Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
على أنه لا يتمهذا إلا فى القسم الثنائى من الحسن كما ستعرفه من كلام المصنف
(وغرض الترمذى إفهام مراده ، لا التحديد المنطقى ، فلا اعتراضَ عليه
بمناقشات أهل الحدود ) من دعوى العموم والخصوص ، وقد عرفت ما فيه
(وأَوْرَدَ الشيخ زين الدين على كلام الترمذى هذا سؤالا متجهاً) وذلك أنه
شرط فى الحديث أن يُرْوَى من غير وَجه ( وهو أنه قد حَسْنَ أحاديث لا تروى
إلا مِنْ وَجه واحد، كحديث إسرائيل) بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى
(عن يوسف بن أبى بُرْدَة) بن أبى موسى الأشعرى (عن أبيه) أبى بردة (عن
عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من الخلاء قال
غفرانك ، قال ) الترمذى ( فيه) بعد روايته له ( حسن غريب لا نعرفه إلا من
حديث إسرائيل عن يوسف بن أبى بردة ، ولا يعرف فى هذا إلا حديث عائشة)
فوصفه بالحسن مع تصريحه بأنه لا يعرف فى هذا الباب غيره، فدل على أنه لم
يأت منز وجه آخر، فكان نقضاً لما رسم به الحسن (وأجاب الشيخ
أبو الفتح اليعمرى عن هذا الحديث بأن الذى يحتاج إلى مجيئه من غير وجه
ما كان راويه فى درجة المستور) ويأتى تعريفه (ومن لم تثبت عدالته) ولايخفى
أن هذا زيادة قيد لم يصرح به الترمذى ( وأكثر مافى الباب أن الترمذى عرف
الحسن بنوع منه لا بكل أنواعه) والنوع الذى قد غرفه وهو ما كان فى رواته
مستور ومن لم تثبت عدالته ، وحديث عائشة هذا ليس فيه مستور ولا من لم
تثبت عدالته ( قلت : أظنّ أن أبا الفتح يريد أن الغرابة فى الحديث إنما هى
فى رواية يوسف له عن أبيه عن عائشة ، ولم يتابع يوسف على هذا أحد ،
ويوسف ثقة بغير خلاف ) وإذا كان كذلك فلا يشترط أن يأتى من وجه آخر
(وأما إسرائيل فيمختلفٌ فيه ) فلا بد بالنظر إليه من إتيان الحديث من وجه
آخر ، وهذا مبنى على أن مراده أى أبى الفتح اليعمرى بقوله ومن لم تثبت
عدالته من لم يتفق على عدالته ليقابله المصنف بقوله مختلف فيه (لكنه لم ينفرد)
(١١ - تنقيح ١)

- ١٦٢ -
إسرائل (بالحديث عن يوسف ) حتى يلزم أنه حديث فيه من لم تثبت عدالته
ولم يرو من وجه آخر، بل قد رواه عن يوسف غير إسرائل، إذا عرفت هذا
( فالحديث حَسَنٌ) أى من هذا النوع من الحسن ( بالنظر إلى رواية إسرائيل
وغيره من الضعفاء) لأنه قد وجد فی رواته من لم تثبت عدالته وقد روى من
وجه آخر عن جماعة من الضعفاء ( عن يوسف ) فهو من هذا النوع أعنى الحسن
الذى عرفه المصنف لاجماع الشرائط فيه (وغريب بالنظر إلى تفرد يوسف
بروايته عن أبيه عن عائشة) فيتم وصفه بالحسن والغرابة لوجودهما فيه .
واعلم أن إسرائل اعتمده الشيخان فى الأصول ، وقال الذهبى فى الميزان :
هو فى الثبت كالأسطوانة، فلا يلتفت إلى تضعيف من ضعفه، وقال أحمدبن حنبل:
ثقة ، وكان يتعجب من حفظه ، وقال الحافظ ابن حجر فى التقريب: ثقة تكلم
فيه بلا حجة ، وأما يوسف بن أبى بردة فقال: مقبول ولم يذكر فيه قدحاً، ولا
ذكره الذهبى فى الميزان لأنه ليس على شرطه ( وقال ابن الجوزى فى العلل
المتناهية وفى الموضوعات ) كتاب ابن الجوزى ( الحديث الذى فيه ضعف قريب
محتمل هو الحديث الحسن بشرط الترمذى) الذى عرفته فى التحسين (وقال ابن
الصلاح: وقد أمْعَنَتُ النظر) فى القاموس: أمعن فى الأمر أبعد ، وعبارته وقد
أمعنت النظر فى ذلك والبحث (جامعاً بين أطراف كلامهم، ملاحظا مواقع
استعمالهم، فتنقح لى) كأنه من تنقيح الشعر تهذيبه (واتضح أن الحديث
الحسن) فى اصطلاحهم فى كلامهم ( قسمان : أحدهما الذى لاتخلو رجال إسناده
- من مستور) فسر الحافظ ابن حجر فى التقريب المستور بقوله « بأنه من روى
عنه أكثر من واحد ولم يوثق)) قال: وإليه الإشارة بلفظ «مستور)) أو ((مجهول
الار)، وفى شرح ملاقارى النخبة وشرحهالابن حجر أن المستور (( الذى لم يتحقق
عدالته ولا جرحه)» وقال السخاوى ((المستور الذى لم ينقل فيه جرح ولا تعديل،

- ١٦٣ -
وكذا إذا نقلا ولم يترجح أجدهما)» وفى حاشية تلميذه(١) أن الراوى إذا لم يُسَمْ
كرجل سمى مبهماً، وإن ذكر مع عدم تمييز فهو المهمل، وإن لم يتميز ولم يرو
عنه إلا واحد فمجهول، وإلا فمستور، انتهى. ويأتى للمصنف كلام فى المستور غير
هذا ( لم تتحقق أهليته ، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو منهم
بالکنب فی الحدیث ، أىلم يظهر منه الكنب فى الحديث ولا) متهم( بسبب
آخر مفسق) هذا فى الراوى (و) فى المروى (یکون متن الحديث مع ذلك قد
عرف بأن يروى مثله أو نحوه من وجه آخر) والمثل ما يساويه فى لفظه أو معناه،
والنحو مايقاربه فى معناه (أو أكثر حتى) يكون قد (اعتضد بمتابعة من تابع
راويه على مثله أو بماله من شاهد، وهو ورود حديث آخر مثله، فيخرج بذلك
عن أن يكون شاذاً أومنكراً ، وكلام الترمذى على هذا القسم يتنزل) قال الحافظ
ابن حجر : إن المعرف عند الترمذى هو حديث المستور.
قلت : وهذا كما فهمه المصنف ، ولا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل.
الحسن، وليس هو فى التحقيق عند الترمذى مقصوراً على رواية المستور، بل
يشترك فيه الضعيف بسبب سوء الحفظ ، والموصوف بالخطأ والغلط ، وحديث
المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما فى إسناده انقطاع خفيف ، فكل
ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة ، وهو: أن لا يكون فيهم من يتهم
بالكذب، ولا يكون الإِسناد شاذا ، وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه
من وجه آخر فصاعدا ، وليس كلها فى المرتبة على حد سواء، بل بعضها أقوى من
بعض، ومما يقوى هذا ويعضده أنه لم يتعرض لمشروطية اتصال الاسناد أصلا،
بل أطلق ذلك، ولهذا وصف كثيرا من الأحاديث المنقطعة بكونها حسانا .
:
(١) المراد تلميذ الحافظ ابن حجر، وتلميذه هو العلامة المحقق ابن القاسم
وله شروح على كثير من مؤلفات أستاذه

-٠١٦٤-
ثم قال : فمن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية الضعيف السىء الحفظ
مارواه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة
عن أبيه، قال : إن امرأة من بنى فزارة تزوجت على فعلين ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ((أرضيت من نفسك ومالك بنعلين?)) قالت: نعم،
الحديث، قال الترمذى («هذا حديث حَسَنٌ، وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة
وأبى حدَرد(١) )» وذكر جماعة غيرهم ، وعاصم بن عبيد الله قد ضعفه الجمهور،
ووصفوه بسوء الحفظ ، وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، وقد حسن الترمذى
حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط، والله أعلم .
ومثال ماحسنه وهو من رواية الضعيف الموصوف بالخطأ والغلط : ما أخرجه
من طريق عيسى بن يونس عن مجالد بن أبى الوداك (٢) عن أبى سعيد، قال:
كان عندنا خمر ليتيم ، فلما نزلت آية المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، فقلت: إنه ليتيم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ((أهر يقوه -الحديث))
فقال « هذا حديث حسن )).
قلت: ومجالد (٣) ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن
لمجيئه من غير وجه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أنس وغيره .
ثم قال: ومن أمثلة ما وصفه بالحسْن وهو من رواية مَنْ سمع من مختلط بعد
اختلاطه : ما رواه من طريق يزيد بن هرون عن المسعودى عن زياد بن (٤)
(١) حدرد: هو بفتح الحاء وسكون الدال ، وبعدهاراء مفتوحة فدال،
وحروفه كلها مهملة
(٢) الوداك : هو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة
(٣) مجاهد: هو بضم الميم يعدها جيم،وبعد الألف لام مكسورة فدال مهملة
(٤) علاقة: هو بكسر العين المهملة وبعدها لام، وبعد الألف قاف فهاء

- ١٦٥ -
علاقه، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام فإ يجلس، فسبح
به منْ خلفه، فأشار إليهم أن قوموا ، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدنى
السهو وسلم، وقال «هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)» قال :
هذا حديث حسنٌ.
قلت : والمسعودى اسمه عبد الرحمن، وهو ممن وصف بالاختلاط ، وكان
سماع يزيد منه بعد أن اختلط ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه آخر بعضها
عند المصنف أيضاً.
ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية مدلّس قد عنعن : ما رواه من
طريق يحيى بن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بُرَيدة عن
أبيه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال ((المؤمن يموت بعرق الجبين)) قال:
هذا حديث حسَنٌ ، وقد قال بعض أهل العلم: لم يسمع قتادة من عبدالله بن بريدة
قلت : وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ، ولوصح أنه سمع منه
فقتادة مدلّس معروف بالتدليس ، وقد روى هذا بصيغة العنعنة ، وإنما وصفه
بالحسن لأن له شواهد من حديث عبد الله بن مسعود وغيره .
ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الاسناد : ما رواه من طريق عمرو
ابن مرّة عن أبى البخترى (١) عن على رضى الله عنه، قال: إن النبى صلى الله
عليه وآله وسلم قال لعمر فى العباس رضى الله عنه ((إن عم الرجل صِنْوُ أبيه))
وكان عمر تكلم فى صدقته ، وقال : هذا حديثٌ حسن.
قلت : أبو البخترى اسمه سعيد بن فيروز، ولم يسمع من على رضى اللهعنه،
فالاسناد منقطع، ووصفه بالحسن لأن له شواهد مشهورة من حديث بريدة وغيره
(١) البخترى: هو بفتح الباء الموحدة فمكون الخاء المعجمة، بعدها
· تاء مثناة مفتوحة فراء مهملة فتحتية مثناة مشددة

- ١٦٦ -
وأمثلة ذلك عنده كثيرة ، ثم ساق الحافظ منها شطراً صالحاً ، وذكر
تصريح الترمذى بوصفه لأحاديث بالحسن مع تصريحه بانقطاعها ، فانه قال فى
محلات : هذا حديث حَسَن وليس إسناده بمتصل ، ثم قال الحافظ: وذلك مصیر
منه إلى أن الصورة الاجتماعية لها تأثير فى التقوية، وإذا تقرر ذلك كان مِنْ
رأيه - أى الترمذى - أن جميع ذلك إذا اعتضد بمجيئه من أوجه أخر نُزِّل
منزلة الحسن، احتمل أن لا يوافقه غيره على هذا الرأى ، أو يبادر للافكار عليه
ما إذا وصف حديث الراوى الضعيف أو ما إسناده منقطع بكونه حَسَناً فاحتاج
إلى التنبيه على اجتهاده فى ذلك، وأفصح عن مقصده فيه ، انتهى .
قلت : وبه تعرف عدم ورود ما أورده بدر الدين ابن جماعة على ابن الصلاح
أنه يلزم حيث نزل كلام الترمذى على هذا القسم دخول المرسل والمنقطع فى
رسم الحسن عند الترمذى ، إذا كان فى رجالهما مستور ، وروى مثله أو نحوه
من وجه آخر ، لما عرفت من التزامه دخول ذلك فى رسم الحسن إذا روى من
وجه آخر حسن، لأنه لا يشترط الاتصال فى الحسن ، وهو شرط فى الصحيح
اتفاقا ، وتعرف أيضاً أن الحسن على اصطلاحه غير الحسن على اصطلاح الحافظ
ابن حجر والمصنف كما أشرنا إلى ذلك .
(القسم الثانى ) من الحسن ( أن يكون راويه من المشهورين بالصدق
والأمانة غير أنه لا يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم فى الحفظ
والاتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يْعَدُّ ما ينفرد به منكراً ، قال) أى
ابن الصلاح ( ويعتبر فى كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً أو
منكراً سلامته) نائب يعتبر ( من أن يكون معللا ، وعلى القسم الثانى ينزل
كلام الخطابى) حيث قال: الحسن ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، كما نقله عنه
المصنف آنفاً ( قال) أى ابن الصلاح ( فهذا كلام جامع كما تفرق فى كلام من

- ١٦٧ -
بلغنا كلامه فى ذلك، قال: وكأن الترمذى ذكر أحد نوعى الحسن) بتعريفه
الماضى (وذكر الخطُأبى) فيما مضى من كلامه ( النوع الآخر ، مقتصراً كل
واحد منهما على ما رأى أنه مشكل ، أو أنه غفل عن البعض) أى غفل كل
واحد من الترمذى والخطابى عما تركه (وذهل ، انتهى كلام ابن الصلاح فى
تعريف الحسن)
قال الحافظ ابن حجر : بين الترمذى والخطابى فى ذلك فرق ، وذلك أن
الخطابى قصد تعريف الأنواع الثلاثة عند أهل الحديث، فذكر الصحيح، ثم
الحسن، ثم الضعيف، وأما الذى سكت عنه ـ وهو حديث المستور إذا أتى
من غيروجه -- فانما سكت عنه لأنه عنده ليس من قبيل الحسن ، فقد صرح
بأن رواية المجهول من قسم الضعيف ، وأطلق ذلك ولم يُفَصل ، والمستور قسم
من المجهول ، وأما الترمذى فلم يقصد التعريف بالأنواع المذكورة عند أهل
الحديث، بدليل أنه لم يعرف بالصحيح ولا بالضعيف ، بل ولا بالحسن المتفق
على كونه حَسَناً ، بل المعرف عنده هو حديث المستور على ما فهمه المصنف ،
ولا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن .
(قال) أى ابن الصلاح (ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله
مندرجا فى أنواع الصحيح لاندراجه فى أنواع ما يحتج به ، قال: وهو الظاهر من
تصرفات الحاكم ، وهو لا ينكر أنه دون الصحيح المقدَّم، فهو إذاً اختلاف فى
العبارة، انتهى) اعلم أنه تحصّل من الأبحاث السابقة أن الحسن قسمان: حسن
لذاته ، وهو الذى قصد الخطابى تعريفه، والذى عرفه الحافظ ابن حجر فى النخبة
والمصنف فى مختصره، فالبما رسما الصحيح برسمه المعروف، ثم قالا: فان خف
الضبط فهو حسن لذاته ، وظاهر كلامهما أنه لا يفارق الصحيح إلا هدفة الضبط
لا غير، ولذا قال ابن الصلاح: إن رجاله رجال الصحيح، لكنهم يقصرون
منهم فى الحفظ والإتقان، وهذا هو الذى يقال: إنه أعم من الصحيح مطلقاً،

- ١٦٨ -
والصحيح أخص منه ، وهذا القسم يشترط فيه الاتصال ، ولذا نقل المصنف
عن البعض أن قول الخطابى (( ما عرف مخرجه)) احتراز عن المنقطع ، وهذا هو
القسم الثانى الذى ذكره ابن الصلاح فيما نقله عنه المصنف ونَزُّل عليه كلام
الخطابى، وهذا القسم لم يتعرض له الترمذى ، إذ ليس من اصطلاحه ، وهو
الذى أدرجه بعض المحدثين فى الصحيح ، والقسم الثانى هو ما وقع عليه اصطلاح
الترمذى ، وهو الذى لم يشترط فيه الاتصال ولا عدم تدليس راويه ولا وصفه
بالغلط والخطأ ولا عدم ضعفه ولا عدم سماع الراوى من شيخه بعد الاختلاط ،
كماقررناه كله بأمثلته عن كلامه ، وإنما اشترط أن يزوى من غير وجه نحو
ذلك ، فهذا يوصف بالحسن عند الترمذى، وهو بهذا الرسم مباين للصحيح ،
لا يلاقيه بعموم ولا خصوص ، ومباين للحسن أيضاً بالمعنى الأول .
قلت : ومن هنا تعرف أن كلام ابن المَوَّاق غير صحيح حيث زعم أن
كل صحيح عند الترمذى حسن، وليس كل حسنٍ صحيحاً ، بل هما عنده
متباينان، إن كان رأى ابن المواق فى الصحيح رأى الجمهور، وإنما هذا العموم
والخصوص يجرى فى الحسن لذاته الذى رسمه الخطابى وغيره، وتعرف أن قول
المصنف فيما سلف « إن الترمذى يشترط فى رجال الصحيح من قوة العدالة
وقوة الحفظ والإتقان ما لا يشترط فى رجال الحسن » غيرُ صحيح ، فان الترمذى
لم يشترط فى رجال الحسن إلا عدم التهمة بالكذب ، ولم يشترط عدالة ولا إتقانا
لا قويا ولا ضعيفاً، وكيف يشترطهما وقد جعل من أقسام الحسن رواية الضعيف
الموصوف بالغلط والخطأ ورواية من روى عمن سمع عن المختلط ما سمعه منه حال
اختلاطه ؟ وكيف وهو لا يخلو رجال إسناده عن مستور والمستور: من لم يوثق ؟
وإنما هذه القيود التى ذكرها المصنف قيود الحسن لذاته، فسأخر ذهنه الشريف
من أحد الحسنين إلى الآخر ، فوصف ما هو حسن بالغير بسمنة ماهو حسن بالذات
تنبيه - عرف المصنف الحسن فى مختصره بقوله « فان خف و كان له من
مے

- ١٦٩ -
جنسه تابع أو شاهد فالحَسن)) وعرفه الحافظ ابن حجر فى النخبة بقوله « إن
خف الضبط فهو الحسن لذاته)) وقد عرفت مما قدمناه أن الحسن لذاته لايحتاج
إلى شاهد وتابع، وهذا هو الحسن لذاته الذى عرفه الخطابى ، والثانى - وهو
الذى يحتاج إلى شاهد وتابع - هو الحسن لغيره، وهذا هو الذى أراده الترمذى
وحملوا عليه عبارة الترمذى ، فإذا عرفت هذا عرفت أن المصنف رحمه الله
خلط التعريفين ، فأخذ خفة الضبط من رسم الحسن لذاته ، وأخذ اعتبار الشاهد
والتابع من رسم الحسن لغيره ، فان الحسن الغير لا يلاحظ فيه خفة ضبط رواته ،
بل يقبل مع حصول ضعف الراوى أو غلطه، كما لا يلاحظ الشاهد أو التابع فى رسم
الحسن لذاته ، فرس المصنف غير صحيح على التقديرين ، ولا يقال: هذا
اصطلاح له لأنه بصدد بيان اصطلاح أئمة الحديث.
( فان قيل: هل يجوز العمل بما حكم الترمذى بتحسينه وتصحيحه ) لاخفاء
أن الكلام فى تحسين الترمذى، فذكر تصحيحه استطراد لأجل العامة المذكورة
( فان ابن حزم قد زعم أنه) أى الترمذى (مجهول) والمجهول لا يعتبر تحسينه
ولا تصحيحه ( وأن الحفاظ قد يعترضونه فى بعض ما يحسنه أو يصححه) ويثبتون
أنه يصحح حديث من لم يجتمع فيه صفات رواة الصحيح ويحسن حديث من.
ليس حديثه بحسن ( مثل حديث ((الصلح جائز بين المسلمين)) فانه رواه)
الترمذى ( من طريق كثير) بالمثلثة (ابن عبد الله بن عمروبن عوف المزنى المدنى
ثم صححه، وهذا الرجل) يعنى كثيراً (متروك بالمرة، ولم ينقل له توثيق عن أحد
من أهل الحديث، بل قال الشافعى وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب،
وقال ابن حبان: له رواية عن أبيه عن جده نسخة موضوعة ) قال الذهبى فى
ترجمته فى الميزان: قال ابن معين: ليس بشىء، وضرب أحمد على حديثه ، وقال
الدارقطنى وغيره: متروك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين ، وقال النسائى: ليس
بثقة ( وقال الذهبي) فى الميزان (وأما الترمذى فروى له حديث «الصلح جائز
۔
٠

.
- ١٧٠ -
بين المسلمين)) وصححه ، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذى ، انتهى
كلامه فى الميزان فى ترجمة كثيربن عبد الله المذكور ، قلنا: قد قال الذهبي )
فى الميزان ( فى ترجمة الترمذى: إنه حافظ على ثقة مجمع عليه ، ولا التفات إلى
قول أبى بكر محمد بن حزم فيه إنه مجهول فانه ماعرفه ولا درى بوجود الجامع ولا)
كتاب ( العلل التى له، انتهى كلامه) وقال الذهبى فى التذكرة ؛ قال ابن حبان
فى كتاب الثقات : كان الترمذى ممن جمع وصنف وحفظ ، وقال أبو سعيد
الادريسى : كان أبو عيسى يضرب به المثل فى الحفظ، وقال الحاكم: سمعت
عمر بن علك يقول : مات البخارى ولم يخلف بخراسان مثل أبى عيسى فى العلم
والحفظ والورع والزهد، بكى حتى على وصار ضريراً سنين ، وقال فيها أيضا:
قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفى : الجامع - يريد كتاب
الترمذى -- على أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبى داود
والنسائى كما بينا، وقسم أخرجه الصدر وأبان عن علته ، وقسم رابع أبان عنه
فقال : ما أخرجت فى كتابى هذا إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء ، وقال فيها :
قال الترمذى : صنفت كتابى هذا وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان
فرضوا به، ومن كان فى بيته هذا الكتاب يعنى الجامع فكا مافى بيته نبئ يتكلم
انتهى ( وفيه) أى فى كلام الذهبى (ما يدل على جواز الاعتماد على تصحيح
الترمذى وتحسينه لانعقاد الاجتماع ) الذى حكاه الذهبي (على ثقته وحفظه فى
الجملة، ولكنه لماقدر منه الغلط الفاحش استحسنوا اجتناب ما صحح أو حسن)
ولما كان ظاهر كلام الذهبى التدافع وأنه لا يقبل تصحيح الترمذى ولا تحسينه،
دفعه المصنف بقوله ( وأما قول الذهبى إن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه ، فلعله
يريد لا يعتمدون على تصحيحه فيما روى عن كثير بن عبد الله كما ذلك موجود
فى بعض النسخ) أى من الميزان ( وقد قال ابن كثير الحافظ فى إرشاده : وقد
فوقش الترمذى فى تصحيح هذا الحديث ) فق عبارته إرشاد إلى أن المناقشة
---
ے

-١٧١-
فى تصحيح هذا الحديث بخصوصه ، لا فى كل ما صححه ( قلت: هذا خطأ نادر
والعصمة مرتفعة من الأئمة الحفاظ والعلماء وقد نص مسلم أنه ربما أخرج الحديث
فى صحيحه من طريق ضعيف لعلوّه والحديث معروف عند أئمة هذا الشأن من طريق
العدول ، ولكن باسناد نازل، روى هذا النووى فى شرح مسلم عن مسلم تنصيصاً)
وفى شرح مسلم أنه أذكر أبو زرعة عليه أى على مسلم روايته فيه أى فى صحيحه
عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصرى ، فقال مسلم: إنما
أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قدروى الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما.
وقعإلى عنهم بارتفاع، ويكون عندىبرواية أوثق م هم بنزول، فأقتصر على ذلك
وأصل الحديث معروف من رواية الثقات ، انتهى ( وكذا الترمذى يحتمل أنه
صحح هذا الحديث لثبوته من غير طريق كثير بن عبد الله المزنى هذا فالحديث
روى من غير طريق) أى من طرق كثيرة (وقد رواه الحاكم أبو عبد الله فى
مستدركه من طريق كثيربن زيد المدنى عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة
مرفوعاً) فى الميزان (( كثير بن زيد الأسلمى المدنى، قال أبو زرعة: صدوق فيه
لين، وقال النسائى: ضعيف)» والوليد بن رباح - بالراء والموحدة آخره
مهملة - قال فى التقريب: صدوق، ولم يذكره الذهبى فى الميزان (وقال الحاكم
صحيح على شرطهما) ولكن كثير بن زيد لم يخرجاله (وهو مقرون بعبد الله بن
الحسين المصيصى) نسبة إلى مصيصة - بمهملتين بينهما مثناة محتيه بزنة سفينة
ولا تشدد - بلد بالشام كما فى القاموس ، قال فى الميزان فى ترجمة عبد الله ين
الحسين المصيصى: قال ابن حبان: يسرق الأخبار ويقلبها ولا يحتج بما انفردبه
فقول المصنف (وهو ثقة) عجيب ، فلم يوثقه أحد فى الميزان، ولا ذكره الحافظ
فى التقريب (وأخرج الحاكم له شاهدين عن أنس وعائشة ، رواهما من رواية
عبد العزيزبن عبد الرحمن الجزرى ) فى الميزان ((عبد العزيز بن عبد الرحمن
النابلسى عن خصيف، اتهمه أحمد، وقال النسائى وغيره : ليس بثقة ، وضريب

- ١٧٢ -
أحمد على حديثه ( عن خصيف) بالمعجمة فصاد مهملة مصغر - فى التقريب: أنه
صدوق سيء الحفظ خلط بأخرَة، رمى بالإرجاء، وفى الميزان: إنه ضعفه أحمد،
وقال مرة : للس بقوى ، وقال ابن معين: صالح ، وقال مرة: ثقة .
إذا عرفت هذا فقد وقع للمصنف سبق قلم يجعله عبد العزيز جزرياً، وهو
نابلسى، وإنما الجزرى خُصيف ، ثم قد عرفت أن المصنف أراد حمل تصحيح
الترمذى لحديث كثير على ما قالهُ مسلم: إذا روى الحديث عن ضعيف فهو الحلوه
وهو ثابت عن العدول بنزول ، وهذه الطرق الثلاث التى ساقها المصنف كلها
لا تخلو عَنْ قال ، فإ يثبت حديث كثير عن العدول حتى يكون صحيحاً على
نحو ما قاله المصنف، بل غاية ما تفيده هذه الطرق أن تصيره حسناً لميرد على
رأى الترمذى، على أنه لا يصح ذلك هنا على رأيه ، لأنه إنما جعل حديث
المستور أو الضعيف أو أحد الخمسة التى ذكرناها حسناً لغيره إذا روى من
طرق ، وأما حديث عَنْ قال فيه الأئمة ((إنه ركن من أركان الكذب)) فلا ينطبق
عليه ما قاله الترمذى من أنه حَسَنٌ لغيره ، وحينئذ فلا يتم أن حديث كثير
صحيح ولا حَسَنٌ على القوْلين.
إذا عرفت هذا فلم يبق عُذْر للترمذى فى تصحيحه لحديث كثير بن عبدالله
إلا قول المصنف : إن هذا خطأ نادر، وإن العصمة مرتفعة عن الحفاظ والعلماء،
وأما هذه الشكلفات التى أراد بها المصنف ترويح ما وقع من تصحيح الترمذى
لحديث كثير فانها لم تقد ما دنْدَنَ حوله، وقد نسبه إلى غيره بقوله ( ذكر ذلك
الإمام الحافظ تقى الدين فى كتابه الالمام) لا شك فى إمامة الشيخ تقى الدين فان
كان ما ذكره المصنف كله عنه فقيه ما سمعته من نصوص أئمة الحديث فى رجال
ما ساقه من الأحاديث، وأنه لا يتم معها صحة تصحيح حديث كثير ولا تحسينه
(وذكر الحافظ ابن كثير الشافعى فى إرشاده أن أبا داود روى الحديث عن
أبى هريرة بأسناد حسن، هذا كله مع شهادة القرآن بذلك فى قوله ((والصلح

- ١٧٣ -
خير )) وفى قوله (( أو إصلاح بين الناس))) لكن عرفت أن الشواهد لا تنفع فى
حديث من جزم بكذبه ، إنما تنفع فيما ذكرناه من أنواع الحسن لغيره ، وكأنه
استشعر المصنف أنه يقال : فإذا ثبت الحديث من طريق حفاظ لا مغمز فيهم
فلم اختار الترمذى إيراده من طريق كثير؟ فقال (وأما اختيار الترمذى لاسناد
الحديث من طريق كثير بن عبد الله فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه لم يروه بالسماع
من غير طريقه، وقد عُرِفَتْ قوته وصحته) من طرق ( بالوجادة والاجازة
ومذاكرة الشيوخ) لا يخفى أن المصنف قد اجتهد فى البحث عن طرقه فذكر
تلك الطرق التى لم تنهض على صحته ولا حُسنه ( وثانيهما: أن يكون قد رواه من
طرق كثيرة فى كل منها مقال، فاكتفى بإيراد أحدها كما قد صح عن مسا أنه
كان يفعله) يريد ما تقدم من نصه، لكنه قال: إنه لا يفعل ذلك إلا والحديث
معروف عند أئمة هذا الشأن من رواية العدول ، ولم يتم هذا فى حديث كثير كما
عرفت (وكماصح عن أبى داود أيضاً أنه كان يفعله، بل قد صح عن البخارى
مثل ذلك ، ولكنه قليل ، فأنه قد روى نادراً فى الصحيح عمن ضعفه فى
تاريخه) فيه ما سلف ( ومما يدل على ذلك ) أى على أن حديث كثير ثابت
من غير طريقه ( أن الترمذى قد روى حديث التكبير فى صلاة العيدين ، من
طريق كثير بن عبد الله هذا وحَسَنَه ) لفظ الترمذى ((ثنا مسلم بن عمرو
وأبو عمر المدنى ، ناعبد الله بن نافع الصائغ ، عن كثير بن عبد الله ، عن
أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر فى العيدين فى الأولى
سبعاً قبل القراءة وفى الأخرى خمساً قبل القراءة ، وفى الباب عن عائشة وابن
عُمَرٍ وعبد الله بن عَمْرو ، قال أبو عيسى - يعنى الترمذى - حديث جد
كثير حديث حسن ، وهو أحسن شىء روى فى هذا الباب عن النبى صلى الله
عليه وآله وسلم ، واسمه عمروبن عوف المزنى، والعمل على هذا عند بعض أهل
العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره ، وهكذا روى عن

-: ١٧٤
أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى فى المدينة نحو هذه الصلاة ، وهو قول أهل
المدينة ، وبه يقول مالك بن أنس والشافعى وأحمد وإسحاق، انتهى (ولم
يصححه، فلو كان تصحيحه لحديث الصلح اعتماداً على كثير بن عبدالله لصحح
حديثه فى صلاة العيدين ، ولكنه حسن حديثه فى صلاة العيد لقصور شواهده
عن مرتبة الصحة ) لا يخفى أنه ذكر الترمذى لحديث كثير شواهد عن ثلاثة
من الصحابة ، وأنه عمل أهل المدينة، وأنه ذهب إليه أربعة من أئمة المذاهب،
فهذه الشواهد حسّنةٌ وإن كنا عرفناك أنه لا يتم تحسين حديث مَنْ قيل: إنه
كذاب (وصحح حديثه) أى كثير ( فى الصلح لارتفاع شواهده إلى مرتبة
الصحة) اعلم أنه تطابق الأئمة الثلاثة الذهبى وابن كثير والمصنف على أن
الترمذى صحح حديث كثير فى الصلح، وراجعت الترمذى فرأيت فيه مالفظه
(باب ما جاء فى الصلح : حدثنا الحسن بن على الخلال، ثنا أبو عامر العقدى،
ثنا كثير بن عبد الله بن عمروبن عوف المزنى ، عن أبيه ، عن جده ، أن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً
حرم حلالا أو أحل حراماً ، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالا أو
أحل حراما)) انتهى بلفظه، ولم يُتْبعه بحرف واحد من تصحيح ولا محسين ،
بل قال عقبه « باب ما جاء أن اليمين على ما يصدقه صاحبه)) والنسخة التى
راجمناها ظاهرة الصحة ، فلينظر غيرها من أراد ذلك (١)
(١) وجد بها مش اهنا مانصه «نظرت فى نسخة عظيمة قرئت على محمدبن
عبد الرحمن السخاوى، كما قاله هو فى آخرها بخطه، وإذا فيها عقيب ما نقله
سيدى رحمه الله مالفظه : هذا حديث حسن صحيح، قلت : هذا ملحقا بخط
ناسخ الكتاب ، وقد وجدناه فى نسخة من الترمذى أيضا، فيتم ما قيل من أنه
صححه الترمذى)) اهـ، وقد أضيفت هذه العبارة بحروفها إلى كبد الأم فى
ب، وعبارتها تنادى أنها زيادة ليست من كلام المؤلف .

٠ ١٧٥
ثم إنه لم يذكر الترمذى لحديث الصلح هذا شاهداً واحداً، وذكر لحديثه
فى تكبير العيد ما عرفت من الشواهد التى حَسَّه لأجلها، وتحسينه له مع كثرة
شواهده مما يدلك أنه لم يصحح حديثه فى الصلح أصلا لأنه لم يأت له بشاهد ،
وأما قول المصنف ((لارتفاع شواهده إلى مرتبة الصحة)) فقد عرفت أنه نقل
المصنف ثلاثة شواهد لا يخلو واحدٌ منها عن القدح، فأى مرتبة صحة ترقى حديث
الصلح يرتفع بها ؟ بل حديثه فى تكبير العيد له شواهد أكثر مما سقناها من
كلامه، فلو صحح الشواهد لصححه لأجلها، على أنه لم يجعل حديث كثير فى
التكبير حسناً مطلقاً ، بل قال: إنه أحسن شىء روى فى الباب، على أن كلام المصنف
هاهنا يناقض ما سلف له قريباً من التصريح بأنه ضعيف بالمرة: أى شديد الضعف
مردود، وذلك كأن يكون راويه منهما بالكذب ، فان حديثه لا يعتد به ولا
ترفعه الشواهد إلى درجة المقبول، وسبق كلامه فى كثير، وأنه من أركان الكذب
فتدبر (والعجب أن ابن النحوى ذكر فى خلاصته) أى خلاصة البدر المنير
( عن البيهقى أن الترمذى قال: سألت البخارى عنه - يعنى حديث كثير بن
عبد الله فى صلاة العيد - فقال : ليس فى الباب شىء أصح منه) قلت : بل
العجب أن الحافظ ابن حجر قال فى تلخيص الحبير بعد ذكره لحديث عمرو بن.
عوف فى تكبير صلاة العيد: إنه قال البخارى والترمذى: إنه أصح شىء فى هذا
الباب، انتهى، وقد قدمنا لك لفظ الترمذى وأنه قال: أحسن شىء فى هذا الباب،
لا أصح ، ولم ينقل عن البخارى تصحيحه ( وقال ابن دقيق العيد فى الالمام
فى هذا الحديث فى صلاة العيد: إن البيهقى روى عن الترمذى عن البخارى أنه
صحيح، لكن ابن دقيق العيد رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
ثم عزاه إلى الترمذى ، وعقبه برواية البيهقى) التى قال فيها إنه قال البخارى إنه
صحيح، ومحل التعجب أن المنقول عن البخارى إنما هو تصحيح رواية كثير
ابن عبد الله ، ونقل البيهقى عن الترمذى إنما هى فى رواية كثير ، وهى التى

- ١٧٩ -
أخرجها الترمذى ، فاتفق للشيخ تقى الدين وهمان : أحدهما نقل كلام البيهقى عن
الترمذى عن البخارى أنه صحح رواية عمروبن شعيب ، الثانية : عزوه حديث
عمرو بن شعيب إلى الترمذى ، ولم یرو الترمذی فی تکبیر العید إلا حديث كثير
ابن عبدالله (ورواية عمرو بن شعيب منسوبة إلى أبى داود وأحمد وابن ماجه
فى كثير من كتب الأحكام المستخرجة من الكتب الستة، ولم يصفها أحد
إلى الترمذى ، وكذلك هى غير موجودة فى جامع الترمذى من طريق عمرو
ابن شعيب، والله أعلم ) إنما هى عنده من طريق كثير بن عبد الله كما عرفت .
واعلم أنى راجعت سنن الحافظ أبى بكر البيهقى فرأيت فيه مالفظه بعد
سياقه لحديث كثير بن عبد الله ((قال أبو عيسى الترمذى: سألت حداً- يعنى
البخارى عن هذا الحديث فقال : ليس فى الباب شىء أصح من هذا ، وبه
أقول، وقال: حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى عن عمرو بن شعيب عن ..
أبيه عن جده فى هذا الباب هو صحيح أيضاً)) انتهى بلفظه - فعرفت أن
البخارى صحح الحديثين حديث عمروبن شعيب وحديث كثير بن عند الله ،
لأن قوله « وقال)) يريد به البخارى لأن السياق فيه ، إلا أنه قال فى حديث
كثير: إنه أصح شىءفى الباب ، وقال فى حديث عمروبن شعيب : إنه صحيح
وبعد هذا فلا عجب فى نقل ابن دقيق العيد عن البيهقى عن الترمذى عن
البخارى أنه قال فى حديث عمرو بن شعيب : إنه صحيح ، فانه نقل صحيح
لا عجب فيه ولا وهم ، ف إنما العجب من المصنف حيث ظن أن كلام الترمذى فى
نقله عن البخارى ليس فى روايته بتصحيح رواية كثير بن عبد الله ، بل
لرواية عمروبن شعيب، ولو تأمل لفظ ابن دقيق العيد الذى نقله لعلم أنه غير
اللفظ الذى قاله البخارى فى رواية كثير ، يعنى وقد نقله المصنف قريباً فإن
لفظها فى رواية كثير إنها أصح شئ فى الباب، ولفظه فى تصحيح رواية عمرو
٨٥٨.

- ١٧٧ -
ابن شعيب أنه صحيح، وهذا هو اللفظ الذى نقله ابن دقيق العيد ، فلو تأمل
العبارتين لعلم اختلاف اللفظين .
نعم عَزْ وِ ابن دقيق العيد لرواية عمروبن شعيب إلى الترمذى وهَمٌ بلاشك
إن صح أنه عزاه إليه، فإنا راجعنا سنن الترمذى فى باب التكبير من صلاة
العید فلم نجد فيه إلا روایة کثیر بن عبد الله .
نعم كلامه الذى نقله عن البخارى ونقله عنه البيـقى لم تجده فى جامع الترمذى
وكأنه ثبت عنه فى غير جامعه ، فإنه ليس فى جامعه على ما رأيناه إلا قوله بعد
سياقه لرواية كثير ((وهو أحسن شىء فى هذا الباب)) وفى النسخة الأخرى
أنه قال (( حسن صحيح)) ولم ينقل عن البخارى فيه شيئاً، وقد ذكر أن نسخ
الترمذى كثيرة الاختلاف فتراجع نسخه .
ثم اعلم أنه قال الحاكم فى رواية عمروبن شعيب وكذلك ما روى عن
عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة أن طرقها كلها فاسدة ، وقال
ابن رشد فى نهاية المجتهد ١١١: إنما صاروا - يريد فى تكبير العيدين - إلى
الأخذ بأقاويل الصحابة لأنه لم يرو عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فيها
شئ ، انہی .
قلت : والمصنف قد ذكر رواية أبى هريرة وأنه قال الحاكم : إنها
صحيحة على اشرطهما، ثم ذكر الرواية عن أنس وعائشة، وقد عرفت أن
الحاكم ذكر أن طرق تلك الأحاديث فاسدة ، وساق منها حديث أبى هريرة،
فعارض ما نقله عنه المصنف، وإنما قال الحاكم (( إن طرقها كلها فاسدة)» لأن
فى حديث عائشة ابن لهيعة، قال الطحاوى فى معانى الآثار « ثنا ابن الجارود،
(١) اسم كتاب ابن رشد ((بداية المجتهد ونهاية المقتصد))
(م. ١٢ - تنقيح١)

- ١٧٠ -
قال: ثنا سعيد بن كثيربن عفير ، ثنا ابن لهيعة ، عن أبى الأسود ، عن
عروة، عن أبى واقد الليثى، عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم صلى
بالناس يوم الفطر والأضحى، وكبر فى الأولى سبعاً وقرأ سورة ق والقرآن المجيد،
وفى الثانية خمساً وقرأ اقتربت)» وله طرق أخرى ساقها الطحاوى كلها تدور على
ابن لهيعة ، وكلام الأئمة فيه معروف ، ولأنه اضطرب فيه: فتارة يرويه عن
عقيل، وتارة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب ، ومرة عن أبى الأسود عن
عروة عن عائشة وأبى واقد ، وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الطحاوى
أيضاً قال (( حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا عبدوس العطار ، عن الفرح بن
فضالة ، عن عامى الأسلمى ، عن نافع، عن ابن عمر ، عن النبى صلى الله عليه
وآله وسلم فى تكبير العيد فى الركمة الأولى سبعاً ،وفى الثانية خمساً، ثم قال الطحاوى :
((إنما تدور على عبد الله بن عامر، وهو عندهم ضعيف، وإنما أصل الحديث عن
عمر نفسه، وأما حديث عمرو بن شعيب فانه يدور على عبد الله بن عبدالرحمن ،
وليس هو عندهم بالذى يحتج به » هذا كلام الطحاوى .
قلت : قد عرفت ما نقله البيهقى عن البخارى من أن حديث عمرو بن
شعيب صحيح، ونقله ابن دقيق العيد، ونقله المصنف أيضاً، وفيه هذا الراوى
الذى قال الطحاوى : إنه لا يحتج به عندهم، ورأيت فى ترجمته فى الميزان
فقال ((عبد الله بن عبد الرحمن أبو يعلى الطائفى الثقفى، ذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقال ابن معين: صويلح، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائى وغيره:
ليس بالقوى، وكذا قال أبو حاتم ، قال ابن عدى : أما سائر أحاديثه ـ- يعنى
عمرو بن شعيب - فهى مستقيمة فهو ممن يكتب حديثه ، قال : ثم خلط من
بعده)) انتهى كلام الذهبى ، ثم قال الطحاوى (( ثم هذا أيضاً عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، وذلك عندهم ليس بسماع)»، وأما حديث أبى هريرة
فقال الطحاوى ((ثنا أبو بكرة، ثنا روح ، ثنا مالك وصخر بن جويرية ونافع»

- ١٧٩ -
فأما مالك فالامام المعروف ، ونفع مثله، وصخر بن جويرية وثقه أحمد وجماعة ،
وقال ابن معين : صالح ، وقال أبو داود : تكلم فيه ، وأما روح فهو ابن عبادة
القيسى فقيه حافظ مشهور من علماء أهل البصرة ، تكلم فيه القواريرى بلا
حجة ، حدث عن مالك سماعا، وأخرج له الستة ، أفاد هذا الحافظ الذهبي فى
الميزان ، وأما أبو بكرة فشيخ الطحاوى لا أعرف له ترجمة إلا أنه يعتمده
الطحاوى كثيراً .
إذا عرفت هذا فأحسن الأحاديث فى تكبير العيدين حديث أبى هريرة
لما عرفت من رجال إسناده ، وتكون الأحاديث الأخر شواهد له ، فيقوى
القول بهذه الصفة فى التكبير ، ولعل بهذه الشواهد ينهض الدليل على ذلك ،
ولو نقل المصنف رحمه الله هذه الشواهد لحديث كثير لقللت من التهجين على
الترمذى فى تصحيحه حديثه إن صح أنه صححه ( فهذا الكلام انسحب من
ذكر شروط الترمذى فى التحسين والعمل بما حسنه) اعلم أنه يظهر من كلام
المصنف أنه يُعمل بما حسنه الترمذى ، وقد عرفت مما سقناه عن الحافظ ابن
حجر أنه حسن الترمذى أحاديث فيها ضعفاء وفيها من رواية المدلّسين ومن كثر
غلطه وغير ذلك، فكيف يعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة ? وقد نقل الحافظ
عن الخطيب أنه قال: أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل
الصَّدوق المأمون على ما يخبر به ، قال الحافظ أيضاً: وقد صرح أبو الحسن بن
القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل الغرب فى كتابه بيان الوهم والابهام أن، هذا
القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به فى فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به
فى الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل ، أو موافقة شاهد
صحيح، أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوى رائق ما أظن منصفاً يأباء ، ويدل
على أن الحديث إذا وصفه الترمذى بالحسْن لا يلزم أن يحتح به لأنه أخرج حديث
خيثمة البصرى عن الحسن عن عمران بن حصين ، وقال بعده (« هذا حديث

-١٨٠ --
حسن وليس إسناده بذاك)) وقال فى كتاب العلم بعدأن أخرج حديثاً فى فضل العلم
«هذا حديث حسن وإنما لم يُقَل لهذا الحديث صحيح لأنه يقال إن الأعمش
دّس فيه فرواه بعضهم عنه فقال حُدْثتَ عن أبى صالح عن أبى هريرة، انتهى)»
فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، لكن
فى كل من المثالين نظر، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما أنهما جاءا من وجه
آخر كما تقدم تقريره، لكن محل بحثنا هنا: هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم
له بالحجة أم لا بل يتوقف فيه ؟ والقلب إلى ما حرره ابن القطان أميل
انتهى كلامه .
( وقد اختلف الناس فى العمل بالحسن مطلقاً) أى على رأى الجمهور وعلى
وأى الترمذى ( بعد تسليم حسنه، فذهبَ البخارى إلى أن الحديث الحسن
لا يعمل به فى التحريم والتحليل، واختاره القاضى أبو بكر بن العربى فى عارضته)
أى فى كتابه المسمى ((بعارضة الأحوذى شرح الترمذى)) (والجمهور على
خلافهما ، والحجة مع الجمهور ، إنان راوى الحسن ممن تشمله أدلة وجوب قبول
الآحاد ) لأنه من أخبار الآحاد فيقبل خبره ، وإذا قبل عمل به ( فانه لا بد أن
يكون راويه مظنون العدالة مظنون الصدق) ومن ظن عدالته وصدقه وجب قبول
خبره ، ولما ذكر أنه لا بد وأن يكون راوى الحسن مظنون العدالة والصدق
أشكل عليه اصطلاح الترمذى فأورده ودفعه بقوله .
( فان قلت إنما شرط الترمذى أن يكون الراوى غير متهم بالكذب ولا
منفرد بالحديث ) فانه معنى قول الترمذى فى حقيقة الحسن ((ولا يكون الحديث
شاذاً)) (وغير المتهم أعم من أن يكون ثقة مخبوراً أو مستوراً أو مجهولا ، فان كان
مجهولا وتابعه مجهول مثله لم يكن فى الحديث حجة ) فيلزم قبول المستور والمجهول،
وأن يكون حديثهما حسناً إذا توباولو يمثلهما، قلت: ولا يخفى عليك أن
المصنف قد قدم أن الترمذى يشترط فى رواة الحسن قوة الحفظ والاتقان ، وإنما
.