Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الجامع - باب الذكر
المدخر، جمعُهُ: کنوز.
- لا ملجأ: يقال: لجأ يلجأ لجأ: لاذ واعتصم، فالملجأ هو مكان اللجوء.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - قوله: ((الباقيات الصالحات)) يعني: الأعمال الصالحة من أعمال الخير يبقى
ثوابها محفوظًا عند الله تعالى لصاحبها أبدًا، بخلاف زينة الحياة الدنيا؛ فإنَّها
زائلة .
جاء هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، برواية أخرى، عن أبي سعيد
الخدري؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَال: (استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما
هي يا رسول الله؟ قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول
ولا قوّة إلاّ بالله)).
٢- قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي - رحمه الله تعالى -: ((الباقيات
الصالحات تشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة، من حقوق الله،
وحقوق عباده؛ من صلاة، وزكاة، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة،
وتسبيح، وتهليل، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن
منكر، وصلة رحم، وبرِّ الوالدين، وقيام بحقوق الزوجات، وجميع وجوه
الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فثوابها يبقى،
ويتضاعف بعد الإدبار، ويؤمّل أجرها، ونفعها عند الحاجة ... )).
٣- فقوله: ((لا إله إلاّ الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا
قوَّة إلاّ بالله)) نموذجٌ كريمٌ للأعمال الصالحة، ومثالٌ طيِّبٌ لأحسن ما يدخل
فيها من عملٍ كريمٍ؛ لأنَّ هذه الكلمات الطيبات أحب الكلام إلى الله
تعالى، ((ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) كنز من كنوز الجنة الثمينة.
٤- هذه الجمل الكريمة تكاثرت الأحاديث في فضلها، وجاءت الأخبار
الصحيحة في ثمارها، التي منها أنَّها رضا الرحمن، وأنَّها تسبب للعبد

٥٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
القرب من ربه، وأنَّ ربه يذكره في نفسه، وفي الملأ الأعلى، فيباهي ملائكته
بالذاكرين، وأنَّها أفضل الذكر، وأنَّها غِراس الجنة، وهي سهلة النطق،
كثيرة الأجر، عظيمة النفع .
٥- أما معانيها: ((فسبحان الله)): هي تقديسه وتنزيهه عن العيوب والنواقص،
وأعظم ما في ذلك: نفي الشريك له في ربوبيته، وإلاهيته، ونفي الشبيه له
في أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
وأما ((الحمدلله)): فإثبات جميع المحامد له، التي أهمها إثبات وحدانيته
في إلاهيته وربوبيته، وإثبات ما جاء في كتابه وعلى لسان رسوله من الصفات
الذاتية والفعلية، من غير تأويل لها، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل،
ولا تشبيه، وإنما نثبت حقيقة الصفة له، وندع علم کیفیتها إلیه تعالى.
وأما ((لا إله إلاّ الله)): فهي الكلمة العظيمة التي هي مفتاح الإسلام وبابه،
وهي عنوانه، وعلامته، وشارتُهُ، وهي الكلمة التي تنفي كل العبادة عن
جميع المخلوقات، وتثبتها لله وحده لا شريك له؛ فلا معبود بحق سوى الله
تعالى.
وأما ((الله أكبر)»: فهي تثبت استحقاق الله وحده لصفات الجلال والعظمة
والكبرياء .
٦ - قوله: ((لا يضرك بأيهنَّ بدأت)): فهذا دليل على جواز البداءة بأية جملة
منهنَّ؛ لكن بالنظر إلى معاني هذه الجمل، فلعلّه يحسن أن يقدِّم الذاكر:
((سبحان الله))؛ لأنَّه تنزيه الله عن النقائص؛ فهو تخلية.
ثم ((الحمد لله))؛ فهذا تحلية بعد تخلية، وهو إثبات المحامد، بعد
التخلية من النقص.
ثم ((لا إله إلاّ الله))؛ فهذه نفي للمشاركة في المحامد الثابتة لله تعالى.
ثم ((الله أكبر))؛ فهو بعد التنزيه، وإثبات المحامد، ونفي الشريك:

٥٤٣
كتاب الجامع - باب الذكر
يستحق الإجلال، والإكبار، والتعظيم.
٧ - أما ((لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله)): فهي أنَّ العبد يتبرأ من كل حول، ومن كل
قوَّة، ومن أي استطاعة، إلاَّ أن يكون المعين هو الله عزَّ وجل؛ فهو صاحب
الحول الكامل، وصاحب الطَّوْل والقوّة.
وهذه الجملة الكريمة تثبت أنَّ للعبد إرادةٌ وقدرة حقيقتين، وفعلاً حقيقةً
يفعل بها ما يشاء، ولكنها إرادة ومشيئة لا تخرج عن إرادة الله تعالى
ومشيئته؛ فالله يطلب من عبده العمل الصالح، والعبد يريده ويعلمه، ويسأل
الله الإعانة عليه، ويتبرأ من حوله وقوَّته وحده، ويضيفها إلى الله تعالى.

٥٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الدعاء
مقدمة
الدعاء: بالمد، قال في المصباح: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلتُ إليه
بالسؤال، ورغبتُ فيما عنده من الخير .
والدعاء نوعان :
١ - دعاء مسألة.
٢ - دعاء عبادة.
والمراد هنا هو الأول.
قال ابن القيم في الجواب الكافي :
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو
عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه إذا نزل، أو يخفِّفه إذا نزل،
وهو سلاح المؤمن.
فإذا اجتمع مع الدعاء حضورُ القلب، وجمعيَّته بكليته على المطلوب،
وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين
يدي الرب، وذُلاً له، وتضرعًا، ورقةً، واستقبال القبلة، وكان على طهر، ورفع
يديه إلى الله تعالى، وبدأ بالحمد، والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمَّد
عبده ورسوله وَّل، ثم قدَّم بين دعاء رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه،
وصفاته، وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة -: فإنَّ هذا الدعاء لا يكاد
یرد .

٥٤٥
كتاب الجامع - باب الدعاء
لا سيَّما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي وَّ أنَّها مظنة الإجابة، وأنَّها
متضمنة للاسم الأعظم.
وللكن يهمنا أمر يجب التفطُّن له، وهو أنَّ الدعاء قد يتخلَّف أثره عن
الداعي: إما لضعفه في نفسه، بأن يكون الدعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من
العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإما لحصول
مانع من الإجابة، من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة
والشَّهوة .
ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء: أن يستعجل العبد، فيتباطأ
الإجابة، فيحسر، ويدع الدعاء؛ ففي صحيح البخاري (٦٣٤٠) وصحيح مسلم
(٢٧٣٥)؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّه قال: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت
فلم يُسْتَجَبْ لي)».
نسأل الله تعالى أن يقبل دعاءنا، ويصلح أعمالنا، إنَّه حميد مجيب،
وصلى الله على نبيِّنا محمّد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

٥٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٥٤ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ
صَلى الله
ـيه
وَسلم
قَالَ: ((إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ)) رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ((الدُّعَاءُ
مُحُ العِبَادَةِ))(٢).
ولَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ: (لَيْسَ شَيْءٌ
أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ)) وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ(٣).
* درجة الحديث:
حديث النُّعمان صحيح، وحديث أنس ضعيف.
قال النووي عن حديث النعمان: أسانيده صحيحة.
قال الشيخ صديق بن حسن في نزل الأبرار: رواه أحمد، والترمذي،
وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبَّان،
وصحَّحه الحاكم، والترمذي، أخرجه هؤلاء من حديث النُّعمان بن بشير
بلفظ: ((الدعاء هو العبادة)» .
وأخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رسول الله وَلـ: ((الدعاء مخ
العبادة)) .
وقوله: ((هُوَ العبادةٍ)) المقتضي للحصر، والآيةُ الكريمة: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] تدل على أنَّ الدعاء من العبادة.
(١) أبو داود (١٤٧٩)، الترمذي (٣٢٤٧)، النسائي في الكبرى (٤٥٠/٦)، ابن ماجه (٣٨٢٨).
(٢) الترمذي (٣٣٧١).
(٣) الترمذي (٣٣٧٠)، ابن حبان (٨٧٠)، الحاكم (٤٩٠/١).

٥٤٧
كتاب الجامع ـ باب الدعاء
وخلاصة القول: هو ما ذكره الحافظ العراقي بقوله: حديث التُّعمان بن
بشير: أنَّ الدعاء ((هو العبادة)) أخرجه أصحاب السنن، والحاكم، وقال:
صحيح الإسناد، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأما حديث: ((الدعاء مخ العبادة)) فأخرجه الترمذي من حديث أنس،
وقال: غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهيعة.
وضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير.
وأما حديث أبي هريرة: فرواه أحمد، والترمذي، وصحَّحه ابن حبان،
والحاكم.
* مفردات الحديث:
- مُحُّ العبادة: بضم الميم، وتشديد الخاء، قال في المصباح: خالص كل شيء
مخه، ومخ العبادة: خالصها وأصلها؛ لما فيه من امتثال أمر الله تعالى؛
لقوله: ﴿أُدْعُونِّ﴾ .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اللفظ الأول: ((الدعاء هو العبادة)) أثبت أنَّ دعاء الله تعالى هو أصل عبادته
التي تعبَّد الله بها خلقه، وخَلَقَهم من أجلها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات].
وأما اللفظ الثاني: ((الدعاء مخ العبادة)» فأثبت أنَّ خالص العبادة وروحها هو
دعاء الله تعالى؛ لأنَّ فيها امتثال أمره بقوله: ﴿أَدْعُونِّ﴾ ذلك أنَّ طالب
الحاجة إذا علم أنَّ نجاح أموره لا يكون إلاّ من الله تعالى، انقطع عما سواه،
وأفرده، وأخلص له الدعاء بطلب الحاجات منه.
٢- وأما قوله: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)): فقد جاء في هذا المعنى
الكريم نصوص كثيرة، منها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:
٦٠]، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾

٥٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٤ [طه].
[البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا لـ
وجاء في سنن أبي داود (١٤٨٨) والترمذي (٣٥٥٦) وابن ماجه (٣٨٦٥)
من حديث سلمان الفارسي؛ أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إنَّ الله تعالى يستحيي أن
يبسط العبد إلیه یدیه يسأله فيهما، فیردهما خائبتين)).
وجاء في صحيح مسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ
قال: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني)).
٣- الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة؛ ويراد به في القرآن هذا تارةً،
وهذا تارةً أخرى، وقد يراد مجموعهما :
فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي، من طلب نفع، أو كشف ضر.
وأما دعاء العبادة: فهو التوسل إلى الله تعالى لحصول مطلوبه، أو كف
الشر عنه؛ بإخلاص العبادة له وحده.
٤- قال شيخ الإسلام: الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء
العبادة؛ قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال:
بَلّ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
وأمثال هذا في القرآن كثير في دعاء المسألة، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأنَّ
السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك ذاكر الله،
والتالي لكتابه، فهو طالب من الله في المعنى؛ فيكون دعاء عبادة.
٥ - وقال الشيخ - أيضا -: المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان قد يمرق من
الإسلام لأسباب، منها: الغلو في بعض المشايخ، أو الغلو في علي بن أبي
طالب، أو الغلو في المسيح، فكلُّ من غلا في نبيٍّ، أو رجلٍ صالحٍ، وجعل
فيه نوعًا من الإلهية، حتى إنَّه يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو
ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، يستتاب، فإن تاب وإلاّ

٥٤٩)
كتاب الجامع - باب الدعاء
قُتِل؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعْبَدَ وحده لا
شريك له، ولا يُدْعَى معه آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل:
المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنَّها تخلق، أو تنزل
المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو
يعبدون صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]،
ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فبعث الله رسله تنهى أن
يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة.
٦- وقال ابن القيم: ومن أنواع الشرك: طلب الحوائج من الميت، والاستعانة
به، والتوجه إليه؛ وهذا أصل شرك العالم؛ فإنَّ الميت قد انقطع عمله،
وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، فضلاً عمَّن استغاث به، أو سأله أن يشفع
له إلی الله تعالى.

٥٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٥٥ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّه: ((الدُّعَاءُ بَيِّنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لاَ يُرَدُ)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ،
وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ(١).
* درجة الحديث:
صحيح الإسناد.
قال المناوي في فيض القدير: حسَّنه الترمذي، وقال العراقي: رواه
النسائي في اليوم والليلة بإسناد جيد، وابن حبان، والحاكم وصححه.
** مفردات الحديث:
- الدعاء: أصله ((دعاو)) فألفه واو، فهو من دعوت، إلاَّ أن الواو لما جاءت بعد
الألف صارت همزة، والدعاء: واحد الأدعية، ومعنى دعوت الله: ابتهلت إليه
بالسؤال .
* ما يؤخذ من الحديث :
١- الحديث فيه الحث على الدعاء، وسؤال الله تعالى حاجات العبد ومطالبه؛
فقد قال تعالى: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى في الحديث
القدسي: ((مَن يدعوني فَأَسْتَجِيبَ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني
فأغفر له)) [رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)].
٢ - ويدل الحديث على أنَّ ما بين الأذان وإقامة الصلاة وقتٌ فاضل يستجاب فيه
الدعاء، ويسمع فيه النداء؛ فينبغي اغتنامه وسؤال الله تعالى فيه، لعلَّه أن
يستجيب لعبده دعوة لا يشقى بعدها أبدًا .
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة ص(١٦٨)، ابن حبان (١٦٩٦).

٥٥١
كتاب الجامع - باب الدعاء
٣- الحكمة في استجابة الدعاء في هذا الوقت - والله أعلم - أنَّ الإنسان ما دام
ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والصلاة موطن استجابة الدعاء؛ لأنَّ العبد
يناجي ربه فيها .
٤ - قال شيخ الإسلام: الدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة
المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلّقة بالصلاة إنَّما فعلها
وَلّ فيها، وأمر بها فيها، وهو اللائق بحال المصلي المقبل على ربه يناجيه،
فيستحيب من الدعاء أحبه إليه، وليكن بخشوع وأدب؛ فإنَّه لا يستجاب
الدعاء من القلب الغافل.

٥٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٥٦ - وَعنْ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَله : ((إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ بَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ
يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
صحيح الإسناد.
قال صديق بن حسن: أخرجه أبوداود، والترمذي وحسّنه، وابن ماجه،
وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين من
حديث سلمان، وأخرجه أيضًا البيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد من
حديث أنس .
وقال الذَّهبي: هذا حديث مشهور رواه عن النبي ◌َّ عدد من الصحابة،
منهم: علي، وابن عمر، وأنس .
* مفردات الحديث:
- حَيِيٌّ: يقال: حَيِيَ منه حياءً، فهو حَيِيٌّ، والحياء: صفة ثابتة لله تعالى، نؤمن
بحقيقتها على ما يليق بجلاله، ونكل علم كيفيتها إلى الله .
- صِفْرًا: بكسر الصاد، أي: خالية، والمعنى: لم يعطه ما سأله.
قال في المصباح: صِفْرٌ وزانُ حِمْلٍ، وهو صفر اليدين ليس فيهما شيء،
مأخوذ من الصفير: وهو الصوت الخالي عن الحروف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على مشروعية رفع اليدين في الدعاء، ورفع اليدين بالدعاء من
(١) أبوداود (١٤٨٨)، الترمذي (٣٥٥٦)، ابن ماجه (٣٨٦٥)، الحاكم (٤٩٧/١).

٥٥٣)
كتاب الجامع - باب الدعاء
المسائل التي تواترت فيها الأحاديث تواترًا معنويًّا؛ فقد روي منها عن النبي
وَل نحو مائة حديث، لكنَّها في مواضع مختلفة، فكل واحد منها لم يتواتر
لفظًا، وإنما القدر المشترك بينها هو رفع اليدين في الدعاء؛ فهو متواتر
باعتبار مجموع الطرق الدال كل منها على مسألة بعينها .
٢- حكمة رفع اليدين أثناء الدعاء: إظهار الافتقار والفاقة أمام الغني الكريم،
وتفاؤلاً في أن يضع فيهما جلَّ وعلا الحاجة المطلوبة منه .
٣- لذا فإنَّه من كرمه، وجوده، وعطفه على عبده السائل يستحيي من عبده إذا
رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا خاليتين من العطاء؛ فإنَّه يجود عليه، فيعطيه
حاجته، ومطلبه؛ فهو الکریم الجواد.

٥٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فصل في اداب الدعاء
قال النووي في الأذكار: إنَّ المذهب المختار الذي عليه الفقهاء،
والمحدِّثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها، من السلف والخلف: أنَّ
الدعاء مستحبٌّ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
١ - فمن آدابه - وهو آكدها -: تجنب الحرام مأكلاً، وملبسًا، ومشربًا، ووجه
ذلك: أنَّ ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة، إلاّ إذا تفضَّل الله على
عبده، وهو ذو الفضل العظيم.
٢- ومنها: الإخلاص لله، وهذا الأدب هو أعظم الآداب في إجابة الدعاء؛ لأنَّ
الإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، وقال عزَّ وجل: ﴿مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، فمتى دعا ربه غير مخلص، فهو حقیق بأن لا
يُجاب له، إلاَّ أن يتفضل الله عليه، فهو ذو الفضل العظيم.
٣- ومنها: الوضوء.
٤- ومنها: استقبال القبلة؛ ووجه ذلك: أنَّها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله
عزَّ وجل، والعابدات له، والمتقربات، والمتقربون إليه.
٥ - ومنها: الثناء على الله عزَّوجل.
٦- ومنها: الصلاة على نبيه وَل .
٧- ومنها: بسط اليدين، ورفعهما حذو المنكبين.
٨- ومنها: التأدب، والخشوع، والمسكنة، والخضوع، وهذا المقام أحق
المقامات بهذه الأوصاف؛ لأنَّ المدعو هو رب العالم، وخالق الخلق،
ورازق الكل، وفي ذلك تستُّب للإجابة؛ لأنَّ العبد إذا خشع وخضع، رحمه

كتاب الجامع - باب الدعاء
الله، وتفضل عليه بالإجابة ومن ذلك: قول الله عزَّوجل: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
٩- ومنها: أن يسأل الله بأسمائه العظام الحسنى، وبالأدعية المأثورة؛ ويدل
على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
١٠ - ومنها: الاعتراف بالذنوب.
١١ - ومنها: أن يسأل بعزم ورغبةٍ، وجدٍّ واجتهادٍ.
١٢ - ومنها: إحضار القلب، وتحسين الرجاء.
١٣ - ومنها: تكرير الدعاء، والإلحاح فيه .
١٤ - ومنها: أن لا يستعجل، فيقول: قد دعوت فلم يُسْتجب لي، ووجهه ما في
الصحيحين من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله وَلِّ قَال: ((يُسْتَجَابُ
لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)).
١٥ - ومنها: أن يترصد الأوقات الشريفة.
١٦ - ومنها: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، ونزول الغيث.
١٧ - ومنها: أن يدعو بلسان الذلَّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.

٥٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فصل في أوقات الإجابة وأحوالها
منها: ليلة القدر، ومنها: يوم عرفة، ومنها: شهر رمضان، ومنها: ليلة
الجمعة، ومنها: يوم الجمعة، وساعة الجمعة.
ومنها: جوف الليل؛ يدل عليه ما أخرجه الترمذي (٣٤٩٩) وحسنه من
حديث أبي أمامة قال: ((قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف
اللیل، ودبر الصلوات)).
والدبر يشمل الدعاء بعد التشهد الأخير في نفس الصلاة، وبعد التحلل
منها بالسلام.
ومنها: عند النداء بالصلاة؛ لما أخرج مالك في الموطأ (١٥٥)،
وأبوداود (٢٥٤٠) من حديث سهيل بن سعد قال: قال رسول الله وَتليفون: ((اثنتان لا
تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضًا)).
وبين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات المكتوبات، وفي السجود.

٥٥٧
كتاب الجامع - باب الدعاء
=
١٣٥٧ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ
﴿َّ إِذَا مَدَ يَدَيْهِ فِي الدُعَاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ))
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ(١)، وَلَهُ شَواهِدُ مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا - عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ(٢)، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ
حَسَنٌ.
* درجة الحديث:
قال الحافظ: حديث حسن، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ضعيف.
قال الشيخ صديق بن حسن: أخرجه الترمذي من حديث عمر بن
الخطاب، قال: كان ◌َ﴾ ... الحديث، وفي سنن أبي داود عن ابن عباس عن
النبي وَّ نحوه.
قال النووي: في إسناد كل واحد رجل ضعيف، وقول الحافظ عبدالحق:
إنَّ الترمذي قال في الحديث الأول: إنَّه حديث صحيح، فليس في النسخ
المعتمدة من الترمذي أنّه صحیح، بل قال: حديث حسن غريب.
قلتُ: وللكن الغريب قد يكون من أنواع الصحيح، وله شواهد مجموعها
يعضد بعضها بعضًا، وبهذا يقوى الحديث بمجموع طرقه، واختار قوته جمع
من العلماء، منهم: إسحاق، والنووي في أحد قوليه، وابن حجر، والمناوي،
والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم.
(١) الترمذي (٣٣٨٦).
(٢) أبوداود (١٤٨٥).

٥٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
يدل الحديث على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء؛
وفي هذا تفاؤل بأنَّ الله تعالى استجاب دعاء السائل مطلوبه، فإعطاء مسؤوله
بيديه الممدودتين، وبعد امتلائهما من عطاء الله تعالى وجُودِهِ، أفرغ خير الله
على وجهه، والله عند حسن ظن عبده به .

٥٥٩
كتاب الجامع - باب الدعاء
١٣٥٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً)) أَخْرَجَهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال صديق بن حسن خان في كتابه «نُزُل الأَبْرَار)): أخرجه الترمذي،
وقال: حديث حسن، وأخرجه ابن حبان، وقال: صحيح، وفي إسناده موسى
بن يعقوب الزمعي، وقد وثّقه ابن معين، وأبوداود؛ فلا يضر وجوده في السند
بصحته حیث وثق .
قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عوف، وعامر، وعمار، وأبي طلحة،
وأنس، وأبي بن كعب ، رضي الله عنهم.
* مفردات الحديث:
- أولى الناس بي: أقربهم إليَّ، وأحقهم بشفاعتي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله ◌َّ: ((إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة)) معناه: إنَّ أولى
الناس بشفاعة النبي ◌َّر، وأحقهم بالقرب منه أكثرهم عليه صلاة في الدنيا.
٢- وقد جاء في فضل الصلاة على النبي ◌َّ- نصوص كثيرة؛ فمن القرآن: قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِ كَتَُّ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىُّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ
[الأحزاب].
وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ّ
(١) الترمذي (٤٨٤)، ابن حبان (٩١١).

٥٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣ - ما جاء في الترمذي (٣٥٤٦) وابن حبان (١٨٩/٣)، من حديث الحسين بن
علي؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((البخيل من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليّ)).
فهذا كامل البخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيمًا .
٤- وجاء في الترمذي (٣٥٤٥) وابن حبان (١٨٩/٣)، من حديث أبي هريرة أنَّ
النبيَّ وَّ قَالَ: ((رغم أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصل عليّ)).
ومعناه: لصق أنف امرىء بالتراب، وهان وذل رجل - أو امرأة - ذُكرتُ عنده
فلم يجلَّني، ولم يقدرني بالصلاة والسلام عليَّ، وإنَّما أعطى إعراضًا وتغافلاً.
٥- وجاء في مسلم (٣٨٤)، من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَ لّ قَال: (مَن
صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)).
ففي الحديث الفضيلة العظيمة والمنقبة الكبيرة لمن صلى على النبي وَال
مرَّة واحدة ، بأنَّ الله تعالى يجازيه من جنس عمله، وللكنه أكثر وأفضل،
وهو أنَّ الله يصلَّ عليه، ويعطيه بدل الصلاة الواحدة عشر صلوات من عنده
تعالى.
٦- وما أخرجه النسائي (١٢٨٢)، وابن حبان (١٩٥/٣)، من حديث ابن مسعود
أَنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((إنَّ لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام))؛ ففيه
دليل على أنَّ سلام أمته يبلغه ◌َله من البعيد عنه؛ كما يبلغه من القريب.
٧- وجاء في الطبراني من حديث علي: ((كل دعاء محجوب حتى يصلى على
محمد)»، والحديث جاء مرفوعًا وموقوفًا، ولكن الموقوف له حكم الرفع؛
لأنَّ هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه .
* الفوائد الحاصلة بالصلاة على النبي وَلات:
قال ابن القيم في كتابه: ((جلاء الأفهام، في الصلاة والسلام، على خير
الأنام)): في الصلاة على النبي ◌َلّ فوائد:
الأولى: امتثال أمر الله تعالى بقوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ