Indexed OCR Text

Pages 321-340

٠- ٢٢,١ -
ابن معين : ليس بثقة ولا مأمون ، وقال البخارى: منكر الحديث ضعيف ، وقال
أبو زرعة : ليس بشىء ، قاله فى الميزان (و) روى الامامان أيضاً عن (أبى
هرون عمارة بن خوين ) بالخاء المعجمة آخره نون بزنة التصغير ( العبدى ) قال
فى الميزان: تابعى ليِّنٌ بمرة، كذبه حماد بن زيد، وقال شعبة: لأن أُقدَّم فتضرب
عنقى أحب إلى من أن أحدث عن أبى هرون ، وقال أحمد: ليس بشىء ، وقال
ابن معين : ضعيف لا يصدق فى حديثه ، وقال النسائى : متروك الحديث
( وقد تكلم عليهما ) على الحسين بن أبى ضميره وعلى أبى هرون ، كما عرفت
( والرواية عنهما فى الأحكام) للامام الهادى (وهى عن أبى ضميره) كثيرة
(بل لا يسندان) الفتح وحفيده الهادى ( عن غيره غالباً، وكذا روى الهادى
فى المنتخب عن كادح) بالمهملتين ( بن جعفر) فى الميزانرجلان كل واحد منهما
اسمه كادح بن جعفر: الأول يروى عن ابن لهيعة ، قال أبو حاتم : صدوق، وقال
الأزدى : ضعيف ، وقال أحمد بن حنبل: رجل صالح خير فاضل ، والآخر
كادح بن جعفر أبو أحمد عن سفيان الثورى ، قال الأزدى وغيره: كذاب،
انتهى ، ولا أدرى أيهما أراد المصنف ، ولعله الآخر (و) كذاروى الهادى أيضا
(عن حسين بن عبد الله بن عباس ) قال فى الميزان: إنه روى عن ربيعة بن
عباد وكريب وعكرمة ، وعنه ابن جريح وابن المبارك وسلمان بن بلال وجماعة،
قال ابن معين: ضعيف ، وقال أحمد: له أشياء منكرة ، وقال البخارى : قال
على : تركت حديثه، وقال أبو زرعة وغيره: ليس بقوى، وقال النسائى: متروك
وقال ابن معين مرة: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال الجوزجاني: لا يشتغل
به (و) روى الهادى أيضاً ( عن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ، وهو
شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، كان عمر و أحد علماء زمانه ،
أخذ عن أبيه وطاووس وسليمان بن يسار وآخرين ، وروى عنه أم ، ووثقه
ابن معين وصالح جزرة وابن راهويه وقال : عمروبن شعيب عن أبيه عن جده
م - ٢١ تنقيح

- ٣٢٢ -
کایوب عن نافع عن ابن عمر ، وقال أبو عبيد الآجری: قیل لآبی دواد :
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة ؟ قال: لا، ولا نصف حجة ، وقال
أحمد بن حنبل : له أشياء منا كير ، وإنما يكتب حديثه ليعتبر به ،
وأما أن يكون حجة فلا، وقال أبو زرعة : وإنما أنكروا عليه كثرة روايته
عن أبيه عن جده ، وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة ، وأخذ صحيفة
كانت عنده فرواها ، وقد أطال الذهبى فى الميزان فى شأنه ، وذكر كلام
الناس فيه ، ثم قال : إنه ثبت سماع عمر وبن شعیب من جده ، وهو الذی رباه
وروايته عن أبيه عن جده ليست مرسلة ولا منقطعة ، أما كونها وجادة أو بعضها
سماعاً وبعضها وجادة فهذا محل نظر ، ولسنا نقول : إن حديثه من أعلى أقسام
الصحیح، بل هو من قبيل الحسن ، انتهى كلامه، وعرفت معنى قوله ( وفی کل
منهم كلام) وسمعته (وروى السيد أبو طالب عن محمد بن الأشعث المتأخر) لم أجده
فى الميزان فينظر (و) روى أيضاً أبو طالب (عن داود بن سليمان الغازى)
فى الميزان : داود بن سليمان الجرجانى الغازى عن على بن موسى الرضى وغيره ،
كذبهیحی بنمعین ، ولم یعرفه أبو حاتم ، وبكل حال فهو شیخ كذاب (وروی
السيد المؤيد بالله عن نعيم ) هو ابن سالم بن قنبر، كذبوه ، ومن طريقه روى
المؤيد بالله صلاة الفرقان (ورويا) أبو طالب والمؤيد (وأحمد بن عيسى وغير
واحد من أئمتنا عن حسين بن علوان الكلبى) قال الذهبي : روى عن الأعمش
وهشام بن عروة ، وقال يحيى بن معين : كذاب ، وقال أبو حاتم والنسائى
والدارقطنى: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث على هشام وغيره
ولا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب ، وساق أحاديث عن مناكيره
(و) روى أئمتنا أيضاً (عن أبى خالد الواسطى) قال الذهبي: يقال: أسمه عمرو
حدث عن زيد بن على ، كذبه أبو حاتم ، وقال وكيع : كان فى جوارنا يضع
الحديث فلما فطن له تحول إلى واسط ، وروى عياش عن يحيى قال : كذاب ،

- ٣٢٣ -
ومثله عن أحمد بن حنبل، ومثلك عن الدارقطنى (وروى السيد أبو عبد الله) الحسنى
(عن) الشيخ (الأشبح بن أبى الدنيا) فى الميزان: أبو الدنيا الأشبح المعرى
كذاب طرفى كان بعد الثلاثمائة ادعى السماع من على بن أبى طالب اسمه عمران
ابن خطاب، انتهى ( وكل هؤلاء) الخمسة ( متكلم عليه) بما عرفناك (منسوب
إلى تعمد الكذب مجمع على ذلك فى أكثرهم بين أئمة الحديث) وقد سمعته
( من الشيعة والسنية) فلا يتوهم أن القدح فيهم خاص بالسنية ( بل لم تسلم رواة
البخارى ومسلم مع شدة العناية ) من الشيخين ( فى تنقيتهم) وقد عرفت ماقيل فى
رجال الشيخين مما قدمناه فى أوائل الشرح ، وإذا عرفت ما ساقه المصنف إلى
هنا علمت اختلال القول بأن رواية العدل تعديل ، وتبين لك أنها قاعدة غير
صحيحة ولا ينبغى الاعتماد عليها والتعويل، وإن قال ابن الحاجب فى مختصر
المنتهى : إن المختار إذا كان لايروى إلا عن عدل فان هذا الشرط لا يتم الوفاء
به لأحد من أئمة الحديث وغيرهم .
٢٩
مسألة
[ فى بيان المنقطع والمعضل]
( المنقطع والمعضل) جمعهما المصنف لتقاربها، وإلا فهما نوعان مستقلان
جعلهما ابن الصلاح كل نوع على حدة ، والمعضل بالضاد المعجمة مفتوحة اسم
مفعول مأخوذ من أعضاء بمعنى أعياه (اختلفوا فى صورتيهما) على أقوال فى
المنقطع : الأول: ( قال زين الدين وابن الصلاح ) أو قدمه لكان أولى

- ٣٢٤ -
(فالمشهور أن المنقطع ماسقط من رواته راوٍ واحد غير الصحابى ، انتهى)
إذ لو كان الساقط الصحابى لكان مرسلا ، واعلم أنهم يعلون الحديث بالانقطاع،
وتارة يضعفون به الاسناد ذكره زين الدين، ولم يذكره ابن الصلاح، نعم فى كلامه
ما يفيده فى الجملة، والثانى قوله ( وحكى الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه)
أى المنقطع ( ماسقط منه قبل الوصول إلى التابعى شخص واحد ، وإن كان)
الساقط (أكثر من واحد) اثنان فصاعداً وهى عبارة الزين ( فى موضع واحد
سمى معضلا، وإن لا يكن) أكثر من واحد ( فنقطع فى موضعين) هذا ظاهر
العبارة ، وليس هذا المفاد هو المراد، بل المراد و إلا يكن الساقط هو المنصف
بأنه أكثر من واحد فى موضع واحد ، بل كان فى موضعين مختلفين مفترقين
فهو منقطع فى موضعين ، كما تدل له عبارة الزين ، فأنه قال : أما إذا سقط
واحد من بين رجلين ثم سقط من موضع آخر من الاسناد واحد آخر فهو
منقطع فى موضعين ، ثم قال: ولم أجد فى كلامهم إطلاق المعضل عليه ، وإذا
كان الانقطاع بأكثر من اثنين قيل منقطع [بثلاثة أو أربعة أو نحوهما (ويسمى
المعضل أيضاً منقطعاً ، فكل معضل منقطع ، وليس كل منقطع معضلا) إذ قد
شرط فيه سقوط راوٍ غير صحابى، والمعضل شرط فيه سقوط أكثر من واحد
فى موضع واحد ، فقد صدق على ما سقط فيه أكثر من واحد أنه سقط فيه
الواحد ، فكلما سقط أكثر من واحد فهو منقطع ومعضل ، وأما مالم يسقط
فيه غير واحد فهو منقطع لا غير ، فعلى هذا كان ينبغى أن يرسم المنقطع
بأنه ماسقط من رواته راوٍ أو أكثر، سواء كان على جهة التوالى أولا (قال الزين)
بعد كلام الحاكم ( فقول الحاكم قبل الوصول إلى التابعى ليس بجيد، فانه لو سقط
التابعى لكان منقطعاً) اعلم أن الحاكم ذكر فى النوع التاسع من أنواع علوم
الحديث أن المنقطع ثلاثة أنواع، ثم قال: مثال نوع منها، ثم ساق حديثاً فيه ((عن
أبى العلاء وهو ابن الشِّخيِّر عن رجلين من بنى حنظلة عن شداد بن أوس قال :

- ٣٢٥ -
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١) الحديث)) ثم قال: هذا الاسناد
مثل نوع من المنقطع (٢) للجهالة بالرجلين بين أبى العلاء بن الشخير وشداد بن أوس
ثم قال : وشواهده فى الحديث كثيرة ، ثم قال : وقد یروی الحديث وفى إسناده
رجل غير مسمى وليس بمنقطع ، ثم ساق حديثاً فيه « حدثناشيخ عن أبى هريرة»
وذكر حديث «يأتى على الناس زمان بخير الرجل (٣) الحديث)) قد قدمناه، ثم
قال : وقد يسمى(٤) ذلك الرجل فى رواية فاذا هو أبو عمرو الجدلى ، قال : فهذا
النوع من المنقطع الذى لا يقف عليه إلا الحافظ المتبحر الفهم ، والنوع الثالث من
المستفيض المنقطع الذى يكون فى الاسناد رواية راوٍ لم يسمع من الذى يروى عنه
الحديث قبل الوصول إلى التابعى ، ثم ذكر مثاله، فهذا كلام الحاكم فى جعل
الأنواع الثلاثة من المنقطع، وابن الصلاح نقل كلام الحاكم ، وجعل نوعين من
المنقطع، وهما : ماسقط منه راو، وهو ثالث أنواع الحاكم ، والثانى الاسناد الذى
يذكر بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ أو نحوهما، وذكر مثاله، وأدرج
الأول فى الثانى .
(١) تتمة هذا الحديث على ما فى معرفة علوم الحديث للحاكم أبى عبد الله
(ص٢٧) «کانرسولاللهصلى اللهعليه وسلم يعلم أحدنا أنيقول فىصلاته اللهم
إنى أسألك التثبيت فى الأمور ، وعزيمة الرشد، وأسألك قلباً سليما، ولساناً
صادقا، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأستغفرك لما تعلم ، وأعوذ
بك من شر ماتعلم ، وأسألك من خير ما تعلم ؟
(٢) فى عبارة الحاكم («هذا الاسناد مثل لنوع من المنقطع لجهالة الرجلين))
(٣) تتمة هذا الحديث (( يأتى على الناس زمان بخير الرجل بين العجز
والفجور ، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور ».
(٤) عبارة الحاكم (( وهكذا رواه عناب بن بشير والهياج بن بسطام
عن داود بن أبى هند، وإذا الرجل الذى لم يقفوا على اسمه أبو عمروالجدلى»
:

١
- ٣٢٦ -
إذا عرفت هذا فالمصنف لم يذكر إلا نوعا واحداً مما ذكره الحاكم، وابن
الصلاح ذكر نوعين وأدخل الأول فى التانى ، وقد تقدم للمصنف أن الاسناد
الذى فيه عن رجل أو شيخ من المنقطع عند الحاكم ، ومن المتصل الذى فى
إسناده مجهول عند غيره ، واختاره ، فلهذا حذفه هنا ، وبنى على دخول الأول
فى الثانى فأسقطهما، وإنما ذكرت هذا لئلا يَهم الناظر أن المصنف فاته ماذكره
ابن الصلاح ، وأن ابن الصلاح فاته ماذ کره الحا کم وقد نقلا عنه بعض كلامه
الثالث من صور المنقطع ما أفاده قوله ( وقال ابن عبد البر: المنقطع مالم
يتصل إسناده والمرسل مخصوص بالتابعى) أى أنه ماقال التابعیفیه « قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم)) كما ساف ( فالمنقطع أعم) لأنه يصدق على المرسل
أنه لم يتصل إسناده ( والمرسل بعض صور المنقطع) لما عرفت .
الرابع قوله ( قال ابن الصلاح : عن بعضهم إن المنقطع مثل المرسل ،
وكلاهما شاملان) هذا لفظ ابن الصلاح، وتثنية خبر («كلاهما)) جائز، والأولى
إفراده كما فى قوله تعالى ((كلتا الجنتين آتت أكلها)» وقول الشاعر:
كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
( لكل مالم يتصل إسناده، قال : وهذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف من
الفقهاء، وهو الذى حكاه الخطيب فى كفايته) فهذه أربعة رسوم للمنقطع ، قال
الحافظ ابن حجر : وفات المصنف - يعنى ابن الصلاح - من حكاية الخلاف
فى المنقطع ماقاله الإمام أبو الحسن الكيا الهراسى فى تعليقه ، فانه ذكر فيه أن
اصطلاح المحدثين أن المنقطع ما يقول فيه الشخص « قال رسول الله صلى الله
عليه وآ له وسلم )) من غیر ذ کر إسناد أصلا، والمرسل مايقول فيه « حدثنى فلان
عن رجل)) قال ابن الصلاح : هذا لا يعرف عن أحد من المحدثين ولا عنى
غيره ، وإنما هو من كيسه ، انتهى ، قلت : وَكأنه لما كان من كيسه
ترك ذكره هنا .
هـ
1

- ٣٢٧ -
( قال ابن الصلاح: ومن المعضل قسم ثان، وهو أن يروى تابع التابع)
عن التابعى حديثا موقوفا على التابعى، وهو معروف عن النبى صلى الله عليه وآله
وسلم بسند متصل) اعلم أن هذا ليس لفظ ابن الصلاح، وإنما هولفظ زين الدين،
فانه قال فى ألفيته :
والمعضل الساقط منه اثنان فصاعدا، ومنه قسم ثانى
ثم قال فى شرحه : ومن المعضل قسم ثان إلى آخره، وأما ابن الصلاح فانه
نقله عن الحاكم ، ولفظه : وإذا روی تابع التابعى عن التابعى حديثا موقوفاعلیه،
وهو حديث مسند متصل إلى رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، فقد جعله الحاكم أبو
عبد الله نوعامن المعضل، ثم ذکر مثاله، ثم قال: قلت : هذا جید حسن، انتهى
فكان يحسن من المصنف أن يقول : قال زين الدين ومن المعضل قسم ثان لأنه
عبارته ، ثم يحسن تطبيق قوله قال ابن الصلاح هذا جيد حسن عليه تطبيقاً
حسنا، وأما تطبيقه على قوله قال ابن الصلاح ومن المعضل ، ثم يقول (قال ابن
الصلاح : وهذا جيد حسن) فان تطبيقه عليه غير جيد، وما كان يحسن من
الزين والمصنف عدم التنبيه بأن ذلك من كلام الحاكم، وإنما استحسنه ابن
الصلاح واستجاده ( لأن هذا الانقطاع بواحد) هو الذى بين تابع التابعى والتابعى
(مضموما إلى الوقف على التابعى يشتمل على) تفسير (الانقطاع باثنين ) هما
( الصحابى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك باستحقاق اسم الاعضال
أولى) لأنه قد سقط فيه اثنان على الولاء، ثم ورد مسنداً متصلا، ولا أدرى ماوجه
الأولوية ، فان هذا قد ذهب إعضاله باتيانه من طريق مسنداً متصلا، والقسم
الأول لم يأت إلا معضلا، فهو أولى بالإعضال من هذا الذى زال إعضاله فى رواته
(قال) ابن الصلاح (والمحدثون يقولون معضل بفتح الضاد، وهو من حيث
الاشتقاق مشكل، وقد بحثت عنه فوجدت له قولهم (أمر عضيل)) أى مستغلق
شديد) قلت : تعقبه السخاوى بأن أعضل بمعنى مستغلق لازم، وإنما المتعدى

١
٠
- ٣٢٨ -
أعضل بمعنى أعيا فاشكال المأخذ باق غير مندفع، قال: فالأولى أنه من أعضاء
بمعنى أعياه، ففى القاموس: عضل عليه ضيق، وبه الأمر اشتد كأعضل، وأعضله،
وتعضل الداء الأطباء وأعضلهم، فكأن المحدث أعضاء وأعياه فلم ينتفع به من
يرويه عنه (ولا التفات فى ذلك إلى معضل بكسر الضاد وإن كان مثل عضيل فى المعنى)
كأنه يريد أنه لم يأت إلا بفتح الضاد، فلا التفات إلى غيره، قال الشيخ
زكرياء: واعلم أن معضل يقال للمشكل أيضاً، وهو بكسر الضاد أو بفتحها على أنه
مشترك، انتهى، وقال الحافظ ابن حجر : إنه اعترض على ابن الصلاح مغلطاى
بناء على ما فهمه من كلامه أن مراده نفى جواز استعمال معضل بكسر الضاد فقال:
كأنه يريد أن كسر الضاد من معضل ليس عربياً، وليس كذلك، لأن صاحب
المغرب حكاه فى الأفعال : عضل الشىء عضلا اعوج يعنى فهو معضل .
قلت : لم يرد ابن الصلاح نفى ذلك مطلقاً، وإنما أراد أنه لم يوجد منه معضال
يفتح الضاد، لأن معضل بكسر الضاد من رباعى قاصر، والكلام إنما هو فى
رباعى متعد، وعضل يدل عليه ، لأن فعيلا بمعنى مفعل إنما يستعمل فى المتعدى
وقد فسر أعضل بمستغلق بفتح اللام ، فتبين أنه رباعى متعد ، وذلك يقتفى
صحة قولنا معضل بفتح الضاد ، وهو المقصود ، هكذا قرره شيخنا شيخ الاسلام
انہی .
فائدة - قال الحافظ ابن حجر: قد وجدت التعبير بالمعضل فى كلام جماعة
من الأئمة فيما لم يسقط منه شىء البتة، فمن ذلك ما قاله محمد بن يحيى الذهلى فى
الزهريات (( حدثنا أبو صالح الهرابى، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى
حبيب، عن ابن شهاب، عن عروة ، عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف فيمر بالمريض فى البيت فيسهم عليه ولا يقف
قال الذهلى: هذا حديث معضل لا وجه له، إنما هو فعل عائشة رضى الله عنها
ليس للنبي صلى الله عليه وسلمفيه ذكر، والوهم فيما ترى من ابن لهيعة)» ثم ساق أمثلة

- ٣٢٩ -
من كلام الأئمة فى ذلك، ثم قال: فاذا تقرر هذا فاما أن يكونوا يطلقون(١) العضل
المعنيين أو يكون المعضل الذى عرف به المصنف - يريد ابن الصلاح - وهو
المتعلق بالاسناد بفتح الضاد ، وهذا الذى نقلناه من كلام هؤلاء الأمة بكسر
الضاد يعنون به المستغلق الشديد، وبالجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا .
واعلم أنه نقل الحافظ ابن حجر أن ابن الصلاح لم يذكر حكم المنقطع كما ذكر حكم
المرسل قلت: وكذلك المصنف، قال: وقد قال ابن السمعانى: من منع من قبول المراسيل
فهو أشد منعا لقبول المنقطعات، ومن قبل المراسيل اختلفوا ، قلت : وعلى هذا
مذهب من يفرق بين المرسل والمنقطع، أما يسمى الجميع مرسلا على ما سبق
تحريره فلأنه نقل عن الجوز جانى أنه قال فى مقدمة كتابه فى الموضوعات: المعضل
أسوأ حالا من المنقطع ، والمنقطع أسوأ حالا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة
قلت: إنما يكون المعضل أسوأ حالا من المنقطع إذا كان الانقطاع فى موضع واحد
من الإسناد ، فأما إذا كان فى موضعين أو أكثر فانه يساوى المعضل فى سوء
الحالُ، انتهى.
م
(١) فى الأصلين ((فأما أن يكونوا يطلقوا)) بحذف نون الرفع لغير
ناصب ولا جازم .

- ٣٣٠ -
٣٠
مسألة
[فى بيان العضعنة، وحكمها.
(العنعنة هى مصدر عنعن الحديث) أى مصدر جعلى ، مأخوذ من لفظ « عن
فلان)) كأخذهم حرلق وحوقل من قال (( لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم))
وسبحل من قول «سبحان الله)) (إذا رواه بلفظة عن من غير بيان) من الراوى
(للتحديث والسماع) إذ لو صرح بما كان العمدة ما صرح به .
(واختلفوا فى حكمها) أى العنعنة على قولين : الأول: الاتصال كما قال
(فالذى عليه العمل - وهو الصحيح الذى ذهب إليه الجماهير من أئمة العلم - أنه)
أى الحديث المروى بعن (من قبيل الإِسناد المتصل بشرط سلامة الراوى من
التدليس وشرط ثبوت ملاقاة الراوى لمن روى عنه بالعنعنة ) زاد ابن عبد البر
شرطا ثالثا لقبوله كما يأتى (قال ابن الصلاح: وكاد ابن عبد البر يدعى إجماع
أئمة الحديث على ذلك ، قال الزين ) فى شرح ألفيته ( لا حاجة إلى قوله كاد فقد
ادعاه) قلت : لفظه أى ابن عبد البر فى مقدمة التمهيد : اعلم وفقك الله تعالى أنى
تأملت أقاويل أئمة الحديث، ونظرت فى كتب من اشترط الصحيح فى النقل
ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الاسناد المعنمن ، لاخلاف بينهم فى
ذلك ، إذا جمع شروطاً ثلاثة ، وهى : عدالة المخبرين ، ولقاء بعضهم بعضاً
مجالسة ومشاهدة ، وأن يكونوا برآء من التدليس ، ثم قال: وهو قول مالك وعامة
أهل العلم، انتهى، ذكره البرماوى فى شرح ألفيته فى الأصول ، فعرفت منه أنه
إنما ذكر الإجماع على قبوله، قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم منه إجماعهم على
1

٢٣١-
الدارمى: هو الامام الحافظ شمس الاسلام بسمرقند، أبو عبد الله بن عبدالرحمن ،
صاحب المسند العالى، ثم قال: وله المسند، والتفسير، وكتاب الجامع، وأثنى
عليه، وسمى كتابه مسنداً كما سماه ابن الصلاح، وكأنه سماه مؤلفه بالمسند وإن
لم يكن على ترتيب المسانيد، قال الحافظ ابن حجر : اشتهر تسميته بالمسند كما
سمى البخارى كتابه بالمسند الصحيح، و إن كان مرتباً على الأبواب، لكون
أحاديثه مسندة، إلا أن مسند الدارمى كثير الأحاديث المرسلة والمعظّلة والمنقطعة
والمقطوعة، قال: وهو ليس دون السنن فى المرتبة، بل لوضم إلى الخمسة لكان
أولى من ابن ماجة فانه أمثل منه بكثير، انتهى.
١٨
مسألة
[في الكلام على الأطراف]
( قد مر الكلام فى ذكر الأطراف، وهى من جملة ما اصطلح على تسميته
أهل الحديث) وجعله نوعا من التأليف له صفة يمتازبها عن غيره ( فيحسن
ذكرها) إذ قد صارت من جملة علوم الحديث (وإن لم يتعرض لها ابن الصلاح
وزين الدين) فى كتابيهما .
(وشرط أهل كتب الأطراف أن يذكروا حديث الصحابى مفرداً كأهل.
المسانيد، إلا أنهم لا يذكرون من الحديث إلا طرفا) لا كأهل المسانيد
يذكرون الحديث كله ( يعرف به ، ثم يذكرون جميع طرق الشيخين وأهل
السنن الأربع ، وما اشتركوا فيه من الطرق ، وما اختص به كل واحد منهم)
أى ما اختص به أحد مؤلفى الكتب الستة من طرق ذلك الحديث (وإذا

- ٢٣٢ -
اشترك أهل الكتب الستة فى رواية حديث أو بعضهم أو انفرد به بعضهم.
ذكروا) أى أهل الأطراف ( أين ذكر كل واحد منهم ذلك الحديث فى
كتابه) فيعرف موضعه ليقرب البحث عنه ( وإن ذكره) أى الواحد من أهل
الكتب السنة ( مُغْرَّنا فى موضعين أو أكثر ذكروا ) أى أهل الأطراف
(كل واحد من الموضعين ، فيسهل بذلك معرفة طرق الحديث والبحث عن
أسانيده) وهذه أعظم فوائد تأليف الأطراف فانه ( يكتفى الباحث بمطالعة
كتاب منها) أى من الأطراف (عن مطالعة جميع هذه الكتب الستة) إذا
كان مقصوده معرفة طرق الحديث لأنها قد جمعت فى الأطراف ، لا إذا كان
مقصوده معرفة ألفاظ المتون فنها لا تكفى فيها لعدم اشتمالها على جميع ألفاظها
(ويتمكن بالنظر فيها من معرفة موضع الحديث منها) بنص صاحب الأطراف
على محلها .
(وقد صنف فيها غير واحد من الحفاظ ، وأجلُّ ماصنف فيه ) أى فى هذا
الفن ( كتاب الحافظ أبى الحجاج المزى ) تقدم ضبطه، وهو إمام كبير، ختم
الحافظ الذهبى تذكرة الحفاظ بترجمته ، فقال: شيخنا العالم الخبر الحافظ
الأوحد ، محدث الشام، ثم ذكر قراءته ورحلته إلى أن قال: وكان ثقة، حجة،
كثير العلم ، حسن الأخلاق ، كثير السكوت ، قليل الكلام جداً ، صادق
اللهجة، لم تعرف له صبوة، كان متواضعاً، حلما، صبوراً، مقتصداً فى ملبسه
ومأكله كثير المشى فى مصالحه، ترافق هو وابن تيمية كثيراً فى سماع الحديث
وفى النظر، وكان ذا سماحة ومروءة باذلا لكتبه وفوائده ونفسه، كثير المحاسن،
توفى فى صفر سنة اثنين وأربعين وسبعمائة ( قال الشيخ مجد الدين الشيرازى)
هو مؤلف القاموس أبو الطاهر الغيروز باذى ، كان يدعى أنه من ولد الشيخ
أبى إسحق صاحب المهذب ، ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائه، وأقبل على الطلب
فى فنون العلم ، وأقبل على اللغة ، وعظم شأنه ، وألف كتباً نفيسة منها القاموس،

٢٣٣-
وشرح البخارى ولم يتم ، خرج فى آخر أمره إلى اليمن وتزوج الملك الأشرف
ببنته، وولاه قضاء الیمن، وتوفى بها فى مدينة ز بيد ، وقبره معروف، وولائه فى
. شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة (وأما تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف المحافظ
الكبير الشيخ جمال الدين المزى فانه كتاب معدوم النظير ، منعم الغدير )
بضم الميم فعين مهملة بزنه مكرم : أى مملوء، من أفعم الأناء، إذا ملأه
( يشهد لمؤلفه على إطلاع كثير، وحفظ بتير) بموحدة فمتناة فوقية فمثناة محتية
فراء ، فى القاموس : البتير القليل والكثير (والعلماء يقولون محدث ماله أطراف
كانسان ماله أطراف ، وقد قصد ) أى أبو الحجاج المزي (بوضعه ) أى وضع
كتاب الأطراف ( تحصيل الكتب المعتبرة ، التى هى دواوين الاسلام
المشتهرة) وهى الأمهات الست ( بأسانيدها فى مختصر، وليس قصده ذكر تمام
منون الأحاديث وسردها، وإنما يذكر الراوى أولا وطرفا من الحديث إلى أن
يتميز عن غيره من الأحاديث، ثم يقول : رواه فلان بسند كذا ، وفلان بسند
كذا، إلى أن يفرغ من ذكر من رواه من أهل الكتب، فاذا نظره الحدث
عرف من أول نظرة بدا بدا) كذا فى النسخ ، ولعله تصحيف (( بادىء بدء))
أو بادى بدا، ومعناه أول شىء، كما فى القاموس، وفيه لغات أخر (علوه) مفعول
عرف والمراد علو سنده ( ونزوله بالنسبة إلى كل مصنف) من الأئمة الستة (وقد
سبقه إلى ذلك الحافظ أبو مسعود الدمشقى ، وأطرافه أيضاً كتاب نفيس مفيد،
- وله فضل التقدم ، وكتاب الشيخ جمال الدين المزى أجمع وأنفع وأجل قدراً
وأرفع، وسئلت عنهما) أى عن أطراف أبى مسعود وأطراف المزى (فى وقت
فقلت: بينهما بَيْن) بفتح الموحدة وتضم ـ مسافة ما بين الشيئين ( كثير بلا
مراء ) بلا مماراة ولا جدال ( وأشبه شرج) بالشين المعجمة مفتوحة فراء ساكنة
فيم (شرجالو أن أسيمرا) بالسين المهملة ، قال الزمخشرى فى مستقصى الأمثال:
شرج اسم موضع ، والأسيمر تصغير الأسمر جمع سمرة ، قاله لقيم بن لقمان العادى

حين أو قدله أبوه هذا الشجر فى أخدود حفره على طريقه إرادة سقوطه فيه وهلاكه
حسناًله، فقطن له لما لم ير السمر فى مكانه ، يضرب فى تشابه الشيئين وبينها
أدنى تخالف (وتكافأت) المكافأة: المساواة (الغوانى) بالغين المعجمة - جمع غانية،
فى القاموس : الغانية المرأة التى تطلب ولا تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة،
أو التى غنيت ببيت أبويهاولم يقع عليها سباء، أو الشابة العفيفة ذات زوج أولا
(لو أصبى) وفيه : أصبته وتصبته شاقته إلى الصبافن إليها (غيه عزة) بفتح
المهماة وتشديد الزاى؛ وهى لغةً بنت الظبية، والمراد : ما هنا المرأة التى أصبت
(كثيراً) وشعب هافى أشعاره؛ وقصته معروفة، وهو بصيغة تصغير كثير.
١٩
مسألة
[فى بيان المراد بصحة الاسناد وحسنه
(المراد بصحة الاسناد وحسنه) وضعفه، اعمال أن ( من أساليب أهل الحديث أن
يحكموا بالصحة والحسن والضعف على الاسناد دون متن الحديث فيقولون: إسناد صحيح،
دون حديث صحيح، ونحو ذلك) أى حسن أو ضعيف ( لأنه قد يصح الاسناد
الثقة رجاله، ولا يصح الحديث الشذوذ أو علة كما سيأتى فى الشاذ والمعلل ، وهذا
كثير ما يقع فى كلام الدار قطنى والمام) والحاصل أنه لا تلازم بين الاسناد
والمتن، إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما، ولا يصح المتن الشذوذ
أو علة، وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق أخرى
( قال ابن الصلاح: غير أن المصنف المعتمد) أى الذى هو عمدة وقدوة (منهم)
أى من أهل الحديث ( إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة
ولم يقدح فيه،(الظاهر منه الحكم له بأنه) أى متن الحديث (صحيح فى نفسه، لأن
عدم الملة هو الأصل والظاهر) قال عليه الحافظ ابن حجر: قلت: لا نسلم أن عدم

- -٣٣٥ -
فكل ذلك محمول على السماع منه، انتزبى .
قلت : ولا يخفى أنا قد قدمنا عنه خلاف هذا فى حديث المعازف فتذكره .
الثانى من الأقوال فى العنعنة: ما أفاده قوله ( قال الزين: وذهب بعضهم
إلى أن الاسناد المعنعن من قبيل المرسل والمنقطع) أى فلا يحتج به، ونقل عن
النووى أنه قال : هذا المذهب مردود باجماع السلف (قلت : وهذا هو اختيار
أبى طالب فى عنعنة الصحابى ، وكذلك قال الشيخ الحسن ) الرصاص
( قال المنصور بالله : هو يحتمل الاتصال والإرسال ، وكلامهم) أى الثلاثة
( كله إنما رسموه فى حق الصحابى، فان قلت : وما الفرق بين الصحابى وغيره ؟
قلت : الفرق أنه لم يثبت عن الصحابى أن ذلك يفيد السماع) قلت : لا يخفى
رکتهذا الجواب ، فانالصحابی لیس له عرففى روايته ، بل تارة يقول«سمعت»
وتارة («عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وتارة ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)»
وقال البقاعى: الفرق احتمال كون غير الصحابى ليس بثقة، بخلاف الصحابة فكلهم
عدول، فهو مقبول بأى عبارة أتى لأنه دائر بين كونه سمعه من النبى صلى الله عليه
وسلم أو من صحابى ، وكونه سمعه من بعض التابعين بعيد جداً، فلا يؤثر فيه هذا
الاحتمال، بخلاف غير الصحابى كالتابعى فانه يحتمل احتمالا قريبا قويا أن يكون
سمع معنعنه أو منونه من غير صحابى وأن يكون من سمعه منه غير ثقة ، انتهى
بمعناه، فهذا هو الفرق ، وقد عبر البقاعى بالقبول بناء على أنه لازم للاتصال.
قلت: والأحسن التفصيل: فمن على ملازمته لهصلى الله عليه وآله وسلم فروايته
محمولة على السماع بأى عبارة أديت، وإن كان من غير الملازمين فيحتمل الأمرين،
فقد كان عمر - وهو من خواص الصحابة -- يتناوب النزول إلى مقامه صلىالله
عليه وآله وسلم هو وجار له ، فينزل عمر يوما ويأتى جاره بما استفاده ذلك اليوم،
وينزل جاره يوما فيأتى عمر بما استفاده ذلك اليوم، كما هو مصرح به فى صحيح
البخارى وغيره فى قصة اعتزاله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه، وقد قال أبوهريرة:
۔

- ٢٦م - .
إنه كان يشغل أصحابه الصَّفْقُ فى الأسواق والأعمال فى مزارعهم ، أى يشغلهم
عن ملازمته صلى الله عليه وآلهوسلم ، وكان أبو هريرة لا يشغله شىء عن ذلك،
فالاحتمال الذى قاله المنصور بالله بالنظر إلى الطرف الأخير مما ذكرناه أقرب،
وقال البرماوى: إنه جرى البيضاوى والهندى على تصحيح الاتصال فيما إذا
كانت العنعنة بين الصحابى والنبى صلى الله عليه وآله وسلم.
(وأمامن ثبت عنه أنه) أى المعنمن ( يفيد السماع) كلمة من بيانية لضمير عنه
(من جماهير المحدثين فانه يكون مفيدا لذلك فى حقه مثلما أن المتأخرين لما استعملوا
العنعنة فى الأجازة وصار ذلك عرفا لهم لم تحكم فيها بالسماع فى حقهم ) إذا عرفت
أنه قد صار عرفالهم ( فالحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية ) كما برهن على هذا فى
الأصول الفقهية ( ولا ينبغى أن يكون فى هذا اختلاف) بعد ثبوت العرف فيه
( وإنما الخلاف فى حق من لم يثبت عنه نقل) أى عرف (فى ذلك من الصحابة
والتابعين والفقهاء والأصوليين والقليل من المحدثين) قال الحافظ ابن حجر على
كلام ابن الصلاح، ما لفظه: حاصل كلام المصنف أن اللفظ (عن)» ثلاثة أحوال:
أحدها: أنها بمنزلة حدثنا وأخبرنا بالشرط السابق، الثانى: أنها ليست بتلك المنزلة
إذا صدرت من مدلس ، وهاتان الحالتان مختصة بالمتقدمين ، وأما المتأخرون -
وهم من بعد الخمسمائة وهلم جرا - فاصطلحوا عليها للاجازة فهى بمنزلة أخبرنا لكنه
إخبار جملى كما سيأتى تقريره فى الكلام على الأجازة ، وهذههى الحالة الثالثة، إلا
أن الفرق بينها وبين الحالة الأولى مبنى على الفرق فيما بين السماع والأجازة
لكون السماع أرجح ، وبقى حالة أخرى لهذه اللفظة ، وهى خفية جداً لم ينبه أحد
عليها فى علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها، وهى أنها ترد ولا يتعلق بها حكم
باتصال ولا انقطاع، بل يكون المراد بها سياق قصة، سواء أدركها الناقل أو لم
يدركها، ويكون هناك شىء محذوف ، فيقدر، مثال ذلك ما أخرجه ابن أبى
خيثمة فى تاريخه عن أبيه قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا أبو إسحاق ، عن
١

- ٣٣٧ --
أبيه، عن أبى الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، لم يرد أبو إسحاق بقوله
((عن أبى الأحوص)» أنه أخبره به، وإنما فيهشىء محذوف، تقديره: عن قصة
أبى الأحوض ، أو عن شأن أبى الأحوص ، وما أشبه ذلك، لأنه لا يكون أبو ..
الأحوص حدثه بعد قتله، ثم ذكر أمثلة لذلك ، ثم قال: وأمثلة هذا كثيرة،
ومن تتبعها وجد سبيلا إلى التعقب على أصحاب المسانيد ومصنفى الأطراف فى
عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفنا من المراد بهذه العنعنة، انتهى .
٣١
مسألة
مستا
[فى بيان اختلاف العلماء فى قول الراوى ((أن فلانا))]
( ومما اختلف فيه إذا قال الراوى ((أن فلاناقال)) فقيل: هو كالعنعنة) يأتى فيه
ما أتى فيها (وهو قول مالك) فانه سئل عن قول الراوى ((عن فلان أنه قال كذا، أو أن
فلانا قال كذا)» فقال: هما سواء، قال البرماوى: إن كون محل النزاع مثل ماذكره
من التصريح بعد (( أن)) بلفظ ( قال)) فيه نظر ، فان ذلك لا ينحط عن درجة
((قال)) المجردة عن (( أن)) إذ لم يرد فيه إلا ما يدل على التأكيد، قال: والذى
يظهر أن محل النزاع أن يقول مثلا فلان أن فلانا فعل كذا وأن لفلان كذا أو نحوه
من غير أن يذكر لفظاً يدل على أنه حدثه بذلك أو سمعه منه ، انتهى (وحكى
ابن عبد البر فى التمهيد عن الجمهور أنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ ، وإنما هو
باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة) هذا القيد فى غير الأعمى ( قال الزين : يعنى
مع السلامة من التدليس) وحكى أيضاً أنّ أن وعن سواء، حكاه عن جمهور
(٢٢ - تنقيح ١)

- ٢٣٨ -
أهل العلم (وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أن حرف أن محمول على الانقطاع حتى
يتبين السماع من جهة أخرى) وهذا البعض هو أبو بكر البردنجى ، قال ابن
عبد البر بعد نقله عنه: وعندى لامعنى لهذا ، وهو الذى أشار إليه المصنف بقوله
( وضعفه ابن عبد البر محتجاً) على ضعفه ( بالاجماع على أن مثل ذلك يفيد
الاتصال فى حق الصحابة) قلت: لفظ ابن عبد البر «لاجماعهم على أن الاسناد
المتصل بالصحابى، سواء قال فيه «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)
أو( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أو (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم))
أو (( سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ( قلت: الاجماع غير مسلم فى
حق الصحابة خاصة ، وقال أحمد بن حنبل : ليس أن وعن سواء) وذلك أنه
قيل له: إن رجلا قال: عروة عن عائشة، وعن عروة أن عائشة، هل هما سواء؟
فقال: كيف يكونان سواء ? ليسا بسواء (قال الزين ) معللا لكلام أحمد
ابن حنبل (لأن قول التابعى عن عائشة يفيد الاسناد إليها ، وقوله أن عائشة
قالت لا يفيد ذلك ، فلمله) أى التابعى (استفاد من غيرها) أى غير عائشة
(أنها قالت ذلك أو فعلت ) إلا أنه اعتبر الزين إدراك الراوى القصة حيث قال:
قلت الصواب أن من أدرك ما رواه بالشرط الذى تقدما
تحكم له بالوصل كيفما روى بقال أو عن أو بأن فسوى
وأطال فى شرحه بذكر الأمثلة، والمصنف اختصر المقال ( قال ابن الصلاح
والزين: أما فى الأعصار الأخيرة) قد عرفت حدها مما قدمناه عن الحافظ ابن
حجر ( فقد صارت العنعنة مستعملة فى الأجازة دون السماء فظفهم ذلك ، ولكنه
لا يخرج الحديث عن الاتصال بنوع من الوصل لأن حكم الأجارة الوصل لا القطع)
قال ابن الصلاح: كثر فى عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال
((عن)) فى الأجازة، فاذا قال أحدهم ((قرأت على فلان عن فلان)) أو نحو
ذلك فظن أنه رواه بالأجازة ، قال : ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على
مالا يخفى، انتهى، قلت : ويأتى تحقيقه فى بحث الأجازة .
١

:
- ٣٣٩ -
٣٢
مسألة
[فى حكم تعارض الوصل والارسال]
(تعارض الوصل والارسال) لعارض ( والرفع والوقف ) وهما مسألتان فى
الحقيقة : الأولى تعارض الوصل والارسال، إذا كان ذلك فى رواية راويين ،
(اختلف أهل العلم إذا وصل الحديث بعض الرواة وأرسله آخر) احترازعما
إذا كان المرسل والواصل واحداً فانه يأتى حكمه (هل الحكم لمن وصل أو لمن
أرسل أو للأ كثر أو للأحفظ ? على أربعة أقوال) أما إذا كان الذى أرسل
وأسند واحداً مرة كذا ومرة كذا فقال البرماوى : الظاهر القبول ، وبه
جزم الامام وأتباعه ، ويأتى فى كلام المصنف ، وقد استدل للمانع فى هذه
الصورة بأن المتحقق الارسال، والوصل زيادة ، وحذفها قد شكك فى ثبوتها،
وإن لم يشكك فى العدالة لجواز الغلط والنسيان والغفلة ونحو ذلك مما ليس يريبة
فی الراوى، وهوموجب للريبة فى المروی ، فذلك على كالاضطراب فىالاسناد ،
بل هذا أشر لأنه ناقض نفسه فيه، انتهى ( الأول) من الأربعة ( أن الحكم
لمن وصل) معناه أنا نحكم لتلك الطريق المرسلة أنها موصولة نظراً إلى مابان بتلك
الطريق الأخرى (هذا هو المذهب المشهور فى كتب الزيدية لا يكاد يعرف
غيره عن أحد من أئمتهم، وهو قول أكثر علماء الأصول) وذلك لأن الوصل زيادة
عدل، وهى مقبولة، فكما قبلنا إرساله لعدالته فلنقبل وصله له ( قال زين الدين :
وهو الصحيح، كما صححه الخطيب ، قال ابن الصلاح : وهو الصحيح فى الفقه
وأصوله) هكذا قاله ابن الصلاح ، قال البقاعى : إن ابن الصلاح خلط هنا
- طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين ، فان للحذاق من المحدثين فى هذه المسألة

٠
-٣٤٠-
نظراً لم يحكه، وهو الذى لا ينبغى أن يعدل عنه ، وذلك أنهم لا يحكمون فيها
بحكم مطرد، وإنما يديرون ذلك على القرائن ، انتهى، ويأتى ما يفيد هذا فى
كلام الحافظ ابن حجر، وعنه أخذه البقاعى، فانه شيخه، إلا أن عبارته دلت
أن هذا لبعض حذاق المحدثين ، لا لكلهم ، كما أفاده أول كلامه ، قال الحافظ :
الذى صححه الخطيب شرطه أن يكون الراوى عدلا ضابطاً ، وأما الفقهاء
والأصوليون فيقبلون ذلك مطلقاً ، وبين الأمرين فرق كثير ، قال : وههنا
شىء يتعين التنبيه عليه ، وهو أنهم شرطوا فى الصحيح ألا يكون شاذاً ،
وفسروا الشاذ بأنه ما رواء الثقة مخالفاً فيه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً ،
ثم قالوا : تقبل الزيادة مطلقاً ، فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عدداً أو
أضبط حفظاً أو كتابا على من وصل : أيقبلونه أم لا ؟ وهل يسمونه شاذاً أم لا
أولا بد من الاتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض ? والحق فى هذا أن زيادة
الثقة لا تقبل دائماً ، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين لم يصب ، وإنما
يقبلون ذلك إذا استووا فى الوصف، ولم يتعرض بقيتهم لنفيها لفظاً ولا معنى،
وممن صرح بذلك الأمام فخر الدين وابن الأنبارى شارح البرهان وغيرهما، قال
ابن السمعانى : إذا كان راوى الناقصة لا يغفل وكانت الدواعى متوفرة على نقلها
أو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة وكان المجلس واحداً
فالحق أن لاتقبل رواية الراوى الزيادة ، هذا الذى ينبغى ، انتهى .
واعلم أن المصنف لم يستدل لهذا القول الأول بدليل ، بل ساق كلام الناس كما
يسوق المقلد، وكان عليه أن يستدل لهذا، وفى مختصر ابن الحاجب وشرحه للعضد
استدلال للفريقين بما محصله: لنا - أى دليل على القبول - أنه أى راوى الزيادة
عدل جازم بروايته فى حكم ظنى، فوجب قبول قوله، وعدم رواية غيره لا يصلح
مانعاً إذالفرض جواز الغفلة، قال من خالف الجمهور: الظاهر نسبة الوهم إليه لوحدته
وتعددهم ، فوجب رده، وأجيب بأن سهو الانسان فيما لم يسمع حتى جزم بأنه سمع