Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
(وقد قسمه) أى مايرى بالزيادة ( ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام : أحدها :
ما يقع منافيا لما قد رواه الحفاظ ، فهو مر دود كما مر فى الشاذ، الثانى: ما تفرد
برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما روى الغير لمخالفة أصلا، فهذا مقبول، وقد
ادعى فيه اتفاق العلماء ، وقد تقدم أيضا فى الشاذ) قال ابن الصلاح «قد سبق
مثاله فى نوع الشاذ)) ( الثالث: مايقع بين هاتين المرتبتين ، مثل زيادة لفظ فى
حديث لم يذكرها ) تلك الزيادة (سائر من روى ذلك الحديث) المجرد عن
الزيادة، قال ابن حجر: هذا التفصيل قد سبق المؤلف إليه - بريد ابن الصلاح-
إِمامُ الحرمين فى البرهان فقال بعد أن حكى عن الشافعى وأبى حنيفة قبول زيادة
الثقة : هذا عندی فیما إذا سكت الباقون ، فان صرحوا بنفى ما نقله هذا الراوئ
مع إمكان اطلاعهم فهذا يوهن قول قابل الزيادة .
وفَصَّل أبو نصر ابن الصباغ فى العدة تفصيلا آخر بين أن يتعدد المجلس
فيعمل بهما لأنهما كالخبرين، أو يتحد : فان كان الذى نقل الزيادة واحدا
والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان بالعكس أو كان
كل من الفريقين جماعة فالقبول ، وكذا إن كان كل منهما واحدا حيث
يستويان ، وإلافرواية الضابط منهما أولى بالقبول.
وقال الامام فخر الدين : إن كان الممسك عن الزيادة أضبط من الراوى لها
فلا يقبل ذلك إن صرح بنفيها ، وإلا قبلت .
وقال الآمدى وجرى عليه ابن الحاجب : إن انحد المجلس فان كان من لم
يروها قد انتهوا إلى حد لا تقضى العادة بغفلة مثلهم عن سماعها والذى رواها
واحد فهى مردودة، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فاتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين
على قبول الزيادة ، خلافا للجماعة ، ثم قال : فائدة حكى ابن الصلاح عن الخطيب
فيما إذا تعارض الوصل والارسال، أن الأكثر من أهل الحديث يرون أن الحكم
للمرسل، وحكى هنا عنه أن الجمهور من أئمة الفقه والحديث يرون أن الحكم لمن

- ٢٢ -
أتى بالزيادة إن كان منه، وهو ظاهر التعارض ، ومن أبدى فرقا بين المسألتين فلا
يخلو عن تكاف وتعسف ، وقد جزم ابن الحاجب أن الكل بمعنى واحد، فقال :
إذا أسند الحديث وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه، فحكمه حكم
الزيادة فى التفصيل السابق ، ثم ذكر جوابا لا يخلو عن تكلف وتعسف .
(ومثله ابن الصلاح بما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم فرض زكاة الفطر فى رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو
أنثى من المسلمين) قال ابن الصلاح: فذكر أبو عيسى الترمذى أن مالكا تفرد
من بين الثقات بزيادة ((من المسلمين)) (وروى عبيد الله) مصغر ( ابن عمر
وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة فأخذبهاغير
واحد من الأئمة منهم الشافعى وأحمد ، قال الزين : وهذا المثال غير صحيح فقد
تابع مالكاعلى ذلك) أى على زيادة ((من المسلمين)) (عمر بن نافع) أى العدوى
مولى ابن عمر، ثقة ( والضحاك بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدى
الحزامى، بكسر أوله وبالزاى ، أبو عثمان النهدى (ويونس بن يزيد وعبد الله بن
عمر) البصرى ، وأبو مظفر السرى بالتشديد العطار (والمعلى بن إسماعيل) لم أجده
فى الميزان ولا فى التقريب، ثم رأيت فى نكت البقاعى أنه قال فيه أبو حاتم
الرازى: ليس بحديثه بأس صالح الحديث لم يرو عنه غير أرطاة ، وذكره ابن حبان
فى الثقات ، وحديثه هذا أخرجه ابن حبان فى صحيحه والدار قطنى فى سننه عن
أرطاة بن منذر عن المعلى بن إسماعيل عن نافع بالزيادة المذكورة (وكثير بن فرقد)
نزيل مصر ، ثقة ، وثقه ابن معين وأبو حاتم ، وأخرج له البخارى ، قاله البقاعى
فى نكته، وروايته أخرجها الحاكم فى المستدرك من رواية الليث بن سعد عن
كثير بن فرقد عن نافع، وقال فيها « من المسلمين)) وأخرجها الدار قطنى فى
السنن، وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (واختلف
فى زيادتها على عبيد الله بن عمر وأيوب) واعلم أن أصل التمثيل للزيادة وقع
!

-٢٣ -
الترمذى لأنه قال مالفظه: حديث ابن عمر رؤاه مالك عن نافع عن ابن عمر نحو
حديث أيوب، وزاد فيه (( من المسلمين)) ورواه غير وأخَّد عن نافع ولم يذكر
فيه ((من المسلمين)) انتهى، فتبعه ابن الصلاح، واعترضه النووى بقوله: لا يصح
التمثيل بهذا الحديث ، لأنه لم ينفرد به، بل وافقه فى الزيادة عمر بن نافع بن
عمر والضحاك بن عثمان، والأول فى صحيح البخارى، والثانى فى صحيح مسلم ،
وقد تعقب النووى الشيخ تاج الدين التبريزى بقوله : إنما مثل به حكاية عن
الترمذى ، فلايرد عليه شيء ، وتعقب بأن ابن الصلاح أقره ورضيه ، فورد عليه
ماورد على الترمذى
فعرفت أن القول بأنها زيادة تفرد بها مالك كلامُ الترمذى ، وأنه قد سبق.
بالاعتراض على ابن الصلاح النووي
وقال ابن حبان: أورده بالزيادة الحاكم والدار قطنى والطحاوى وبدونها مسلم
وللزيادة شاهد، وهو حديث ابن عباس عند أبى داود (فرض رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)» وأخرجه الحاكم
والدار قطنى، ووجه الدلالة فيه أن الكافر لاطهرة له، انتهى
( قال) أى الزين (والصحيح فى المثال) ماذكره ابن الصلاح أيضاً وهو
(حديث (( جعلت لى الأرض مسجداً وطهورا)) زاد فيه ((وتربتها طهورا))
أبو مالك سعد بن طارق الأشجعى وانفرد بذلك من دون سائر الرواة ) قال الزين
بعد هذا: والحديث رواه ... ) والنسائى من رواية الأشجیعنربعی عن حذيفة،
قال عليه الحافظ ابن حجر: وهذا التمثيل ليس بمستقيم أيضاً، لأن أبا مالك قد
تفرد برواية جملة الحديث عن ربعی ین خراش ، کما تفرد بروايته ربعی عن
حذيفة ، فان أراد أن لفظة «تربتها)) زائدة فى هذا الحديث على باقى الأحاديث فى
الجملة فانه يرد عليه أنها فى حديث على رضى الله عنه كما نبه عليه شيخنا، وإن

-٢٤ -
أراد أن أبا مالك تفرد بها وأن رفقته عن ربعى لم يذكروها كما هو ظاهر كلامه.
فليس بصحيح
٠
قلت : وحديث على أخرجه أحمد فى مسنده باسناد حسن بلفظ ((وجعل
التراب لى طهوراً )» وأخرجه البيهقى أيضاً
( قال ابن الصلاح: وفى هذا القسم شبه من القسم الأول المردود) وهو
أول الأقسام الثلاثة من تقسيم ابن الصلاح (من حيث أن مارواه الجماعة عام )
لأجزاء الأرض (وهذا مخصوص) بالتربة (وفى ذلك نوع مخالفة ومغايرة) وهى
مغايرة الخاص والعام ( ويشبه القسم الثانى) من الثلاثة وهو ( المقبول من
حيث إنه لامنافاة بينهما ) إذ لامنافاة بين عام وخاص فى الحقيقة ، ولذا قال فى
العبارة الأولى نوع مخالفة ( قلت : وهو موضع ترجيح واجتهاد) فى القبول وعدمه
( وحيث لا يحصل موجب الرد فالأصل وجوب قبول الثقات ، وقد يقع الغلط
فى الحكم بالانفراد ) أى فى حكم العالم بأن هذا الحديث أو الزيادة تفرد بها الراوى
لأن الأصل عدمه ، فلا يحكم به إلا بدلیل ، کذا عللوه ، والانفراد وعدمه ليس
أحدهما أصلا، بل يتوقف الحكم بهما على البحث والاستقراء ( فهذا ابن
الصلاح غلط على مالك فى ذلك) كما عرفت آنفاً (وهو) أى ابن الصلاح ( من
أئمة هذا العلم فكيف بغيره ، قال ابن الصلاح: وبين الوصل والارسال من
المخالفة نحو ماذكرناه) إذ الوصل زيادة ثقة (وقد قدمنا الكلام عليه) أى فى
القسم الثالث (قال) أى ابن الصلاح (ويزداد ذلك بأن الارسال نوع قدح فى
الحديث وترجيحه) أى الأرسال (من قبيل تقديم الجرح على التعديل) لأنه
باطراح من وصل كان كالجرح له ( قال: ويمكن أن يجاب عنه بأن الجرح إنما
قدم لما فيه من زيادة الثقة، والزيادة هنا مع من وصل) وليس فى عبارة ابن الصلاح
لفظ يمكن
ء

-٢٥-
٠ ٣٨
مسألة
۔
[ فى بيان الْمُعَلِّ، وأقسامه، وحكمه]
من أنواع علوم الحديث (المعل، هو الذى يسمى عندهم المعلل والمعلول)
وهذا على خلاف قياس اللغة كما يأتى ( قال زين الدين: ويسمى الحديث الذى
شملته علة معللا ، ولا يسمى معاولا ) فانه قال :
وسم ما بعلة مشمول معللا ، ولا تقل معلول
( وقد وقع فى عبارة كثير من أهل الحديث تسميته بالمعلول ، وذلك موجود
فى كلام الترمذى وابن عدى والدار قطنى وأبى يعلى الخليلى والحاكم وغيرهم قال
ابن الصلاح : وذلك منهم ومن الفقهاء فى قولهم فى باب القياس العلة والمعلول
مرذول عند أهل العربية واللغة ، وقال النووى: إنه لحن ، قال زين الدين :
والأجود فى تسميته المعل ) قال : وكذلك هو فى عبارة بعضهم (وأكثر
عباراتهم فى الفعل أنهم يقولون : أعله فلان بكذا ، وقياسه معل، وهو المعروف
فى اللغة، قال الجوهرى: لا أعلك الله ، أى لا أصابك بعلة) وفى القاموس: العلة
المرض، عَلَّ واعتَلَّ، وأعله الله فهو مُعَلَ وعليل، ولا يقال معلول، والمتكلمون
يستعملونها (وقال صاحب المحكم) وهو على بن أحمد بن سيده اللغوى النحوى
الأندلسى أبوالحسن، الضرير، كان من أئمة اللغة عارفاً بالأشعار واللغة وأيام العرب
وفاته سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (واستعمل أبو إسحاق) لعله الزجاج ( لفظة المعاول
فى المتقارب من العروض ، قال: والمتكلمون يستعملون لفظة المعاول فى مثل هذا
كثيراً) هذا هو مقول صاحب المحكم، ثم ( قال: وفى الجملة فلست منها على ثقة
ولا تَلَجٍ) بالمثلثة واللام مفتوحتين وبالجيم ، قال فى القاموس: ثلجت نفسى كنصر
وفرح ثلوجاً وثلجاً اطمأنت، انتهى (لأن المعروف إنما هو أعماله الله فهو معل، اللهم

-٢٦ -
إلاأن يكون على ماذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسؤول من أنهما جاءا
على جنفته وسللته، ولم يستعملا فى الكلام، واستغنى عنهما بأفعلت، قال)
أى صاحب المحكم أو سيبويه ( وإذا قالوا ) أى العرب (جن وسل) بالبناء
للمفعول (فانما يقولون) إذا أرادوا الأخبار عما وقع فيه ( جعل فيه الجنون والسل
كما قالوا حزن) بالحاء المهملة والزاى من الحزن ، هكذا رأيناه فى التنقيح مضبوطاً
والذى فى نسكت البقاعى ما يفيد أنه بالقاف آخره قال: إنه قال ابن الصلاح
حُرِق الرجل كعنى زال حق وركه، وفى مختصر العين للزبيدى والحارقة عصبة
متصلة بين وابلة الفخذ والعضلة وإذا انقطعت الحارقة ولم تلتّم قيل رجل محروق
وقد خْرِقٍ، انتهى، والوابلة بالموحدة طرف رأس العضلة والفخذ، أو طرف
الكتف، أوعظم فى مفصل الركبة، أو ما التف من عظم الفخذ ، قاله فى القاموس
(وفسل) بالفاء المهملة من الفسالة، يقال: فسُل ككرم وعلم فسالة وفسولة والفسْلُ
الرذل الذى لامروة له كالمفسول ، قاله فى القاموس
إذا عرفت هذا عرفت أن هذا البناء إنما يكون من المتعدى ، ولا تعدية هنا
فجاء على خلاف القاعدة (انتهى)
وهذا منا ضبط تخمينى، إذ اللفظ فى نسخ التنقيح غير واضح ولا متجه
المعنى، وهو منقول من شرح الأنفية، والزين نقله من المحكم، فينظر، وفى
القاموس: جُنَّ بالضم جنا وجُنوناً واستجز، بنيا للمفعول، وتجنّنَ وتجاننَ وأجنه
الله فهو مجنون ، انتهى
وأماعلاء فيستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه عن الشىء وشغله، من تعليل الصبى
بالطعام ، يعنى فلا يقال عَلَّل الحديث بمعنى أعله ، فليس بينهما مناسبة فى اللغة
وهو ظاهر، إذ لاتلاقى بين المعنى الاصطلاحى والمعنى اللغوى، وهو المراد بالمناسبة
(قال) أى زين الدين فى تعريف العلة التى بحثنا فيها (والعلة) فى اصطلاح
أئمة الحديث ( عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت ) بالهمزة ( على الحديث

- ٢٧-
فأثرت فيه أى قدحت فى صحته) ولذا أخذوا فى رسم الصحيح أن لا يكون شاذاً
ولا معللا
قلت: وكان هذا تعريف أغلبى للعلة ، وإلا فانه سيأتى أنهم قد يعلون
بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ، ويعملون بما لا يؤثر فى صحة الحديث، ويأتى
فى آخر البحث تحقيق ذلك
واعلم أن الرسم للعلة ذكره ابن الصلاح ، وتبعه الزين ، ونقله المصنف ،
وقال الحافظ ابن حجر على كلام ابن الصلاح :
قلت : هذا تحرير كلام الحاكم فى علوم الحديث فانه قال: وإنما يعلل
الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فان حديث المجروح ساقط واه ،
وعلة الحديث تكثر فى أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم
علته، والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة، فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع
معاولا ، ولا الحديث الذى فى رواته مجهول أو مضعف معاولا ، وإنما يسمى.
معلولا إذا آل أمره إلى شىء من ذلك، وفى هذا رد على من زعم أن المعلول
يشمل كل مردود، انتهى
( وتدرك العلة بتفرد الراوى، ومن التنبيه ) بالمثناة من فوق من نَبَه (على
ذلك) على الأعلال بالتفرد والاشارة إليه (قوله تعالى: أم جاءهم مالم يأت آباءهم
الأولين) بعد قوله تعالى (أفلم يدبروا القول) فى الكشاف: القول القرآن، أفلم
يدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدقوا به وبمن جاء به، بل أجاءهم مالم يأت
آباءهم الأولين فلذلك أنكروه واستدعوه كقوله ((لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم
غافلون)» أوليخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل مانزل بمن قبلهم من المكذبين
أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله ،
وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان، انتهى
التنبيه بالآية على ماقاله المصنف يتم على أحد الاحتمالين (ففيه) أى فى قوله

-٢٨-
تعالى (( أم جاءهم)) الآية - دليل ( أن الفطر مجبولة) مخلوقة ( على الشك فى الشاذ
المنكر، وأن العذر) لمن رده (بذلك شائع) وهذا فى نكارة القول وشذوذه
وغرابته، وفى الحديث ((حدثوا الناس بما تسعه عقولهم، أتحبون أن يُكَذَّبَ الله
ورسوله )» وهو أيضاً دليل على نفرة العقول عن الشاذ من الأقوال المستغربة
قلت: ولو أنى المصنف بالآية الثانية، وهى قوله ((أم لم يعرفوا رسولهم فهم
له منكرون)» لكان آتياً بما فيه الاشارة إلى نكارة المخبر والراوى، وأن عدم
معرفته عذر أيضاً فى عدم قبوله والتشكك فى قوله، وسيأتى أنه يعل بفسق الراوى
وضعفه، ويصدق عليه أنه لم يعرف بالعدالة التى هى مدار المقبول (ومن ذلك )
أی من التنبيه والاشارة ( حدیث ذی الیدین) تقدم اسمه وقصته (فان النبى صلى
الله عليه وآله وسا أنكر ماقاله لتفرده به حتى وافقه عليه الحاضرون) حين سألهم
صلى الله عليه وآله وسلم عن حقيقة ماقاله ذو اليدين (ومخالفة غيره) غير الراوى
.(نه) وَهو عطف على قوله ((تفرد الراوى)) وهو الثانى مما تدرك به العلمة (مع قرائن
تنضم إلى ذلك يهتدى الناقد بها إلى اطلاعه على إرسال فى الموصول، أو وقف فى
المرفوع، أو دخول حديث فى حديث، أو وهم وام بغير ذلك) مما ذكر (بحيث
غلب على ظنه ذلك فأمضاه) برده الحديث (وحكم به أو تردد فى ذلك) فلم يرده
ولم يعمل به ( فوقف وأحجم عن الحكم بصحة الحديث، فان لم يغلب ظنه صحة
الاعلال) أحسن المصنف بهذه العبارة وعدوله عن عبارة غيره (( بالتعليل)»
( بذلك فظاهر الحديث المعل السلامة من العلة) أى من وجودها فيه (حيث
تثبت من طريق مقبولة ) تنتبض على صحة الأعلال ( قال الخطيب السبيل
إلى معرفة علة الحديث أن تجمع بين طرقه وتنظر فى اختلاف رواته وتعتبر)
أى الخطأ والصواب (بمكانهم من الحفظ) وقد مثله ابن الصلاح والزين
بحديث أنس ابن مالك فى البسملة، وهو مثال العاة فى المتن ، وبحديث كفارة
المجلس فى عالة الاسناد ، وقد أطال الكلام فى ذلك الحافظ ابن حجر، وأتى ببيان
١٠

-٢٩ -
طرق الحديثين بما فيه طول ، فمن أراد التوسع طالع ذلك
( وقال ابن المدينى: الباب إذا لم تجتمع طرقه لم يتبين خطاؤه ) قال الحافظ
ابن حجر: وهذا الفن - يعنى التعليل- أغمض أنواع الحديث، وأدقها مسلمكا،
ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما عالياً، واطلاعاً حاويا، وإدرا كالمراتب
الرواة ، ومعرفة شافية، ولم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ، وإليهم
المرجع فى ذلك ، لماجعل الله عز وجل فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه،
دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك ، انبى
ثم أخذ فى تقسيم محلات العلة فقال (١) (والعلة تكون فى الاسناد) كالوصل
(١) قسم الحاكم أبو عبد الله فى كتابه علوم الحديث (١١٢) أجناس المطل التى
إذا وجدت منها واحدة فى الحديث سمي معلا، إلى عشرة أجناس ، وقد نقلها
عنه الحافظ جلال الدین السیوطی فی کتابه تدریب الراوی ، و نحن نری لزاما
علينا أن نلخص لك ماذكراه مع ذكر أمثلة لكل جنس ، فنقول :
الأول : أن يكون السند ظاهره الصحة ، وفيه من لايعرف بين أهل
الحديث بالسماع عمن روى عنه. ومثاله حديث موسى بن عقبة عن سهيل بن
أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : «من جلس
مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا
انت، أستغفرك وأتوب إليك - غفر له ما كان فى مجلسه ذلك)) المحدثون لا
يعرفون لموسى بن عقبة سماعا من سهيل بن أبى صالح
الثانى : أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ ، ويسند
من وجه ظاهره الصحة . مثاله حديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد
الحذاء، وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعا ((أرحم أمتى أبوبكر ، وأشدهم
فى دين الله عمر)» الذى يعرفه الحفاظ أن خالدا الحذاء رواه عن أبى قلابتمرسلا
الثالث: أن يكون الحديث محفوظا عن صحابى، ويروى عن غيره ،
لاختلاف بلاد رواته ، ومثاله حديث موسى بن عقبة عن أبى إسحاق عن أبى
بردة عن أبيه مرفوعا « إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم مائة مرة».

- ٣٠ -
فى المرسل، والرفع فى الموقوف (وهو الأغلب، و) قد تكون ( فى المتن)
باختلاف ألفاظه ( نم العلة فى الاسناد ) تنقسم باعتبار القدح، فانها ( قد تقدح فى
المتن كالاعلال بالإرسال، وقد لا تقدح) فيه ( كالاعلال يوم الراوى فى اسم
. . أحد رجال الاسناد مع ثبوت الاسناد عن الثقات على الصواب من غير رواية :
ذلك ) الرأوى ( الذى وهم) قال البقاعى : الكلام الضابط أن يقال : الحديث
المحفوظ أنه من رواية أبى بردة عن الأغر المزنى
الرابع : أن يكون الحديث محفوظا عن صحابى ، ويروى عن تابعى
يقع الوهم بالتصريح بما يقتضى صحبته، ومثاله حديث زهير بن محمد عن عثمان
بن سليمان عن أبيه، أنه ((سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» ولم يروه
وإنماروى هذا الحديث عثمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وهو عثمان
بن أبى سلمان
الخامس: أن يكون الحديث مرويا بالعنعنة وسقط منهارجل دل عليه طريق
آخر محفوظ، ومثاله حديث يونس عن ابن شهاب عن على بن الحسين عن
رجال من الأنصار أنهم ((كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليله
فرمى بنجم فاستنار)» يونس الراوى لهذا الحديث -مع جلالة قدره- قصر به،
وإنما هو (عن ابن عباس حدثنى رجال من الأنصار)) ورواه هكذا ابن عيينة
وشعيب وصالح والأوزاعى وغيرهم
السادس : أن يختلف على رجل بالاسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما
قابل الأسناد، ومثاله حديث على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن
بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : قلت : يارسول الله ، مالك أفصحنا
- الحديث)) علة هذا الحديث تظهر مما رواه على بن خشرم قال: حدثنا على
بن الحسين بن واقد ، بلغنى عن عمر ، وذكره
السابع : الاختلاف على رجل فى تسمية شيخه أو تجهيله، ومناله حديث
أبى شهاب عن سفيان الثورى عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير
عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا ((المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم))

- ٣١-
لا يخلو إما أن يكون فرداً أوله أكثر من إسناد، فالأول يلزم من القدح فى سنده
القدح فى متنه، وبالعكس ، والثانى لا يلزم من القدح فى أحدهما القدح فى الآخر
وقال الحافظ ابن حجر: قلت : إذا وقعت العلمة فى الاسناد فقد تقلح وقد
علة هذا الحديث ما يظهر مما أسنده محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن حجاج
عن رجل عن أبى سلمة ، فذكره
الثامن: أن يكون الراوى عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم
يسمع منه أحاديث معينة ، فاذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه
ومثاله حديث يحيى بن محمد بن أبى كثير عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم
((كان إذا أفطر عند أهل بيت قال: أفطر عندكم الصائمون)) يحيى بن أبي كثير
قد رأى أنسا، ولكنه قد تبين من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث
التاسع : أن تكون ثم طريق معروفة ويروى أحد رجالها حديثا من غير
تلك الطريق ، فيقع الراوى عنه فى الوهم فيرويه من الطريق المعروفة جو مثاله
حديث المنذر بن عبد الله الخزامى عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبدالله بن
دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة
قال: سبحانك اللهم ، الصحيح أن هذا الحديث من رواية عبد العزيز: حدثنا
عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبى رافع عن على ، ولكن
المنذر رواه عن عبد العزيز على الجادة والطريق التى يعرف عبدالعزيز
بالرواية منها
العاشر: أن يروى الحديث مرفوعا من وجه وموقوفا من وجه، ومثاله
حديث أبى فروة يزيد بن محمد حدثنا أبى عن أبيه عن الأعمش عن أبى سفيان
عن جابر مرفوعا (( من ضحك فى صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء)) علة
هذا الحديث تظهر مما رواه وكيع عن الأعمش عن أبى سفيان ، قال : سئل
جابر ، فذكره .
ويقول الحاكم أبو عبد الله بعد ذكر هذه الأجناس العشرة : قد ذكرنا
عال الحديث على عشرة أجناس ، وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلتها
مثالا لأحاديث كثيرة معلولة ليهتدى إليها المتبحر فى هذا العلم فأن معروفة عقل
الحديث من أجل هذه العلوم * ١ هـ
/

- ٣٢ -
لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح فى المتن ، وكذا القول فى
المتن سواء، فالأقسام على هذا سنة
فمثال ماوقعت العلة فى الاسناد ولم تقدح: مطلقا ما يوجد مثلا مدلساً بالعنعنة
فان ذلك يوجب التوقف عن قبوله ، فاذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها
بالسماع تبين أن العلة غير قادحة، وكذا إذا اختلف فى الاسناد على بعض رواته
فان ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه ، فان أمكن الجمع بينهما على طرائق أهل
الحديث بالقرائن التى تحف الاسناد تبين أن تلك غير قادحة
ومثال ملوقعت العلة فيه فى الاسناد ويقدح فيه دون المتن: مامثل به المصنف
- يريد ابن الصلاح - من إبدال روايته بروايته، وهو بقسم مقلوب المتن
أليق ، فان أبدل راو ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح فى المتن أيضا
إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة ، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقا
للثقة فى اسمه، ومثال ذلك ما وقع لأبى أسامة حماد بن أسامة الكوفى أحد الثقات
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من ثقات الشاميين، قدم الكوفة فكتب
عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة ، ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبد الرحمن بن
يزيد بن تميم - وهو من ضعفاء الشاميين - فسمع منه أبو أسامة وسأله عن
اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابرفصار يحدث عنه
وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت
المناكير فى رواية أبى أسامة عن ابن جابر ، وهما ثقتان ، فلم يفطن لذلك إلا
أهل النقد ، فيزوا ذلك ونصوا عليه كالبخارى وأبى حاتم وغير واحد .
ومثال ما وقعت فيه العلة فى المتن دون الاسناد ولا يقدح فيهما: ماوقع من
اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن الجمع رد الجميع إلى
معنى واحد ، فان القدح ينتفى عنهما، وسنزيد ذلك إيضاحا فى النوع الرابع إن
شاء الله تعالى .

- ٣٣ -
ومثال ما وقعت فيه العلة فى المتن واستلزمت القدح فى الاسناد : ما يرويه
راو بالمعنى الذى ظنه يكون خطأ ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك ، فإن ذلك
يستلزم القدح فى الراوى فيعلل الاسناد .
ومثال ما وقعت العلة فى المتن دون الاسناد : ما ذكره المصنف من أحد
الألفاظ الواردة فى حديث أنس ، وهى قوله ((لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم
فى أول قراءة ولا فى آخرها)» فان أصل الحديث فى الصحيحين بلفظ البخارى
((كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين)» ولفظ مسلم فى رواية غفى الجهر، وفى رواية
أخرى نفى القراءة ، ثم تكلم على تلك الروايات بما يطول ذكره، اهـ
ولما ذكر زين الدين فى منظومته ما أفاده قوله :
وكثر التعليل بالأرسال للوصل لا يقوى على اتصال
وقد يعلون بنوع قدح فسق وغفلة ونوع جرح
قال مشيراً إلى ذلك ( وقد يعلون ) أى أئمة الحديث (الحديث بأشياء
ليست غامصة كالإٍرسال، وفسق الراوى، وضعفه، وذلك موجود فى كتب
العلل) وقد قدمنا لك أن التعريف للعلة أغلبى ( ولهذا اشتمات كتب علل
الحديث على جمع طرقه) ليعرف الرواة الارسال والوصل، والوقف والرفع،
(وبعضهم) أى بعض أئمة الحديث هكذا أجمله ابن الصلاح ، وبينه الزين
بأنه أبو يعلى الخليلى كما ذكره المصنف ( يعلى الحديث بما لا يقدح فى صحته
كاسناد منقطع أقوى من إسناد موصول) قال الزين: كالحديث الذى وصله
الثقة الضّابط فأرسله غيره (حتى عد) ذلك البعض (من أنواع المعل ما هو صحيح
معل) فلا منافاة عنده بين الصحة والاعلال ، فعلى هذا فانه يحذف قيد ولا
((ولا علة)» من رسم الصحيح (كما أن من الحديث ماهو صحيح شاذ) كأن المراد
عند ذلك البعض فيحذف أيضاً قيد (ولاشاذ» من الرسم (وهو مذهب أبى يُعَلَى
(٣- تنقيح ٢)

- ٣٤ -
الخليلى) فى الأمرين، وعبارة الزين: وقائل ذلكَ هو أبو يعلى الخليلى، قال فى
كتاب الأرشاد: إن الأحاديث على أقسام كثيرةٍ: صحيح متفقٍ عليه، وصحيح
معلول، وصحيح مختلف فيه، ثم ذكر مامثلَ به الخليلى الصحيح المعَل ، وأغرب
ما ذكر منَ الاعلال جعل النَّسْخ علة كما فعله الترمذى (١) ، وأشار إليه
زين الدين بقوله :
والنَّسْخَ سمَّى الترمذىّ عَلَّهُ فَإِن يُرِدْ فِى عَمَلٍ فَاجْتَحْ له
وقال إنه من زوائده على ابن الصلاح، وقول الزين ((فان يرد )) بضم حرف
المضارعة من الإرادة ، أى : إن يُرد الترمذى أن النسخ علة فى العمل فهو
صحيح، ولهذا قال ((فاجنح)) من الجنوح: أَى مِنْ إليه، وإن أراد علة فى
صحة نقله فلا؛ لأن فى الصحيح أحاديث منسوخة كثيرة، انتهى
٢٩
مسالة
[ فى حقيقة المضطرب ، وأنواعه ، وحكمه
من أنواع علوم الحديث (المضطرب) يحتمل أنه مأخوذ من اضطرب بمعنى
(١) ذهب الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى إلى أن النسخ
علة من علل الحديث، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي ((إن أراد الترمذي
رحمه الله بذلك أن النسخ علة فى العمل بالحديث فهو كلام صحيح مسلم ، وإن
أراد أن النسخ على فى صحة الحديث فهو كلام غير مسلم ولا صحيح، لأن فى
أحاديث البخارى ومسلم جملة من الأحاديث المنسوخة ، ومع هذا لم يذهب
أحد من العلماء إلى تضعيف هذه الأحاديث من هذه الجهة)) انتهى كلامه
بإيضاح يسير . وقال الحافظ السيوطي فى ألفيته فى مصطلح الحديث :
والنسخ قد أدرجه فى العلل الترمذى ، وخصه بالعمل
١

١
-- ٣٥ -
:
اختل؛ أو من اضطرب القوم إذا اختلفت كلمتهم ، وحقيقته (١) ( هو
ما اختلف كلام راويه فيه) المراد جنس الراوى الواحد ، فلا يشمل اختلاف
الأكثر لأنه سیذ کره المصنف، وقال زین الدین :
(١) المضطرب - بكسر الراء - فى اللغة: اسم فاعل من الاضطراب، وهو
اختلال الأمر وفساد نظامه ، وأصله اضطراب الموج لكثرة حر كتهوضرب
بعضه بعضا، ولو كان ((المضطرب)) بفتح الراء لكان اسم مكان للاضطراب
ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي، لأن الحديث - عند التحقيق-
موضع يظهر فيه اضطراب الراوى أو الرواة .
واعلم أن الراوى الواحد أو الرواة المتعددين إذا روواحديثا، فاتفقواعلى
ألفاظ سنده والفاظ متنه فالأمر ظاهر، وإن اختلفت عباراتهم فى السند أوفى
المتن فاما أن تختلف مع ذلك صفاتهم بأن يكون بعضهم ثقة عدلاً وبعضهم الآخر
ضعيفا أو واهياً أو يكون أحدهم كثير الصحبة لمن يروى عنه وبعضهم الآخر
على نقيض ذلك، وإما أن تتحد صفاتهم من العدالة والضبط وغيرهما، وعلى كل
حال فاما أن يكون الاختلاف فى سند الحديث راجعا إلى اسم راو أو اسم أبيه
أو نسبته، وإما أن يكون راجعا إلى شىء غير ذلك ، فان اختلفوا فى السند أو
المتن، واختلفت - مع ذلك - صفاتهم لم يكن لذلك الاختلاف أثر، لأن
اختلاف صفاتهم قد جعل رواية الراوى الضعيف متروكة مهدرة فهى شاذة
أو مذكرة أو متروكة، وترجحت رواية العدل الثقة الضابط .
قال العلامة ابن الصلاح ((وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان، أما
إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو
أكثر صحبة للمروى عنه ، أوغير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم
للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ، ولا له حكمه )»
وإن اختلفوا فى السند أو فى المتن واتحدت صفاتهم كان ذلك اضطرابا،
وسمى الحديث حينئذ مضطربا ، والاضطراب نفسه موجب لضعف الحديث ،
إلا أن يكون هذا الاضطراب راجعا إلى اختلاف الرواة فى اسم راو أو اسم
أبيه أو نسبته .
فقد تبين لك من هذا الكلام عدة أمور :
=

- ٣٦ -
مضطرب الحديث ما قد وردا مختلفاً من واحد فأزيدا
( فرواه مرة على وجه ومرة على وجه مخالف له ، وهكذا إذا أضطرب فيه
راويان فأكثر، فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر ) قال الحافظ العلائى
= الأمر الأول : أن حقيقة الحديث المضطرب أنه «الذى اختلفت وجوه
روايته ، سواء أ كان راوى هذه الوجوه المختلفة راوياً واحدا أو رواة
متعددين ، بشرط ألا يترجح بعضها على بعض )».
الأمر الثانى: أن الحديث المضطرب لا يكون ضعيفا دائما، بل منه الضعيف
ومنه الصحيح، فان كان الاختلاف فى اسم رجل من الرواة أو اسم أبيه أو
نسبته وكان هذا الراوى المختلف فى اسمه او اسم أبيه أو نسبته ثقة حكم
للحديث بالصحة ولم يوجب هذا الاختلاف فيه ضعف الحديث مع أنا نسميه
مضطرباً، قال العلامة الزركشى ((قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب
فى قسم الصحيح والحسن )) اهـ. وفى الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة.
الأمر الثالث: أن الاضطراب قد يكون فى السند وحده، وقد يكون
فى المتن وحده ، وقد يكون فيهما جميعا :
فمثال الاضطراب فى السند وحدهحدیثابی بکر : قال یارسول الله ، أراك
شبت ، قال ((شيبتني هود وأخواتها )» قال الدار قطنى : هذا حديث مضطرب
فانه لم يرو إلا من طريق أبى إسحاق، وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه
فمنهم من رواه عنه مرسلا، ومنهم من رواه عنه موصولا، ومنهم من جعله من
مسند أبى بكر ، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مستد
عائشة ، وجميع رواته ثقات ، ولا يمكن ترجيح بعض رواته على بعض،
والجمع متعذر
ومثال الاضطراب فى المتن وحده حديث البسملة الذى رواه مسلم من رواية
الوليد بن مسلم(( حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن
مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبى بكر وعثمان
فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم»
فهذاحديث مضطرب، وقدتكلم عليه الشافعى والدار قطنى والبيهقى وابن عبد البر
وقد أفاض الحافظ السيوطى فى التدريب فى بيان اضطرابه، ومثله حديث فاطمة ==

- ٣٧ -
وهذا الفن أغمض أنواع الحديث، وأدقها مسلكاً ، ولا يقوم به إلا من منحه الله
فهماً غامضاً ، واطلاعاً حاوياً ، وإدرا كالمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبة ، انتهى
قلت هو كما قاله : الحافظ فى بحث الأعلال ، والبحثان متقاربان جداً ،
والاضطراب نوع من الاعلال
ثم أشار إلى تقسيمه إلى قسمين فقال ( وقد يكون ) الاضطراب (فى المنن)
فى ألفاظه (وفى السند) كذا قاله ابن الصلاح، إلا أنه زاد بعد هذا «وقد يكون
من راوٍ واحد ، وقد یکون من رواة ، انتهى
ونقل الحافظ ابن حجر عن الحافظ العلائى أنه قال : الاختلاف تارة يكون
= بنت قيس قالت : طلقنى زوجى ثلاثا فلم يفرض لى رسول الله صلى الله عليه
وسلم سكنى ولا نفقة)) جاء فى بعض رواياته أنه طلقها وهو غائب ، وفى بعضها
أن خالد بن الوليد ذهب فى نفر فسألوه ، وجاء فى بعض رواياته تسمية الزوج
أبا عمرو بن حفص ، وفى بعضها تسميته أبا حفص بن المغيرة
ومن الذى ذكرناه ومن تتبع كلام القوم فى هذا الموضوع وقدحكى منه
الشارح جملة صالحة - نستطيع ان نرسم القاعدة الآتية : إذا رأينا حديثا قد
اختلف فى وجوه روايته إما فى سنده وإما فى متنه وإما فيهما نظرنا أولا إلى
رواته فان وجدنا بعضهم دون بعض فى العدالة والضبط والثقة أمملنارواية
الأدنى ولم نعتبر إلا رواية العدل الثقة الضابط، وإن وجدناهم جميعا فى مرتبة
واحدة من مراتب العدالة والثقة والضبط نظرنا نظرة أخرى فان وجدنا
اختلافهم راجعا إلى اسم رآو من رواة الحديث أواسم أبيه أو نسبه لم نبال هذا
الاختلاف ولم نعده شيئا ، وإن وجدنا اختلافهم فى شىء غير ذلك نظرنا فان
أمكن الجمع بين الروايات المختلفة أو حملها على تعدد الواقعة جمعنا بما يمكن
الجمع به صونا لرواته الثقات العدول عن أن يتطرق إليها التوهين ، وإن لم
يمكن الجمع بوجه من الوجوه اعتبرنا هذا الاختلاف قدحا فى الحديث ، وقد
تكفل الشارح رحمه الله بنیان وجوه الترجيح، وببيان كيفية الجمع، وببيان
المواطن التى يتعذر فيها الجمع ، والله سبحانه أعلى وأعلم

-٣٨-
فى المتن، وتارة فى السند، فالذى فى السند يتنوع أنواعاً: أحدها تعارض الوصل
والارسال، ثانيها تعارض الوقف والرفع ، ثالثها تعارض الاتصال والانقطاع ،
رابعها أن يروى الحديث قوم مثلا عن رجل عن تابعى عن صحابى ويرويه ذلك
الرجل عن تابعى آخر عن الصحابى بعينه، خامسها زيادة رجل فى أحد الاسنادين،
سادسها الاختلاف فى اسم الراوى ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف ،
فأما الثلاثة الأول فقد تقدم القول فيها، وأن المختلفين إما أن يكون متماثلين
فى الحفظ والاتقان أم لا، فالمتماثلون إما أن يكون عدّدُهم من الجانبين سواء أم لا،
فان استوى مع استواء أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الفريقين بقرينة
من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشىء من وجوه الترجيح حكم بها،
ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث،
بل كل حديث يقوم به مرجح خاص لا يخفى على المارس الفطن الذى أكثر من
جمع الطرق ، ولهذا كان مجال النظر فى هذا أكثر من غيره، وإن كان أحد
المتماثلين أكثر عدداً فالحكم لهم على قول الأكثر، وقد ذهب قوم إلى تعليله،
وإن كان مَنْ وصل أو رفع أكثر ، والصحيح خلاف ذلك ، وأما غير المتماثلين
فإما أن يتساووا فى الثقة أولا ، فإن تساووا فى الثقة فإن كان من وصل أو رفع
أحفظ فالحكم له ، ولا يلتفت إلى تعليل مَنْ علله بذلك أيضاً، وإن كان
العكس فالحكم للمرسل والواقف، وإن لم يتساووا فى الثقة فالحكم للثقة ،
ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف
هذا جملة تقسيم الاختلاف، وبقى إذا كان رجال أحد الاسنادين أحفظ
والآخر أكثر، فقد اختلف المتقدمون فيه: فمنهم من يرى قول الأحفظ أولى
لاتقانه وضبطه ، ومنهم من يرى قول الأكثر أولى لبعدهم من الوهم ، ولا شك
أن الاحتمال من الجهتين منقدح قوى، لكن ذاك إذا لم ينته عدد الأكثر إلى
درجة قوية جداً بحيث يبعد اجتماعهم على الغاط أو يتعذر أو يمتنع عادة فان

- ٣٩ -
نسبة الغاط إلى الواحد - وإن كان أرجح من أولئك فى الحفظ والاتقان -
أقرب من نسبته إلى الجمع الكثير
ثم ذكر أمثلة من ذلك ، وقال :
وأما النوع الرابع - وهو الاختلاف فى السند - فلا يخلو إما أن يكون
الرجلان ثقتين أم لا، فان كانا ثقتين فلا يضر الاختلاف عند الأكثر، لقيام
الحجة بكل منهما ، فكيفما دار الاسناد كان عن ثقة ، وربما احتمل أن يكون
الراوى سمعه منهما جميعاً، وقد وجد ذلك فى كثير من الحديث ، لكن ذلك
يقوى حيث يكون الراوى من له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق ، وأما ما ذهب
إليه كثير من أهل الحديث من أن الاختلاف دليل على عدم ضبطه فى الجملة
فيضر ذلك لو كانت رواته ثقات، إلا أن يقوم دليل أنه عند الراوى المختلف عليه
عنهما جميعاً أو بالطريقين جميعاً - فهو رأى فيه ضعف لأنه كيفما دار عن ثقة،
وفى الصحيحين من ذلك جملة أحاديث، لكن لا بد فى الحكم بصحة ذلك من
سلامته من أن يكون غلطاً أو شاذاً
وأما إذا كان فى أحد الروايتين المختلف فيهما ضعيفاً لا يحتج به فههنا مجال
للنظر، وتكون تلك الطريق التى ستى الضعيف فيها وحصل الحديث عنه لا وقف
أو إرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى فكل ما ذكرنا هناك من الترجيحات
یجیء هنا.
ويمكن أن يقال فى مثل هذا: يحتمل أن يكون الراوى إذا كان مكتراً قد
سمعه منهما أيضا كما تقدم
فان قيل: إذا كان الحديث عنده عن الثقة فَامَ يرويه عن الضعيف ؟
فالجواب أنه يحتمل أنه لم يطلع على ضعف شيخه أو اطلع عليه لكن ذكره
اعتماداً على صحة الحديث عنده من الجهة الأخرى
:

- ٤٠ -
وأما النوع الخامس - وهو زيادة الرجل بين الرجلين فى السند ــ فسيأتى تفصيله
فى النوع السابع والثلاثين ، إن شاء الله تعالى
وأما النوع السادس - وهو الاختلاف فى اسم الراوى ونسبه - فهو على
أقسام أربعة :
الأول : أن يبهم من طريق ويسمى من أخرى ، فالظاهر أن هذا لا تعارض
فيه ، لأنه يكون المبهم فى إحدى الروايتين هو المعين فى الأخرى ، وعلى تقدير
أن يكون غيره فلا تضر روايةُ من سماه وعرفه إذا كان ثقة روايةً مَنْ أبهمه.
القسم الثانى: أن يكون الاختلاف فى العبارة فقط والمعنى بها فى الكل واحد
فان مثل هذه لا يعد اختلافاً أيضا ولا يضر إذا كان الراوى ثقة
القسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوى ونسبه، لكن مع الاختلاف فى
سیاقذلك، ثم ذ کر مثاله.
القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من
متفقين أحدهما ثقة والآخر ضعيف أو أحدهما يستلزم الاتصال والآخر الارسال
كما قدمنا ذلك ، ثم سرد المثال وأطال فيه المقال
ثم قال: فهذه الأنواع السنة التى يقع بها التعليل ، وقدبين كيفية التصرف فيها
وما عداها إن وجد لم يخف إلحاقه بها
وأما الاختلاف الذى يقع فى المتن فقد أعل به المحدثون والفقهاء كثيراً من
الأحاديث، وأمثلة ذلك كثيرة ، وللتحقيق فى ذلك مجال طويل يستدعى تقسيما
وبيان أمثلة لتصير ذلك قاعدة يرجع إليها، فنقول: إذا اختلفت مخارج الحديث
وتباعدت ألفاظه ، أو كان سياق الحديث فى واقعة يظهر تعددها، فالذى يتعين
القول به أن يجعلا حديثين مستقدن: مثال الأولى حديث أبى هريرة فى السهو
يوم ذى اليدين وأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ((قام وسلم من ركعتين،
ثم قام إلى خشبة فى المسجد فاتكأ عليها، فذكره ذو اليدين بسهوه صلى الله
١