Indexed OCR Text
Pages 281-300
- ٢٨١ == العلم فى تفسير الصحابى، فذكر زين الدين وابن الصلاح أنه إن كان ) أى تفسير الصحابى ( فى ذكر أسباب النزول فحكمه حكم المرفوع ، وإلا فهو موقوف ، وجعل) أى كل واحد منهما (هذا هو القول المعتمد) وإليه ذهب الخطيب وأبو منصور البغدادى وتبعهما ابن الصلاح والزين ( وأشارابن الصلاح إلى الخلاف ولم يعين القائل بأن مطلق تفسير الصحابى مرفوع قال الزين وهو ) أى القائل برفع تفسير الصحابى مطلقاً (الحاكم وعزاه إلى الشيخين) فانه قال فى المستدرك: ليعلم طالب العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين حديث مسند ( قال ابن الصلاح تعقبا للحاكم : إنما ذلك فى تفسير متعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابى أو نحو ذلك ) قال كقول جابر: كانت اليهود تقول من أنى أمرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى ((نساؤكم حرث لـ ـ الآية)) قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر الخلاف: والحق أن ضابط ما يعتبره الصحابى إن كان مما لا مجال فيه للاجتهاد ولا منقول عن لسان العرب فحكمه الرفع ، وإلافلا، كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والأخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص ، فهذه أشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع ، وأما إذا فسر الآية بحكم شرعى فيحتمل أن يكون مستفاداً من النبى صلى الله عليه وآله وسلم أو عن القواعد، فلا تجزم برفعه، وكذا إذا فسر مفردا فقد يكون نقلا عن اللسان فلا نجزم برفعه، وهذا التحرير الذى حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبى الصحيح والامام الشافعى وأبى جعفر الطبرى وأبى جعفر الطحاوى وابن مردويه فى تفسيره المسند والبيهقى وابن عبد البر فى آخرين ، إلا أنه يستثنى من ذلك إذا كان المفسر له من الصحابة ممن عرف بالنظر فى الاسرائيليات كمسلمة أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وكعبد الله بن عمرو بن العاص فانه كان حصل له فى وقعة اليرموك كتب 2 -- ٢٨٢ - كثيرة من كتب أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة، حتى كان ربما قال له بعض أصحابه: حدثنا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ولا تحدثنا عن الصحيفة . (مسألة- قال قال) هذا هو الفرع الرابع، وهو بحث ذكره زين الدين فى بيتين من ألفيته وهما قوله : وما رواه عن أبى هريرة * مح* وعنه أهل البصرة کرر (قال)» بعد فالخطيب * روی به الرفع وذا عجيب (مارواه أهل البصرة عن أبى هريرة قال قال ثم ساق كلاماً بعد هذا) بعد القول المكرر ( ولم يذكر النبى صلى الله عليه وآله وسا، وإنماكرر لفظقال بعد ذكر أبى هريرة) لفظ زين الدين بعد البيتين ((أى وما رواه أهل البصرة عن حد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال فذكر حديثاً، ولم يذكر النبى صلى الله . عليه وآلهوسلٍ ، وإنما كرر لفظ قال بعد أبى هريرة فان الخطيب روى من طريق موسى بن هرون الجمال بسنده عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبى هريرة قال قال الملائكة تصلي على أحد كم مادام فى مصلاه)) وهذا يبين قول المصنف (فان الخطيب روى فى الكناية عن موسى بن هرون أنه قال: إذا قال حماد بن زيد والبصريون قال قال فهو مرفوع ، قال الخطيب: قلت للبرقانى: أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة قال كذا نحسب ، قال الخطيب. ويحقق قول موسى ماقال محمد بن سيرين كل شىء حدثت عن أبى هريرة فهو مرفوع) فتبين بهذا أن فاعل قال الثانية هو النبى صلى الله عليه وآ له وسلم ولا يخفى أن هذا من حذف الفاعل ولا يجيزه النحاة وإن علم أنه معين كما هنا ( قال زين الدين : ووقع فى الصحيح من ذلك مارواه البخارى فى المناقب حدثنا سلمان بنحرب ثنا حماد) بن زيد( عن أيوب)السختیانی( عن محمد) بن سيرين (عن أبى هريرة قال قال أسلم وغفار الحديث ) تمامه ((وشيء من مزينة وجهينة -- ٢٨٣ -٠ خير عند الله من تميم وهوازن وغطفان» (وهو عند مسلم من رواية ابن علية عن أیوب ) أى عن هد عن أبى هريرة ( مصرح فیه بالرفع، ووقع من ذلك فی ستن النسائى الكبرى من رواية ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال الملائكة تصلى على أحدكم مادام فى مصلاه، ورواه الخطيب فى الكفاية من طريق موسى بن هرون الحمال بسنده إلى حماد بن زيد عن أيوب) أى عن محمد عن أبى هريرة، وقد قدمناه قريباً . ٢٦ مسألة [ فى بيان المرسل] ( المرسل) هو من أقسام علوم الحديث، وهو الذى خرج من رسم الصحيح بفصل (ما اتصل إسناده)» وحقيقته ما أفاده قوله (هو عند الأكثرين من المحدثين قول التابعى قال رسول الله صلى الله عليه وآ له وسلم، وبه قطع الحاكم وغيره من أهل الحديث) وتخصيص القول لأنه الأكثر، وإلا فلو ذكر التابعى فعلا أو تقریراً نبوياً كان داخلا فيه. واعلم أنه يرد على هذا الرسم ما سمعه بعض الناس حال كفره من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وحدث عنه بما سمعه منه، فان هذا- والحال هذه-تابعى قطعاً، وسماعه منه صلى الله عليه وآله وسلم متصل وقد دخل فى حد المرسل، وحينئذ فلا بد من زيادة قيد فى الحد بأن يقال (( ما أضافه التابعى إلى النبى صلى الله عليه وآ له وسلم مما سمعه من غيره». ٠ -- ٢٨٤ - واختلف فى ماحد الارسال لغة ، فقيل: من الاطلاق وعدم المنع، ومنه قوله تعالى « إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين)) وذلك لأن المرسل أطلق الحديث وقيل: مأخوذ من قولهم ((جاء القوم أرسالا)) أى متفرقين لأن بعض الاسناد منقطع عن بعضه، وقيل: من قولهم ((ناقة رسل)) أى سريعة السير، كأن المرسل للحديث أسرع فحذف بعض إسناده. وهذا الرسم الذى ذكره المصنف هو القول الأول فى رسمه ، والثانى قوله (وقيل : إنه يختص بما أرسله كبار التابعين الذين أ كثر حديثهم عن الصحابة كابن المسيب) هو سعيد بن المسيب، بفتح المثناة المشددة، وروى عنه أنه كان يقول: إنه بكسرها ، فانه لقى جماعة كثيرة من الصحابة (وقيس بن أبى حازم) مثله (وعبيد الله بن عدى بن الخيار) بالخاء المعجمة فمثناة تحتية آخره راء وهذا مثل به ابن عبد البر، وتبعه ابن الصلاح ،وتبعه زين الدين ، وقال الحافظ ابن حجر: إن التمثيل به معترض، لأنه كان يمكنه أن يحفظ عن النبى صلى الله عليه وآ له وسلم وذلك أن عبيدالله كان بمكة حين دخلها صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت فى منقولات كثيرة أن الصحابة من الرجال والنساء كانوا يحضرون أولادهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتبركون بذلك، وهذا منهم، لكن هل يحصل من ثبوت الرؤية له الموجبة لبلوغه شريف الرتبة بدخوله فى حد الصحبة أن يكون ما رواهٍ عن النبى صلى الله عليه وآله وسإلا يكون مرسلا؟ هذا محل تأمل ونظر ، والحق الذى جزم به أبو حازم الرازى وغيره من الأئمة أن مرساه كمرسل غيره ، وأن قولهم مراسيل الصحابة مقبولة بالاتفاق إلاعند بعض من شذ، إنما يعنون بذلك من أمكنه التحمل والسماع، أما من لم يمكنه ذلك فحكم حديثه حكم غيره من المخضرمين الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو مثل بمحمد بن أبى بكر الصديق الذى لم يدرك من حياة النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة أشهر لكان أولى ( دون صغارهم الذين ١ -- ٢٨٥- لم يلقوا إلا الواحد والاثنين من الصحابة ، فأكثر حديثهم عن التابعين فأحاديث هؤلاء) أى صغار التابعين (منقطعة، حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث، ومثلهم ابن الصلاح بالزهرى) وهو محمد بن شهاب ، نسب إلى جده الأعلى، وإلا فهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ( وأبى حازم) وهو سلمة بن دينار، غير أبى حازم الأشجعى مولى عزة فاسمه سلمان وهو من مشايخ الزهرى ، وقد وهم من اعترض على ابن الصلاح بأنه ليس من صغار التابعين، ظناً من المعترض بأنه أراد ابنُ الصلاح الأشجعىَّ، وليس كذلك، فانه إنما أراد سلمة بن دينار ، وهو لم يسمع من الصحابة إلا من سهل بن سعد وأبى أمامة بن سهل ، بخلاف الأشجعى فانه سمع من الحسن بن على عليهما السلام ، نعم حصل الاشتباه لمالم يقيد ابن الصلاح أبا حازم بشىء يميزه به، ولكن قرينة الحال دالة على أنه المراد ، ولو لم يكن من القرائن إلا تقديمه الزهرى عليه فى الذكر لأن أبا حازم الأشجعى فى منزلة شيوخ الزهرى ، أفاده الحافظ ابن حجر (ويحيى ابن سعيد الأنصارى، قال زين الدين) تعقبّاً لابن الصلاح(التمثيل بالزهرى مع التعليل بقلة من لقى من الصحابة معترض ، فقد لقى الزهرى من الصحابة ثلاثة عشر فأكثر) وقال ابن خلكان إنه رأى عشرة من الصحابة، أنتهى، ثم عدد الزين أولئك بقوله ( وهم عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد وربيعة بن عباد، وعبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه، والسائب بن يزيد، وسفيان أبو جميلة، وعبدالله بن عامر بن ربيعة ، وأبو الطفيل، ومحمود بن الربيع، والمسور ابن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر ، وقيل: إنه سمع من جابر ، وقد سمع من محمود بن لبيد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وثعلبة بن أبى مالك القرظى وهو مختلف فى صحبتهم ، وأنكر أحمد) بن حنبل (ويحيى بن معين سماعه من ابن عمر ، وأثبته على بن المدينى، والمثبت أولى من النافى) قال الحافظ ابن حجر تعقباً لشيخه الزين : تمثيله أى ابن الصلاح صحيح، فانه لا يلزم من كونه لقى -- ٢٨٦ -- كثيراً من الصحابة أن يكون من لقيهم من كبار الصحابة حتى يكون هو من كبار التابعين ، فان جميع من سموه من مشايخ الزهرى من الصحابة كلهم من صغار الصحابة، أو ممن لم يلقهم الزهرى، وإن كان روى عنهم، أو ممن لم تثبت له صحبة وإن ذكر فى الصحابة ، أو ممن ذكر فيهم بمقتضى مجرد الرؤيةولم يثبت له سماع ، فهذا حكم جميع من ذكر من الصحابة فى مشايخ الزهرى ، إلا أنس ابن مالك وإن كان من المكثرين فانما لقيه لأنه تأخر عمره وتأخرت وفاته، ومع ذلك فليس الزهرى من المكثرين عنه ، ولا أكثر أيضاً عن سهل ابن سعد الساعدى ، فتبين أن الزهرى ليس من كبار التابعين ، وكيف يكون منهم وإنما جل روايته عن بعض كبار التابعين، لا كلهم، لأن أكثرهم مات قبل أن يطلب هذا العلم ؟ وهذا بين لمن نظر فى أحوال الرجال ، انتهى . قلت : ولا يخفى أن ابن الصلاح جعل الزهرى مثالا لمن وصفهم بأنهم لم يلقوا إلا الواحد والاثنين ، وهذا المثال غير صحيح لملاقاة الزهرى لمن ذكر، فاعتراض الزين صحيح نظراً إلى عبارة ابن الصلاح ، وأما كونهم من صغار الصحابة أو كبارهم فلم يذكره ابن الصلاح ، بل جعل كبار التابعين من كان أكثر حديثهم عن الصحابة صغاراً كانوا أو كباراً، وجعل صغار التابعين من لاقوا الواحد والاثنين من الصحابة فتدبر. ( القول الثالث) فى حقيقة المرسل ( أنه ما سقط من إسناده راوفأكثر من أى موضع، فعلى هذا المرسل والمنقطع والمعضل واحد ، وهو مذهب الزيدية، قال ابن الصلاح: وهو المعروف فى الفقه وأصوله ، وبه قطع) من المحدثين (الخطيب) إلا أنه قال: أكثر ما يوصف بالارسال من حيث الاستعمال مارواه التابعى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم . و بقى فى رسمه قول رابع ، وهو قول غیر الصحابى« قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» وبهذا التعريف قال ابن الحاجب، وقَبْله الأمدى، والشيخ ١ -- ٢٨٧ - الموفق وغيرهم ، فيدخل فى عمومه كل من لم تصح له صحبة وإن تأخر عصره ، قال الحافظ العلائى: إطلاق ابن الحاجب وغيره يظهر عند التأمل فى أثناء استدلالهم أنهم يريدون ما سقط منه التابعى مع الصحابى ، أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابى، ونحو ذلك، ولم أر من صرح بحمله على الاطلاق إلا بعض غلاة الحنفية ، وهو اتساع غير مرضى لأنه يلزم منه بطلان اعتبار الاسناد الذى هو من خصائص هذه الأمة ، وترك النظر فى أحوال الرواة ، والاجماع فى كل عصر على خلاف ذلك ، ويؤيده أنه قال الأستاذ أبو إسحاقى الأسفراييني: المرسل رواية التابعى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أو تابع التابعى عن الصحابى، فأما إذا قال تابع التابعى أو واحد منا (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) فلا يعد شيئاً، انتهى ( وقريب منه قول ابن القطان ) قال زين الدين : إنه قال ابن القطان إن الارسال روايته عمن لم يسمع منه . ٢٧ مسألة ٠٠ [فى بيان اختلاف العلماء فى قبول المرسل] فى قبول المرسل ورده أقوال ذكر المصنف منها ثلاثة فقال ( وقد اختلف الناس فى المرسل) أطلق المصنف المرسل هنا، وقيده فى مختصره حيث قال : واختلفوا فى قبول المرسل وأنواعه مع الجزم من الثقة ومع عدم القدح فيه من ثقة آخر، ثم عدهنا أقوالا للمقبول :. الأول: قوله ( فقيل : تقبل مراسيل أئمة الحديث الموثوق بهم المعروف تحریهم) ويأتى الدليل على هذا . والثانى: قوله ( وقال الشافعى: يقبل المرسل ممن عرف أنه لا يرسل إلا i - ٢٨٨ -- عن ثقة ، كابن المسيب) فانه لا يرسل إلا عن ثقة وقد لقى جماعة من الصحابة وأخذ عنهم ودخل على أزواج رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وأخذ عنهن، وأكثر روايته عن أبى هريرة، ثم عدللمرسل المقبول صوراً الأولى قوله (أو جاء) المرسل (عن ثقتين لكل واحدمنهما شيخ غير شيخ الآخر) عبارة الشافعى فيما نقاء عنه الزين تؤدى هذا إلا أنه قدم الرتبة التى أخرها المصنف وهى الثانية من الصور التى يفيدها ( أو جاء مسندا) أى مرفوعامتصلا (من طريق الثقاة بمعناه) ثم قال: كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه ،وجعل هذه الرتبة أقوى من التى قبلها فانه قال فى الأولى: كانت هذه دلالة تقوى له ٠رسله وهى أضعف من الأولى، فأفاد أن المرسل الذى جاء بمعناه مسنداً مرفوعا أقوى من المرسل عن ثقتين إلى آخره، فاذا تعارضا قدم الأقوى ، والثالثة منها قوله ( أو صح عن بعض الصحابة موقوفاً) قال الشافعى : كانت فى هذهدلالة على أنه لم يأخذمرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى، الرابعة من الصور قوله (أو قال مقتضاه عوام من أهل العلم) أى الكثير منهم (وذلك) أى قبول المرسل على جميع هذه التقادير كما دل له قوله (كله) وكأنه عام لرواية كبار التابعين أيضا شروط (بشرطين: أحدهما أن يكون المرسل) اسم فاعل (من التابعين الذين رأوا أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم) كأن المراد الذين رأوا أكثر أصحابه، لا كلهم ولا الأقل، لبعد الأول وكون الثانى يدخل فيه صغار التابعين لأنهم قدرأوا الأقل من الصحابة ولو واحداو إلالما كان تابعياً (وثانيهما) أى الشرطين ( أن يعتبر صحة حديث هذا المرسل) اسم فاعل ( بأشياء تفيد ظن صحته عد (منها) شيئين الأول ( موافقته للحفاظ فى سائر حديثه) فيعرف أنه حافظ ، قال الشافعى : إذا شارك أحداً من الحفاظ فى حديثه ولم يخالفه فان خالفه ووجد حديثه أنقص كانت فى هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، انتبى، فأفاد أن نقص حديث من أرسل عن حديث من وافقه لا يضر ، ولم يفده كلام المصنف إلا أنه قد يمكن تطبيقه عليه ، وأشار الزين إلى هذا بقوله : 1 - ٢٨٩ - ومن إذا شارك أهل الحفظ وافقهم إلا بنقص اللفظ وإن كانت عبارته تفيد اشتراط نقص اللفظ، إلا أنه معلوم أنهغير مراد، وإنما ألجأه إليه النظم (و) الثانى (منها أن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن روايته) قال الشافعى: فيستدل بذلك على صحة ماروى عنه، ثم قال: أما إذا وجدت الدلائل بصحة حديثه كما وصفنا أحببنا أن نقبل مرسله ( روى ذلك) أى كلام الشافعى (الخطيب فى الكفاية وأبو بكر البيهقى فى المدخل باسناديهما الصحيحين عن الشافعى، ذكره زين الدين فيما زاده على ابن الصلاح) قال زين الدين: إن ابن الصلاح أطلق القول عن الشافعى بأنه يقبل مطلق المراسيل إذا تأكدت بما ذكره، والشافعى إنما يقبل مراسيل كبار التابعين إذا تأكدت مع وجود الشرطين المذكورين فى كتابى، انتهى. وقد حصل زبدة كلامه المصنف بما ساقه . (وفائدة قبول المرسل إذا أسند عن ثقات انكشاف صحته) كأنه جواب مايقال: إنه إذا اشترط وجود المرسل مسنداً فأى فائدة فيه مع وجود المسند ، ولا يخفى أن هذه فائدة الصورة الثانية مما سقناه (فیکونان حدیثین) حديث مسند مرفوع وحديث مرسل ( فاذا عارضهما مسند آخر كانا أرجح منه) لاعتضاد المرسل بالمسند المرفوع . القول الثالث قوله ( وذهب الزيدية والمالكية والحنفية إلى قبول المرسل) قلت : ينبغى أن يستثنى من الزيدية المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهارونى ، فانه صرح بأنه لا يقبل المراسيل ، ولفظه فى خطبة كتابه شرح التجريد: مِشرطنا فيه - أى فى الحديث الذى يرويه - السماع والعدالة، ثم قال: ولقد أدركت أقواما ممن لا يتهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يحفظون السند، ويرسلون الحديث، فما قبات أخبارهم ولا نقلتها عنهم، وعندنا لا يحل لأحد أن يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما سمعه من فم المحدث العدل فحفظه ثم يحدث به كما سمعه، ثم قال: إن المراسيل عندنا وعند عامة الفقهاء ( م ١٩ - تقبح١) . - ٢٩٠ - لا تقبل، انتهى كلامه، ولم أنقله على ترتيبه لكن هذه ألفاظه . ( ويخالف فى ذلك أكثر المحدثين) فقالوا: لا يقبل المرسل، والقائلون بقبوله وهم من ذكرهم يقولون بقبوله مطلقا من غير شرط من الشروط الماضية، إلا أنه لا بد من الاستفسار عن تعريف المرسل الذى قبلوه ، فقد مضت ثلاثة تعاريف للمصنف، فلا ندرى أيها المراد هنا ، والظاهر أنه الثالث ، وهو الذى فى كتب أصول الزيدية وغيرهم ، لأن المرسل هو ما سقط فيه راو أو أكثر، وهو الثالث من التعريفات التى ذكرها المصنف، وذكر أنه مذهب الزيدية، وحينئذ ففى انطباق الدليل الأول على مذهبهم نظر، وهو قوله (فاحتج أصحابنا فى ذلك بوجوه: الأول الإجماع، وهو إجماع الصحابة ، إجماع التابعين ) فأنه إن سلم إجماع الصحابة فاتما أجمعوا على مرسل خاص وهو مرسل الصحابى كما يدل له قوله ( أما إجماع الصحابة فلأنه اشتهر فيهم وظهر وشاع ولم ينكر: من ذلك أن البراء ) بفتح الموحدة فراء ممدود (ابن عازب) بعين مهملة فزاى بعد الألف فوحدة صحابی معروف (قال فى حضرة الجماعة) أی من الصحابة ( ليس كل ما أحدثكم به سمعته عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم، إلا أنا لا نكذب) آی لا نقول علیه صلى الله عليه وآله وسلم مالم يقله ، بل تحدث عمن حدثنا عنه، إلا أنك قد عرفت من تعريف المرسل أنه قول التابعى أو كبار التابعين ، وليس هذا منه ، وكأنه يريد أنه قد حصل المعنى الذى فى المرسل ، نعم على تعريف الأصوليين يقال لهذا مرسل ، إلا أنه لا يعلم حديث رواه الصحابى أنه سقط منه راو إلا باخبار الصحابى بذلك، لأن الأصل فيما يرويه أنه سمعه من رسول اللهصلى الله عليه وسلم سيما إذا عرف بالأخذ عنه والملازمة ، مثل أبى هريرة ونحوه (وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا ربا إلا فى النسيئة» ثم قال: أخبر نى بذلك أسامة بن زيد، ذ کر ذلك کله المنصور بالله رضى الله عنه فى الصفوة ، والشيخ أحمد فى الجوهرة) ولا يخفى أن هذا فيا أرسل عن صحابى، هـ ٠ - ٢٩١ - وهو أخص من مدعى الزيديه كما أن قوله ( قلت : ومن ذلك حديث أبى هريرة فى فطر من أصبح جنبا وقوله: حدثنى الفضل بن العباس ) ولفظ الحديث (( عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح جنباً أفطر، وفى لفظله: من أصبح فى رمضان جنباً فلاصوم له، وله ألفاظ أخر، فقال: ما أنا قتها ورب الكعبة، لكن مداقالها ، ولما عارضته أخبار نسائه صلى الله عليه وسلم بأنه کان يصبح جنباً ويصوم ولا يقضى سئل عما حدث به، فقال: أخبرنى الفضل ابن العباس ، وفى رواية : أسامة بن زيد، وكذلك ابن عباس أسند حديثه المذكور لما عورض فسئل وإذا عرفت هذا فلا يتم إطلاق من قال : إن الصحابة كانوا يباحثون من أرسل ويطلبون منه الإسناد ، مستدلين بهذين الخبرين ، فان الظاهر أنهم إنما كانوا يبحثون عند ظهور المعارض، ومع عدم المعارض لا يبحثون ، ولا يسألون وحينئذ فيتم الاستدلال على قبول المرسل مالم يعارض. قلت: ولا يخفى وقد أشرنا أن الأصل فيما يرويه الصحابى الرفع، فيعمل عليه ما رواه، ما لم يصرح بخلافه . (وقد قيل: إن أكثر رواية ابن عباس كذلك) أى مرسلة ( لصغر سنه وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم) فانه توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسن ابن عباس فى ثلاث عشرة سنة على أصح ما قيل . ( وأما إجماع التابعين ) على قبول المراسيل (فرواه العلامة محمد بن جرير الطبرى) الامام المعروف صاحب التفسير والتاريخ الكبير وغيرهما (حجات عنه ابن عبد البر فى مقدمة كتابه التمهيد ، وقال البلقيني) بالوحدة مضمومة وكسر القاف نسبة إلى قرية بمصر، وهو إمام كبير الشأن ، وهو شيخ الحافظ ابن حجر وغيره من الأئمة (فى علوم الحديث ،وذكر محمد بن جرير الطبرى أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل، ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد - ٢٩٢ - من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين ، وقال ابن عبد البر ؛ كأن ابن جريريعنى أن الشافعى أول من أبى قبول المراسيل، انتهى) لما قال ((إلى رأس المائتين» ولا يخفى أن التابعين قبلوا مراسيل التابعين إذ هى الموجودة فى عصرهم ومراسيل الصحابة ، لكن لاخفاء أن هذا لا ينطبق على ماهو المراد بالمرسل عند الزيدية ، على أن هذا النقل الذى نقله ابن جرير وقوله (( إنه لم يأت عن أحد إنكاره إلى وأس المائتين)» ونقله ابن الحاجب أيضاً فيه أمران: الأول : قد نقل عن سعيد ابن المسيب - وهو من كبار التابعين كما عرفت - أن المرسل ليس بحجة ، ومثله نقله الحافظ ابن حجر عن ابن سيرين ، وبه يعرف بطلان الإجماع ، وأن دعوى أنه لم يأت فيه خلاف إلا من بعد المائتين غیر صحیح ، ويؤيد بطلان دعوى الإجماع أنه حكى عن أبى إسحاق الإِسفرا بينى أنه لا يقبل المرسل مطلقاً ، حتى مرسل الصحابة ، قال : لا لأجل الشك فى عدالتهم ، بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين ، قال : إلا أن يخبر الصحابى عن نفسه أنه لا يروى إلا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أو عن صحابى، فحينئذ يجب العمل بما يرويه، وذكر ابن بطال عن الشافعى أن المرسل عنده ليس بحجة حتى مرسل الصحابة وبهذا تعرف أن المسألة غير إجماعية فلا يتم لهم ولمن تبعهم دليلا على ذلك ( وروى البلقيني قبول المراسيل عن أحمد بن حنبل فى رواية، وعدّها) أى روايته عنه ( من زوائد فوائده) لأنه لم يروها أهل علوم الحديث عن أحمد قلت : قد رواها أيضاً تلميذ البلقينى الحافظ ابن حجر ، ولكنها فى مراسيل التابعين ، وإنما الاشتراط أن يكون المرسل من كبار التابعين ، بل ولو من صغارهم ، ولكن قال أبو داود فى رسالته إلى أهل مكة ما لفظه : وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى ، مثل سفيان الثورى ومالك والأوزاعى ، حتى جاء الشافعی فتكلم فيه ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، انتهى . فينظر فى نقل البلقينى وابن حجر عن أحمد ۔ - ٢٩٣ - ( الوجه الثانى) من وجوه أدلة قبول المرسل عند الزيدية (أن الأدلة الدالة على التعبد بخبر الواحد) وهى معروفة فى الأصول ، وعمدتها إجماع الصحابة والتابعين على العمل بها، فهو عائد إلى الاستدلال الأول ، وهى (لم تفصل بين كونه مسنداً أو مرسلا) لأن الكل يصدق عليه أنه خبر أحادى (الوجه الثالث ) من الأدلة ( أن الثقة إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جازماً بذلك) هذا هو الذى قيد به المسألة فى مختصره كماذكرناه، وهو احتراز عن أن يرويه بصيغة التمريض ( وهو يعلم أن من رواه مجروح العدالة كان الثقة قد أغرى السامع بالعمل بالحديث والرواية له ) وهى من العمل. أيضاً إلا أنها لما تعورفت فيما عداها عطفها عليه (وذلك خيانة للمسلمين لا تصدر عن العدل ) والفرض أنه عدل (ولهذا قبل المحدثون ما جزم به البخارى من التعاليق على أصح الأقوال) مع أنها مراسيل ، وأجيب عنه بأنه اختص البخارى بقبول تعاليقه لأنه التزم الصحة فى كتابه ، بخلاف غيره من أئمة التابعين، فانهم لم يلتزموا ذلك، وإن كان المشهور أن تعاليقه التى يحكم لها بالصحة هى ما علقه بصيغة الجزم لأنه يدل على صحة الاسناد بينه وبين من علق عنه . وقال الحافظ ابن حجر : إن كل ما أورده البحارى فى كتابه مقبول ، إلا أن درجاته متفاوتة فى الصحة ، ولتفاوتها تخالف بين العبارتين فى الجزم والتمريض ، إلا فى مواضع يسيرة جداً أوردها وتعقبها بالتضعيف أو التوقف فى صحتها ، انتهى. قلت : هذا كلام الحافظ هنا ، والذى أفاده كلامه فى مقدمة الفتح أن المعلق فى الصحيح بصيغة الجزم يحتمل ثلاثة أقسام: الأول : معلق قد وصله فى محل آخر ، فهذا موصول فى الحقيقه وتعليقه عارض بسبب الاختصار ، والثانى قسمان : معلقٌ لا يلتحق بشرطه لكنه حسن وصالح الحجية، وثانيهما ضعيف" ٠ - ٢٩٤ - بالانقطاع، هذا كلامه، وإذا عرفته عرفت أن ما أورده بصيغة الجزم متردد بين ما ذكر فلا يتم الحكم لما أورده بها شىء حتى يكشف عن حاله ، فمن قال ((ما أورده البخارى معلقاً بصيغة الحزم صحيح)) فقوله غير صحيح لما عرفته من الاحتمال . ثم ذكر الحافظ فى المقدمة فيما يورده البخارى بصيغة التمريض أنه متردد بين خمسة أشياء : صحيح على شرطه، صحيح على شرط غيره ؛ حَسَنٌ ضعيف ، فرد انجبر بالعمل على موافقته، ضعيف فرد لا جابرله ، هذا خلاصة ما أفاده كلامه فى المقدمة . وإذا عرفت تردد الصيغة بين هذه الخمسة فهى مبهمة لا يتم معرفة المراد منها إلا بعد الكشف عن حقيقتها، وعرفت أن فى تسميتها صيغة تمريض بحثاً فان الثلاثة الأول مما يجزم به ، وكأن المراد أنها صيغة تمريض نظرا إلى شرط البخارى فى غير القسم الأول فانه على شرطه، ومن هنا تعلم أن صيغة التمريض لا تدل على الضعف فى اصطلاح البخارى ، ومن استدل بها على ضعف مايرويه بها فقد جهل مراده ، ثم لا يعزب عنك أنه كان الأولى أن يجعل ما هو على شرط غيره من أقسام ما عبر عنه بصيغة الجزم ، كما أنه كان المتعين فى القسم الأول من هذه الأقسام أن يعبر عنه بها ، وذلك لأنه قد جعل الحسن من أقسام ما يعبر عنه بصيغة الجزم وهو أنزل منه رتبة ، كما أنه كان يتعين جعل الضعيف بالانقطاع من هذا القسم ، أى من قسم ما يعبر عنه بصيغة التمريض ، لا مما يعبر عنه بصيغة الجزم ، وقد جعله من أقسام ماعبر عنه بصيغة الجزم ، وبعد هذا تعرف تقارب الصيغتين ، وتعرف أن تقرير الحافظ فى النكت يخالف تقريره فى المقدمة ، فتأمل ، ومنه تعرف أن قول المصنف (( ولهذا قبل المحدثون ما جزم به البخارى من التعاليق)) ليس على إطلاقه ، بل فیه التفصيل الذى سمعته . ١ - ٢٩٥ -- (واعتذرالمحدثون عن هذه الحجج) التى استدل بها قابلو المراسيل ( أما إجماع الصحابة فلم يسلموا علمهم الجميع) لتفرقهم فى الآفاق (و) لا يسلموا ( أن سكوتهم عن رضا) وقد عرفت أنهما ركنا الاجماع السكونى (وإن سلموا فلا حجة فى ذلك، لوجهين : أحدهما أن قبول مراسيل الصحابة مجمع على جوازه، من روى الاجماع عليه ابن عبد البر فى مهيده ، ذكره فى حديث ابن عمر فى المواقيت ) قد قدمنا الخلاف فى مراسيل الصحابة عن أبى إسحاق الاسفراييني ، وكذلك صرح أبو بكر الباقلانى فى التقريب أن المرسل لا يقبل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة ، وذلك للعلة التى ذكرناها ، ونقل عدم قبول مراسيلهم عن الشافعى ابن بطال فى أوائل شرح البخارى ، ذكر هذا كله الحافظ ابن حجر، فالتابعون لم يتم إجماعهم ، وإن أريد إجماع الصحابة على قبول مراسيلهم فلا يسمى ما جاء عنهم مرسلاً كما عرفت من تعريف المرسل ، إلا على التعريف بأنه ما سقط منه راو، وإذا عرفت تعريف المرسل بكل تعريف عرفت أنه لا يصح أن يقال («مرسل الصحابة)) إذ لا مرسل لهم ففى قولهم «مرسل الصحابة)» تسامح (وثانيهما) أى وجهى عدم حجية ما ذكر على تقدير التسليم (أن المرسل) اسم فاعل (فى ذلك الزمان لم يكن يرسل إلا عن عدل) لأن العدالة غالبة فى أهل ذلك العصر ( ألا ترى أن ابن عباس وأبا هريرة لما أخبرا عمن أرسلا كيف أسندا الحديث إلى عدلين ) أسامة بن زيد والفضل بن العباس (فان جوزنا إسناد الرواية إلى غير عدل فى ذلك الزمان فذلك نادر، والنادر غير معتبر، ولا يجب الاحتراز منه، لأنه مرجوح) والعمل على الراجح ( بل قال ابن سيرين: إنهم) أى الصحابة (لم يكونوا يبحثون عن الاسناد حتى ظهرت البدع وحافظوا على الأسناد ليعرفوا حديث أهل السنة) فيأخذوا به ( من حديث أهل البدعة ) فيتركونه ، ويأتى ما فى هذا ( فاذا ثبت إجماع الصحابة على قبول مراسيل أهل ذلك العصر لم يكن حجة عامة على قبول كل مرسل ) لأن الدليل الخاص - ٢٩٦ - لا ينطبق على المدعى العام (وبيانه أنه احتجاج بفعل) وهو القبول من البعض والسكوت من الآخرين (والفعل لا عموم له ) إذ العموم والخصوص من خواص الأقوال (وهذا سؤال واردٌ فلعل الصحابة لو رأوا ماحدث فى الناس من التساهل فى رواية الحديث لبحثوا أشد البحث، فقد روى مسلم عن ابن عباس أنه سمع رجلاً) هو بشير - مصغر بشر بالمعجمة بعد الموحدة آخره راء - بن كعب (يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينظر إليه فقيل له فى ذلك) القائل هو بشير فانه قال لابن عباس: مالى لا أراك تسمع لحديثى( أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع! (فقال) ابن عباس ( إنا كنا إذا سمعنا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصغينا إليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول) قال النووى فى شرح مسلم: أصل الصعب والذلول فى الإبل ، والصعب : العسر المرغوب عنه، والذلول : السهل الطيب المرغوب فيه ، والمعنى سلكوا كل مسلك مما يحمد ويذم (لم نأخذ من الناس) أى من أحاديثهم ( إلا ما نعرف، رواه مسلم فى مقدمة كتابه) الصحيح، فقال: ثنا أبو أيوب سليمان ابن عبد الله الغيلانى، ثنا أبو عامر، يعنى العقدى، أنبأنا رباح ، عن قيس ابن سعد، عن مجاهد، قال : جاء بشير العدوى إلى ابن عباس . الحديث ( فاذا كان هذا فى زمن ابن عباس فكيف بعده) إلا أنه لا يخفى أن فى هذا دليلاً على وجود من لا يوثق بروايته فى زمن الصحابة ، وليس فيه دليل على قبول المرسل ، ولا على عدم قبوله ، على أنه قال الحافظ فى التقريب فى ترجمة بشيرما لفظه : بشير مصغر ابن كعب بن أبى الحميرى العدوى أبو أيوب البصرى ثقة مخضرم، والمخضرم - بفتح الراء - من التابعين من أدرك الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست لهم صحبة، ولم يشترط بعض أهل العلم نفى الصحبة ، قال الزين : والمخضرم متردد بين الصحابة للمعاصرة وبين التابعين لعدم الرؤية ، وظاهر كلامه أنه فى الاصطلاح خاص بما ذكر، والذى - - - ٢٩٧ - ۔۔ فى القاموس أن المخضرم الذى مضى نصف عمره فى الاسلام ونصفه فى الجاهلية ، أو من أدركهما أو شاعر أدر كهما كلبيد، انتهى ، فالمذكور أحد معانيه اللغوية ، وبه يعرف أن بشيراً من كبار التابعين . ( وأما الوجه الثانى) من أدلة قابلى المراسيل ( وهو أن أدلة قبول الآحاد عامة للمراسيل والمسانيد فغير مسلم، بل هى متناولة لقبول الصدر الأول، ومن كان على مثل صفتهم) على أنه لا يتحقق المرسل فى عصر النبوة إلا نادرا ( أما الاجماع فهو على قبولهم) هذا تكرار زاده ليعطف عليه قوله (وكذا قبول رسل النبى صلى الله عليه وآله وسلم المبعوثين إلى الآفاق) فانه من أدلة وجوب العمل بالآحاد ، وهو عطف على جملة أما الاجماع فهو على قبولهم ، وكلامنافى المراسيل عن غير أهل الصدر الأول ( وكذا قبوله صلى الله عليه وسلم الآحاد وقبول الصحابة لهم) فانه خاص بأهل ذلك العصر، وهذه من أدلة قبول الآحاد ، وهى لا تشمل المرسل كما قاله من استدل بها على قبوله، على أن رسله صلى الله عليه وسلم يبلغون عنه ما سمعوه منه أو يبلغون كتبه، وهى كذلك غالبا، وكذا قبوله الآساد ليس دليلا أنهم يأتونه بمراسيل، بل يخبرونه عمن شافهم ، فكيف يجعل دليل المسند دليلا للمرسل ويدعى شموله له ? ( وكذا الدليل العقلى) الذى استدل القائلون بحجية الآحاد، وأنها أدلة شاملة للمراسيل (مقصور) أى الدليل العقلى (على ما يثمر الظن) هذه إشارة من المصنف أن القائلين بأن الأمة متعبدة بقبول الآجاد عقلاوهذا قول أبى الحسين البصرى والقفال وابن سريح، واستدل أبو الحسين بأن العمل بالظن فى تفاصيل الجمل المعلوم وجوبها عقلا واجب عقلا، بدليل أن العقل يقضى بقبول خبر العدل فى مضرة طعام معين ، وفى انكسار جدار يريد أن ينقض، فيحكم العقل بأن الطعام لا يؤكل وأن الجدار لا يقام تحته، وذلك تفصيل لما علم بالعقل إجمالا، وهو وجوب اجتتاب المضار، ومانحن فيه كذلك للقطع بأن النبى صلى الله عليه وسلم بُمث لتحصيل المصالح ودفع المضار، - ٢٩٨ - وخبر الواحد تفصيل له ، فاذ أفاد الظن وجب العمل به مطلقا، انتهى، ولكن شارك أبا الحسين فى مدعاه أدلة أخرى معروفة ، وقد أجاب من لم يقل بالدليل العقلى على خبر الآحاد وادعى بأنه ليس عليه دليل إلامن السمع عن هذا الدليل بما هو معروف فى الأصول. (والمراسيل عند المخالف) وهو القائل بأنها لا تقوم بها حجة (لا تثمر الظن الراجح على الاطلاق، وإن أثمر بعضها) الظن الراجح (فهو مقبول بالاتفاق كما سيآنى، وإنما وقع الخلاف) بين الفريقين (فيما لا يثمر) ظنا راجحا (وما لا يرتقى إلى مرتبة أخبار الآحاد التى قبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه) أى فى إفادة الظن، وكأنه يريد فما يثمر ظناً راجحاً كما قلناه، لا أنه ينمر ظناً ويقولون إنه يعمل به، ولا يقول هذا أحد ، فان العمل لا يكون إلا بعلم أو ظن، وإلا فلا يجوز العمل تخميناً إلا أن ينص الشارع على وجوب العمل به وجب وإن لم يحصل ظناً كالحكم بالعدلين إذا شهدا فانه يجب عليه الحكم حصل له ظن أولا ، ولعل قابل الآحاد يقول إنه يجب العمل بها وإن لم تثمر ظناًفيتم ما قاله واعلم أن حقيقة الظن الاعتقاد الراجح بأحد المجوزين ، فالراجحية لازمة الحصول الظن، فان استواء الطرفين شك، كما عرف فى الأصول، وبهما يختلف قوة وضعفًاً ، فإذا عرفت هذا فالخبر المرسل إن أفاد الظن عمل به عند الفريقين، وإن لم يثمره عمل به عند أحدهما ، فعرفت أن تقسيم المصنف للمرسل إلى ما يثمر ظناً راجحاً و إلي ما ينمر ظناً غير راجح أو إلى مالا يثمر ظناً أصلا غير صحيح، إلا أن يحمل راجحاً على أن المراد قويا وغيره على ظن غير قوى، أو يحمل قوله راجح على أنه وصف كاشف ، ويراد بالآخر أنه لا ينمر ظناً أصلاوفى قوله (( وما يرتقى - إلى آخره)) تأمل إلا أن يكون من عطف الخاص على العام. (وأما الوجه الثالث ) من وجوه قابل المرسل (وهى) الأولى ((وهو ) كأنه أنته لكونه فى معنى الحجة ( حمل الراوى) الأحسن المرسل (على - ٢٩٩ - السلامة، والقول بأن عدم القبول) لما أرسله (تهمة له بقبيح) هو الكذب ونحوه (فهذا ) الوجه ( مبنى على أصلين) لا يتم إلا بصحتهما، وسيعلم أنه لا صحة لها فان ( أحدهما قد انكشف خلافه، وثانيهما متنازع فيه، فأما الأول فهو أن المحدثين قالوا : إن الحمل على السلامة يزول متى انكشف خلافه) إذ الحمل على السلامة مجرد إحسان ظن ، فاذا ما يبطل الظن دل على عدم صحة أمارته (قالوا : ونحن قد جر بنا وساء لنا الثقات ) على ثلاثة أوجه الأول قوله (فمنهم من أسند الرواية ) التى أرسلها ( إلى مالا يرضاه المرسل هو بنفسه ولا غيره) من ذلك قول أبى حنيفة « ما رأيت أ كذب من جابر الجعفى)) وحديثه عنه موجود ، وقول الشعبي (( حدثنى الحارث الأعور وكان كذابا)) وحديثه عنه موجود ، والثانى قوله ( ومنهم من أسند الرواية إلى من يقباه) هو (وغيره لا يقبله، فقد وقع الاختلاف فى الجرح والتعديل كثيرا ) فقد أسند الشافعى عن ابن أبى يحيى وأسند مالك عن عبد الملك بن أبى الخارق وأحمد بن حنبل عن عامر بن صالح والكل متكلم فيه كما يأتى آخر هذا البحث . والثالث قوله (ومنهم من أسند الرواية إلى ثقة مقبول) كما تقدم فى حديث البراء وأبى هريرة . إن قيل: ما الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة على الارسال؟ قلت : قال الحافظ ابن حجر: إن له أسبابا منها أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده فيرسل اعتماداً على صحته عن شيوخه كما صح عن إبراهيم النخعى أنه قال: ما حدثتكم عن ابن مسعود فقد سمعته عن غير واحد، وما حدثتكم به وسميت فهو عمن سميت . ومنها أن يكون نسى من حدثه وعرف المتن فذكره مرسلا لأن أصل طريقته أن لا يحمل إلا عن ثقة، ومنها أن لا يقصد التحديث ، بل يذكره على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى فيذكر المتن لأنه المقصود فى تلك الحالة - ٣٠٠ - دون السند ، ولا سيما إذا كان السامع عارها بمن روى فتركه لشهرته صوغيرذلك من الأسباب . (قالوا ) أى أئمة الحديث (فلأجل اختلاف أحوال الثقات ) ممن يطوون ذكره عند الارسال (لم نأمن أن يكون المرسل ممن يرسل عن الضعفاء بمرة فاحترزنا وتركنا الجميع) سيما وقد حصل لهم من التتبع أن المرسل عن الثقات المتفق عليهم قسما واحداً(١) فصار معلوما بين القسمين الآخرين ومجهولا أيضا . (وأما الأصل الثانى) من الأصلين اللذين بنى عليهما الأصل الثالث (وهو قول أصحابنا إن عدم القبول تهمة للمرسل بقبيح ) وهو الكذب ونحوه، والتهمة لا يجوز العمل عليها (فهو أيضاً يشتمل على نقض لجواب المحدثين المقدم) وهو قولهم («ونحن قد جر بنا وساء لنا الثقات)) إلى آخره ( فلنقدم تحريره ) أى تحرير كلام الأصحاب ( ثم نورد عذر المحدثين فيه: أما النقض الوارد عليهم) أى المحدثين ( فلأصحابنا أن يقولوا قولكم إن فى العدول) أى الثقات كما هى عبادتهم آنفاً ( من بحث) مبنى للمجهول أى عن سند ما أرسله وتفصيل ما أجمله وكشف ما ستره وأهماله ( فأسند إلى من لا يقبل) عنده وعند غيره وهو القسم الأول من الثلاثة ( غير مساء) عدالة من فعل ذلك (فانا تنازع فى عدالة من فعل هذا) لأنه خيانة للمسلمين، وحمل على العمل والرواية عمن لا يجوز العمل بروايته ولا الرواية بما رواه . قلت : لا يعزب عنك أن هذا النقض لا يتم إلا بعد تقرر أن من نقض به قائل إنه لا يقبل إلا مرسل من أرسل عن ثقة عنده أو ثقة مجمع عليه، والذى تقدم أن الزيدية يقولون بقبول المرسل مطلقاً كالحنفية ، وفى شرح الغاية وغيرها أن قبول المرسل مطلقا رأى أئمتنا أى أئمة الزيدية ، وقال المصنف فى الروض الباسم فى بحث كفار التأويل ما لفظه: فالزيدية إن لم يقبلوا كفارالتأويل وفساقه قبلوا مرسل من يقبلهم، وإن لم يقبلوا المجهول قبلوا مرسل من يقبله، ولا يفرق (١) كذا فى الأصلين 1