Indexed OCR Text
Pages 181-200
- ١٨١ - يجعلهما فى رجال الصحيح أقوى ، وحينئذ فلا يرد السؤال بعد ذلك التقرير و إن كان ما قدمه عنه غير صحيح . (قلت : الجواب أنه قد عرف من المحدثين أن مذهبهم رد المجهول ، وليس فى كلام الترمذى هذا ما يناقض ذلك) لا يقال: قد قررت أنه أفاد كلامه عموم قبول المجهول فقال (فهو من عموم المفهوم(١) وفيه خلاف) فكيف يعمل به مع ما علم من مذهب المحدثين (فلو كان) كلام الترمذى ( لفظا عاما) عموم المنطوق (وجب المصير إلى الخاص ) وهو ما عرف من عرفهم ( فکیف بالمفهوم) وحينئذ فلا یفید کلام الترمذى قبول المجهول، ولكنه يبقى عليه أنه يفيد قبول المستور فقال المصنف ( فأما المستور فانه مظنون العدالة ولو لم يكن كذلك لم يتميز منه المجهول) قدمنا لك تفسير المستور من كلام ملاعلى قارى فى شرح شرح النخبة، وقال الحافظ ابن حجر فى مهاتب الرواة فى خطبة التقريب: السابعة من روى عنه أكثر من واحدولم يوثق، وإليه الاشارة بمستور أو مجهول الحال، انتهى ، فظاهره أن المستور هو المجهول حاله، والمصنف قال هو مظنون العدالة ( لكنه غیر مخبور خبرة توجب سكون النفس الذی یسمیه کثیر من المحدثين علما) وهو الظن القوى (وقد ورد تسميته بالم كثيراً فى مثل قوله تعالى) حكاية عن إخوة يوسف حيث حكموا لأبيهم أن أخاهم سرق ( وما شهدنا إلا بما علمنا) فانهم لم يعلموا سرقته لصُواع الملك قطعاً بل ظنوه لما وجد فى متاعه، فسموه علماً، وهذا كلامٌ صحيح، لكنه لايناسبه قول الحافظ ابن حجر : إن المستور من لم يوثق ، فمن أين حصل لنا ظن عدالته حتى نطلقها عليه ونحصل له ما يطلق عليه لفظ العلم ؟ فى كتاب ابن الصلاح قسمة المجهول إلى مجهول العدالة / (١) كذا فى الأصلين، ولعل صواب العبارة أن يقال ((فهو من عموم المنطوق )) فتدبر - ١٨٢ - ظاهراً وباطناً ، قال: وروايته غير مقبولة عند الجماهير ، ثم قال : الثانى المجهول الذى جُهلت عدالته الباطنة ، وهو عدل فى الظاهر ، وهو المستور ، وقد قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلا فى الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول، يريد بالأول مجهول العدالة ظاهراً وباطناً وهو قول بعض الشافعية وبه قطع الامام سليمان بن أيوب الرازى ، قال : لأن أمر الأخبار مبنى على حسن الظن بالراوى ، إلى آخر كلامه، وكلام المصنف قاضٍ بأن المستور عدل يحصل بخبره ظن ضعيف ، بخلاف الظن الحاصل عن العدل المحققة عدالته ، فانه يحصل عن خبره ظن قوى يطلق عليه العلم ، وكلام الحافظ ابن حجر أنه من لم يوثق ، وكلام ابن الصلاح أنه العدل فى الظاهر ، قلت : ولا يخفى أن العدالة إنما تعرف ظاهراً بالمحافظة على خصالها ، وأما الباطن فلا يعلمه إلا الله تعالى ، فهذا اضطراب فى تفسير المستور ينبغى تحقيقه . واعلم أن الذى فى كتب الأصول رسم العدالة باجتناب كبائر المقبحات وما فيه خسة والاتيان بالواجبات ، ولم يذكروا باطنه ولا ظاهره ، قالوا: واختلف فى رواية المجهول، ويطلق عندهم على مجهول العدالة أو الضبط أو النسب أوالاسم، ونقلوا عن الحنفية وآخرين قبوله ، واستدلوا على أن الأصل فى دار الاسلام هو الاسلام، والأصل فى المسلم هو القيام بالوظائف ، وهو معنى العدالة ، وهو قياس من الشكل الأول ينتج أن الأصل هو القيام بالوظائف ، وهو معنى العدالة ، وحينئذ فلا مجهول، بل كل مسلم عدل، ورد يمنع الكبرى مسنداً بأن الأصل هو الغالب، والفسق فى المسلمين أغلب من الايمان، لقوله تعالى ((وقليل ماهم)) ((وقليل من عبادي الشكور» «وماأ كثر الناس ولو حرصت بمؤمنين» وغير ذلك. ولأنه المشاهد فى كل عصر، والفرد المجهول يجب حمله على الأعم الأغلب ، ولهذا: يرد من غلب سَهوه على حفظه اتفاقا ، ورجحوا المجاز على الاشتراك لغلبته،فغلبة الفسق مظنة للفسق، وحكم المظنة حكم المئنة، بل ضبط الشارع الأحكام بالمظنة - ١٨٣ - ويأتى بقية الكلام على المسألة فى محلها ، وإنما هذا تنبيه على أن الذى ذكره المصنف من أن المستور هو العدل عدالة تفيد ظناً قوياً وأن خبره حسَنٌ ، وأن العدل فى رواة الصحيح يشترط قوة عدالته بحيث يفيد ظناً قوياً يسمى علماً شئ تفرد به لم يذكره أئمة الأصول كما انفرد ابن الصلاح بقوله ((إن عدالة المستور ظاهرة وعدالة غيره ظاهرة وباطنة)، وذكر الرافعى فى الصوم أن العدالة الباطنة هى التى يرجع فيها إلى أقوال المزكين ، اهـ، فعلى هذا كان يلزم أن يقال فى رسم الصحيح (( مارواه العدل ظاهرا أو باطنًاً)) أو ((ما رواه قوى العدالة)) كما ألزمناهما أنه كان يتعين أن يقال فى رسم الصحيح بالنسبة إلى قيد الضبط ((تام الضبط)» كما أتى به الحافظ فى النخبة وتابعه المصنف فى مختصره، واحترزوا به عمن خف ضبطه ، وهو راوى الحسن كما عرفناك ، وأما العدالة فلضم جعلوا عدالة راوى الحسن لذاته والصحيح شيئاً واحداً ، وهنا خلفوا ذلك جمل المصنف المستور العدل الذى يفيد خبره ظناً غير قوى، وابن الصلاح جعل العدل ظاهراً لا باطنا، نعم لأهل الحديث كلام فى الجهول كثير يأتى تحقيقه. (وقد ورد ) إطلاق ( المستور فى عبارات أصحابنا، والمراد به العدل كما استعمل ذلك أهل الحديث ، قال الشيخ أحمد بن محمد الرصاص فى الجوهرة فى شروط الراوى : إنها أربعة: أحدها أن يكون الراوى عدلا مستورا، هذا لفظه، ولم أعلم أحداً اعترضه من أهل الشروح على الجوهرة) لايخفى أنه إذا كان مستوراً بمعنى عدل عندهم يكون قوله مستوراً بعد قوله عدلا تكريماً، ولا يخفى أيضاً أن أهل الأصول من قبل الشيخ أحمد ومن بعدهلايجعلون كون العدل مستوراً شرطاً فى الرواية، بل الكتب الأصولية متطابقة على شرطية العدالة فى الراوى، ورسموا العدالة بما عرفت ، وجعل المستور شرطا يلزم منه أن كامل العدالة ليس من شروط الرواية، ولعله يقول: إنه يدخل بالأولى (فالستور فى عرف المحدثين ٠٠٠ ٠ ١/١٤ - من قصر عن المتواترة عدالتهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر ) اعلم أن لفظ ابن الصلاح فى المستور انه المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل فى الظاهر وهو المستور، هذا لفظه، ثم قال: وقد قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلا فى الظاهر ولا تعرف عدالته باطناً ، وقرر الزين كلام ابن الصلاح، وقال: مراد ابن الصلاح ببعض أئمتنا هو البغوى فهذا لفظه بحروفه فى التهذيب ، وتبعه عليه الرافعى ، انتهى كلام زين الدين، والمصنف قال : إن المستور فى عرف المحدثين من قصر عن المتواترة عدا التهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر ، فعلى كلامه لابد أن تكون عدالته أمرا بين الأمرين ، وهذا غير كلام ابن الصلاح ومن تبعه ومن تقدمه فى تفسير المستور، وتقدم أن الحافظ ابن حجر قال : إن المستور من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، فلا أدرى من اين جاء هذا التفسير الذى أتى به المصنف للمستور وزعم أنه اصطلاح المحدثين ثم هذه الرتبة التى ذكرها رتبة مجهولة فهذا كلامه فى عدالة المستور أى من حيث العدالة ، وأما من حيث حفظه فقال (أو من قصر عن الحفاظ فى مرتبة الاتقان والضبط العظيم) يريد أن المستور إما مستور العدالة فهو الذى فسره قريبا، أو مستور الحفظ وهو الذى لا يبلغ رتبة الاتقان والضبط، وهو الذى خف ضبطه المذكور فى تعريف الحسن لذاته قلت: ولا خفاء أن هذا خلط لشرائط الحسن لذاته والحسن لغيره فان الحسن لذاته هو من خف ضبط رواته كما سلف والحسن لغيره قد يكون راويه ضعيفا موصوف بسوء الحفظ كرواية الترمذى عن عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحظ وحسن الترمذى حديثه، وروى عن مجالد وحسن حديثه وقد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وروى عن عبيد بن معقب وهو ضعيف جدا اتفق أئمة النقل على تضعيفه،وقد قدمنا هذا وزيادة عليه فيما حققناه لك من أن الحسن عند الترمذى شرط أن لايتهم راويه بالكذب ولا ينفرد بالحديث - ١٨٥ - (ونحن) أيها الزيدية (نوافقهم) أى المحدثين (فى الطرفين مما) فى قبول المستور، وقبول من لم يبلغ درجة المتقنين فى الضبط (أما الطرف الأول) وهو الموافقة من الزيدية فى قبول المستور (فقد ثبت نص الجوهرة) حيث جعل من شروط قبول الراوى كونه عدلا مستوراً ، قلت : إلا أنه لا يعزب عتك أن صاحب الجوهرة جعل ذلك شرطا للراوى مطلقاً، سواء كان من رواة الصحيح أو الحسن، وأهل الحديث على رأى المصنف جعلوه شرطا للحسن ، إلا أنه لا يضر هذا فقد حصلت الموافقة فى شرط الأعم (التى هى مدرس الزيدية) فى عصر المصنف (على ذلك) يتعلق بنص (مع أنه مما لا يختلف فيه الأصحاب) من الزيدية (فان كتبنا الأصولية مشحونة بقبول كل من رجح حفظه على سهوه). وهذا هو المراد لمن لم يبلغ مرتبة أهل الاتقان فى الحفظ والضبط، إلا أن كلامه فى عدالة المستور هذا من القسم الثانى وهو عدم بلوغ رتبة المتقنين فى الضبط . (واختلف أصحابنا إذا استويا، فذهب المنصور بالله إلى أنه لا يجوزطرح حديثه وأن طريق قبوله الاجتهاد ، ذكره) أى المنصور بالله (فى الصفوة )) وحكاه عنه فى الجوهرة) تقدم الكلام على هذا أول الكتاب، كما تقدم على قوله( وذهب عبد الله بن زيد إلى قبوله ، وهذا كله يدل على قبول من حديثه حسن، والله أعلى) عند الفريقين الزيدية والمحدثين قد عرفت مما كررناه وقررناه أن الحسن قسمان: حسن لذاته ، وحسن لغيره ، وأن الحسن عند الترمذى الذى يصف به أحاديث كتابه أو غالبها من القسم الثانى ، وقال الحافظ ابن حجر : إنه نقل ابن الصلاح وغير واحد الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح، وإن كان دونه فى المرتبة وهو القسم الذى ذكره الخطابى، وقد علمت أن القسم الذى ذكره هو الحسن لذاته، قال: وأما الحسن الذى ذكره الترمذى، بجميع أنواعه فانه يظهر له أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول دون الثانى، قال: فان - ١٨٦ - الترمذى يطلق الحسن على الضعيف والمنقطع إذا اعتضد، قال: فلا يتجه إطلاق الاحتجاج به جميعه، ويؤيد هذا قول الخطيب : أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وقد صرح أبو الحسن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب فى كتابه بيان الوهم والايام بأن هذا القسم لا يعمل به كله ، بل يعمل به فى فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به فى الأحكام ، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل ، أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن، إلى آخر ماقدمناه من كلامه قريبا، هذا من كلام الحافظ فى نبكته على كتاب ابن الصلاح ، ثم قال: ويدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم أن يحتج به أنه أخرج حديثاً من طريق خيثمة البصرى عن الحسن عن عمران بن حصين ، وقال بعده : هذا حديث حسن وليس إسناده بذاك ، وقد قدمناذلك وقد نص أهل الحديث فى مراتب التعديل على أن صالح الحديث يكتب حديثه للاعتباربه، وتصوا أيضا فى مراتب التجريح على أن الضعيف يكتب حديثه للاختبار به بخلاف الضعيف بمرة والمردود والمتروك وغير ذلك من العبارات. فبان لك أن الضعيف عنده هو صالح الحديث) أخذ المصنف من قول الأئمة إن صالح الحديث وضعيفه يكتب حديثه أن صالح الحديث هو ضعيف الحديث لاشترا كهما بالحكم بكتب حديثما، وفى كتاب ابن الصلاح الرابعة - أى من ماتب التعديل - إذ قيل ((صالح الحديث)) فانه يكتب حديثه للاعتبار، فجعل هذه المرتبة الرابعة فى التعديل - وقال فى مراتب التجريح: أولها إذا قالوا ((لين الحديث؛ قال ابن أبى حاتم: إذا أجابوا بأنه لين الحديثفأنه يكتب حديثه. وينظر فيه إهتيارا ، الثانية قال ابن أبى حاتم: إذا قالوا ضعيف ليس بالقوى فهو بمنزلة الأولى فى كتب حديثه إلا أنه دون الثانية، وإذا قالوا ضعيف .. الحدیث فهو دون الثانی لا یطرح حديثه بل يعتبر به ، انتهى. فعرفت من كلامه. - ١٨٧ - أن صالح الحديث من هو فى المرتبة الرابعة من مراتب التعديل ، وأن قولهم (ضعيف ليس بقوى)) هو ثانى مراتب التضعيف، وقولهم (ضعيف الحديث) وهو ثالثها تكتب أحاديثهم للاعتبار، وإن لم يصرح بكتب حديث من هو فى هذه المرتبة ، لكنه صرح بأنه لا يطرح حديثه وأنه يعتبر بهاعتباره بكتابته، وبالجملة فقد جمع بين أهل المرتبة الرابعة من مراتب التعديل وبين أهل المراقب الثلاث من مراتب التجريح للاعتبار بأحاديثهم، وعدم الاطراح لها ، لكنها وإن جمعها ما ذكر فهى متفاوتة كما ذكره، فقول المصنف («إن الضعيف عندهم هو صالح الحديث)) غير صحيح؛ لأن صالح الحديث من المعدَّلين ومن أهل مراتب التعديل ، بخلاف الضعيف على أقسامه الثلاثة إن جعلنا اللين منه وإنه مجروح للتضعيف، وكونه جمع بينه وبين صالح الحديث كتب حديث كل منها لا يلزم منه اتحادهما، فقد قالوا فى أهل المراتب الثلاث من مراتب التجريح: إنه يكتب حديثهم ، فان كان الضعيف هو صالح الحديث لكونه يكتب حديثه فالضعيف من أهل مراتب التعديل كما تال المصنف (وأنه) أى الضعيف ( فى المرتبة الرابعة من مراتب العدول كما سيأتى) فيلزم أنه ليس للتجريح إلا مرتبة واحدة، وهى مرتبة المتروك والكذاب ونحوهما ، وهو خلاف صريح كلامنهم فيها يأتى، ثم المراتب مختلفة كما عرفت (فكيف برجال الحسن) قد عرفت أن رجال الحسن لذاته ليسوا بضعفاء ، بل هم خفيفو الضبط ، فهم الذين ينبغى أنْ يقال فيهم عند ذكر ضعفاء الرواة: فكيف لا يقبل رجال الحسن ، وأما رجال الحسن لغيره ففيهم الضعفاء وأهل سوء الحفظ فلا يقال عند قبول ضعفاء الرواة فكيف برجال الحسن، إذ هم من ضعفاء الرواة ليسوا قسما من غيرهم. قلت : ثم لا يخفى بعد هذا كله أن كَتْبَ الحديث للاعتبار ليس دليلا على قبول رواته والعمل بروايتهم، والسياق من المصنف فى العمل بالحسن ،، وقال ابن حجر الهيشمى فى كتابه الفهرسة فى ترجمة الترمذى مالفظه «اتفق الفقهاء كلهم ٠ ١٨٨ - على الاحتجاج بالحسن ، وعليه جمهور المحدثين والأصوليين، بل قال البغوى : أكثر الأحكام إنما ثبتت بالحسن، ووافقه الخطابى، وهو قسمان: أحدهما حسنٌ لذاته، وهو أن يشتهر رواته بالصدق، لكنهم لم يصلوا فى الحفظ والاتقان إلى رتبة رواة الصحيح، وثانيهما حسن لغيره، وهو أن يكون فى الاسناد مستور لم تتحقق أهليته غير مغفل ولا كثير الخطأ فى روايته ولا متهم بتعمد الكذب ولا ينسب إلى مفسق آخر ، واعتضد بمتابع أو شاهد ، وقد قال النووى إمام : زمانه فى هذه الصناعة فى بعض أحاديث ذكرها : وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوى بعضه بعضاً، ويصير الحديث حسناً ويحتج به، وسبقه إلى ذلك البيهقى وغيره ، ويحمل ذلك على ما ضعفه ناشئ عن سوء الحفظ أو اختلاط أو تدليس مع كون رواته من أهل الصدق والديانة ، أما الضعف بنحو كذبه أو شذوذه فلا يَجْبُره شىء، والحاصل أن ما حسنه لذاته يحتج به مطلقا ، وما حسنه لغيره إن کثرت طرقه احتج به، وإلا فلا ، وقد نقل النووى اتفاق الحفاظ على ضعف حديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا » مع كثرة طرقه، نعم كثرة طرقه القاصرة عن جَبْ بعضها لبعض ترقيه عن درجة المنكر الذى لا يعمل به فى الفضائل ولا غيرها إلى رتبة الضعف الذى يجوز العمل به فى الفضائل إجماعا، انتهى، وهو كلام حسن . واعلم أن ابن الصلاح رسم الضعيف من الحديث بقوله « كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف )» (وقد يرتقون ) أى الضعفاء ( إلى أرفع من مرتبة الضعف، ولذا قالوا فى ترجمة سفيان الثورى المجمع على ثقته وأمانته ونصحه لله ولرسوله وللمسلمين : إنه كان يُدَلِّس عن الضعفاء) فى الميزان ((سفيان بن سعيد الثورى الحجة الثبت متفق عليه مع أنه كان يدلس عن الضعفاء ، ولكن له نقدٌ وذوق، ولا عبرة بقول ٠ - ١٨٩ - من قال: كان يدلس ويكتب عن الكذابين، انتهى)) ( فهؤلاء هم الضعفاء فى عرف المحدثين الذين حديثهم منجبر بالشواهد ونحوها ويجب العمل بك ) قد . عرفت أنهم جعلوا مراتب الجرح أربعاً فقالوا فى ثلاث منها: إنه يكتب حديث أهلها للاعتبار ، وقالوا فى الرابعة - وهو من أطلقوا عليه متروك - : إنه لا يكتب حديثه ، فعلى كلام المصنف إنه لا يترك إلا من قالوا فيه كذاب ونحوه ، على أنه يأتى له فى إطلاقهم كذاب ونحوه بحث، فعلى تقريره الضعفاء ليسوا بمجاريح، ولذا قال ( ولو كان سفيان يدلّس عن المجر وحين لكان مجروحا ولما أصفق ) بالضاد المهملة، فقَاء فقاف: أى أجمع ( الثقات على الاحتجاج بحديثه) وقد قال الذهبي (( الحجة الثبت بالاتفاق)) (وهم يعرفون ذلك) أى أنه لا يدلس عن المجروحين، بل إنما يدلس عن الضعفاء، والضعفاء ليسوا بمجاريح، هذا تقرير مراد المصنف . قلت : ولا يعزب عنك أنه سيأتى لهم وقد أشرنا إليه أن ألفاظ التجريح أربع ثانيها ((ضعيف ليس بقوى)) ثالثها ((ضعيف الحديث)) فهاتان صيغتان فى التجريح، فكيف يقول هذا ضعيف وليس بمجروح: هل هذا إلا تناقض؟ نعم هؤلاء ضعفاء مجاريح غير كذا بين كما قال الذهبى إن سفيان كان يدلس عن الضعفاء ولاعبرة بقول من قال كان يدلس ويكتب عن الكذابين، فالقياس. على ما تفيده هذه العبارات أن يقال : إن الضعفاء غير الكذابين يقبلون ، ويقبل من يدلس عنهم وإن كانوا مجاريح ، فهو جرح لا يخرجون به عن الاعتبار، وحاصله أنا نناقش المصنف فى قوله إن سفيان لا يدلس عن المجر وحین، مع تصريحهم أنه يدلس عن الضعفاء، والضعفاء مجاريح، ولذا أثبت الذهبى تدليسه عن الضعفاء ، ونفى تدليسه عن الكذابين ، فهو يدلس عن ضعفاء مجاريح غير كذابين . ( ولكن قليل المعرفة باصطلاحهم فى عباراتهم لا يعرف ذلك ) أى لا يعرف ٠ - ١٩٠ - أنهم يقبلون بعض الضعفاء ، بل يظن أن كل ضعيف فان حديثه مردود ( ولهذا يتجه) بتوجـ ( على الراغب فى علم الحديث أن يبدأ بقراءة علوم الحديث ويمعن النظر فيها) لئلا يغلط عليهم إذا جهل اصطلاحآتهم فان علوم الحديث تعرفه بذلك ( فتأمل ذلك فاذ مفيد جداً) أى محقق مبالغ فيه كما فى القاموس، ووجه نفعه أنه إذا لم يعرف علوم الحديث واصطلاح أئمته غلط عليهم ، فبمعرفته لاصطلاحهم الذى أودعوه علوم الحديث لا يحصل له الغلط . (وقد ذكر الشافعى مثل هذا فى المراسيل ، فقال: إذا جاء المرسل من طريقين مختلفين فأكثر قبل) لتقويه (وإلا لم يقبل) لضعفه بالانفراد ( وأما المجهول فليس يقوى حديثه بمتابعة مثله ) أى بمتابعة مجهول مناه، قال ابن الصلاح: إن المجهول عند أصحاب الحديث كل من لم يعرفة العلماء ، ومن لم يعرف حديثه إلامن راوٍ واحد ، ثم مثل بجماعة. ( وقد ذكر ابن الصلاح نحو هذا الكلام ، فقال : ليس كل ضعف فى الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت فمنه ضعف يزيله ذلك ) أی مجيئه من وجوه . قلت : قد مثل ذلك بحديث ابن عمر فى سد الأبواب إلا باب على كرم الله وجهه، وهو فى مسند أحمد من رواية أحمد عن وكيع عن هشام بن سعدعن عمرو ابن راشد عن ابن عمر، وفيه (ولقد أوتى ابن أبى طالب ثلاث خصال لأن تكون لى واحدة أحب إلى من حمر النعم: زوّجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته وولدت له ، وسد الأبواب إلا بأبه فى المسجد ، وأعطاه الرایة یوم خیبر » ورواته ثقات ، إلاّ أن هشام بن سعد قد ضعف من قبل حفظه ، وأخرج له مسلم، حديثه فی رتبة الحسن، لاسيما مع ماله من الشواهد ، وله شاهد من حديث ابن عمر أيضاً أورده النسائى فى الخصائص بسند صحيح عن ابن إسحاق عن العلاء ابن عرار، فذكره ، والعلاء وثقه ابن معين ، ورواه ابن أبي عاصم من طريق - ١٩١ عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبى أنية عن أبى إسحاق ((سألت ابن عمر)) فذكره ، وأخرجه أحمد من حديث سعد بن مالك ، قال الحافظ ابن حجر: باسناد حسن، قال: وأما ادّعاء ابن الجوزى أنهما من وضع الرافضة فدهوى عرية عن البرهان ، وقد أخرج النسائى فى الخصائص حديث سعد ، وفيه أيضاً حديث زيد بن أرقم بإسناد صحيح ، وأخرج أيضاً حديث ابن عباس ، وقال : وسد الأبواب غير باب على رضى الله عنه، قال: فيدخل المسجد جُباً، وهو طريقه ليس له طريق غيره ، فى حديث طويل، وأخرج أحمد فى مسنده أيضاً هذين الحديثين، وأخرجهما الترمذى لكنه قال فى حديث ابن عباس بعد أن أخرجه عن محمد بن حميد عن إبراهيم بن المختار عن شعبة عن أبى بلخ عن عمروبن ميمون عنه : غريب لا نعرفه عن شعبة إلا من هذا الوجه، وتعقبه الحافظ الضياء فى المختارة بأن الحاكم والطبرانى رَوَياه من طريق مسكين بن بكير عن شعبة وهى أصح من طريق الترمذى ، وأبو بلخ وثقه يحيى بن معين وأبوحاتم ، وقال البخارى: فيه نظر، انتهى. ويشهد له حديث أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال لِعَلَىّ رضى الله عنه: « لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيرى وغيرك)) رواه الترمذى، وقد ادّعى أن هذا الحديث يعارض حديث أبى سعيد الخرج فى الصحيحين ((لا يبقين فى المسجدخوخة إلا سدت، إلاخوخة أبى بكر)» ولكنها دعوى غير صحيحة، لأن الجمع ممكن بأن أحدهما فيما يتعلق بالأبواب وقد ورد بيان سببه فى حديث مرسل أخرجه إسماعيل القاضى فى أحكام القرآن بسنده عن المطلب أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم (( لم يكن يأذن لأحد أن يمر من المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا على رضى الله عنه لأن بيته كان فى المسجد .. أى مع بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان يحتاج إلى استطراق المسجد». وحديث أبى بكر فيما يتعلق بالخوخ، فلا تعارض، ولا وضع، أفاد هذا الحافظ ابن حجر فى نكته، فهذا الحديث قد كان فى رواته ضعف بسوء الحفظ جاء من ٤ - ١٩٢ - طرق كثيرة أزال ذلك الضعف ، وبه تعرف ما فى قول ابن حجر الهيتمى : إنه استقر الأمر على ضعف حديث «يا على لا يحل لأحد يجنب فى هذا المسجد غیری وغيرك)) فانه قال : إنه استقر الأمر على أنه حديث ضعيف وقد يكون ضعف الرواة بماقاله ابن الصلاح ونقله عفه المصنف بقوله( بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة فاذا رأينا مارواه ) أى الحديث الذى رواه (قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظ ولم يختل فيه ضبطه له) وقد حققناه بالمثال ، وهذا كلام حز (وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الارسال زال بنحو ذلك ، كما فى المرسل الذى يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قلبل يزول بروايته من وجه آخر، قال) أى ابن الصلاح ( ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك) أن بمجيئه من طرق ( لقوة الضعف ) فى الراوى ( وتقاعد هذا الجابر عن جبره) أى عن جبر ضعفه، وتسميته جابراً مجاز، وإلا فانه لم يجبر هذا الضعف ( كالضعف الذى ينشأ من كون الراوى متهماً بالكذب) فان الجابر لا يقوى على زوال تلك التهمة ، ومثلوا ذلك بحديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثاًمن أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فى زمرة الفقهاء والعلماء)» وفى لفظ «بعد. فقيهاً عالماً)» قال النووى: إنه اتفق الحفاظ على ضعفه وإن كثرت طرقه، بعد أن قال: إنه روى عن على وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهم بطرق كثيرات بروايات متنوعات ، قاله النووى فى صدر الأربعينية التى جمعها وسماها دعائم الاسلام (أو كون الحديث شاذاً) أى: أن الجابر يتقاعد عن زلل الضعف عن حديث نشأضعف من اتهام رواته بالكذب أو من كونه حديثاً شاذاً ، ويأتى بيان الشاذ (انتهى كلامه) أى ابن الصلاح (وسيأتى أنه ليس يشترط فى الشاذ الذى أشار إليه إلا أن لا يكون راويه فى مرتبة الثقات الأثبات من رجال الصحيح ، ولافى مرتبة من دونهم من رجال الحسن كما سيأتى واضحاً) ذكر ابن الصلاح كلام - ١٩٣ - الأئمة فى الشاذ، وتعقبه، ثم قال: فنقول إذا انفرد الراوى بشىء نظر فيه ، فان كان ما انفرد به مخالفً لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفردبه شاذاً مردوداً ، وإن كان لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هذا أمر رواه هو ولم يروه غيره ، فينظر فى هذا الراوى المنفرد: فإن كان عدلا حافظاً موثوقا باتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، انتهى، فراده هنا بالشاذ الذى لا ينجبر هو الأول من القسمين ( فهذا يدلك على أن رجال الحسن مرتفعون عن مرتبة المجاهيل والضعفاء بيرة، انتهى) فكلام ابن الصلاح فى الشاذ دل على أن رتبة رجال الحسن ليسوا من المجاهيل ولا الضعفاء . قلت : قد قدمنالك أن الحسن لذاته ليس رجاله ضعفاء ولا مجاهيل، والحسن لغيره فى رجاله الضعفاء وغيرهم كما حققناه لك بالأمثلة والتنصيص على ذلك ، فالمصنف رحمه الله خلط اعتباره لصفات الحسن لذاته بصفات الحسن لغيره كما نيهناك عليه مراراً (وقد نصوا على ذلك فى علوم الحديث ، فجعلوا الضعيف غير المجهول ) قد قدمنالك كلام ابن الصلاح فى المجهول وأنه قسمان ، قال : والمجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يعرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد ، ذكر هذا عن الخطيب البغدادى ، إلا أنه قال ابن الصلاح: إن فى رجال البخارى أحاديث عن قوم ليس لهم إلا راو واحد (وممن ذكره زين الدين فى قسم الضعيف من التبصرة ، ولكن يلزم من هذا قبول المنفرد من رجال الحسن) لأنهم إذا قالوا بأن الشاذ هو من ينفرد وليس فى مرتبة رجال الصحيح ولا الحسن ، وأنه يرد - لزم أنه إذا انفرد من هو من رجال الحسن أن يقبل ( ولا يجب مراعاة متابعة غيره ) قلت : هذا ملتزم عندهم فى الحسن لذاته ، فانهم لم يعتبروا فى رسمه إلا خفة ضبط رواته كما عرفت ، فانهم قالوا (( فإن خف الضبط فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصح)» فلم يجعلوا متابعة (١٣ - تنقيح ١) - ١٩٤ - غيره له إلا شرطاً لصحته لا لحسنه ، وأما الحسن لغيره فقد عرفناك مراراً أنه لا يصير حسناً إلا بمتابعة غيره ( وهذا لازم على قواعد الفقهاء والأصوليين ، ودفْع هذا من المحدثين غير جيد ، والله أعلم) قلت : قد عرفناك غير مرة أن المحدثين لا يدفعون هذا ، ولا أدرى كيف التبس على المصنف مع إمامته فى كل فن (قال ابن الصلاح: وهذه الجملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعإ ذلك فانه من النفائس العزيزة، واعلم أن رجال الحسن متى كانوا مشهورين بالصدق والعدالة وأتت له طرق أخرى فلك أن تحكم بصحته) هذا ذكروه فى الحسن لذاته، وهذا عندهم هو الصحيح لغيره ، وقد حققه فى النخبة وشرحها ، ولفظ ابن الصلاح « إذا كان الراوى متأخراً عن درجة أهل الحفظ والانقان غير أنه من المشهورين بالصدق والستر وروى مع ذلك حديثه منغير وجه فقداجتمعت له القوة من الجهتين ، وذلك يُرفى حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحة )» انتهى، واعلم أنه لا بد من تقييد عبارة المصنف وابن الصلاح بخفة ضبط من اشتهر بالصدق ليكون من قسم الحسين ، وإلا كان من الصحيح لذاته ، فان رجال الصحيح لذاته هم المشهورون بالصدق والعدالة ( كحديث محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا « لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )» قال ابن الصلاح) بعد سياقه لما ساقه المصنف (محمد بن عمرو ابن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكنه لم يكن من أهل الاتقان حتى ضعفه بعضهم بسوء حفظه) فى الميزان أن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص المدنى الليثى شيخ مشهور حسن الحديث مكثر عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، قد أخرج له الشيخان متابعة ، قال يحيى القطان: أما محمد بن عمرو فرجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث ( ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته) قال ابن عدی : روی عنه مالك فى الموطأ وغيره ، وأرجو أنه لا بأس به ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث، وقال النسائى: ليس به بأس ، ذكر ذلك كله الذهبى فى الميزان (حديئه 1 - ١٩٥ - من هذه الجهة حَسَنٌ ) لأنه لم يتفق على إتقانه فى الحفظ فهو ممن خف ضبطه ( فلما انضم إلى ذلك كونه) أى حديث السواك (مرويا من طرق أخرى) لفظ ابن الصلاح ((من أوجه أخر)» ومثلها عبارة الزين نقلا عنه (زال بذلك ماكنا نخشاه من جهة سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا. الاسناد والتحق بدرجة الصحيح) قلت: كأنه مجرد مثال وإلا فهذا الحديث أخرجه الشيخان بلفظه من حديث أبى هريرة : رواه البخارى من حديثمالك، ومسلم من حديث ابن عيينة ، وهذا لفظه عندهما من المتفق عليه ، وَسَيِنُبّه. المصنف على ذلك . ( قال زين الدين: وقد أخذ ابن الصلاح كلامه هذا ) الذى سلف قريباً ( من الترمذى ؛ فانه قال بعد إخراجه) من هذا الوجه ( حديث أبى سلمة عن أبى هريرة عندى صحيح، قال) الترمذى (وحديث أبى سلمة إنما صح لأنه قد روى من غير وجه ) لفظ الزين وحديث أبى هريرة عوض أبى سلمة ( قلت : قول ابن الصلاح فصح هذا الاسناد ولم يقل فصح هذا الحديث مشكل؛ لأن متن الحديث صحيح متفق عليه من طريق الأعرج عن أبى هريرة) كما قدمنا لك قريباً . واعلم أن كلام المصنف هذا إشارة إلى فائدة مهمة ذكرها ابن حجر فى .. فهرسته فقال : فائدة مهمة عزيزة النقل كثيرة الجدوى والنفع ، وهى من المقرر عندهم أنه لا تلازم بين الاسناد والمتن، إذ قد يصح السند أو يحسن لاجتماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط ، دون المتن الشذوذ أو علة ، وقد لايصح السند ويصح المتن من طريق أخرى، فلاتنافى بين قولهم («هذا حديث صحيح)) لأنمرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف، فى الظاهر، لاقطعا لعدم استلزام الصحة لكل فرد فرد من أسانيد ذلك الحديث ، فعلم أن التقييد بصحة السند ليس صريحاً فى صحة المتن ولا ضعفه، بل هو على الاحتمال فهو دون الحكم بالصحة د ١٩٦ - أو الحسن للمتن إذ لا احتمال حينئذ، وبهذا تعرف قول المصنف رحمه الله (وإنما انفرد محمد بن عمر وبرواية الحديث من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة ، فلم يتابع على الاسناد ، فلم يصح الاسناد، وإنما توبع على الحديث فصح، وإذا قال زين الدين: وليس المراد بالمتابعة كونه رواه عن أبى سلمة عن أبى هريرة غير محمد بن عمرو ، ولكن متابعة شيخه أبى سلمة عليه عن أبى هريرة ، فقد تابع أبا سلمة عليه عن أبى هريرة عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج وسعيد المقبرى وأبوه أبو سعيد وعطاء مولى أم حبيبة وحميد بن عبد الرحمن وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وهو متفق عليه من طريق الأعرج) ولما كانت المتابعة نوعين أشار إليهما بقوله (والمتابعة قد يراد بها متابعة الشيخ ، وقد يراد بها متابعة شيخ الشيخ كما سيأتى الكلام عليه فى فصل المتابعات والشواهد ) إن شاء الله تعالى. ١٣ مسألة | في بيان شرط أبى داود] (شرط أبى داود - قال ابن الصلاح: من مظانّ الحسن سنن أبي داود) المظان: جمع مظنة بكسر الظاء ، وهى مَنْعلة من الظن ، وقال المطرزى : المظنة العلم من ظن بمعنى على ، قال فى المصباح : وقد يستعمل الظن بمعنى اليقين ، ومنه المظنة بكسر الظاء للعلم ، وهو حيث يعلم الشىء ، قال النابغة : * فان مظنة الجهل الشباب ﴾ (١). . (١) هذه إحدى روايتين فى البيت، والأخرى فان مطية الجهل الشباب. -- ١٩٧ -- ( قال ابن الصلاح: وروينا) فى المصباح مالفظه («روى البعير الماء يرويه - من باب رمى - حمله، فهو راوية، والهاء للمبالغة، ثم أطلقت الراوية على كل دابة يستقى عليها ، ومنه قيل: رويت الحديث إذا حملته ونقلته ، وتعدى بالتضعيف فيقال: رؤيت زيداً الحديث)) انتهى (عن أبى داود أنه قال: ما كان فى كتابى هذا من حديث فيه وهنٌ شديدبينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح) قال الزين: أى للاحتجاج، ويأتى عن الحافظ ابن حجر احتمال أنه صالح للاعم من ذلك ( وبعضها) أى بعض أحاديثه الدال عليه ((من حديث)) (أصح من بعض، قال) أى ابن الصلاح (وروينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ومايقاربه، وروينا عنه أنه يذكر ما عرفه فى ذلك الباب(١)، قلت : أجاز ابن الصلاح والنووى وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عنه أبو داود لأجل هذا الكلام المروى عنه وأمثاله مماروى عنه) قال الحافظ ابن حجر : إن قول أبى داود (( وما فيه وهنٌ شديد بينته)) يفهم أن الذى يكون فيه وهن غير شديد أنه لا يبينه، ومن هنا تبين أن جميع ماسكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن إذا اعتضد ، وهذان القسمان كثير فى كتابه جداً ، ومنه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم. يجد فى الباب غيره ، وأنه أقوى من رأى الرجال، وكذلك قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر فى الباب غيره ، ونحو هذا ما روينا عن الامام أحمد فيما نقله ابن المنذر عنه أنه كان يحتج بعمروبن شُعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن فى الباب غيره، وأصرح من هذا ما روينا عنه فيما حكاه أبو العزبن كادس أنه قال لابنه : لو أردت أن (١) هكذا وقعت العبارة فى الأصلين ، والذى فى كتب القوم أنه قال إنه « یذکر فی کل باب أصح ما عرفه فى ذلك الباب )» ٠٨ - ١٩٨ أقتصر على ما صح عندى لم أرو من هذا المسند إلا الشىء بعد الشىء، ولكنك يا بنى تعرف طريقتى فى الحديث، إنى لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان فى الباب شىء يدفعه، هذا ما روى من طريق عبد الله بن أحمد بالاسناد الصحيح إليه، قال: سمعت أبى يقول: لا تكاد ترى أحداً ينظر فى الرأى إلا وفى قلبه ذغل، والحديث الضعيف أحب إلى من الرأى ، فهذا نحو ما حكى عن أبى داود، ولا عجب فانه كان من تلامذة الامام وأحمد ، فغير مستنكر أن يقول قوله ، بل حكى النجم الطوقى عن العلامة تقى الدين بن تيمية أنه قال: اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقاً لشرط أبى داود ، ومن هنا تظهر لك طريقة من يحتج بكل ما سكت عنه أبو داود ، فانه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء فى الاحتجاج ويسكت عنها مثل ابن لهيعة وصالح مولى التوعمة وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وسلمة بن الفضل ودلهم بن صالح وغيرهم ، فلا ينبغى للناقد أن يقلدهم فى السكوت على أحاديثهم ، ويتابعه فى الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر: هل لذلك الحديث متابع يعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه لاسيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فانه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير ، كالحارث بن دحية وصدقة الدقيقى وعمرو بن واقد العمرى ومحمد بن عبد الرحمن البيلمانى وأبي حيان الكلبى وسليمان بن أرقم وإسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وأمثالهم فى المتروكين ، وكذلك مافيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين بالعنعنة والأسانيد التى فيها من أيهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبى داود لأن سكوته تارة یکون اكتفاء بما تقدم من الكلام فى ذلك الراوى فى نفس كتابه ،. وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوى واتفاق الأئمة على طرح روايته كأبي الحويرث ويحيى بن العلاء وغيرهما ، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر فان فى رواية أبى الحسن بن العبد عنه من الكلام : - ١٩٩ - على جماعة من الرواة والأسانيد ماليس فى رواية اللؤلؤى ، وإن كانت روايته عنه أشهر ، ثم عدّ أمثلة من أحاديث السنن فيها ما يؤيد ما قاله ، ثم قال : والصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه ، والمعتمد على مجرد سكوتهلا یری ذلك فكيف يقاده فيه، هذا جميعه إن حملنا قوله (ومالم أقل فيه بشىء فهو صالح» على أن مراده صالح للحجة وهو الظاهر ، وإن حملناه على ماهو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد أو المتابعة فلا يلزم منه أن يحتج بالضعيف ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التى سكت عليها وهى ضعيفة هل منها أفراد أولا إن وجد فيها أفراد تعين الحمل على الأول، وإلا حمل على الثانى، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عنه للاحتجاج مطلقاً ، انتهى. ( قال النووى: إلا أن يظهر فى بعضها أمر يقدح فى الصحة والحسن وجب ترك ذلك، أو كما قال ) لفظ الحافظ ابن حجر نقلاعن النووى أنه قال : فى سنن أبى داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها ، فلا بد من تأويل كلامه، قال: والحق أنّ ما وجدناه فى سننه مما لم ينبه ولم ينص على صحته . أو حسنه أحد من يعتمد فهو حسن ، وإن نص على ضعفه من يعتمد أو رأى العارف فى سنده ما يقتضى الضعف ولا جابر له حكم بضعفه، ولا يلتفت إلى سكوت أبى داود، قلت : وهذا هو التحقيق، ولكنه خالف ذلك فى مواضع كثيرة فى شرح المهذب وفى غيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبى داود عليها فلا تغتر بذلك ، انتبى . ( قال ابن الصلاح مامعناه: وعلى هذا ما وجدنا فى كتابه مذكوراً مطلقاً ولم تعلم صحته عرفناه أنه من الحسن عند أبى داود ، وقد يكون فيه ما ليس بحسن عند غيره) ثم ذكر بعيد هذا مثل ماذكره الحافظ من أنه قد يخرج الاسناد الضعيف إذالم يجد فى البابغيره لأنه أقوى عند،من رأی الرجال(وقداعترض - ٢٠٠ - ابن رشيد) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد القهرى (الأندلسى على ابن الصلاح لأن ماسكت عنه يحتمل عند أبى داود الصحة والحسن ) لفظ الزين أنه قال ابن رشيد« ليس يلزم من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف ولا نص عليه غيره بصحة أن الحديث عند أبى داود حسن ، إذ قد يكون عنده صحيحاً وإن لم يكن عند غيره كذلك، (وقال أبو الفتح) البشرى (هذا تعقب حسن) قلت: لا يعزب عنك بعد تحقيق ماسلف عن الحافظ ابن حجر ما فى كلام ابن الصلاح وفيما تعقب به (قال زين الدين ) فى شرح ألفيته ( وقد يجاب عنه) أى عن تعقب ابن رشيد ( بأنه) أى ابن الصلاح ( إنما ذكر مالنا أن نعرف الحديث به) الذى سكت أبو داود عنه (عنده) أى عندأبى داود ( والقدر المتحقق الحسن دون الصحة وإن جاز أن يبلغها عند أبى داود ) لفظ زين الدين ((إنما ذكر ابن الصلاح مالنا أن نعرف به الحديث عنده ، والاحتياط أن لايرتفع به إلى درجة الصحة وإن جاز أن يبلغها عند أبى داود» قال (لأن عبارته) أى أبى داود ( فهو ) أى ما سكت عنه (صالح، وهى تحتمل، فان كان يرى الحمن رتبة بين الصحيح والضعيف فالاحتياط ماقاله ابن الصلاح) لأن الذى سكت عنه لم يحكم له بالصحة ولا بالضعف فيكون حسناً وهو مراده حينئذ بقوله صالح ( وإن كان رأيه) أى أبى داود ( كالمتقدمين أنه) أى الحديث من حيث هو (ينقسم إلى صحيح وضعيف) وأنه لا يقول بالحسن (فما سكت عنه فهو صحيح عنده) وإن لم تجتمع فيه شرائط الصحة التى سلفت فى رسم الصحيح ، وذلك هو الصحيح الأخص. قلت: ولا يخفى أن قول أبى داود ((صالح)» حماء ابن الصلاح على حسن فألزمه ابن رشيد أنه يحتمل الأمرين الصحة والحسن ، والمراد الصحة بالمعنى الأخص لأنه قابل بها الحسن فالالزام مبنى على رأى من يجعل الحديث ثلاثة أقسام لا على رأى من يجعل الصحة شاملة للحسن كما لا يخفى ، فلا يتم ما قاله الزين ، نعم إن صح أن رأى أبى داود عدم الحسن كان ماسكت عنه صحيحاً بالمعنى الأعم -