Indexed OCR Text
Pages 1-20
باسم الرحمن الرحيميمْ حمداً لك يا من صيحّ سند كل كمال إليه فلا يحوم حَوْله قَدْح ولا إعلال، وشكراً لك على أياديك الحسان المنزهة عن الضعف والإعضال . والصلاة والسلام على رسولك المرسل الموصول بشرائف الخلال ، وعلى آله الذين أحاديث شرفهم مرفوعة غير موضوعة ، وعلوم حديثهم لمن أرادها غير مقطوعة ولا ممنوعة ، الموقوف على حبهم الفوز فى المعاد، الموضوع من ناوأهم عن الاعتماد، وعلى أصحابه الذين عليهم يدور فلك الإسناد . وبعد، فهذا شرح كتبته على ((تنقيح الأنظار)) تأليف الإمام الحافظ العلامة النظار، محمد بن إبراهيم الوزير أسكنه الله جنات تجرى من تحتها الأنهار! فإنه جمع فيه نفائس تحقيقات أئمة الآثار، وأضاف إليه من أنظاره ما هو نور للبصائر والأبصار، ولما أخذ علينا فيه بعض من لا يقنعه من التحقيق إلا أقصاه، ولا يشفيه من الأبحاث إلا ما بلغ غايته ومنتهاه ، أمليت عليه من المعانى عند حل المبانى، ما يجب أن يدخره الأول للثانى، فطلب كتب لفظه، وإبرازه فى الوجود الخطى إبقاء لحفظه ، فكتبت عليه ما هو قرة لعين طالب التوميق، ولا يستغنى عنه إلا من يستغنى بمجرد التصور عن التصديق، وسميته ((توضيح الأفكار، لمعانى تنقيح الأنظار)) والله أسأله أن ينفع به كانبه وقارئه والناظر بعين الإ نصاف فى ألفاظه ومعانيه . واعلم أن المصنف رحمه الله تعالى لم يجعل لمسائل كتابه عنواناًبمسألةولا فصل ولا نوع ولا باب ، وفى عنوان المسائل بذلك مالا يخفى على ذوي الألباب، وقد - ٢ - عنون ابن الصلاح (١) كتابه بالأنواع، والمصنف رحمه الله جعل اسم كل نوع ترجمته، كقوله ((أصح الأسانيد)) وقوله ((المراد بالصحيح)) إلا أنه عنوان خفى، فرأيت أن أجعل عنوان كل بحث لفظ مسألة (٢) ، إذ قد لا يتنبه الناظر لجعله أسماء الأنواع عنوانا، وقد قال جار الله (٣) إنه بوب المصنفون فى كل من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم ، ومن فوائده أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون بَيَانً واحداً (٤) ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ فى آخر كان أنشط لموأهَزَّ إعطفه وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. إلى آخر كلامه . وقد أضبط من أجوز خفاء ضبط لفظه من الرجال ، أو أذكر من حاله بعض ماله من الخلال ، ولا أتعرَّض لمن هو مشهور الصفات، يعرفه طلبة الفن الأثبات (١) ابن الصلاح: هو الفقيه تقى الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح، المولود فى سنة ٥٧٧، المتوفى فى سنة ٦٤٢ من الهجرة، وله كتاب فى علوم الحديث اشتهر باسم ((مقدمة ابن الصلاح)) وقد طبع كتابه هذا فى الهند عام ١٣٠٤ وطبع فى مصر عام ١٣٢٦ وسيأتى فى كلام الشارح نبذة من ترجمته ( ص ١٤) (٢) وقد وضعنا عنوانا للبحث تحت لفظ مسألة ، وجعلناه بين قوسين معقوفين هكذا [] للايضاح (٣) جار الله: هو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى، صاحب التاكيف المشهورة فى التفسير والحديث والنحو واللغة والأدب، المولود فى زمخشر .- وهى قرية من قرى خوارزم - فى سنة ٤٦٧ من الهجرة ، والمتوفى فى جرمانية خوارزم فى عام ٥٣٨ من الهجرة (٤) تقول: هؤلاء الناس ببان واحد ، وعلى بيان واحد - بياء موحدة مفتوحة ثم أخرى مشددة - تريد أنهم على طريقة واحدة ومنهج واحد، وتقول أيضا: سأجعل الناس بيانا واحدا، تريد أنك ستجعلهم متساوين فى القسمة -٣ - كأهل الأمهات، ومن شاركهم فى الشهرة من الرواة أو أئمة المصنفات. (الحمد لله الذى رفع أعلام) جمع عَلّم وهو كما فى القاموس العلم محركة الجبل الطويل والراية ، وله معان آخر، وأنسبها هنا الراية؛ إذ رفع العلم هنا كناية عن على الشان بالنصر ونحوه (علوم الحديث) شبه علوم الحديث بالجيش ، ثم أثبت لها لازمه وهو العلم فهو من باب أظفار المنية (١) (وفضل العلم النبوى) هو كل ماصدر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، ويدخل القرآن فى العلم النبوى إلا أن يحمل العلم على أن اللام فيه لعلى الحديث (٢) بقرينة سبق ذكره وإن كان قوله ( بالإِجماع) يناسب أن يراد به ما يشمل القرآن والسنة ؛ لأنه من المتفق ( على شرفه فى قديم الزمان والحديث ) ولا ضير فى إرادة الأعم وإن كان التدوين للأخص إذ الحديث شعبة من القرآن فى معانيه وبيان مافيه ، وقوله ( اشترك فى الحاجة إليه والحث عليه القرابة) وهم آله صلى الله عليه وآله وسلم (والصحابة) يأتى تفسير الصحابى (والسلف) سلف الأمة فيشمل الصحابة ومن بعدهم إذ السلف كل متقدم كما يفيده القاموس (والخلف) هو من ذهب من الحى ومن حضر منه كما فيه أيضاً (٣) والمراد هنا الآخر (فهو على قديم الفضل) لحاجة السلف إليه وحثهم عليه (شريف الأصل) لأنه نبع من بحر النبوة وتفرع (١) يريد أنه استعارة بالكناية ، لأنه شبه علوم الحديث بالجيش، وطوى أركان التشبيه كلها ما عدا المشبه، ثم أثبت للمشبه ما هو من لوازم المشبه به وهو الأعلام ، وإضافة الأعلام إلى علوم الحديث تخييل كاضافة أظفار إلى المنية فى قولنا : أظفار المنية نشبت بفلان (٢) يريد أن اللام للعهد الذكرى (٣) أى: كما فى القاموس أيضا، والمعنى أن الخلف من الأضداد، فهو يطلق على من ذهب من الحى، ويطلق على من حضر منهم، والمراد منه فى هذا المقام المعنى الثانى لأنه الذى يراد عند مقابلته بالسلف - ٤ - من دوحة الرسالة فلا غرو، ولأنه ( دل على شرفه العقل) لأنه علم دل على كل ما يقرب إلى الله ويبعد عما سواه، وأرشد إلى مصالح الدين والدنيا ، ودعا العباد إلى نيل الذروة العليا، وما كان بهذه الصفات دل العقل على أن له الشرف الذى تقصر عن وصفه العبارات (و) كذلك دل على شرفه (النقل) عنه صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنه ورد مالا يدخل تحت الحصر من بيان شرف على الحديث. أخرج البيهقى من حديث ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ((من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائة شهيد)» وأخرجه الطبرانى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ، قال الحافظ المنذري: باسناد لا بأس به، إلا أنه قال « أجر شهيد)). وكفى فيه بحديث معاذ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبيل الجنة ، وهو الأنيس فى الوحشة، والصاحب فى الغربة، والمحدث فى الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم فى الخير قادة وأمّه تقتص آثارهم (١) ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة فى خلتهم (٢) وبأجنحتها تمسحهم، فيستغفرلهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظَّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى فى الدنيا والآخرة ، التفكر فيه يعدل الصيام ، (١) تقتص آثارهم: مأخوذ من قص الأثر، وهو تتبعه لمعرفة صاحبه. (٢) الحلة - بضم الحاء أو كسرها - المصادقة والاخاء، والخلة - بفتح الحاء مكانة الانسان ومنزلته - ٥ سب ومدارسته تعدل القيام ، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إِمام العمل والعمل تابعه ، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء)). رواه ابن عبد البر فی کتاب العلم، قال : وهو حديث حسن جداً ، وليس له إسناد قوى. اهـ قال الحافظ ابن حجر : أراد بالحسن حسن اللفظ قطعاً ، فإنه من رواية موسی بن محمد البلقاوى عن عبد الرحيم بن زيد العمى، والبلقاوى هذا كذاب كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ، ونسبه ابن حبان والعقيلى إلى وضع الحديث ، والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه ، وعبد الرحيم بن زيد العمى متروك أيضاً . انتهى، ذكره استدلالا بأن أئمة الحديث في يطلقون الحسن على الحديث الضعيف ويريدون حسن لفظه ، وسيأتى هذا فى بحث الحسن ، وقال الحافظ . المنذرى : وإسناده ليس بالقوى، وقد رويناه من طرق شتى موقوفا . انتهى، ولا يخفى أن عليه حلاوة الكلام النبوى وطلاوته.، ولفصوله شواهد فى شرف : العلم والأحاديث كثيرة، وكل حديث فى الحث على العلم وفضله فإنه صادق على علم .الحديث، بل هو العلم الحقيقى والفرد الكامل عند إطلاق لفظ العلم: العلم قال الله قال رسوله إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة بين النبي وبين قول فقيه وقال المصنف رحمه الله تعالى : . العلم ميراث النبى كذا أتى فى النص والعلماء هم وراثه ورائه فكرت ماميرائه فينا ، فذاك متاعه وأناثه فإذا أردت حقيقة تدریمن ما خلف المختار غیر حديثه فلنا الحديث وراثة نبوية ولكل محدث بدعة أحداثه ( واعتضد) من عضده كنصره أعانه ( الإجماعان) إجماع السلف والخلف (عليه) أى على فضل العلم النبوى (من بعد) أى: أمن بعد إجماع السلف، وهو إجماع الخلف (ومن قبل) أى من قبل إجماع الخلف، وهو إجماع السلف، - ٦ - ويحتمل إجماع الصحابة والقرابة أو إجماع أهل العقل والنقل ، ولا ريب أن علم الحديث من أشرف العلوم وأفضلها لأنه نانى أدلة علوم الإسلام ومادة علوم الأصول والأحكام، لا يرغب فى نشره إلا كل صادق تقى، ولا يزهد فى نصره إلا كل منافق شقى. قال أبو نصر بن سلام: وليس شىء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده. ( والصلاة والسلام على خاتم الرسل ) لما كانت هذه الصفة معينة للموصوف وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى بها غن تعيين اسمه (وعلى أهاه) هم آله (خير أهل) له، أو خير أهل لكل ذى أهل ( وعلى أصحابه كنوز الفضل) فى القاموس: الكنز المال المدفون، فقد جعل الفضل كالمال المدفون، وجعل الصحابة محله الذى يستخرج منه ( وسيوف الفصل) أى : السيوف التى تفصل الحق من الباطل والمؤمن من الكافر . (وبعد) أى بعد حمد الله والصلاة (فهذا) أى المعانى المخزونة فى النفس بعد تنزيلها منزلة المحسوس لكمال ظهورها لديه ( مختصر يشتمل على مهمات علوم الحديث) وهو علم دراية ، لا رواية، رسمه الشيخ عطا (١) فى مختصره المسمى ((بالقول المعتبر، فى مصطلح أهل الأثر» بقوله : علم يعرف به حال الراوى والمروى من جهة القبول والرد ، وموضوعه الراوى والمروى عنه من هذه الجهة، وغايته معرفة ما يقبل وما يرد، وأما الحديث فهو علم رواية ورسمه أيضاً بأنه : على يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قيل: أو إلى صحابى فمن دونه، قولا أوفعلا أوهما أو تقريراً أو صفة، وقيل: ما جاء عن النبى صلى الله (١) وجد فى هامش الأصلين هنا مانصه ((هو من علماء العصر، مهاجر فى مكة، أرسل إلينا برسالة [ ضم] إليها أبياتا وشرحا ؛ مصطلح أهل الحدیت هـ منه » - ٧- عليه وآله وسلم، والخبر: ما جاء عن غيره، وعلى درايته اصطلاحى كما قال المصنف (واصطلاحات أهله، ولا غنى لطالب هذا العلم) أى علم الحديث (عن معرفته) المختصر (أو) معرفة (مثله) وقد جعل ابن الصلاح أنواع علوم الحديث خمسة وستين نوعا، وجعل النوع الأول معرفة الصحيح كما جعل المصنف أقسام الحديث أول أبحاثه. ١ مسألة [ فى أقسام الحديث] قال: ( أقسام الحديث) أى فى اصطلاحات أئمة الحديث (قسمه الخطابى) هو الحافظ حمد بفتح الميم بغير همزة كما رواه الحاكم أبو عبد الله أنه سئل الخطابى عن اسمه فقال : اسمى حمد ولكن الناس كتبوا أحمد فتركته عليه ، والخطابى فقيه أديب محدث له مؤلفات منها («معالم السنن)) على أبى داود، وله أعلام السنن فى شرح البخارى ، وغير ذلك، وفاته سنة ثمان وثمانين وثلثمائة بمدينة بست بضم الموحدة وسكون السين المهملة ومثناة فوقية مدينة من بلاد كابل ، والخطابى بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف موحدة نسبة إلى جده ، وقيل: إنه من ذوية زيد بن الخطاب ( فى المعالم) أى معالم السنن جمع معلم بفتح الميم وسكون المهملة . فى القاموس : معلم الشىء كمقعد مظنته وما يستدل به عليها ، كالعُلاَّمَةَ كرمانة، والمراد مظنة السنن وما يستدل به عليها، وبهذا سمى البغوى تفسيره «معالم التنزيل)» (إلى صحيح وحسن وسقيم) وقال ابن الصلاح فى كتابه علوم الحديث : اعلم أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف (وعرف الصحيح) أى رسمه (بأنه عندهم: ما اتصل سنده) السند هو الإخبار - ٨ - عن طريق المتن، من قولهم ((فلانٍ سند)) أى معتمد، سمى سنداً لاعتماد الحفاظ فى صحة الحديث وضعفه عليه، وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله ، وقد يستعمل كل منهما فى مكان الآخر، فقوله (( ما اتصل سنده)) احتراز عن المنقطع وهو الذى لم يتصل سنده بأقسامه ، ويأتى بيان أقسامه فى كلام المصنفه (وعدلت نقلته) احتراز عن المستور ومن فيه نوع جرح، والعدل عندهم منله ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، ويأتى لنا بحث فى رسم العمل بهذا (ولم يشترط) الخطابى فى رسم الصحيح (الضبط) كما اشترطه غيرهمن أئمة الحديث ، قال السيوطى فى شرح ألفيته : قال الحافظ ابن حجر قول الخطابى. (( وعدلت نقلته)» مغن عن التصريح باشتراط الضبط ، لأن المعدل من عدله النقاد أى وثقوه ، وإنما يوثقون من اجتمع فيه العدالة والضبط ، بخلاف من عرفه. يلفظ العدل فيحتاج إلى زيادة قيد الضبط ، فلا اعتراض عليه [ ويؤخذ من هذا أنه إذا قيل فلأن ثقة يخطىء ففيه مناقضة ] (١). نعم يبقى الاعتراض عليه بعده زيادة قيد السلامة عن الشذوذ كما يأتى، والضابط عندهم: من يكون حافظاً متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك فى حالتى التحمل والأداء ، وهذا هو الضبط التام، وهو المراد هنا . واعلم أن الضبط قسمان : ضبط صدر ، بأن يثبت الراوى ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب، بأن يصونه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدى منه، لأن الناقل إن كان فيه نوع قصور عن درجة الإتقان دخل حديثه فى حد الحسن، وإِذا نزلت درجته عن ذلك ضعف حديثه. (ولا) اشترط الخطابى ( سلامة الحديث من الشذوذ) احترازاً عن الحديث (١) سقطت هذه العبارة من النسخة ب، وهى ثابتة فى هامش النسخة مع علامة الصحة ومع التأشير فى صلب النسخة إلى مكان هذه الزيادة - ٩ - الشاذ، وسيأتى بيانه ( و) لا اشترط سلامته من (العلة) والذى لم يسلم منها يقال له المعل: أى الذى لم يسلم عن أسباب خفية قادحة كما ستعرفه فى تعريف العلة فى كلام المصنف ، فان قيل: هذاقيد مستدرك فانه لا يخفى على الضابط الحازم مثل تلك القادحة ، قيل: يقال الصارم قد ينبو والحازم قد يسهو (١) (ولا بد من اشتراط الضبط) أى لا فراق ولا محالة كما فى القاموس: أتى لا بد من اشتراط تمام الضبط ، لا مطلقه، كما ستعرفه من عبارات أئمة هذا الشأن ، وكأن المصنف أطلقه بناء على أن الضبط التام هو الفرد الكامل المتبادر كما هو الواقع فى رسوم الصحيح عند علماء الفن . قال ابن الصلاح : أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذى يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العمل الضابط إلى منتهاه ، وقال الحافظ ابن حجر فى النخبة : بنقل عدل تام الضبط ، ومناه عبارة المصنف فى مختصره فى هذا الفن . ووجه الاحتياج إلى هذا القيد فى الرسم قوله (لأن من كثر خطاؤه عند المحدثين ) الظاهر تعلقه بقوله ( استحق الترك) فلو أخره كان أولى، فال المعنى ، استحقاق كثير الخطأ الترك عند أئمة الحديث، لا أن كثرة خطائه عند المحدثين كما هو واضح ترشد إليه عبارته الآتية قريباً (وإن كان عدلا) إذ العدالة لا تنافى كثرة الخطأ فى الرواية، إذ مصراد ذلك عدم تمام الضبط ، ومدرك العدالة غيره، وهذا فى كثرة الخطأ ، وأما خفته فانه يكون الراوى معه مقبولا ، ويصير حديثه حسنا. كماقال الحافظ: فانخف الضبط فهو الحسن لذاته ، وقال المصنف فى مختصره: فان خف الضبط وكان له من جنسه تابع أو شاهد فالحسن ، ويأتى تحقيق ذلك فى . " بحثه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (وكذلك) أى: يستحق الترك ﴿عند (١) الصارم: السيف القاطع . وينبو: أى لا يصيب ضريبته. ومن كلامهم : لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل عالم هفوة .. ٠٫ = ٠٠ - ١٠ - الأصوليين) أى: أهل أصول الفقه، ولكن بشرط غير شرط الأولين وهو (إذا كان خطاؤه أكثر من صوابه، واختلفوا) أى الأصوليون، لا أهل الحديث فإنه يعلم أنهم إذا تركوا من كثر خطاؤه فتركهم من تساوى خطاؤدوصوا به بالأولى(١) والفرق بين كثير وأ كثر ظاهرٍ، فهذان قسمان، والثالث أشار إليه بقوله ( إذا استويا (٢) فالأكثر منهم) أى الأصوليين (على رده) لعدم الظن بصدقه [لأنه لا يحصل الظن بصدقه ولا يقبل إلا مايظن صدقه، وإلا كان تحكما، وهذا ثالث الأقسام، ورابعها أن يخف ضبطه، وهذا لا يذكره المصنف ، وقد أشرنا إليه، وخامسها مَنْ صوابه أكثر من خطائه، وهو مفهوم كلام المصنف حيث قال: لأن من كثر خطاؤه عند المحدثين استحق الترك كماسلف، وهذا يحتمل أنه الخفيف (٢) الضبط فهو مقبول عند المحدثين ، لكن حديثه حسن لاصحيح عندهم، ويكون مقبولا عند الأصوليين (ومنع رده جماعة منهم المنصور بالله) عبد الله بن حمزة (ولكنه قال: طريق قبوله الاجتهاد) ولا يخفى أن هذه كلها أخبار آحاد وطريق (١) المراد بكثرة الخطأ عند المحدثين كثرته فى نفسه بقطع النظر عن موازنته بالصواب ، فمن كان كثير الخطأ تركوه، ولو كان له صواب أكثر مما له من الخطأ، أما عند الأصوليين فكثرة الخطأ عندهم لا تكون إلا بموازنة الخطأ والصواب ورجخان كفة الخطأ على الصواب ، وستعرف ما فى كلام الشارح (٢) ضمير الثنية فى ((إستويا)) يرجع إلى الخطأ والصواب (٣) قد بينا أن مراد المحدثين بكثرة الخطأ أن يقع منه كثيرا، سواء أكان له صواب أكثر مما له من الخطأ أم كان له صواب مساولما له من الخطأ، وأنه على كلتا الجالتين متروك عندهم، ومن هنا تعلم أن قول الشارح ((وهذا يحتمل أنه الخفيف الضبط - الخ)) غير مستقيم، لأنه إذا كان صوابه أكثر كان خطؤه کثیرا، كما هو مفاد أفعل التفضيل، ومتى كان خطؤه كثيرا فهو متروك عندهم كما علمت - ١١ - قبولها الاجتهاد وهو النظر فى أدلة التعبد بأخبار الآحاد ، فما وجه تخصيص هذا القسم بالشرط المذكور ، ثم لا يخفى أنه إذا استوى ضبط الراوى وعدمه كان قبول روايته قبولا مع الشك فيها ، والشك لا يعمل به، فَإِن أراد المنصور بالله أنه إذا حفته قرائن تفيد المجتهد ظن صدقه فليس يعمل بالمشكوك فيهمن هذه الجهة بل من جهة ما حفه من القرائن (١) ( كما هو قول عيسى بن أبان ) بفتح الهمزة ( ذكره) المنصور بالله ( فى) كتابه ( الصفوة) وحكاه عنه فى الجوهرة الشيخ الحسن الرصاص ( وكذلك الفقيه عبد الله بن زيد) العنسى (ذهب إلى قبوله) أی: قبولمن تساویضبطه وعدمه ، وأما قوله (وادعی الا جماع على قبوله إن کان. صوابه أكثر من خطائه) فيحمل على أن ضمير قبوله فى هذه الجملة للراوى المقيد بكثرة صوابه على خطائه لتصح دعوى الإجماع لا فيمن تساويا، وإن كانت عبارته تقضى بعود الضمير إليه إذ الكلام فيه ، ولا يصح أن يجعل قوله ((إن كان صوابه أكثر من خطائه)) قيداً لقوله ((ذهب إلى قبوله)» لأنه غیر محل النزاع، فإن النزاع فيمن تساويا فيه، لامن كان خطاؤه مكثورا ، فإن مفهوم قوله آنفا أنه يرد الأصوليون من كان خطاؤه أكثر من صوابه أن من كان صوابه أكثر من خطائه غير مردود عندهم، وكذلك عند المحدثين لأن الأظهر أنه المراد بخفيف الضبط (١) الذى جعلوا حديثه حسناً، ولهذا راج للفقيه عبد الله دعوى الإجماع على قبوله ( ذكر) الفقيه عبد الله ( ذلك كله فى الدرر) جمع درة وهو (١) وجد فى هامش الأصلين فى هذا الموضوع مانصه ((هذا مرادالمنصور بالله، يعنى أن مدار قبوله على مرجحات صوابه على خطائه ، فلا يرد عليه ماقدمه البدر قدس الله روحه ، أفاده شيخناعبد الله بن محمدالأمیر حفظهالله )) (١) وجدت بهامش ا فى هذا الموضع مانصه (( لكن صيغة أفعل التفضيل تأبى ذلك)) فان المعنى فيه أنه قد كثر غلطه لكن صوابه أكثر ، ومن كثر خطاؤه استحق الترك عند المحدثين -- ١٢ - كتاب للفقيه فى أصول الفقه ( وفى دعوى) الفقيه عبد الله ( الإجماع نظر ، تخالفة المحدثين ) . اعلى أنه يتصورهنا أربع صور: الأولى تام الضبط ، الثانية مَنْ تساوى ضبطه وعدمه، الثالثة مَنْ كان ضبطه أكثر من عدمه، الرابعة مَنْ عدمُ ضبطه أكثر من ضبطه. وينضاف إليها صورتان: الأولى مَنْ قل غلطه ، والثانية مَنْ كثر غلطه، الأولى من الأربع شرط الصحيح، والخامسة شرط الحسن فان قلة الضبط هي خفته ، والسادسة هى التى قال المصنف إنه يستحق صاحبها الترك عند المحدثين، وأمامن صوابه أكثر من خطائه وهى الصورة الثالثة فمفهوم كلام المصنف أن صاحبها . تقبول عند الأصوليين، ويحتمل أنها صورة خفة الضبط عند المحدثين فيكون مقبولا عندهم أيضا فانا لم ترهم عينوا خفة الضبط برتبة يتميز بها عن غيره ، وعلى هذا فقد قبل المحدثون أهل هذه الصفة فى رجال الحسن فلا يتم. قول المصنف إن فى دعوى الفقيه عبد الله الإجماع نظراً لمخالفة المحدثين فإن الفقيه عبد الله ادعى الإجماع على قبول مَنْ صوابه أكثر من خطائه، وهو فيما يظهرلنا خفيف الضبط، في دعواه الإجماع على قبوله من الفريقين ، لكنه شرط للحسن والفقيه عبد الله إنما يتكلم على مجرد القبول ، لا على ماهو شرط الصحيح، ويدل لذلك أن المحدثين جعلوا من القوادح فى الراوى فحش غلطه : أى كثرته وسوء حفظه ، وهو عبارة عمن يكون غلطه أكثر من إصابته ، هكذا ذكره الحافظ فى النخبة وشرحها ، فالذى ذكره المحدثون أربع صور : تام الضبط ، خفيفه، كثير الغلط، مَنْ غلطه أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من الصف بهما، والأخريان مردود من اقصف بهما، فعرفت أن قوله ( إلا أن يعنى إجماع الصحابة و إجماع غيرهم كما أشار إليه) لا حاجة إليه، اللهم إلا أن يتبين أن المحدثين يفرقون بين مَنْ صوابه أكثر من خطائه وبين خفيف الضبط فيقبلون الثانى فى الحسن ويردون الأول صَحَّ ماقاله المصنف، رحمه الله تعالى !. - ١٣ - ١ (وأما السلامة من الشذوذ والعلة ) عطف على قوله « ولا بدمن اشتراط الضبط )» أى وأما اشتراط السلامة من الشذوذ والعلة أى فى رسم الصحيح كما صنعه جماعة من أئمة الحديث (فقال الشيخ تقي الدين) (١) هو العلامة التقى محمد ابن على القشيرى المعروف بابن دقيق العيد (فى) كتابه المسمى ( الاقتراح: فى هذين الشرطين نظر) أى فى ذكرهما فى رسم الصحيح (على مقتضى نظر الفقهاء) لاعلى مقتضى نظر أئمة الحديث، وقد صرح بهذا المفهوم بقوله («إن أصحاب الحديث زادوا ذلك فى حد الصحيح)» ( فان كثيراً من العلل التى يعلل بها المحدثون لا تجرى على أصول الفقهاء) فليست عندهم شرطاً فى صحة الحديث. واعا أن بعض المحدثين يردون الحديث بالعلل ، سواء كانت قادحة أو غير قادحة كما صرح به الحافظ ابن حجر فى نكته على ابن الصلاح حيث قال : وأما الفقهاء فلا يردونه إلا بالعامة القادحة كما ذكره الشيخ تقي الدين بقوله فإن كثيراً من العلل إلى قوله لانجرى على أصول الفقهاء فان فيه ما يدل أن قليلا منها تجرى على أصولهم، وهى العلل القادحة لاغير القادحة، قال الحافظ : وأما العلل التى يعلل بها كثير من المحدثين ولا تكون قادحة أى عند الفقهاء فكثيرة: منها أن يروى العدل الضابط عن تابعى مثله عن صحابى حديثاً فيرويه عدل ضابط مثله مساوله فى عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعى بعيئه عن صحابى آخر، فان هذا يسمى علة عندهم أى المحدثين لوجود الاختلاف على ذلك التابعى فى شيخه ، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعى سمعه من الصحابيين معا، ومن هذا جملة كثيرة . انتهى . (١) هو الشيخ تقي الدين محمد بن على ، اشتهر بابن دقيق العيد، المصرى، المنفلوطى، فقيه شافعى، من أئمة الحديث، توفى سنة اثنتين وسبعمائة من الهجرة ، وكتابه الاقتراح فى أصول الحديث مختصر ذكره الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى فى ألفية الحديث. ٠ 7 - ١٤ - قلت: كلام الشيخ تقي الدين تنظير على شرطى السلامة من الشذوذومن العلة، ولم يبين وجه النظر إلا فى اشتراط السلامة من العلة دون الشذوذ؛ فالعلة قاصرة عن المدعى ، ثم لا يخفى أنه قد حصل مما ذكر أن اصطلاح الفقهاء فى صحة الحديث غير اصطلاح المحدثين ، إذ المحدثون يشترطون خلوه من العلة مطلقا ، والفقهاء يشترطون خلوه من العالمة القادحه، فهو باصطلاحهم أخص منه باصطلاح الفقهاء وإذا كان كذلك فلا يتم جمع الخاص والعام فى رسم واحد، فاعتراض الشيخ تقى الدين على رسم المحدثين بأنه غير موافق لاصطلاح الفقهاء غیر وارد ، بل لا بد من مخالفة الرسمين لاختلاف الاصطلاحين. ( قال ابن الصلاح) هو كما قال الذهبى فى التذكرة: الامام الحافظ المفتى شيخ الإسلام تقى الدين أبو عمرو عثمان الشهرزورى الشافعى صاحب كتاب علوم الحديث، وقال أبو حفص بن الحاجب فى معجمه: إمام ورع وافر العقل حسن السمت متبحر فى الأصول والفروع بارع فى الطب، وأثنى عليه الذهبى كثيراً ، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، قال ابن خلكان : كان أوحد فضلاء عصره فى التفسير والفقه (وزين الدين) هو العلامة الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقى البغدادى ، كان إماماً علامة مقرئاً فقيهاً شافعى المذهب أصولياً منقطع القرين فى فنون الحديث وصناعته، ارتحل فيه إلى البلاد النائية ، وشهدت له بالتفرد فيه أئمة عصره، وعَوّلوا عليه ، ولى قضاء المدينة نحو ثلاث سنين وانتفع به الأجلاء مع الزهد والورع والتحرى فى الطهارة وغيرها والتقنع باليسير وسلوك التواضع والكريم والوفاء ، أفرد ابنه له ترجمة فى تأليف ، مات فى شعبان سنة ست وثمانمائة عن إحدى وثمانين سنة ، ذكره الحافظ السخاوى فى شرح الألفية ( فالصحيح ما اتصل سنده بنقل عدل ضابط عن مثله من غير شذوذولا. علة قادحة) ظاهره أن هذا رسم ابن الصلاح والزين بلفظه، والذى رسمه ابن الصلاح ٠ ٠ - ١٥ - ليس فيه لفظ قادحة، بل لفظه كما قدمنا بعضه، وتمامه («وأن لا يكون شاذا ولا معللا)» وأما الزين فإنه زاد وصف العلة بالقادحة فى رسمه، فكأن المصنف أراد أن هذا الرسم مجموع رسميهما، وإن ذكر أحدهما مالم يذكره الآخر، لكن عرفت أن الرسم على اصطلاح المحدثين ، إذ هذه الكتب ألفت فى بيان اصطلاحهم ، وعرفت أنهم يشترطون فى الصحيح السلامة من العلة مطلقا، فزيادة القادحة فى وصف العلمة زيادة قادحة فى صحة الرسم على أصلهم ، فحذف ابن الصلاح لها هو الصواب، وإثبات الشيخ زين الدين لهاصير رسمه على اصطلاح الفقهاء، وهو بصدد بيان اصطلاح المحدثين ، نعم قال ابن الصلاح فى بيان فوائد قيود حده : إنه احترز عما فيه على قادحة ، يريد أنه وقع الاحتراز عن هذا بقوله ((.معللا)» ومراده قادحة على رأى المحدثين وإن لم تكن قادحة عند الفقهاء بدليل أنه مثل فى النوع الثامن عشر فى بحث المعلل بأمثلة يقدح بها المحدثون ولا يقدح بها الفقهاء ، وسيأتى، وهذا تعرف أن وصفه للعلة بالقادحة عند بيان القيود وإهمالها فى الرسم بيان منه لما عليه المحدثون، فان العلة تقدح عندهم فى صحة الحديث وإن لم تقدح عند غيرهم ، فحذف وصفها بالقادحة فى الرسم لأن ألفاظه إنما يؤتى بها للاحتراز والجمع والمنع ، فلو أتى بقيد القادحة فى الرسم لحمل رسمه على اصطلاح الفقهاء فإنه يحترز به عن العلة التى ليست بقادحة عندهم ، وأتى به فى بيان فوائد القيود وصفا كاشفا لا يحترز به عن شىء ، وبه تعرف أن وصف العلة بالقادحة عند الفقهاء احتراز عن علة لا يقدح بها، وأن وصفها فى لسان المحدثين إنما هو للكشف لا للاحتراز. وقلنا فى نظمنا للنخبة فى رسم الصحيح : وهو بنقل العدل ذى التمام فى ضبط مايروى عن الأعلام ٠ - ١٦ - متصلا. إسناد ما يرويه لا علة ولا شذوذ فيه * يدعى الصحيح فى العلوم عرفا * فهذا كما ترى جامع مانع على اصطلاح أئمة الحديث وبهذا التحقيق تعلم أن اعتراض الشيخ تقي الدين ليس فى محله، وتعرف أن قول ابن حجر فى جوابه عن اعتراضه إن ابن الصلاح لم يخل بذلك القيد بل قوله فى الرسم (( ولم يكن معللا)» يريد علةً خفية قادحة مستدلا برسم للحديث المعلل على اصطلاح المحدثين حيث قال («إنه الحديث الذى اطلع فى إسناده على علمة خفية قادحة)) غير صحيح (١) لأنه لم يرد بوصف العلة بالقادحة فى رسم المعلل إلا القادحة عند المحدثين ، ولا مفهوم لها، بل هى وصف كاشف ، وتعرف إتقان ابن الصلاح فى رسمه وجريه على اصطلاح أئمة الحديث من غير ملاحظة لاصطلاح غيره، وقد حذف المصنف فى مختصره من رسم الصحيح قيد القادحة فهو غير موافق لما قررناه هنا، فتأمل ، وتعرف أنه كان يحسن من المصنف تأخير كلام الشيخ تقى الدين ، وأن يفرد عبارة ابن الصلاح ثم يورد عقيبها اعتراض الشيخ تقي الدين فإنه اعتراض لرسم ابن الصلاح . (قال الشيخ تقي الدين: لوقيل هذا) أى الرسم الذى ذكره ابن الصلاح وزين الدين رسم (الحديث الصحيح المجمع على صحته لكان) قولا (حسنا، لأن من لا يشترط هذه الشروط لا يحصر الصحيح فى هذه الأوصاف) يريد أنه لو قيل إن رسم ابن الصلاح الذى سبق اعتراضه له رسم للحديث الصحيح المتفق على صحته لكان حسناً لأن من العلماء من لا يشترط ماذكر من الشروط فيما يجعله صحيحاً فيكون هذا صحيحاً عنده لأنه حوى ما شرطه وزيادة (ومن شرط الحد الجمع) لأفراد المحدود (١) (( غير صحيح)) هذا خبر أن فى قوله( وتعرف أن قول ابنحجر» نريد أنك بالتأمل فيما ذكره ستعرف أن قول ابن حجر غير صحيح. - - - ١٧ - ( والمنعُ) لدخول غيرها فيه، ( فقال ابن الصلاح: هذا صحيح باتفاق أهل. الحديث) قلت: وذلك لأنه قد جمع القيود المعتبرة عند أئمة الحديث - وهى ثلاثة ثبوتية ، وهى: اتصال السند ، وعدالة الناقل، وضبطه، وقَيْدانٍ عدميان، هما : عندم الشذوذ والعلة، فهذه الخمسة هى المعتبرة فى حقيقة الصحيح عند المحدثين - لكن تقييده هنا العلة بالقادحة أخرج منه بعض أفراد الصحيح، وهو ما فيه علة غير قادحة، فإنه غير صحيح عند المحدثين كما عرفت ، فقوله (صحيح باتفاق المحدثين)» مُيَلَّم. لكنه غير جامع؛ لخروج بعض أفراد الصحيح منه عندهم كما عرفت ، وقد قال الشيخ تقي الدين ((من شرط الحد الجمعُ والمنعُ )» وَهذا الحدّ قد جمع أفراد المحدُودِ ومَنَعَ ما عَذَاها وإن خرج منه بعض أفراد الصحيح عند أئمة الحديث. وتَسْميةُ مثلٍ هذه الرسوم حدودًا لايتمُّ على اصطلاح أهل الميزان، فهو من باب التسامح فى ذلك، وَيحتمل أن يُرَاد بقوله (( ومن شرط الحدّ - إلى آخره)) الاعتراض على الحد بأنه لم يشمل كل أفراد الصحيح على اصطلاح الفقهاء ، فلم يكن جامعاً، فإِن أراد هذا نجوابُهُ ما سَلّمَ أنه بصَدّد رَسْمِه على اصطلاح المحدثين، ومعناه أخصُّ من معناه عند الفقهاء» ولا يتم جمع الأخص والأعم فى حد، وقد أفصح ابنُ الصلاح عن مراده من بيان معناه عند الفقهاء بما نقله عنه المصنف من قوله «فقال ابن الصلاح هذا صحيح باتفاق أهل الحديث)) ولفظُ ابن الصلاح ((فهذا هوَ الحديث الذى يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث)) انتهى. فتسامَحَ الزينُ فى عبارته ولم ينقلها بلفظها، وتبعه المصنفُ، ثم رأيت بعْد كتْبٍ هذا بأيام فى شرح الإلمام لابن دقيق العيد، المَتْنُ والشرح له، ما لفظ «إن لكلّ من أئمة الفقه والحديث طريقًاً غير طريق الآخر، فإِن الذى تقتضيه قواعدُ الأصول والفقه أن العمدة فى تصحيح الحديث عَدَالهُ الراوى وجَزْمُهُ بالرواية، ونظرهم يميل (٢ - ١) - ١٨ - إلى اعتبار التّجْويز الذى يمكن معه صِدْقُ الراوى وعَدَم غلطه، فمتى حَصَل ذلكَ وجازّ أن لا يكون غلطاً وأمكن الجمعُ بين روايته ورواية فَفى خالَفَه بوجهٍ من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه، فأما أهل الحديث فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل تمنعهم عن الحكم بصحته)» انتهى كلامه بنصه، وهو صريح فى اختلاف الاصطلاحين فى مُسمى الصحيح من الحدیث کما قررناه والحمد لله. واعلم أنّ ابن الصلاح قال فى كتابه علوم الحديث (( أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذى يتّصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدْل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا مُعَلَّلاً)» ثم قال (( فهذا الحديثُ الذى نحكم له بالصيحة بلا خلافٍ بين المحدثين» انتهى كلامه بلفظه. إذا عرفت هذا عرفت أن تعريف ابن الصلاح جامعٌ مانعٌ على رأى أهل الحديث كما قررناه، ولكن المصنف لما أتى بالتعريف الذى نسبه إلى ابن الصلاح والزين وفيه تقييد العلة بالقادحة فخرج بزيادتها عن أن يكون جامعاً على رأى المحدثين كماعرفناك، ثمقال ابن الصلاح «فهذاهو الحديث- إلى آخره)) مشيراً إلى رسمه، فكلامه صحيح وحده جامعٌ مانعٌ على رأى المحدثين، فالخلل وقع من نسبة المصنف الحد الذى أتى به إلى الزين وابن الصلاح، وزيادةُ قادحة للزين فقط، وعرفت أن قول المصنف («فقال ابن الصلاح هذا صحيح)) نقل لكلام ابن الصلاح بالمعنى، على أنه إنما أشار بهذا إلى الحديث حيث قال ((فهذا الحديث الذى نحكم له بالصحة)) وعبارة المصنف رحمه الله تعالى قاضية بأن الإِشارة إلى الحد الذى ذكره هو (قال زين الدين: إنماقيد) أى ابن الصلاح ( نفىَ الخلاف بأهل الحديث لأن فى المعتزله مَنْ يشترط العدد ) أى زيادةً عَدّدِ الرّواة على الواحد (حكاه الحازمى) هو الإمام الحافظ البارع النسابة أبو بكر محمد بن موسى بن حازم الهمذانى، أثنى عليه الذهبىُّ وذكر له عدة مؤلفات منها - ١٩ - الناسخ والمنسُوخ فى الحديث، وعدَّلَه أشياء غير ذلك (فى شروط الأئمة) لفظ الزَّيْن فى شرْح ألفيته بَعْد نقل كلام ابن الصلاح: إنما قيدَ نفى الخلاف بأهل الحديث لأن بعض متأخرى المعتزلة يشترط العدد فى الرواية كالشهادة، إلى آخره ، فأفادت عبارته أنه أشار ابن الصلاح إلى من يقول إنه يُشترط فى الرواية عدد الشهادة وهو الاثنان، وهذا العدد ذكره أبو منصور عن الجاحظ (١) [وعبارة المصنف بقوله ((العدد)) مُجملة فى قدر العدد، فإذا نقلنا لفظ الزين](٢). وأنه يشترط فى الرواية الاثنين عن الاثنين، والمصنف قال ( قلت : بل مذهب البغدادية من المعتزلة اشتراط التواتر) وهو: نقل جماعة عن جماعة تُحيل العادةُ تواطؤهم على الكذب، معَ استواء الوسط والطرفين، بشرط أن يسند إلى الحسِّ، ولا يشترط له عدد معين عند المحققين كما عرف فى الأصول ، وكأن المصنف أراد بمجرد الإفادة أن من الناس مَنْ يشترط التواتر، وإلا فإنه لا يصح تفسيرُ عبارة الزين بمذهب البغدادية من المعتزلة لأن من يشترط التواتر لا يشترط عدداً معيناً ، وعبارة الزين أن بعض المعتزلة يشترط العددفى الرواية كالشهادة، فلا يصح أن يجعل إشارة إلى القائلين منهم بشرطية التواتر. فإن قلت: لعل معتزلة بغداد يجعلُون التواتر عدداً معينا فيصح تفسير ماقاله الزين :. م. قلتُ: لا يصح وإن قالوا بالعدّد، لا تفاق القائلين إنه لابد وأن يكون أهل التواترا كثر من أربعة، وزينُ الدين أشار إلى مَنْ يقول إن الرواية كالشهادة، والشهادة عند الإطلاق تتبادر إلى الاثنين، على أنا لو حملنا عبارته (١) فى ب ((عن الحافظ)) وما أثبتناه موافق لما فى ١. (٢) ما بين الحاصرتين زيادة فى هامش ا مع علامة الصحة والاشارة إليها فى صلب الأصل . . - 4 - ٢٠ - على أكثر نصَاب الشهادة فهو أربعة [ كمافى الزنا](١) والتواتر لا يكفى فيه الأربعة. واعلم أنه قال الحافظ ابن حجر: إنه رأى فى تصانيف الجاحظ أحدٍ المعتزلة أن الخبر لا يصحُّ عندهم إلا إن رواه أربعة، وعن أبى على الجبائى أحدٍ المعتزلة كما حكاه أبو الحسين البصرى (٣) فى المعتمد أن الخبرَ لا يقبل إذا رواه العَدْلُ الواحد إلا إذا انْضَمَّ إليه خبرُ عَدْل آخر وعَضَدَ مموافقةُ ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آخر، أو يكون قد اشتهر بين الصحابة ، أوعمل به بعضهم. انتهى . وفى مختصر المنتجبى لابن الحاجب : أن الجبائى يقول: لا يجوز التعبد يخبر الواحد عَقْلاً ، وأماوجوب العمل به فإنه نسب عدم وجوب العمل به إلى القاشانى وابن داود والرافضة وجعلهما مسألتين} (وعندى أنه) أى ابن الصلاح (لو لم يقيد نفى الخلاف بذلك) أى بقوله ( عند المحدثين)» (كمافعل الشيخ تقى الدين) ابن دقيق العيد فإنه قال«لوقيل هذا الحديث الصحيح المجمع على صحته)) فإنه أطلق الإجماع، ولم يقيده بالحدثين ولا غيرهم ( لكان) أى الحد مع عدم التقييد ( صحيحاً، ويحمل على إجماع الصحابة) أى يحمل رسم ابن الصلاح للصحيح بتلك القيود على أنه أراد إجماع الصحابة ، والمراد إجماعهم على قبول مَنْ له تلك الأوصاف، لا أنهم رسموا الصحيح، فإِن هَذا التقسيم للحديث عُرْفٌ حادث بعد عصرهم (ومَنْ بَنْدَهم) من التابعين ( حتى حدث هذا الخلاف) أى خلاف المعتزله . قلت : فى كلام المصنف رحمه الله تعالى أبحاث: أحدها: أن الصحابة لم يُجْمعوا على قبول مَن له هذه الأوصاف، فإنه سيأتى المصنف رحمه الله تعالى أن علياً كرم الله وجهه كان يُحَلّف الراوى، وقد علم (١) ما بين احاصر تين زيادة فى ا (٢) فى ب ((أبو الحسن البصرى فى المعتمد)) محرفا.