضوع إلا مع البيان فى أى نوع كان) وقد من ذلك، هذا فى الموضوع (وأما غير الموضوع(١)) كالأحاديث الواهية (نجوزوا) =قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبح به كل القبح أن يرويه بصيغة التمريض التى تشعر بضعف الحديث كأن يقول : روى عن النبى صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك يوقع السامع أو القارىء - إن كان كتبه- فى وهم أن الحديث ضعيف . وإن كان الحديث ضعيفا وأراد أن يرويه فانه يجب عليه أن يذكره لصيغة التمريض كأن يقول : روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلغنا عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لأنه إذا ذكره بصيغة الجزم اغتر به من لا يعرف، وإذا كان مريد الرواية من العلماء الذين يقتدى بهم كان التحرز من العبارة الموهمة ألزم عليه، وليس هذا الحكم قاصرا على الحديث الذى يعلم الراوى ضعفه، بل إذا شك فى أمره كان الحكم كذلك. (١) قد بينا فى الكلام عن الموضوع حكم روايته من غير بيان لحاله العالم بأمره واغير العالم بأمره، كما بينا حكم روايته مع البيان . والآن نريد أن نبين حكم رواية الحديث الضعيف غير الموضوع ، فنقول : اشتهر فى لسان أهل الحديث أنه تجوز رواية ما سوى الموضوع من الحديث الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه ، ولم يذكروا لذلك إلا شرطا واحدا، وهو أن يكون الموضوع الذى ورد الحديث فيه غير صفات الله تعالى وغير الأحكام كالحلال والحرام، ومثلوا لما تجوز روايته بها يكون فى القصص والمواعظ. وفضائل الأعمال، وبالجملة كل ما لا تعلق له بالعقائد والأحكام، وتقلي القاء القول بذلك عن أحمد بن حنبل وابن مهدى وابن المبارك ، رحمهم الله تعالى ! ونقلوا عنهم أنهم قالوا: إذا روينا فى الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا فى الفضائل وغيرها تساهلنا . وهاك عبارة ابن الصلاح التى تبعها المصنف ههنا، قال (( يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فى الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها ، فيما سوى= - ١١٠ - صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد ، وممن روينا عنه التنصيص على التساهل فى نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل رضى الله عنهما)) اه كلامه بحروفه . قال العبد الضعيف كان الله له: وهذه العبارة التى نقلوها عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث لا تدل على ما ذهبوا إليه فى قليل ولا كثير ، وبخاصة إذا علمت أن الاصطلاح لم يكن فى عهد الامام أحمد وأهل طبقته قد صار مفصلا على النحو الذى صار إليه فى عهد ابن الصلاح وأهل طبقته ، وبيان ذلك أن المتقدمين لم يكونوا يقسمون الحديث هذه الأقسام الكثيرة ، بل كان الحديث عندهم على قسمين صحيح وضعيف، فالحسن فى وقتهم داخل فى الضعيف ، فان دلت عبارة الامام أحمد على شىء فانما تدل على أنه عندما يكون الموضوع الذى يريد أن يحكم فيه بحكم متعلقا بالعقائد أو بتحليل شىء أو تحريمه لم يستجز أن يحكم حكما إلاإذا كان مستند . هذا الحكم - بعد أن لم يجد فى كتاب الله- حديثا صحيحا، فأما إذا كان الموضوع من فضائل الأعمال ونحوها فانه يستجيز أن يحكم مستندا إلى ما دون الصحيح، ومما دون الصحيح فى نظره ذلك الحديث الذى صار فى نظر الذين جاءوا من بعده حسنا ، ولاغبار على ذلك اصلا، بل إنى لأ كاد ألمس أن عبارته تنادى بذلك (( وإذا روينا فى الفضائل وغيرها تساهلنا)) أى لم تتشدد ذلك التشدد الذى نلتزمه إذا روينا فى المقائد والأحكام . وقد بين الحافظ جلال الدين السيوطى فى كتابه تدريب الراوى أن العلماء الذين خلفوا ابن الصلاح والنووى لم يكتفوا بالشرط الذى اكتفيا به، قال: (( لم يذكر ابن الصلاح والمصنف هنا وفى سائر كتبه سوى هذا الشرط، وهو كونه فى الفضائل ونحوها، وذكر شيخ الاسلام له ثلاثة شروط : أحدها أن يكون الضعف غير شديد، فيخرح من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن خش غلطه ، ونقل العلائى الاتفاق عليه، الثانى : أن يندرج تحت أصل معمول به، الثالث: ألا يعتقد حال العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتمال، وقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد )) اهـ . ١ - ١١١ - أى أئمة الحديث (التساهل فيه وروايته من غير بيان لضعفه إذا كان) وارداً (فى غير الأحكام) وذلك كالفضائل والقصص والوعظ وسائر فنون الترغيب والترهيب قلت : وكأنهم يعنون بالأحكام الحلال والحرام ، وإلا فان الندب من الأحكام، والترهيب وفضائل الأعمال تَرد بما يفيده ( والعقائد كصفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه تعالى ونحوذلك ، فلم يروا التساهل فيه، ومن نص على ذلك من الحفاظ عبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك وغيرهم) وكأنهم يقولون: الأصل براءة الذمة من أحكام الحلال والحرام ، فلا تثبت إلا بدليل صحيح ، فلا يتساهل فى طرقه ، وكذلك صفات الله تعالى، فإنه جناب رفيع لا يثبت إلا بدليل صحيح لما فيه من الخطر، بخلاف الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال فالأمر فيها أخف (١) (وقد عقد ابن عدى فى مقدمة كتابه الكامل:) = ومما ينبغي التنبه له أن ابن الصلاح فى عبارته التى أثر ناهالك يتحدث عن رواية الحديث الضعيف غير الموضوع ، وأن الامام السيوطى يتحدث عن روايته وعن العمل به معا، والشرط الثالث فى الشروط التى نقلها عن شيخ الاسلام خاص بالعمل، وذلك ظاهر هذا، وإن من العلماء من لم يبح العمل بالحديث الضعيف مطلقا ، نعنى سواء أ كان موضوعه العقائد والأحكام أم كان موضوعه المواعظ وفضائل الأعمال، وعلى هذا يجب أن تحرم روايته من غير بيان لحاله لئلا يقع فيه من لاخبرة له ، وممن قال بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقا القاضى أبو بكر بن العربى، ومن العلماء من ذهب إلى أنه إذا كان موضوع الحديث الضعيف لم يرد فيه حديث صحيح عمل بالحديث الضعيف مطلقاً لأنه على كل حال أقوى من رأى الرجال، وينسب هذا القول إلى أبى داود وأحمد ابن حنبل رحمهما الله تعالى، وننبهك هنا إلى ماسبق بيانه قريبا من أن الضعيف فى اصطلاحهم لم يكن هو الضعيف فى اصطلاح المتأخرين. (١) قول الشارح ((بخلاف الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال فالأمر فيها أخف)) يكادينادى بأن مرادهؤلاء الأعلام أنهم لا يجوزون الأخذ فى هذه - ١١٢ -- أبو بكر (الخطیب فی الکفایة(١) بابا فی ذلك) إلا أنه لا يخفى أن المصنف رحمه الله أهمل الأدلة فى هذه التنبيهات كلها ، كما أهملها ابن الصلاح والزين ، رحمهم الله أجمعين ! . =الموضوعات بالأحاديث الواهية التى هى الضعيفة باصطلاح المتأخرين ، وإنما يخف تشددهم والتزامهم الصحة بشروطها المعروفة عندهم، والتى كانوا لا يحكمون فى الحلال والحرام وفى العقائد إلا بعد تحققها، وكيف يتصور فيهم أنهم يرون الأخذفى المواعظ ومحوها بالأحاديث الضعيفة فى اصطلاح المتأخرين وفضائل الأعمال لا تخلو عن حكم أهونه الاباحة ؟ وأى فرق بين حكم وحكم مادام معنى حكم المجتهد على شىء من الأشياء بحكم من الأحكام يتضمن حكما ضمنيا على الله تعالى وعلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأنه يقضى فى هذا الموضوع بما يذهب إليه المجتهد؟ والذى ينقدح فى ذهن العبد الضعيف أن الخلاف فى هذه المسألة من نوع الخلاف اللفظي ، وأن الجميع متفقون على أنه لا يؤخذ فى الفضائل والمواعظ إلا بالحديث الحسن ، وهو ما دون الصحيح فى ضبط رواته ، فمن قال من العلماء كأحمد وابن مهدى ((يؤخذ بالحديث الضعيف فى الفضائل)) أراد بالضعيف الحسن لأنه ضعيف بالنظر إلى الصحيح ولأنه بعض الذى كانوا هم وأهل عصر ثم يطلقون عليه اسم الضعيف . ومن قال كالقاضى ابن العربى ((لا يؤخذ بالحديث الضعيف فى الفضائل ونحوها)) إنما عنى بالضعيف غير الصحيح والحسن جميعا، كما هو اصطلاح أهل عصره ، فموردالنفى والاثبات ليس واحدا ، فلا يكون ثمة اختلاف على وجه الحقيقة، وقد أوضحنا هذا الموضوع غاية الايضاح ضنا بكرامة علمائنا وحملة ديننا أن ينسب إليهم التساهل البشع ، وهم الذين كانوا أشد الناس حرصا على الدين، وكانوا مع ذلك - أكثر الناس دأبا على الذود عنه واحتمال الأذى فى سبيله ، والله تعالى أعلى وأعلم. (١) روى الخطيب أبو بكر فى كتابه الكفاية بسنده عن محمدبن لای الذهلى أنه كان يقول ((لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المتصل غير المنقطع= / ۔ - ١١٣ - ٠٠ ٠٠٠ ٠٠ ٠٠ ٠٠٠ الذى ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح)) وروى بسنده أيضا إلى يحيى ابن محمد بن يحيى أنه كان يقول (( لا يكتب الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول ولا رجل مجروح، فاذا ثبت الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم يهذه الصفة وجب قبوله والعمل به وترك مخالفته)». وروى بسنده أيضا إلى أحمد بن زيد بن هارون أنه كان يقول ((إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب ، وصاحب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبرئيل، وجبرئيل عن الله عز وجل، يعنى فى الحديث)) ثم وضع الخطيب بابا عنوانه «باب رد حديث من عرف بقبول التلقين ، وروى فيه باسناده عن سفيان أنه قال: ثنا يزيد بن أبى زياد بمكة عن عبدالرحمن ابن أبى ليلى عن البراء بن عازب، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة فرفع يديه )) قال سفيان : فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به فيقول فيه (( ثم لايعود)) فظننت أنهم لقنوه، وقال أصحابنا : إن حفظه قد تغير، أوقالوا: قد ساء . وروى فيه عن أبى الأسود أنه قال : إذا سرك أن تكذب صاحبك فلقنه، وعن حماد بن زيد أنه قال : لقنت سلمة بن علقمة حديثاً حدثنيه ثم رجع عنه ، وقال : إذا مرك أن تكذب صاحبك فلقنه، وروى بسنده أيضاً عن أبى داود سليمان بن الأشعث أنه قال : عطاء بن عجلان بصرى يقال له: عطاء العطار ، ليس بشىء، قال أبو معاوية: ووضعوا له حديثاً من حديثى وقالوا له: قل حدثنا محمد بن حازم ، فقال : حدثنا محمدبن حازم، فقلت : ياعدو الله أنا محمد بن حازم، ماحدثتك بشىء، وروى عن عبدالله بن المدينى أنه قال : قال يحيى بن سعيد: إذا كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء، وإذا ثبتِ على شىء واحد فليس به بأس ، وروى عن الحميدى أنه قال : من قبل . التلقين ترك حديثه الذى لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم ذلك التلقين حادثاً فى حفظه لا يعرف به قديماً، وأمامن عرف به قديماً فى جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولايؤمن أن يكون ماحفظه مما لقن)» وساق روايات أخر نغنى عنها بما أثر ناهمن رواياته فى ذلك المعنى إذ كانت كلها لاتخرج عن معنى ماذكرناه. (٨ - تنقيح ٢) ٠ - ١١٤ - ٤٤ مسألة [ فی بیان من تقبل روايته ، ومن ترد روايته ] من علوم الحديث ( معرفة) المحدث (من تقبل روايته، ومعرفة من ترد) روايته ، وذلك بمعرفة شرائط الرواة (الذى فى كتب أئمة الزيدية) فى الأصول ( أنه يشترط فى) قبول رواية (الراوى أربعة شروط(١) الأول: أن يكون بالغاً) وكل على أصله فيما يحصل به البلوغ، وهذا شرط للأداء لا للتحمل، إجماعا ( الثانى: (١) قال الحافظ جلال الدين: ((أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته : أن يكون عدلا، ضابطًا لما يرويه . والعدالة: أن يكون مسلماً بالغاًعاقلا، فلا يقبل كافر ومجنوز مطبق بالاجماع ومن تقطع جنونه وأثر فى زمن إفاقته، وإن لم يؤثر قبل ، قاله ابن السمعانى، ولا صبى على الأصح، وقيل : يقبل المميز إن لم يجرب عليه الكذب ، ومن شروط العدالة أن يكون سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، على ماحرر فى باب الشهادات من كتب الفقه ، وتخالف الشهادة والرواية فى عدم اشتراط الحرية والذكورة فى الرواية، قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) وقال: ( وأشهدوا ذوى عدل منكم) وفى الحديث (( لا تأخذوا العلم إلا من تقبلون شهادته)) رواه البيهقى فى المدخل من حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً، وروى أيضاً من طريق الشعبى عن ابن عمر عن عن عمر قال : كان يأمرنا ألا نأخذ إلا عن ثقة ، وروى الشافعى وغيره عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئاً، فقيل له: إنا لنعظم أن يكون مثلك ابن مام هدى تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم؟! فقال: أعظم والله من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله أن أقرأ، ماليس لى فيه علم أو أخبر عن غير ثقة ، قال الشافعى : وقال سعد بن إبراهيم. لا يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا الثقات ، أسنده مسلم فى مقدمة الصحيح، وأسند عن ابن سيرين : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوز - ١١٥ - أن يكون عاقلا) فلا تقبل رواية المجنون، وهذا لا بد منه فى حال الأداء والتحمل (الثالث: أن يكون مسلما) فلا تقبل رواية الكافر، وهذا شرط للأداء، ويجوز دينكم. وروى البيهقى عن النخعى قال : كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله ، ثم يأخذون عنه . والضبط لما يرويه : أن يكون متيقظاً ، غير مغفل ، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث منه . ويشترط فيه - مع ذلك- أن يكون عالما بما يحيل المعنى، إن روى بالمعنى هذا كلام الحافظ جلال الدين بحروفه قال العبد الضعيف كان الله له : فهذا الذى ذكره الحافظ جلال الدين هو الذى ينبغي أن يكون تحقيق الموضوع ، وخلاصته أن شرط قبول رواية الراوى أمران: أولهما: العدالة، وثانيهما: الضبط ، وأن العدالة تتحقق بعد تحقق أربعة أوصاف : أولها الاسلام ، وثانيها البلوغ ، وثالثها العقل،. ورابعها السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة ، وأن الضبط يتحقق متى كان الراوى متيقظاً غير مغفل ، ثم ينقسم الضبط إلى قسمين: ضبط صدر وضبط كتاب،فان كان الراوى يروى من حفظه لزم أن يكون حافظاً ، وإن كان . يحدث من كتابه لزم أن يكون محافظا على كتابه من وقت أن سمع فيه إلى أن يؤدى منه آمناً عليه طوال هذا الأمد من أن يصيبه التبديل والتغيير بألا يعيره غيره . هذا كاء فيمن يلتزم فى روايته أن يروى باللفظ الذی سمعه، فان كان الراوى يروى بالمعنى اشترط فيه شرط زائد عليها، وهو: أن يكون عالماً بوضع الألفاظ ودلالتها على معانيها بحيث يأمن على نفسه من أن يضع لفظاً فى مكان لفظ فيتغير المعنى. وبهذا البيان تعرف أن قول ابن الصلاح ((وتفصيله)) هو فى الحقيقة تفصيل للشرطين اللذين ذكرهما ابن الصلاح أول الأمر بقوله ((أن يكون عدلا ضا بطاًلما يرويه)» وأن قوله ((أن يكون مسلماً بالغاً عاقلا سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة)) تفصيل للعدالة وحدها ، وأن قوله بعد ذلك «متيقظاً غير مغفل حافظاً- إلخ) هو تفصيل للضبط ، فأعرف ذلك ليتضح لك الأمر وليظهر لك كلام المصنف والشارح وأنهما أجملا القول إجمالا ، فلم تتبين الشروط بالدقة المطلوبة فى مثل هذا الموطن . - ١١٦- أن يكون تحمل مارواه وهو كافر (الرابع: أن يكون عدلا مستوراً) وسيأتى تفسير العدالة ، والتحقيق أنها تغنى عن الشرائط لتضمنها إياها ( فلا يقبل المجهول فى أحد احتمالى أبى طالب) من غير ترجيح لأحدهما (فى المجزئ) كتابه فى أصول الفقه (ومرجوح احتماليه فى أصول الفقه نه) كأن له كتابافى أصول الفقه غير المجزىء، وإلا فالمجزىء فيها أيضا (وأحد قولى المنصور بالله، وهو المنصوص له فى الصفوة) أى صفوة الاختيار ، كتاب له فى أصول الفقه ( وأما الفقيه عبد الله بن زيد) العنسى ( فقال فى الدور) كتابه فى أصول الفقه ( المذهب) أى للزيدية ( قبوله) أى المستور فى الرواية (وهو ظاهر كلام المنصور بالله عليه السلام فى) كتابه (هداية المسترشدين) فكان مرجوحا فى أحد احتماليه فى الصفوة وظاهراً فى كتابه الآخر (وهو مذهب) الحنفية (وهو) أى قبول المستور ( يلزم من يقبل مراسيلهم) أى الحنفية لأن فيها المستور إذ مذهبهم قبوله ، (والخامس) من الشروط فى قبول الرواية (أن يكون) الراوى (ضابطًا لمايرويه) إلا أنه تقدم له أن الذى فى كتب الزيدية أربعة شروط ، فهذا الخامس على رأى غيرهم، إلا أنه لا يخفى أنه لا بد منه ، وقدمر جوابه ( وقد تقدم تفصيل كلام أصحابنا فى ذلك أول الكتاب ) عبارة مشهورة تقدمت للمصنف وهو يناسب من يتمذهب بمذهب معين وينتسب إليه، لامن طريقة الانصاف وعدم التعبد برأى الأسلاف كالمصنف القائل فى أبياته الدالية : والكل إخوان ودين واحد كل مصيب فى الفروع ومهتدی أول الكتاب حيث قال (( ولا بد من اشتراط الضبط)) وقال: ((إِنه إذا استوى خطاؤه وصوابه فهو مردود عند الأصوليين ، وقال المنصور بالله وعبد الله ابن زيد إنه يقبل، وطريق قبوله الاجتهاد )) وتقدم ما فيه وكأنه لمخالفته الزيدية لهذا لم يثبت لهم هنا شرطية الضبط ( وقال ابن الصلاح : أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن - ١١٧ - يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطاً لما يرويه، ثم فصل شروط العدالة والضبط، وفسر العدالة بخمسة أشياء : البلوغ، والعقل ، والسلامة من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة ، والسلامة أيضا مما يخرم المروة) وكأنه وقع سقط فى نسخة المصنف فانه فاته الخامس، وهو الاسلام، وعبارة ابن الصلاح ((وتفصيله: أن يكون مسلمًاً، بالغاً، عاقلا، سالمً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطً لكتابه إن حدث من كتابه، فان كان محدثا بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعانى)) انتهى، ولا أدرى لماذا حذف المصنف بقية شروط العدالة، فانه لم يأت بعبارة ابن الصلاح بلفظها، ولم تل عبارته بمعناها ، وقد سبقه الزين فى الألفية وشرحها ، ويرد عليه ما ورد على المصنف ثم اعلم أنه أجمل ابن الصلاح أسباب الفسق، فبينها المصنف بقوله((بارتكاب الكبيرة والاصرار على الصغيرة)) وهاهنا (١) عدّ أئمة الأصول الكبائر وبينوا الخلاف فى حقيقتها (١: قال المحقق الآمدى فى كتابه ((الأحكام فى أصول الأحكام)) مانصه (( العدل فى اللغة عبارة عن المتوسط فى الأمور من غير إفراط في طر فى الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) أى عدلا، فالوسط والعدل بمعنى عدل ، وقد يطلق ويراد به المصدر المقابل للجور ، وهو إنصاف الغير بفعل ما يجب له وترك مالايجب ، والجور فى مقابلته ، وقد يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره ، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته : عادل، وأما فى لسان المتشرعة فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال الغزالى فى معى هذه الأهلية : إنها عبارة عن استقامة السيرة والدين، وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة فى النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات ، فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( الكبائر تسع: الشرك بالله تعالى، وقتل النفس - ١١٨ - فائدة- فسر الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها العدالة بقوله: والمراد بالعدل مَنْ له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة، انتهى، وفسر المروة وضبطها ملاً على قارى. فى حاشيته بقوله: والمروءة- بضم الميم والراء بعدها واو ساكنة ثم همزة وقد تبدل وتدغم- وهو كمال الانسان ، من صدق اللسان، واحتمال عثرات الاخوان، وبذل الاحسان، إلى أهل الزمان، وكف الأذى عن الجيران، وقيل: المروءة التخلق بأخلاق أمثاله وأقرانه ولداته ، فى لُبسه ومشيه وحركاته وسكناته وسائر صفاته، وفى المفاتيح : خوارم المروة كالدباغة والحياكة والحجامة ممن لا يليق به من غير ضرورة، وكالبول فى الطريق وصحبة الأرزال واللعب بالحمام ، ونحو ذلك ، ومجملها الاحتراز عما يدم به عرفاً، انتهى المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف ، والسحر ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين المسلمين، والالحاد بالبيت الحرام)). وروى أبو هريرة مع ذلك : أكل الربا ، والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة . وروى عن على عليه السلام أنه أضاف إلى ذلك: السرقة ، وشرب الخمر، وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقص الدين وعدم الترفع عن الكذب ، وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث، ونحوه. وأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة ودناءة الهمة، كالأ كل فى السوق ، والبول فى الشوارع، وصحبة الأرذال، والافراط فى المزح، ونحو ذلك مما يدل على سرعة الأقدام على الكذب وعدم الا كترات به . ولاخلاف فى اعتبار اجتناب هذه الأمور فى العدالة المعتبرة فى قبول الشهادة " والرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، لأن من لا يجتنب هذه الأمور أحرى أ ايجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله، ولا خلاف أيضاً فى اشتراط هذه الأمور الأربعة فى الشهادة ، وتختص الشهادة بشروط أخر ، كالحرية الذكورة والعدد والبصر وعدم القرابة والعداوة)) اهـ كلامه بحروفه ، وفيه لك فيما أشار إليه الشارح مقنع وكفاية . ١ - ١١٩ - واعلم أنا قد بحثنافى هذا الرسم فى رسالتنا نمرات النظر فى علم الأثر وبينا فساده، وَحققنا الحق فى حقيقتهما ، وكذلك فى حاشيتنا منحة الغفار، على ضوء النهار ، وبينا أن هذا الرسم لادليل عليه، وأنه لا يتم الرسم إلا فى حق المعصومين وفى قوله: ((وصدق اللسان)» قد دخل هذا الشرط فى قيد اجتناب الكبائر، وقوله : ((وكف الأذى عن الجيران)) لاوجه لتقييده بذلك، وإنما قاده إليه السجع، ولو قال: (( وكف الأذى عن أهل الايمان)) لعم ذلك مع وفاء العبارة بالمراد ، على أنه قد دخل كف الأذى فى اجتناب الكبائر، لورود الوعيد عليه بقوله: ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإنماً مبينا)) (وفسر): أى ابن الصلاح (الحفظ) المأخوذ فى رسم العدل(١) ( بما يرجع إلى موافقة الحفاظ أهل الاتقان إلا النادر الذى لا يخلو عنه أحد) فانه وقع النسيان لسيد ولد عد نان صلى الله عليه وآله وسلم (وعلى حسب موافقته لهم يعرض حفظه) لفظ ابن الصلاح « يعرف كون الراوى ضابطً بأن تعتبر روايته برواية الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فان وجدناروايته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم فى الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه حافظً ثبتاً (٢)) وفى النخبة وشرحها (( إنما الضبط ضبطان: ضبط صدر، أى إتقان قلب وحفظه ، وهو - أى ضبط الصدر - أن يثبت الراوى فى صدره ما سمعه بحيث يتمكن (١) قد بينا لك أن الحفظ ليس من بيان العدالة ولا شروطها فى كلام ابن الصلاح ، ولكنه فى بيان الضبط ، وعبارة المصنف ههنا صريحة فى أن المفهوم من كلام ابن الصلاح هو ما ألمعنا إليه فى كلامنا السابق قريبا، فقول الشارح ههنا (( الحفظ المأخوذ فى رسم العدل)) ليس مستقيما، ولعله أراد أن يقول ((الحفظ المأخوذ فى رسم الراوى الذى تقبل روايته). (٢) تمام عبارة ابن الصلاح (( وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم يحتج بحديثه)) اهـ - ١٢٠ - من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب ، وهو صيانته لدية منذ سمعه فيه وصححه إلى أن يؤدى منه، انتهى، وبه تعرف أن تفسير ابن الصلاح إنما هو لأحد قسمى الضبط. واعلم أنا قدمنا لك أنهم اختاروا فى رسم الصحيح أن يكون راويه تام الضبط كما قال فى النخبة ((عدل تام الضبط)) وتبعه المصنف فى مختصره كما قدمنا لفظه، وفى شرح النخبة ((وقيد بالتمام إشارة إلى الرتبة العليا فى ذلك)) قال ملا على: والمعنى أنه لا يكتفى فى الصحيح لذاته بمسمى الضبط ، على ماهو المعتبر فى الحسن لذاته، وكذا فى الصحيح لنيره يكتفى بمجرد الضبط ، انتهى. ولا يخفى أن هذا فى ضبط الصدر ، قال ملا على : وأما ضبط الكتاب فالظاهر أن كله تام لا يتصور فيه النقصان، ولهذا لا يقسم الحديث باعتباره ، وإِن كان يختلف ضبط الكتاب باختلاف الكتاب، اهـ قلت: وغير خاف عليك أن كلامهم هنا فى شروط من تقبل روايته أعم من أن يكون حديثه صحيحاً لذاته أو لغيره أو حسناً ، فإذا تركوا التقييدهنا بالتمام ليم ولما كانت العدالة صفة للراوى لاتعرف بمجرد إيمانه افتقرت إلى معرف لها، فقال المصنف (قال) أى ابن الصلاح (بالصحيح (١) أن التعديل يثبت بواحد (١) هاك عبارة ابن الصلاح بثامبا، قال ((اختلفوا فى أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد، أو لابد من اثنين ؟ فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا باثنين كما فى الجرح والتعديل فى الشهادات، ومنهم من قال .. وهو الصحيح الذى اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره - إنه يثبت بواحد، لأن العدد لا يشترط فى قبول الخبر، فلم يشترط فى جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات) اه بحروفه. ومنه نفهم أن فى عبارة المصنف إبهام أن ذكر المرأة فى كلام ابن الصلاح، وأنه نص على قبول تزكية المرأة، فى حين أنه لم يتعرض لذكرها لانفياً ولا إثباتاً ، ويؤيد هذا أن الحافظ السيوطى رحمه الله جعل القول فى قبول تزكية المرأة ١٨ زاده النووى على ابن الصلاح ، وذلك فى قوله «فرع