Indexed OCR Text
Pages 41-60
-٤ - عن أبى هريرة ونحوهم ، مع أن البخارى لم يكثر من إخراج أحاديث مره تكلم فيهم ، وغالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم ، ولاشك أن المرء أشد معرفة بحديث شيوخه وبصحيح حديثهم من ضعيفه ممن تقدم عن عصرهم، بخلاف مسا فى الأمرين ، فان أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه من المتقدمين ، وقد أخرج نسخهم كما قدمنا ذكره، ثم إن من مخرج لهم البخارى من تكلم فيه من المتقدمين بخرج أحاديثهم غالباً فى الاستشهادات والمتابعات والتعليقات، بخلاف مسلم فانه يخرج لهم الكثير فى الأصول ، فأكثر مَنْ يخرج لهم البخارى فى المتابعات يحتج بهم مسلم. وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإ علال فلأن ما انتقد على البخارى من الأحاديث أقل عدداً مما انتقد على مسلم، فان جملة الأحاديث التى انتقمتْ عليهما مائتا - بألف التثنية - حديث وعشرة اختص البخارى منها بأقل من ثمانين . قلت : هذا كلام الحافظهنا، وسيأتى نقل المصنف عنه أنه ذكر فى مقدمة فتح البارى مما اعترضه الحفاظ على البخارى مائة حديث وعشرة أحاديث ، وسيأتى تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى . ثم قال: ويشتركان فى اثنين وثلاثين، وباقيها مختص بمسا، مع أنهقد اتفق العلماء أن البخارى كان أجلَّ من مسا فى العلوم ، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلماً تلميذه وخِرِّ يجه، ولم يستفد إلا منه، وتتبع آثاره حتى لقد كانيقول الدار قطنى: لولا البخارى لما راح مسلم ولا جاء ، ومن مرجحات البخاري أن مسلماً صرَّح فى أول صحيحه أن المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنون والمعنعَن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما. انتهى. قلتُ: قال الملا على قارى: فان قلت : كيف ينكفى ذلك مع أن كتابه صحيح، ولا بد فيه من الاتصال ؟! قلتُ: لعله جاء هذا الحديث فى كتابه ،۔ ٠٠ - ٤٢ - متصلا فى موضع(١) آخر، أو كان اتصاله ◌ِمِنْ روى عنه مشهوراً، فالمراد بمن روی عنه من أدى عنه ظاهراً ولو كان بالواسطة ، وفيه أنهلو كان كذلك لكان الاختلاف لفظياً، قال : والصواب كون الخلاف حقيقياً، انتهنى. قلت : ولم يدفع الاشكال . ثم قال الحافظ : والبخارى لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة ، وقد أظهر البخارى هذا المذهب فى التاريخ ، وجرى عليه فى الصحيح وهو مما يرجح به كتابه، لأنا وإن سلمنا ماذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخارى أوضح فى الاتصال ، فبهذا تعلم أن شرطهفى كتابه أقوى اتصالا وأشد تحرياً، أفاد هذا الحافظ ابن حجر فى مؤلفاته. وأقول: لا يخفى أن هذه الوجوه أو أكثرها لا تدل على المدّعى، وهو أصحية البخارى، بل غايتها تدل على صحته، ثم إنه لا يخفى أيضاً أن الشيخين اتفقا فى أكثر الرواة، وتفرَّد البخارى بإخراج أحاديث جماعة، وانفرد مسلم بجماعة، كما أفادهُ ما سلف من كلام الحافظ ، فهذه ثلاثة أقسام. ، الأول: ما اتفقا على إخراج حديثه، فهما فى هذا القسم سواء،لافضل لأحدهما على الآخر لاتحاد رجال سند كل واحد منهما فيما رواه ، والقول بأن هؤلاء أرجح إذا روى عنهم البخارى لا إذا روى عنهم مسلم عَيْنُ التحكم، وهذا بناء على أن المراد بما اتفقا عليه الاتفاق على رجال الاسناد جميعاً، لا يقال ((لاتحكم لأنه شرط البخارى اللقاء دون مسلم)» لأنا نقول : الفرض أنهم على شرط البخارى من حصول اللقاء لأنه روى عنهم ولا يروى إلا عمن وافق شرطه ، ومعلوم أنهم قد صاروا على شرط مسلم بالأولى لأنه إذا ثبت اللقاء فقد ثبتت المعاصرة. وإذا عرفت هذا فلا وجه للحكم بأصحية رواية البخارى فيما اتفق هوومسلم (١) أى بأن صرح فيه بلفظ التحديث - ٤٣- على إخراجه ورجاله، وإلاجاء التحكم المحض ، وهذا القسم هوا كثر أقسامه قطماء وحينئذ فلا يصح الحكم على كتاب البخارى بالأصحية بالنسبة إلى هذه الأحاديث وكيف يتم القول بأن كتاب البخارى أصح على هذا؟. والقسم الثانى : ما انفرد البخارى باخراج أحاديثهم ، فهذا القسم يقبغى أن يقال: إنه أصح مما انفرد به مسلم ، لأنه حصل فيه شرائط البخارى منفردة، وقد تقرر ببعض ماذكر من المرجحات أنها أقوى من شرائط مسلم فى الصحة وحينئذ فيتعين أن يقال : مافى كتاب البخارى من الأحاديث التى انفرد باخراجها أصح من التى انفرد مسلم باخراجها، وهذا القسم قليل كما عرفت ، ولا بد من تقييد ذلك بغير من تكلم فيهم ، وهذا التقسيم هو التحقيق وإن غفل عنه الأئمة السابقون ، فان من المعلوم يقينا أن الصحة والأصحيّة ليستا بالنظر إلى ذات الشيخين، بل بالنظر إلى رجال كتابيهما، ثم لا يخفى أيضاً أن كون من تكلم فيهم من رجال البخارى أقل من تكلم فيهم من رجال مسلم لا يقتضى أضحية أحاديث البخارى مطلقا، غاية مايقتضيه أن الصحيح فيه أكثر، وليس محل النزاع، على أن فى شرطه اللقاء ولو مرة واحدة بحثاً، وهو أنه قد يكثر الشخص الحديث عمن لاقاه بحيث يعلم يقيناً أنه لا يتسع لأخذه عنه تلك الأحاديث فى الموقف الذى انحصر فيه اللقاء ، فلابد من تقييد ذلك بزيادة أن يتسع زمان اللقاء لكل ما عنه روى ثم رأيت بعد أيام مسلماً قد ألزم البخارىّ حيث شرط اللقاء بهذا الإلزام فى مقدمة صحيحه . ورأيت الحافظ ابن حجر قد التزم هذا ، وقال: يكفى اللقاء ولو مرة واحدة، ولو كان بعض مايرويه عمن لاقاه لا يتحقق سماعه منه أهـ وسيأتى لنا، ولم يقيد كلام البخارى بما قيدناه به من قولنا إن اتسع إلى آخره. وإذا عرفت هذا فقد عاد إلى مجرد المعاصرة، على أن المعاصرة لاتكفى مطلقاً بأن يكون أحدهما فى بغداد والآخر فى اليمن ، بللا بد من تقارب الحلات يمكن اتصال الرواةوإلا كان من باب الاجازةوالمكاتبة،ولعلهم لا يكتفون بههنا - ٤٤ - واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم فوجدناه تكلم فى الرواية بالمنعنة، وأنه شرط فيها البخارى ملاقاة الراوى لمن عَنْعَن عنه ، وأطال مسلم فى رد كلامه والتيجين عليه، ولم يصرح أنه البخارى، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده، ورد مقالته، ثم قال: إن كل حديث فيه «فلان عن فلان)» وقد أحاط العلم بأنهما قد كانافى عصر واحد وجائز أن يكون الحدیث الذی روی الراوى قد سمعه منه وشافهه به غیرأنا لا نعلم له منه سااولم نجد فى شئء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث، ثم قال: إن هذا هو القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثا أن كل رجل ثقة روى عن مناموجائز ممكن لقاؤه والسماع منه لكونهما كانا جميعاً فى عصر واحد ولم يأت فى خبر قط أنهما اجتمعا ولاتشافها بكلام. فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلى آخر كلامه، وقد نقلناه فيما يأتى فى بحث العنعنة إذا عرفت هذا عرفت أن الخلاف بين الشيخين فى رواية العنعنة لا غير، وهو الذى أفاده الحافظ فى قوله ((ومن مرجحات البخارى أن مسلماً صرح - إلى آخره » فشرط البخارى فيها اللقاء ومساء المعاصرة، وحينئذ فلا يرجح البخارى ٠ برمته على مسلم برمته بهذا الشرط، بل يقال: عنضة البخارى أصح وأرجح من عنعنة مساء، فالعجب كيف يعده الحافظ من وجوه ترجيح البخارى مطلقا ، ثم قد ظهر المراد بالمعاصرة أنها التى يمكن معها السماع ولا يكفى مطلقها . فان قلت : إنما جعله ترجيحا للبخارى مطلقا لكون كل ما فيه من الأحاديث قد تم فيها شرطية اللقاء معنعنا وغيره . قلت: أما غير المعنعن - وهو ما كان بنحو حدثنا - فهو ومسلم سواء فيه، فانه لا يكون إلا بالمشافهة، إنما الخلاف فى رواية العنعنة ، وهى رواية متصلة عند مسلم، وبه يتضح لك ضعف ما قدمنا عن الملا على قارى سؤالا وجوابا وأنه بناه على عدم تحقيقه لمراد مسلم. ثم جَعْلُ الحافظ ابن حجر كون شيوخ البخارى هم الذين تكلم فيهم وجهاً - ٤٥ - مرجحاً فيه تأملٌ لأنه قد يقال: هم بابُ علمه، وعنهم أخذ، ومنهم استمد رواياته، وقد علل الحافظ ذلك بما سمعته فانظر فيه، ثم لا يعزب عنك أن قولهم ((أصح الحديث ما اتفق عليه الشيخان)) لا يوافق قولهم هنا إن أصح الكتابين كتاب البخارى ، لأنهم قد جعلوا ما اتفقا عليه أصح أقسام الحديث ، وقد عرفت أن الذى اتفقا عليه هو أكثر أقسام الكتابين، ولم يتفقا عليه إلا بعد حصول شرائط الرواية عندهما فى روايته، فهما مثلان فى هذا كما أسلفناه، فلايتم القول بأن كتاب البخارى أصح إلا باعتبار ما انفرد به وهو القليل الحقير ، ولا يحسن إطلاق صفة الجزء على الكل فى مقام التقعيد والتمهيد، على أن استثناءهم التعاليق والتراجم فقط من الحكم بالأصحية قاض بأن الحكم ماحكم على كل حديث، لا أنه كما تأولناه من وصف الكل بصفة الجزء ، وقد ألحقوا بذلك ما تکام فيه. (ثم صحيح مسلم بعده ) أى بعد صحيح البخارى ، فإن تعارضا قدم مافى البخارى (وذهب بعض المغاربة ) أى : بعض علماء الغرب ، وسيأتى أنه ان حزم (والحافظ أبو على الحسين بن على النيسابورى شيخ الحاكم) يريد أباعبدالله صاحب المستدرك ( إلى تفضيل صحيح مسلم على البخارى) فقال أبوعلى : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم فى علم الحديث ، بهذا اللفظ نقله عنه زين الدين والحافظ ابن حجر (وحكاه) أى: تفضيل كتاب مسلم (القاضى عياض عن أبى مروان الطبنى) بضم الطاء المهملة وبعد هاباء موحدة مشددة مضمومة وقبل ياء النسبة نون، كذا ضبطه ابن السمعانى، وقيل: بغيم الطاء وسكون الموحدة، حكاه ابن الأثير وغيره، وهى بلدة بالغرب ينسب إليها جماعة ، قاله البقاعى، واسمه عبد الملك بن زياد ( عن بعض شيوخه) قال: كان من شيوخى من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى، وحكاه الخطيب فى تاريخ بغداد فى ترجمة مسلم عن محمد بن إسحق عن ابن مَنْده، قال أيضا: ما تحت أديم السماء ۔۔ ٩ - ٤٦ - أصح من كتاب مسلم فى علم الحديث ، وإليه ميل كلام القرطبى فى خطبة تلخيصه لمسلم، ونقله عن جماعة ، وعزاه فى اختصاره للبخارى إلى أكثر المغاربة ،وعزا ترجيح البخارى إلى أكثر المشارقة ، ذكره الزركشى (وقال ابن الصلاح) بعد نقله لكلام أبى على ( فهذا) أى تفضيل صحيح مسلم ( إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح) قال ابن الصلاح: فانه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل مافى كتاب البخارى فى تراجم أبوابه من الأشياء التى لا يسندها على الوجه المشروط فى الصحيح (فهذا لابأس به) أى لا بأس فى التفضيل لصحيح مسلم من هذه الجهة، إلا أنه معلوم أن عبارة أبى على لا تساعد هذا التوجيه كل المساعدة ( وإن كان المرادبه) أى بقول أبى على (أنه أصح كما هو المتبادر) من عبارته ( فهذا مردود) بما أسلفناه من مرجحات صحيح البخارى كما عرفت . واعلم أن ظاهر كلام ابن الصلاح وزين الدين والمصنف أن بعض المغاربة ومن ذكر معه ذهبوا إلى تفضيل صحيح مسلم من حيث إنه أصح من صحيح البخارى ، فإِنَ كان بعض المغاربة هو أبو محمد بن حزم، وبه جزم الحافظ ابن حجر، فإنه قال - بعد ذكر ابن الصلاح لبعض المغاربة - ما لفظه : « وقد وجدت التصريح بما ذكره المصنف من الاحتمال عن بعض المغاربة فذ کر ابومهد القاسم بن القاسم التجیی فی فهرسته عن أبى عد بن حزم أنه كان يفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث المنفرد ، انتهى قال الحافظ: قلت: ما فضله به بعض المغاربة ليس راجعاً إلى الأصحية بل هو لأمور. أحدها : ما تقدم عن ابن حزم. والثانى: أن البخارى كان يرى جواز الرواية بالمعنى وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره، بخلاف مسلم ، والسبب فى ذلك أمران: أحدهما - ٤٧ - أن البخارى صنف كتابه فى طول رحلته، فقد روينا عنه أنه قال: رُب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ، ورب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان ، فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه، فلا يسوق ألفاظه برمتها ، بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه، ومسلم صنف كتابه فى بلده بحضور أصوله فى حياة شيوخه ، وكان يتحرز فى الألفاظ ويتحرى فى السياق . والثالث : أن البخارى استنبط فقه كتابه من أحاديثه، فاحتاج أن يقطع المتن الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام ليورد كل قطعة منه فى الباب الذى يستدل به على ذلك الحكم الذى استنبط منه، لأنه لو ساقه فى المواضع كلها برمته لطال الكتاب ، ومسلم لم يعتمد ذلك، بل يسوق أحاديث الباب كلها سرداً عاطفاً بعضها على بعض فى موضع واحد. انتهى. قلت : وبه تعرف أن بعض المغاربة هو أبومحمد بن حزم ، وتعرف أنه لم يفضل صحيح مسلم من حيث الأصحية، وتعرف أنه ما كان ينبغى لابن الصلاح ومَنْ تَبَعه جَعْلُ خلافه وخلاف أبى على النيسابورى واحدا، وأنه من جهةواحدة، ثم لا يخفى أن ما قاله الزركشى فيما نقلناه عنه آنفا إن دائرة الخلاف أوسع ، والذاهبون إلى ترجيح مسلم أكثر ممن ذكر. وقال الحافظ : ما قاله أبو على النيسابورى فلم نجد عنه تصريحاًقط بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخارى، وإنما نفى الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه ولا يلزم من ذلك أن يكون كتاب مسلم أصح من كتاب البخارى، فيجوز أن يوجد ما يساويه، فاذا كان كلام أبى على محتملا لكل من الأمرين (١) فيزم (١) أحد الامرين أن صحيحمسلم أصح من كل ما عداه ومنه صحيح البخاري وثاينهما أنه ليس ثمة أصح منه بل هناك مايساويه. وسيأتى للشارح بين الوجه الذى من أجله احتملت العبارة هذين الأمرين من حيث مفاداً للفظ بحسب الوضع اللغوى، وان العرف يجعل العبارة دالة على أمر واحد، وأن هذا العرف مقدم فى هذه الأساليب. ٠ - ٤٨ - ابن الصلاح أن أبا على قال ((صحيح مسلم أصح من صحيح البخارى)» غيرُ صحيح، وقد رأيت هذه العبارة فى كلام الشيخ محى الدين النووى والقاضى بدر الدين ابن جماعة والشيخ تاج الدين التبريزى وتبعهم جماعة، وفى إطلاق ذلك نظر لما بيناه ، انتهى بمعناه . قلت : ولا يعزب عنك أن هذا التأويل الذى ذكره الحافظ خروج عن محل النزاع، فان الدعوى بأن البخارى أصح الكتابين ، وهذا التأويل أفاد أنهما مثلان، فما أتى التأويل إلا بخلاف المدعى، على أن قول القائل ((ما تحت أديم السماء أعلم من فلان)» يفيد عُر فاً أنه أعلم الناس مطلقا، وأنه لا يساويه أحدفى ذلك، وأما فى اللغة فيحتمل توجه التفى إلى الزيادة، أعنى زيادة إنسان عليه فى العلم ، لا نفى المساوى له فيه، والحقيقة العرفية مقدمة، سيما فى مقام المدح والمبالغة بقوله ((تحت أديم السماء)). ثم رأيت بعد هذا أنه قال البقاعى: الحق أن هذه الصيغة ثارة تستعمل على مقتضى أصل اللغة فتنتفى الزيادة فقط ، وتارة على مقتضى ماشاع من العرف فتنتفى المساواة، فمثل قوله صلى الله عليه وسلم (( ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من أبى بكر)) وإن كان ظاهره نفى أفضلية الغير لكنه إنما سيق لاثبات أفضلية. المذكور، والسر فى ذلك أن الغالب فى كل اثنين هو التفاضل، دون التساوى، فاذا لغى أفضلية أحدهما ثبتت أفضلية الآخر ،انتهى. (قال زين الدين: وعلى كل حال) سواء قيل البخارى أصح أو مسلم (كتاباهما أصح كتب الحديث) لأن من قال كتاب البخارى أصح قائل بأن بعده فى الصحة كتاب مسلم، ومن قال إن كتاب مسلم أصح قال أصح كتاب بعده كتاب البخارى، فقد اتفق الكل على أنهما أصح كتب الحديث، ولماصح أن الشافعى قال (( إِن كتاب الموطأ أصح الكتب الحديثية)) قال الزين (وأما قول الشافعى ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك فذاك ) قاله الشافعى ( قبل وجود - ٤٩ -- الكتابين) فكلامه صحيح نظراً إلى زمان تكلمه، وهذه الرواية أخرجها عن الشافعى أبو بكر بن محمد بن إبراهيم الصفار من طريق هرون بن سعيد الأيلى، قال: سمعت الشافعى يقول: ما بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك، ذكره الحافظ ابن حجر . قال الحافظ ابن حجر: أولُ مَنْ صنف فى العلم وبَوَّبه ابنُ جُرِيح بمكة ، ومالك وابن أبى ذئب بالمدينة ، فإِن ابن أبى ذئبٍ صنف موطأ أكبر من موطأ مالك بأضعافه ، حتى قيل لمالك : ما الفائدة فى تصنيفك ؟ فقال: ما كان الله اقى، والأوزاعى بالشأم، والثورى بالكوفة، وسعيد بن أبى عَرُوبة والربيع ابن صبيح بالبصرة، ومعمر باليمن ، قال : وكان هؤلاء فى عصر واحد، فلايدرى أجم سبق . ٥ ألة مسـ [ فى انحصار الصحيح ] (عدم انحصار الصحيح فى كتب الحديث - قال زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى الشافعى) كان الأحسن ذكراسمه ونسبه فى أول ما نقل عنه المصنف حيث قال ((قال ابن الصلاح وزين الدين: فالصحيح ما اتصل سنده إلخ)» (لم يستوعب البخارى ومسلم كل الصحيح فى كتابيهما) فعلى هذا كان الأحسن فى الترجمة أن يقول المصنف («عدم انحصار الصحيح فى كتابى البخارى ومسلم» ليوافق ما قاله الزين ، وكما يأتى من الكلام الدال على أن الخوض فيهما لاغير، وعبارة زين الدين فى نظمه ((ولم يَعُمَاهُ - إلخ: أى لم يتمّ البخارى (٤-١). ٠ - ٥٠ - ومسلم كل الصحيح، يريد لم يستوعباه فى كتابيبما)) اهـ، وعبارة ابن الصلاح (( لم يستوعبا الصحيح فى صحيحيهما، ولا التزما ذلك، ثم ذكر كلام البخارى ومسلم الآتى (ولم يلتزما ذلك) أى استيعابَ الحديث الصحيح (وإلزام الدارقطنى) هو أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى، إمام كبير ، وحافظ شهير ، ذكرنا بعضاًمن أحواله فى ((التنوير، شرح الجامع الصغير)» (وغيره) هو أبوذر الهروى كما فى شرح صحيحمسلم (إياهما) أى الشيخين (بأحاديث) صحيحة لم يخرجاها ولا أحدهما، ذكرالدارقطنى وغيره أحاديث من طرق صحاح لامَطْعَنَ فى ناقليها ، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا فيلزمهما إخراجها على مذهبهما ( ليس بلازم) لهما ( لعدم التزامهما) الاستيعاب (قال الحاكم) أبو عبد الله (فى خطبة المستدرك) بصيغة اسم المفعول ، هذا الجارى على الألسنة ، ويصح على اسم الفاعل من باب عيشة راضية (ولم يخكما) أى الشيخين (ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه، انتهى) كلام الحاكم ، ساقه الزين كالاستدلال على ما ادعاه من عدم استيعابها، ولكن لما كان الحاكم ليس بناقل عنهما فهو كالدَّ غْوَى أيضاً يحتاج إلى بينة، قال الزين مستدلا لدعواه : ودعوى الحاكم (قال البخارى: ما أدخلت فى كتابى الجامع) أى من الأحاديث ( إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لحال الطول) فدلت عبارته أنه لم يستوعب الصحيح وأن أحاديث جامعه صحيحة (وقال مسلم: ليس كل صحيح وضعته هنا) أى فى كتابه (إنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه) لفظ ابن الصلاح ((قال مسْلم: ليس كل شىء عندى صحيح وضعته هاهنا، يعنى فى كتابه الصحيح ، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه)) (١) إلى هذا عبارة مسلم كمانقلها ابن الصلاح (١) قال البقاعى: قال البلقينى: وقيل أراد مسلم بقوله ما أجمعوا عليه ما أجمع عليه أربعة من أئمة أهل الحديث، وهم: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن= ١ - ٠ ٠٠ ثم قال ابن الصلاح مفسراً لقول مسلم ما أجمعوا عليه (يريد ما وُجد عند فيه شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن لم يوجد اجتماعها): أى شرائط الصحيح (فى بعض أحاديث كتابه عند بعضهم) : أى لم يوجد عند بعض المجمعين من أئمة الحديث، ولا يخفى أن كلام مهم لا يفيد ما قاله ابن الصلاح مِنْ قوله (( وإن لم يوجد اجتماعها - إلخ)»، بل كلام مسلم أفاد أن جميع أحاديث كتابه مُجْمَع على اجتماع شرائط الصحيح فيها ، فالأحسن أن يقال: يريد ماوُجد عند، فيه شرائط الصحيح المجمع عليه بحسب نظره واطلاعه ، وإن خالفه البعض فى بعضها (قاله) أى هذا التأويل لكلام مسلم (ابن الصلاح) أى : لا ما سلف من قول المصنف ((قال زين الدين عبد الرحيم - إلى هنا)) فإنه كلام ابن الصلاح .. تنبيه - إن قيل : ماوجه التعرّض لكون الشيخين لم يستوعبا الصحيح فی کتابیہما ، ومن ادعى ذلك حتى يفتقر إلی نفیه؟. قلت : ادعاه الدارقطنى عليهما وغيره كما عرفت ، وكأنه فَهم هو ومن تابعه من التسمية بالصحيح أنّه جميع ماصحٌّ، وما عداه حَسَنٌ أو ضعيف ، فيفيد أنهما قد حصرا الصحیح، وهو من باب مفهوم اللقب بعد التسمية به ، وإن كان قبلها من باب مفهوم الصفة ، وفهم ذلك الحافظ أبو زرعة فانه ذكر النووى عنه أنه قال: طَرَّقَ(١) - يريد مسلما - لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث: ليس هَذا فى الصحيح، قال سعيد بن عمرو راوى ذلك عن أبى زُرعة: فلما رجعت إلى نيسابورذ كرت لمسلهم إنكار أبى زرعة، فقال مسلم: إنما قلت هو صحيح ، قال سعيد: وقدم مسلم بعد ذلك الرىّ فبلغنى أنه خرج = يحيى، وعثمان بن أبى شيبة، وسعيد بن منصور الخراسانى اهـ. ولم يرد إجماع جميع الأمة كما هو المتبادر للفهم ، لكن لم يتبين برهان هذا القول اهـ . (١) فى الأصلين ((تطرق)) وما من هامش الأصلين بإيضاح يسير. أثبتناه اصح، وهو الموافق لما فى عبارات القوم . ١ - ٥٢ - إلى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن واره فجاءه وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له . نحواً مما قال أبو زرعة إن هذا يطرق لأهل البدع، فاعتذر مسام فقال: إنما قلت هو صحيحٌ ، ولم أقل إن مالم أخرجه من الحديث فهوضعيف، ذكر هذا النووى فى شرح مقدمة مساء مفرقاً. قلت : قد اتفق ما حدسه أبو زرعة من ذلك التطريق ، فإنه ذكر الحاكم أبو عبد الله فى خطبة المستدرك ما لفظه : إنه صنف الشيخان فى صحيح الأخبار كتابين مهذبين ، انتشر ذكرهما فى الأقطار، ولم يحكما ولا واحد منهما ، أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه، وقد نبغ فى عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يُسَمون برواة الآثار بأن جميع ما صحّ عندهم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه المسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أكثر كلها سقيمة أو غير صحيحة اهـ . فهذا هو الذى حدسه أبو زرعة وغيره قد وقع ، وفى قوله (عشرة آلاف)) إشعارٌ بعدة أحاديث الصحيحين ، فكأن هذا هو من الحوامل لأهل الحديث على التعرض لذكر أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح فى كتابيهما، أما البخارى فقوله («أحفظ مائة ألف حديث صحيح» وكونُ الذى أخرجه فى كتابه لا يبلغ عشر ما ذكره صريحٌ فى أنه لم يستوعب الصحيح . إن قلتَ: قول الحاكم فى مواضع من المستدرك فى الحديث ((على شرطهما ولم يخرجاه » يُشْر بخلاف ما نقله عنه فى الخطبة وإلافلافائدة لقوله « ولم يخرجاه» قلت: لعله لم يسُقْ قولَه ((ولم يخرجاه)» مَساق الاعتراض عليهما بأنها لم يخرجاه، بل ذكر ذلك إخباراً بأنهما لم يخرجا كل ما كان على شرطهماً ، فهو كالاستدلال لما قاله فى خطبته من أنهما لم يستوعب الصحيح ، ولا التزماً ذلك. وقد جرأ على هذا الوهم - أعنى أنهما حصرا الصحيح - السيد على بن معد بن أبى القاسم فى ترسله على المصنف بالرسالة التى رد عليها بالعواصم فإنه قال : وقد - ٥٣ - تعرضوا لحصر الصحيح فما لم يذكروه غير صحيح عندهم ، ولكنه زعم أنهم قالوا إنما الصحيح محصورٌ فى الكتب الستة، فزاد إلى الوهم الأصلى وهمين (١) طارئين ، وقد بين المصنف الرد عليه فى العواصم بها يفيده ماذكرناه. (وقال النووى فى شرح مسلم ما معناه إنه وقع اختلاف بين الحفاظ فى بعض أحاديث البخارى ومسلم فهى مستثناة من دعوى الإجماع على صحة حديثهما) كأن المصنف نقل كلام النووى إيضاحاً لكلام أين الصلاح حيث قال: وإن م یوجد اجتماعها فى بعض أحاديث کتابه عند بعضهم ومن هنا تعلم أنه كان ينبغى للزين أن يزيد فيما سلف فى آخر المسألة الأولى - حيث قال: والمراد ما أسنداه، دون التعاليق والتراجم - قيدا (٢)، وهو (« دون الأحاديث التى اختلف فيها)) وهذا الذي نعبه المصنف إلى النووى ، نقله النووى عن ابن الصلاح فإنه قال فى أثناء كلام نقله عنه : فإِذا عإ هذا فما أخذ على البخارى ومسلم وقَدَح فيه معتمد من الحفاظ فهومستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول ، وما ذاك إلا فى مواضع قليلة سننبه على ماوقع فى هذا (١) أما أول الوهمين الطارئين ففى قوله «إن أهل الحديث قالوا ينحصر الصحيح من الأحاديث فيما رواه أصحاب الكتب السنة)» والوهم فى هذا القول من جهة أنه جعل السنن الأربعة التى هى سنن أبى داود وسنن الترمذى وسنن النسائى، وسنن ابن ماجه أو موطأ مالك - من الصحاح ، مع أن أحدا من علماء الحديث لم يقل إن منزلة السنن الأربعة عندهم بهذه المثابة» وإن ذكروا أصحابها بالثناء والحمد. وأما الوهم الثانى ففى هذه العبارة أيضاً وبيانه أنه نسب إلى أعلى الحديث القول بانحصار الحديث الصحيح فيما رواه السنة، وذلك ما لم يقل به أحد، وإن كان قد وهم قوم من أهل الحديث فزعم انحصار الصحيح فيما رواه البخارى ومسلم . (٢) « قیدا » هذا مفعول یزید فى قوله (( كان ينبغى للزين أن يزيد فيا سلف - إلخ )) . ٠ - ٥٤ - الكتاب منها إن شاء الله تعالى، هذا آخر ماذكره الشيخ أبو عمرو اهـ . فالكلام لابن الصلاح نقله النووى . واعلم أن هذا كلام كان يحسن تأخيره إلى مسألة حكم الصحيحين وذكر تلقى الأمة بالقبول لهما، فإن هذا الاستثناء إنماهو مما تلقته الأمة بالقبول والإجماع ولم يسبق له هُنًا ذكر سوى قوله ((وكتاباهما أصح كتب الحديث)) وسيأتى مستوفى إن شاءَ الله تعالى عند ذكر المصنف له . (وقد ذكر) أى النووى ( الجواب على من خالف فى صحة تلك الأحاديث النادرة) قال النووى: وقد أجبت عن كل ذلك أو أكثره، وستراه فى مواضعه إن شاءَ الله تعالى، ذكره فى شرح مسلم بعد ذكره للأحاديث التى انتقدَهَا الدارقطنى وأبو مسعود الدمشقى على الشيخين، وسيأتى ذلك إن شاءَ الله تعالى عند كلام المصنف على حكم الصحيحين . ( قال زين الدين : وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم) بالخاء المعجمة والراء المهملة - الشيبانى المعروف أبوه بابن الكرمانى، ويقال له أيْضا ((الأخرم)) إجراء للقب أبيه عليه، كان صدرَ أهل الحديث بنيابور، قال عبد الغفار الفارسى : هو الفاضل فى الحفظ والفهم ، صنف على الكتابين البخارى ومسلم، وكان ابن خزيمة يراجعه فى مهمه ، توفى سنة أربع وأربعين وثلثمائة (شيخ الحاكم كلاما معناه قلما يفوت البخارى ومسلما ما ثبت من الحديث. قال ابن الصلاح) بعد نقله لكلام ابن الأخرم (يعنى) ابن الأخرم (فى كتابيهما) لكنه قال ابن الصلاح بعد هذا: ولقائل أن يقول: ليس ذلك بالقليل ، فان المستدرك على الصحيحين للحاكم أبى عبد الله كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شىء كثير، وإن يكن فى بعضه مقال: فإنه يصفوله منه صحيح كثير، قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهرلى من كلامه - أعنى ابن الأخرم - أنه غير مريد للكتابين، وإنما أراد مَدْحَ الرجلين بكثرة الاطلاع والمعرفة، - ٥٥ - لكن لما كان غير لائق أن يوصف أحد من الأمَّة بأنه جمع الحديث جميعة حِفْظً وإتقانً حتى ذكر عن الشافعى أنه قال « مَنْ قال إن السنة كلها اجتمعَتْ عند رَجُل واحد فَسَقَ، ومن قال إِن شيئا منها ذات الأمة فسقٍ)) فيفئذ عبر عما أراده من المدح بقوله: ((قلما يفوجما منه)) أى: قل حديث يفوت البخارى ومسلما معرفته، أونقول: سلمنا أن المراد الكتابان، لكن المراد من قوله « مما ثبت من الحديث)) الثبوت على شرطهما لامطلقاً . (قال النووى فى التقريب والتيسير: والصواب أنه لم يَفْت الأصول الخمسة إلا اليسير ، أعنى الصحيحين وسنن أبى داود والترمذى والنسائى) وقد ألحق بالخمسة الموطأ كما صنعه ابن الأثير فى جامع الأصول(١)، وغيره ألحق بها عوضاً عنه سنن ابن ماجة ، وعلى هذا بنى الحافظ المزی فی تهذيب الكمالومن تبعه من مختصرى كتابه كالحافظ ابن حجر والخزرجى ( قال زين الدين العراقى : وفى كلام النووى مافيه، لقول البخارى أحفظ مائة ألف حديث صحيح ) تمام حكاية البخارى ((ومائتى ألف حديث غير صحيح)» فإنه دالٌّ على كثرة مافَات الكتابين من الصحيح، كما ستعرفه من عَدَد أحاديثهما فيما يأتى قريبًا، فلايتم لابن الأخرم ما ادعاه، وعلى كثرة مافات غيرها من الثلاثة أيضا فلايتم ما ادعاه النووى أيضا . قال الحافظ ابن حجر : مراده - أى النووى - من أحاديث الأحكام خاصة ، أما غير الأحكام فليس بقليل . قلت : فلا يرد ما أورده عليه الزين . ( قال النووى: ولعل البخارى أراد) بقوله «مائة ألف حديث صحيح)) (الأحاديث المكررة الأسانيد، يعنى المختلفة) أى التى اختلفت أسانيدها واتحدمتنها كما ستعرفه قريباً (والموقوفات على الصحابة) والتابعين فإنه قد يطلق (١) فى اد فى الجامع الكبير» مے - ٥٦ - عليه لفظ الحديث كما يدل له قوله (وقال ابن الصلاح بعد حكايته كلام البخارى إلاّ أن هذه العبارة) يعنى قوله ((مائة ألف حديث صحيح)» (قد يندرج تحتها عنده) أى عند أئمة هذا الشأن (آثار الصحابة والتابعين) قال ابن الصلاح ( وربما عدَّ الحديث الواحد المرْوى باسْنادين حديثين) باعتبار إسناديه. آلة منـ ٦ [ فى عدد أحاديث الصحيحين] (عدة أحاديث البخارى ومسلم) كأنَّ الباعث على ذكر عدة أحاديث الكتابين ما سبق ذكره عن الحافظ ابن الأخرم وما نقل عن عدد ما يحفظه البخارى ( قال الشيخ زين الدين بن العراقى : عدد أحاديث البُخَارى باسقاط المكرر) أى من المتون (أربعة آلاف حديث على ما قيل) هكذا نقله ابنُ الصلاح بصيغة التمريض (وعدد أحاديثه بالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعُون حديثاً، كذا جَزّم به ابن الصلاح) لكن قد عرفت أنه جعل عدة ماليس بمكرر رواية عن غيره بصيغة التمريض، فيحمل كلام الزين على جزم ابن الصلاح بالعدد الذى فيه المكرر، فإنه جزم به ولم ينسبه لأحد، وذكر المصنف فى العواصم أن صحيحه - يعنى البخارى- لا يشتمل إلا على قدر ستة آلاف حديث، وفى الروض الباسم جزم على أن صحيحه لا يشتمل إلا على قدر أربعة آلاف حديث من غير المكرراهـ، وكأنه يريد فى عبارة العواصم أن عدة ذلك بالمكرر، وإن خالفَ ما سلف من أن عدده سبعة آلاف وكسُور . قال المزين (وهو) أى ما قاله ابن الصلاح فى عدة أحاديث البخارى (مُسَلَّم) أى فى عدته بالمكرّر، أو فى عدته بغير المكرر يحتمل (فى رواية الفريرى) = -٧- فِرَبر كْسِيَحْل: قرية ببخارى، كذا فى القاموس ، وهو محمّد بن يوسف أحد رواة صحيح البخارى، بل عمدتهم (وأما رواية حمّاد بن شاكر فعى دقتها) أى دون رواية الفربرى ( بمائتى حديث ، ودون هذه) أى رواية حماد بن شاكر ( بمائة حديث روايةُ إبراهيم بن مَعْقِل) بفتح الميم وسكون العين وكسر القانى، ونقل المصنف هذا الكلام الذى ذكره زين الدين فى الروض الباسم بلفظه ، وظاهر عبارته أن رواية إبراهيم بن معقل تنقص عن رواية الفريرى ثقّائَة حَديث، وظاهرُه أيضاً أن هذا نقصٌ فى روايتهما ونسخهما ، قال الحافظ ابن حجر، بعد نقله لكلام شيخه زين الدين ، ما لفظه : وظاهر هذا أن النقص فى هاتين الروايتين وقع من أصْل التصنيف أو مُفرَّقا من أسانيد ، فإنه اعترض على ابن الصلاح فى إطلاقه هذه العدة من غیر تمییز قاعدة، ولیس گذلك، بل كتابُ البخارى فى جميع روايات الثلاثة فى العدد سواء، وإنما حصَلَ الاشتباه من جهة أن حماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل لما تسمما الصحيح على البخارى فلتهما من أواخر الكتاب شىء ، فرؤياه بالإ جازة عنه ، وقدنبه على ذلك أبو نصر ابن طاهر، وكذا نبه الحافظ أبو على الجيانى (١) فى كتاب تقييد المهلى على ما يتعلق بإبراهيم بن مَعَقِل، فروى بسَنَده إليه قال: وأما مِنْ أول كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب فأجازه لى البخارى ، قال أبو على الجيّانى: وكذا فاته من حديث عائشة رضى الله عنها فى قصة الإفك فى باب قوله تعالى « یریدون أن يبدّلوا كلام الله - إلى آخر الباب)) وأما حماد بن شاكر ففاته من أثناء كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب . فتبين أن النقص فى رواية حماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل إنما صيل (١) ((الجيانى)) بجيم مفتوحة فياء مثناة تحتية مشددة فألف بعدها نون ثم ياء مشددة - نسبة إلى جيان بزنة شداد، وهى بلد بالأندلس. ٠ - ٥٨ - من طريان الفوت لامن أصل التصنيف ، وظهر أن العدة فى الرويات كلها سواء، وغايته أن الكتاب جميعَه عند الفِرَ برى بالسماع ، وعند ◌َذين بعْضُه بسماع وبعضه بأجازة، والعدّة عند الجميع فى أصل التصنيف(١) سواء، فلا اعتراض على ابن الصلاح فى شىء مما أطلقه . انتهى بلفظه، ثم قال زين الدين ( ولم يذكر ابن الصلاح عدة أحاديث مسلم) هذا كلام الزين فى شرح ألفيته ، وقال فيما كتبه على ابن الصلاح ما لفظه: ولم يذكر ابن الصلاح عدة أحاديث كتاب مسلم بالمكرر، وهو يزيد على عدة كتاب البخارى بكثرة طرقه ، انتهى (وقال النووى) فى التقريب والتيسير (إنه نحو أربعة آلاف باسقاط المكرّر) قال الحافظ ابن حجر : ذكر الشيخ فى شرح الألفية عن أحمد بن سلمة أن عدة كتاب مسلم للكرر اثنا عشر ألف حديث، وعن الشيخ محى الدين النووى أن عدته بغير المكرر نحو أربعة آلاف. اهـ. قلت : لم نجد فى شرح الألفية الرواية التى ذكرها الحافظ عن أحمد بن سلمة، وليس فيه إلا كلام النووى الذى ذكره المصنف رحمه الله تعالى، ولعاه فى الشرح (٢) الكبير. ثم قال الحافظ: وعندى فى هذا نظرٌ، وإنمالم يتعرض المؤلف - يريد ابن الصلاح - لذلك: أى لعدة ما فى صحيح مسلم، لأنه لم يقصد ذكر عدة ما فى البخارى حتى يُستدرك عليه عدة مافى كتاب مسلم، بل السبب لذكر المؤلف عدة ما فى البخارى أنه جعله من جملة البحث فى أن الصحيح الذى ليس فى الصحيحين (١) بهامش ب مانصه ((ومن هنا لا يقدح فى جناب أبى خالد الواسطى ، بالتفرد، فالعمدة فى البخارى على رواية الفربرى، فتأمل)) إهـ (٢) وجد بهامش ا هنا مانصه «ونقل عنه البقاعى أنه قال: وقد رأيت عن أبى الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشر ألف حديث. اهـ ولم ينسبه إلى شرح الألفية» اه منه . . - ٥٩ - غيرُ قليل ، خلافاً لقول ابن الأخرم ، لأن المؤلف رتب بحثه على مقدمتين : إحداهما أن البخارى قال «أحفظ مائة ألف حديث صحيح)» والأخرى أن جملة مافى كتابه بالمكرر سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً ، فينتج أن الذى لم يخرجه البخارى من الصحيح أ كثر من الذى خرجه، انتهى . قلت: لا يخفى أن ابن الأخرم جعل دَعْواه متعلقة بالصحيحين معاًوأنه لم يحمُت مؤلفيهما إلا القليل مما ثبت من الحديث، والجواب أن دعواه لاتم إلا عيَان عدة أحاديث الكتابين ، ونسبة تلك العدة إلى الأحاديث الصحيحة مطلقا ، ليتبين أن مافاتهما أكثر مما جمعاه، فلا يتم دعواه ، وأما الاقتصار فى الجواب · عليه بأن عدة البخارى كذا ، والذى يحفظه البخارى كذا ، فيتم فى البخارى، ولكنه يقول: الدعوى أنه لم يفت الكتابين إلا القليل، واقتصرتم فى الجواب على أحدهما دون الآخر، فلابد من ذكر عدة أحاديث مسلم ليتم الجواب، فنظر الزين وَارد على ابن الصلاح، ودَفع الحافظ غير واف بالمراد . نعم لك أن تقول: إنما لم يذكر عدة مسلم لأنه ليس المراد إلا ردّ قول ابن الأخرم إِن الفائت مما جمعه الشيخان من الصحيح قليل ، فإنه إذا كان البخارى يحفظ منه مائة ألف حديث صحيح وكتابه حَوى سبعة آلاف وكسوراً ، وهبْ أن مسلماً حوى عشرين ألف حديث - ولم يحوها قطعا- فالفائت من الصحيح على الصحيحين زيادة على سبعين ألف حديث، فكيف إذا انضم إلى الصحيح ما يحفظه مسلم مما لم يحوه كتابه ، وبهذا يتحصل عدم صحة ما قاله ابن الأخرم . ( وذكر الحافظ ابن حجر فى مقدمة شرحه لصحيح البخارى أنه ترك التقليد فى عدة أحاديث البخارى) أى: ترك التقليد للقائلين إن عدته ماذُ كِر، ولايخفى أن قبول رواية المذكورين لعدة أحاديث البخارى ليس من باب التقليد، بل من باب قبول رواية العدل، وليس من التقليد كما عرف فى الأصول، ويأتى للمصنف ذلك، فالأولى أن يقول: إنه اختبر ما قاله العَادُّون فوجدَ هم واحِمين، فان الوهم جائزٌ - - ٦٠ على العدل كما عاشت ، ونقل عنه البقاعى أنه قال - يعنى ابن حجر - إنه لما شرع فى مقدمة شرح البخارى قاد الحموى ، يريد فى عدة أحاديث البخارى، إلى كتاب السلم، فوجدتهقال إن فيه ثلاثین حدیثا أو نحوها،الشك منیّ، قال : فاستكثرتها بالنسبة إلى الباب، فعدّدتها فوجدتها قد نقصت كثيراً ، فرجعت عن تقليده وعددت محرزاً بحسب طاقتى، فبلغت أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات سبعة آلاف وثلثمائة وسبعة وتسعين حديثا، إلى آخر ماقاله المصنف ( وحرر ذلكَ بنفسه فزاد على ماذكروه مائة حديث واثنان وعشرون حديثا ، والجملة عنده بالمكرر من غير المعلقات والمتايمات سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً). واعلى أن معرفة عدة أحاديث الصحيحين ليست من علوم الحديث وقواعده ولكن دعا إلى ذكرها ماعرفته من كلام ابن الأخرم ، وزاد الحافظ عدد المعلقات ( قال: وجملة مافيه من التعاليق ألف وثلثمائة وأحد وأربعون حديثا أكثرها مكرر مخرج فى صحيح البخارى، يعنى فى مواضع أخر) لفظ ابن حجر فى المقدمة ((مخرج فى الكتاب فى أصول متونه فتسمية ما ذكره تعليقا بالنسبة إلى ذكره له غير مخرج، لا بالنسبة إلى ذكره له مخرجا، فإن المخرج منها - وهو الموصول - داخل فى عدة أحاديثه المخرجة (قال) ابن حجر (وليس فيه ) أى فى المعلق أو فى البخارى ( من المتون ) المعلقة (التى لم تخرج فى الكتاب ولو من طريق أخرى إِلا مائة وستون حديثا) فهذه فى الحقيقة هى المعلقات لاغير، لعدم تخريج البخارى لها (قال) ابن حجر (وقد أفردتها فى كتاب لطيف) هو المسمى بتغليق التعليق ( متصلة الأسانيد إلى مَنْ عُلقت عنه) فعلى هذا لميبق فى البخارى حديث معلق فى نفس الأمر، بل كلها متصلة، ثم قال ابن حجر: وجملة مافيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلثمائة وأربعة وأربعون حديثا، لجميع مافى الكتاب على هذا بالمكرر سبعة آلاف حديث واثنان وثمانون حديثا ،وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم ، : 1