Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١)
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٣٣٦ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا،
وَمَا تَواضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
ما يؤخذ من الحديث:
الحديث فيه ثلاث جمل من الأحكام الحكيمة والآداب السامية :
الأولى: ((ما نقصت صدقة من مال)): وهذا يشمل ثلاثة معان:
١ - أنَّ الله تعالى ينمِّي المال بالصدقة، ويزكيه، ويبارك فيه، فتندفع عنه الآفات،
وتحل فيه البركات الحسية والمعنوية .
٢ - أنَّ الثواب الحاصل من الصدقة جَبَرَ نَقْص عينها؛ فالمتصدِّق إذا نقص من
جانب عوّض عنه ما هو أكثر منه من جانب آخر .
٣- أنَّ الله تعالى يخلفها بعوض يعوِّضه به عن نقص المال، بل ربما زادته؛ قال
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهٌ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿مَّن ذَا
الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ : أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
الثانية: ((ما زاد الله عبدا بعفو إلاَّ عزّا»:
فيه الحث على العفو عن المسيء ، وعدم مجازاته على إساءته، وإن
كانت جائزة، للكن العفو عند المقدرة له مقام كبير عند الله وعند خلقه:
أما عند الله: فإنَّه سبحانه يحبه؛ لأنَّه محسن، فيضع له المحبة في الأرض.
وأما عند الناس: فإنَّ الناس إذا علموا أنَّه عفا عن مقدرة، صار له عندهم
منزلة كبيرة، ومقام عظيم، ونُظِر إليه بعين الإجلال والإكبار، أما المنتقم فإنَّه لا
(١) مسلم (٢٥٨٨).

٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ينال هذه المنزلة، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:
٤٠]، وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[الشورى]، وقال
٤٣
تعالى: ﴿وَلَيْنِ صَبَرْ تُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِنَ الَـ
﴾ [النحل].
الثالثة: ((وما تواضع أحدٌ لله تعالى إلاَّ رفعه الله تعالى)):
فالمتواضع لله تعالى بإظهار التذلل للحق وأهله، والانكسار بين يدي الله
تعالى، ولين الجانب، وإظهار الخمول، فإنَّها ما تزيد المتحلّي إلاّ رفعة في
الدنيا، ومحبة في القلوب، ومنزلة عالية في الجنة، فقد جاء في الحلية لأبي
نعيم، من حديث معاذ؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((إنَّ الله يحب من عباده الأتقياء
الأخفياء الأبرياء)) [رواه الطبراني في الأوسط (١٤٥/٧)]، وجاء في الترمذي
(٣٨٥٤) من حديث أنس؛ أنَّ النَّبِيَّ نَّه قال: ((رب أشعث أغبر ذي طِمْرَين، لا
يُعبأ به، لو أقسم على الله لأبرَّه)).

٥٠٣
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٣٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ : - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ،
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمِ»
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَخَّحَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه،
والدارمي، وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، والحاكم، ووافقه الذَّهبي،
وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم.
* مفردات الحديث:
- أفشوا السلام: أمر من الإفشاء، وهو الإشاعة والتعميم.
- صِلُوا الأرحام: أمر من الوصل ببرهم، والإحسان إليهم بالقول، والفعل،
ولين الجانب، والأرحام: كل قرابة من النسب، أو من الصهر.
- نِيَام: بكسر النون، وتخفيف الياء، جمع نائم.
- تدْخُلُوا الجنَّةَ بسلام: أي: بدون سابق عذاب قبل دخولها .
* ما يؤخذ من الحديث:
في الحديث مناقب حميدة وشمائل رفيعة، من اتصف بها، دخل الجنة
بسلام :
١- إفشاء السلام بين المسلمين بقوله: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))
(١) الترمذي (٢٤٨٥).

٥٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والجواب مثله، والبداءة به سنة، ورده فرض؛ وهذان الحكمان في البدء
والرد على من عَرَفْتَ، ومن لم تعرف.
٢- صلة الرحم، وهي: القرابة من الأصول، والفروع، والحواشي القربى
والبعدى، كل بحسبه؛ فقد أثنى الله تعالى على من وصلها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ
يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ١٢] ... إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَّمْ عُقْبَىَ
٢٢
· [الرعد]، وذم القاطعين وتوعدهم فقال: ﴿وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ»
الدَّارِ
أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] ... إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ
٢٥
[الرعد]، والنصوص في ذلك كثيرة جدًّا.
٣- ((إطعام الطعام)) من القيام بالنفقات الواجبة والمستحبة، وإطعام الفقراء،
والمساكين، والمعوزين؛ قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى خُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا
﴾ [الإنسان]، وقد جاء في الصدقة من الآيات والآثار الكثير.
وَأَسِيرًّا ؟
٤- صلاة الليل، وأفضل ما تكون آخره عند نزول الرب سبحانه إلى السماء
الدنيا؛ لإجابة الداعين، وإعطاء السائلين، والبر بالمحرومين.
الَّتَّلَ
[الذاريات]، وقال :
١٧
قال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ
إِلَا قَلِيلًا ﴾﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ
خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].
وجاء في مسلم (١١٦٣)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله وَ له: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)).
٥- من قام بهذه الأعمال الصالحة، فإنَّ الله تعالى سيوفِّقه لترك المنهيات،
والقيام بسائر الطاعات؛ فيدخل الجنة سالمًا من عذاب الله تعالى.

٥٠٥ -
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٣٣٨ - وَعَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ - ثَلاَثًا - قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)) أَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ(١)
* مفردات الحديث:
- الدِّين: قال ابن فارس: الدال والياء والنون: أصل واحد، إليه ترجع فروعه
كلها، وهو جنس من الانقياد والذل؛ فالدِّين الطاعة .
- النَّصيحة: قال في القاموس: نَصَحَهُ وَنَصَحَ لَهُ نُصْحًا وَنَصَاحَةً، وَهُوَ نَاصِحٌ
وَنَصِيحٌ، والاسم: النصيحة، وَنَصَحَ بمعنىُ أَخْلَصَ، والناصح هو العمل
الصالح، والتوبة النصوح هي التوبة الصادقة.
قال ابن فارس : نَصَحْتُهُ ونصحتُ له بمعنى. والنصيحة خلاف الغش.
قال في النهاية: النصيحة: كلمة يعبّر بها عن جملة هي إرادة الخير
للمنصوح له.
- الدين النصحية: هذه جملة تدل على الحصر؛ فلذا صارت هذه الجملة تدل
على ما هو عماد الدين.
- ثلاثًا: كرر هذه الجملة الجامعة ثلاث مرَّات؛ للاهتمام بها، ولبالغ العناية
بها .
(١) مسلم (٥٥).

٥٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١- النصيحة لله، وهي الإيمان بالله تعالى؛ وذلك بصحة الاعتقاد به، وبأنه
واجب الوجود، والإيمان بوحدانيته في ربوبيته، وإلاهيته، وأسمائه
وصفاته، وبأنّه الواحد الأحد في ذلك كله، فليس له شريك، ولا مثيل، ولا
شبيه في شيء من ذلك كله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
١١
[الشورى].
وهذا التوحيد الخالص ينافي كل إلحاد في ربوبيته، أو إلهيته، أو
أسمائه، أو صفاته.
كما أنَّ من النصيحة لله تعالى: إخلاصَ النيّة والعلم في عبادته، وبذل
الطاعة والانقياد له فيما أمر به، أو نهى عنه، والاعتراف بنعمه، واستعمالها
في طاعته، وإيثار محبته على من سواه من المخلوقين.
وحقيقة هذه النصيحة راجعة إلى العبد نفسه؛ فالله تعالى غني عن نصح
كل ناصح؛ ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
٢ - النصيحة لكتاب الله، وهي الإيمان به، وتصديقه، وبأنّه كلام الله تعالى،
تكلّم به حقيقة، كلامًا يليق بجلاله، وأنَّه وحيه أنزله على رسوله محمَّد ◌َِّ،
بواسطة أمينه على وحيه جبريل الأمين، والإيمان بإعجازه في لفظه،
وأسلوبه، ومعناه؛ فلن يستطيع أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله، أو بسورة
واحدة من سوره، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ومعينًا .
ومن الإيمان بكتاب الله: تعظيم هذا الكتاب، وتنزيهه، وامتثال أوامره،
والوقوف عند نواهيه، ورد تحريف الضالين، وشُبِه الملحدين، كل مسلم
بحسب قدرته، وطاقته، واستطاعته من النصح لكتاب الله تعالى.
٣- النصيحة لرسوله وَّلله، وهي تصديقه، والإيمان به، وبرسالته إلى الثقلين
عامة، وتعلّم سنته، والعمل بها، والتمسك بها، ومحبة هذا الرسول،

=
٥٠٧
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
وطاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتباعه، والتخلق بأخلاقه،
والسير على نهجه، وجعله القدوة الصالحة في العبادة والخُلُق.
ومن الإيمان به: الإيمان بشمول رسالته وعمومها، وأنَّه رسول الله إلى
الإنس والجن كافة؛ فلا يحل لأي صاحب دين ونحلة إلاَّ اتباعه، وشريعته
ناسخة لجميع الشرائع قبلها، وخاتمة لجميعها بعده؛ فلا نبي بعده ولا
رسول؛ فهو خاتم المرسلين .
وأنَّ سنته هي أحد الوحيين، وثانيهما، فيجب العمل بها فيما أمرت به،
وما نهت عنه، ویجب تصديقها فيما أخبرت به، وتحدثت عنه.
٤- النصيحة لأئمة المسلمين، وهي معاهدتهم على السمع والطاعة، وعدم نكث
عهدهم، والوفاء لهم، وامتثال أمرهم، واجتناب نهيهم، ما لم يأمروا
بمعصية، أو ينهوا عن طاعة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن النصح لهم: الدعاء لهم بالتوفيق والتسديد في أعمالهم، وبذل
المشورة لهم، ونصحههم برفق، ولطف، ولین.
ومن النصيحة لهم: الوفاء لهم، وعدم عصيانهم، والخروج عليهم، ولو
رأى مواطنوهم وشعبهم شيئًا من القصور في أعمالهم، أو في الحقوق، فإنَّ
ما يترتب على الخروج عليهم من المفاسد، واختلال الأمور أعظم وأطم مما
هم عليه، ما لم يصل الأمر إلى كفر بواح.
ومن النصيحة لهم: القيام معهم في وجه من يقوم ضدهم، ويشق عصا
الطاعة عليهم، بالخروج عليهم، ونقض عهدهم.
٥ - النصيحة لعامة المسلمين، وتكون بمحبة الخير لهم، فيحب لهم ما يحبه
لنفسه من الصلاح، والتوفيق في أمور الدنيا والآخرة، وأن يتمنى لهم
الخير، وبُعْدَ الشر عنهم، ويحب اجتماعهم على ما ينفعهم في أمر دينهم
ودنياهم، ويكره لهم الفرقة، والاختلاف، والتفرق.

٥٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وأن يبذل لهم النصح والمشورة فيما ينفعهم، ويعود عليهم بالصلاح،
ويشفق عليهم برحمة صغيرهم، وفقيرهم، وعاجزهم، ويقدِّر كبيرهم
ويحترمه، ويحزن لحزنهم، ويتألم لمصابهم، ويفرح لفرحهم بما يجدِّد الله
لهم من النعم، وما يندفع عنهم من النقم.
وأن يبعد عنهم كل ما ينافي ذلك من الحقد، والحسد، والغش، والخداع،
وغير ذلك مما يضرهم.
ومن النصح للمسلمين: القيام بحقوقهم، فهناك حقوق عامة؛ کرد السلام،
وتشميت العاطس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، والدعاء للأحياء
والأموات، وهناك حقوق خاصة؛ كلٌّ فيما يخصه ويناسبه، من الأقارب،
والجيران، والأقران، والأصدقاء.
٦ - وهكذا: فالنصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه
الخير والبر إرادةً وفعلاً؛ فهي بمثابة القلب الطاهر السليم للمنصوح له،
وهي نافعة للناصح والمنصوح :
فأما الناصح: فلما يحصِّله من الأجر والثواب، ولما يسرُّه ويفرحه من أثر
نصحه وأعماله الطيبة .
وأما المنصوح له، فلما يحصُلُ له من خير الدنيا والآخرة بسبب توجيه
الناصحين، وإرشاد المحبّين ، والدلالة على وجوه الخير، والصلاح،
والفلاح.
فقد قال الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى -: ((ما أدرك عندنا من أدرك
بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدركوا عندنا بسخاء النفس، وسلامة الصدر،
والنصح للأمة))، والله أعلم.

٥٠٩
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٣٣٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: ((أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الجَنَّةَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ)) أَخْرَجَهُ
التِّرْ مِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
الحديث أخرجه الترمذي، وصححه الحاكم.
وله شواهد كثيرة جدًّا بعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأنواع ضعفها
مختلفة، وقد أوردها الغزالي في الإحياء في كتاب رياضة النفس، والإمام زين
الدين العراقي بيَّن درجاتها، ومن تلك الشواهد: ما أخرجه البخاري (٦٠٣٥)
ومسلم (٢٣٢١): ((خياركم أحاسنكم أخلاقًا)).
(١) الترمذي (٢٠٠٤)، ابن ماجه (٤٢٤٦)، الحاكم (٣٢٤/٤).

٥١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهُ: ((إِنَّكُمْ لاَ تَسَعُونَ النََّسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ
بَسْطُ الوَجْهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ)) أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن .
فرجاله ثقات .
قال زين الدين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه البزار،
وأبويعلى، والطبراني في مكارم الأخلاق، من حديث أبي هريرة، وبعض طرق
البزار رجاله ثقات .
وحسّنه العلائي، وكذلك السيوطي في الجامع الصغير.
* مفردات الحديث:
- بسْطُ الوَجْه: بفتح الباء، وسكون السين: البشاشة، وطلاقة الوجه، ولين
الجانب .
- حُسْنُ الخُلُق: الخلق - بضم الخاء واللام - : هي معاملة الناس ومعاشرتهم
العشرة الطيبة، المبنية على المحبة، والإخلاص، والنصح، وقضاء
حوائجهم، وأداء حقوقهم.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - هذان الحديثان الشريفان فيهما أمران عظيمان: تقوى الله، وحسن الخلق.
٢- فأما حسن الخلق: فصفة حميدة باطنة في القلب، يظهر أثرها بالأقوال
(١) الحاكم (١٢٤/١)، أبويعلى (٤٢٨/١١).

٥١١
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
الطيبة، ولين الجانب، والأفعال الكريمة، وتهذيب النفس، وتقدم الكلام
على حسن الخلق مكرِّرًا في عدة أحاديث .
ومن أحسنها هذا الترغيب الكريم من النبي وَّ بقوله: ((إنَّكم لن تسعوا
الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسْط الوجه، وحسن الخلق)).
يعني: أنَّه لا يتم لكم أن تَسَعُوا الناس بإعطاء المال؛ لكثرة الناس وقلَّة
المال؛ فهو أمر غير داخل في مقدور البشر.
ولكن عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه، والطلاقة، والبشاشة، ولين
الجانب، وخفض الجناح، ونحو ذلك مما يجلب التحاب بينكم؛ فإنَّه مراد
الله تعالى.
٣- أما تقوى الله تعالى: فقد فسِّرت بتفسيرين :
أحدهما: أنَّ معناها فعل الطاعات، واجتناب المنهيات.
الثاني: هي اجتناب معاصي الله عزَّوجل على نور من الله، خشية عقاب
الله، والقيام بطاعة الله على نور من الله، رجاء ثواب الله.
٤- وتقوى الله تعالى: هي الرقيب على تصرُّفات العبد في علانيته وسرِّه، فمن
وقرت تقوى الله في قلبه، صانته، وحفظته من المهالك؛ فإنَّها حصانة تمنعه
من أن يقوم على قبيح، أو يقصر في واجب.
أما إذا غابت التقوى: فإنَّ النَّفس الأمَّارة بالسوء تسيِّر بالإنسان إلى
الشهوات، ولو كان فيها معصية الله تعالى.

٥١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّهُ : ((المُؤْمِنُ مِرْآةٌ أَخِيهِ المُؤْمِنِ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ(١).
: درجة الحديث:
إسناده حسن.
قال الإمام أحمد: لا بأس به، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر، كما نصَّ
عليه هنا، ونقل المناوي عن الزين العراقي أنَّ إسناده حسن، وله شاهد عن أنس
رواه القضاعي والبزار.
* مفردات الحديث:
- مرآة: بكسر الميم، وإسكان الراء، بعدها ألف ممدودة، ثم تاء التأنيث، قال
في المحيط: هي ما تراءيت فيه من بلور وغيره، وهو اسم آلة، جمعها مَرَاءٍ
ومرایا .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث الشريف وصفٌ نبويٌّ بديعٌ، وتشبيهٌ بليغٌ يبيِّن موقف الأخ
المسلم من أخيه، ويحدد مسؤوليته تجاهه، وأنَّه منه كالمرآة الصقيلة التي
تریه نفسه على حقيقتها، وعلى ما فيها .
٢- المسلم الناصح المحب لأخيه ما يحب لنفسه، يطَّلع على عيوب أخيه
المسلم، وأخطائه، وزلاَته، فينبِّهه إليها، ويدلُّه على إصلاحها، ويرشده
إلى تقويمها ، وينصحه بالتخلي عنها، حتى يزينه عند مولاه الذي ينظر من
عباده إلى قلوبهم وأعمالهم؛ كما يجمل المسلم أخاه المسلم عند الخلق
(١) أبوداود (٤٩١٨).

٥١٣
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
بإزالة الغلطات والزلات .
وهو من نصيحة المسلم لأخيه المسلم في حديث تميم الداري السابق
برقم (١٣٣٨).

٥١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٤٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِوَّهَ: ((المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ علَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ
الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ
بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
قال المناوي: أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي
بسند جيد، كلهم عن عبدالله بن عمر بن الخطاب، لكن الترمذي لم يسم
الصحابي، بل قال: عن شيخ من أصحاب النبي ◌َّ.
قال الحافظ العراقي: والطريق واحد، وقد رمز له بالحسن، وهو
كذلك؛ فقد قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن، وكذلك هنا في بلوغ المرام.
# خلاف العلماء:
هناك مسلكان هما: اعتزال الناس والبعد عنهم، أو مخالطتهم، وهما
قولان لأهل العلم وأهل السير والسلوك، وبعرضنا لههذين القولين يكفي شرحًا
لهذا الحديث.
قال الخَطَّابي في كتابه العزلة :
اختلف الناس في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أنَّ كل واحدة منهما
لا تنفك من فوائد وغوائل :
فأهل الزهد اختاروا العزلة، ومنهم: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم،
(١) ابن ماجه (٤٠٣٢)، الترمذي (٢٥٠٧).
٠

٥١٥
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
والفضيل بن عياض، وسليمان الخوَّاص، وبِشْر الحافي، ونحوهم.
وذهب إلى تفضيل المخالطة: سعيد بن المسيب، والشَّعبي، وابن أبي
ليلى، وشريح، وشريك، وعبدالله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل،
وغيرهم.
استدل الأوَّلون على استحباب العزلة: بقول إبراهيم الخليل - عليه
السلام -: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبٍِّ﴾ [مريم: ٤٨]، وبقوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلَّا جَعَلْنَا
نَبِيًّا ﴾ [مريم]، وبما جاء في البخاري (٦٤٩٤) ومسلم (١٨٨٨)، من
حديث أبي سعيد الخدري، قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: ((رجلٌ
جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من
شره)) .
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((خذوا بحظُّكم من العزلة)).
وقال سعد بن أبي وقاص : ((لوددت أنَّ بيني وبين الناس بابًا من حديد، لا
يكلمني أحد ولا أكلُّمه حتى ألقى الله سبحانه)).
وفي العزلة: تفرغ للعبادة، وبُعد عن معاصي الله، وعمّا يعرض من
الفتنة، والسلامة من الغيبة، ومن آفة الرياء، وصيانة الدين عن الخوض في ذلك
فیما لا يرضي الله تعالی.
ففي ذلك البعد عن شرور الناس، وأذية كثير منهم، والبعد عما يلهي
القلب والعين عند النظر إلى زهرة الحياة الدنيا.
وهناك فوائد أخرى يكتسبها المعتزل، إما بتوفير الوقت لاشتغاله بالنافع،
وإما بالسلامة من الشرور والآثام.
واستدل الذين فضَّلوا الاجتماع والاختلاط: بقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ... ) الآية، [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَّفَ

٥١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وما جاء عن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((عليكم بالجماعة، وإياكم
والفرقة؛ فإنَّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحبوحة الجنة
فليلزم الجماعة)) [رواه الترمذي (٢١٦٥)].
ومن فوائد الاجتماع: التعلم والتعليم، والنفع والانتفاع، والقيام
بالحقوق من الاجتماع في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وعيادة
المرضى، وشهود الجنائز، وتأدية العادات المستحسنة فيما بين المسلمين،
وحصول الائتلاف والأخوة الإيمانية من المحبة في الله، والتآمر بالمعروف،
والتناهي عن المنكرات، وقضاء الحاجات؛ فكل هذه الأمور مفقودة مع
العزلة .
وفصل الخطاب في هذا الباب: أنَّه لكل من العزلة والاختلاط فوائده
ومضاره المعروفة، فالعزلة فيها السلامة والبعد عن الشر، إلاَّ أنَّ الاجتماع
یحسُنُ ويفضل في حالتين :
الأولى: أن يكون الشخص نافعًا مفيدًا في مجتمعه، نافعًا بعلمه؛ تعليمًا،
وإفتاءً، وإرشادًا، وقضاءً، وغير ذلك، مثل أن يكون ذا جاه ونفوذ كلمة، فينفع
في الوساطات المحمودة، والشفاعات المرغوبة؛ فهو ملجأ بعد الله تعالى
للمظلوم والمهضوم حقه ونحو ذلك، أو يكون صاحب بر وإحسان، فيجد عنده
المعوزون قضاء حاجتهم، وسد خلاتهم، وغير هؤلاء ممن هم أركان في
المجتمعات؛ فعزلة هؤلاء وأمثالهم: ضرر عليهم بحرمانهم من الأجر
المتعدي، وضرر على غيرهم - حيث يفقد ذو الحاجات - من المستفیدین،
والمعلِّمين، والمظلومين، والمعوزين مَنْ يعينهم على أمورهم.
وأفضل ما يقال: إنَّ صاحب الكلمة المسموعة، والإشارة النافذة،
والنفع المتعدي، من علم، أو جاه، أو فضل، الأفضل أن لا يعتزل، بل يكون

٥١٧
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
مع الناس؛ ينفعهم، ويصلحهم، ويرشدهم، ويعلمهم، ويرفع صوتهم
بالشفاعة إلى من لا تصل إليه أصواتهم الضعيفة، وأن يجود بفضول ماله، وأن
يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو المؤمن القوي المحبوب عند
الله .
وأما الذي ليس له من وجوده فائدة إلاَّ بقدر الواجبات والحقوق السارية
بين الناس، فهذا يعتزلهم لِيَسْلَم له دينه وعرضه، ويخالطهم بقدر حاجته
إليهم، فهو معهم ببدنه، أما قلبه وروحه فمع خلوته، وانفراده بطاعة ربه وذكره
إيّاه .
وهذا هو المؤمن الضعيف، وفيه خير، فالإيمان بالله، والقيام بطاعته، كل
بحسبه نور. والله الموفق.

٥١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٣٤٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَُّ: ((اللَّهُمَّ كَمَا حَسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي)) رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صحَّحه ابن حبان، وقال المنذري : رواته ثقات.
وقال الهيثمي بعد أن ذكر له طريقين قال: رجالهما رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- حسَنْتَ: بتشديد السين المهملة، من التحسين والتجميل، وقد جاء بصيغة
الخطاب .
- خَلْقِي: بفتح، فسكون، هي صورة الإنسان الظاهرة.
- خُلُقِي: بضمتين، هي الصورة الباطنة في النفس التي تصدر عنها الأفعال
بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.
* ما يؤخذ من الحديث:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنِسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[التين]، وقال تعالى:
٤
[الانفطار]، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
٧
﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ
صُوَرَّكُمْ﴾ [التغابن: ٣]؛ فالله جلت قدرته خلق الإنسان فأتم خلقه، وأتقن تركيبه؛
لأنَّه على صورة أبيه آدم الذي خلقه الله بيده، فجاء على تلك الصورة الكريمة
المثالية .
(١) أحمد (٤٠٣/١)، ابن حبان (٩٥٩).

٥١٩
كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
والإنسان - وإن تفاوت من حيث الجمال والدمامة وما بينهما - إلاَّ أنَّه
صُوِّرَ أحسن تصویر، ورگِّب أحسن تركي؛ فعليه أن يشكر الله تعالى على ذلك.
وأن يسأل الله الذي أحسن صورته الظاهرة، وجمَّلها، وكمَّلها، أن يحسن
صورته الباطنة، فَيَهَبَهُ خلُقًا كريمًا سمحًا، تكمُلُ به إنسانيته، وتجمل به
صورته، فيكون حسن المظهر والمخبر، كريم الظاهر والباطن، حسن الخَلْقِ
والخُلُقِ .
وأهم الصور الباطنة: الإيمان؛ فإنَّ الأخلاق الفاضلة تتبعه، فهو رأسها
وأساسها الباطني، والنصوص الشرعية تفرّق بين الظاهر والباطن؛ ليحصل
الكمالان السري والعلني، والجمال الظاهري والباطني:
فإنَّه إذا توضأ المسلم وطهر ظاهره، شرع له أن يسأل الله تعالى أن يطهر
باطنه من الالتفات إلى سوى الله تعالى.
وإذا خرج من الخلاء متخفِّفًا من الفضلات المثقلة، سأل الله المغفرة؛
ليخفف عنه أدران الذنوب بعد أن خفّ من الوساخات.
وهكذا يريد الله تعالى بنا أن نكمِّل أنفسنا، ونزكِّي نفوسنا، فلله الحمد
والمنة، وله الشكر والإفضال.

٥٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الذكر
مقدمة
قال أبوحامد الغزالي: ليس بعد تلاوة كتاب الله عزَّوجل عبادة تؤدِّى
باللسان أفضل من ذكر الله تعالى، ويدل على فضل الذكر: قوله تعالى:
فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال ◌َله: ((يقول الله عزَّوجل: أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت شفتاه
بي)) [رواه أحمد (١٠٥٨٥) وإسناده صحيح].
وقال ابن القيم في مدارج السالكين: ومن منازل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيبُ﴾: منزلة الذكر، وهي منزلة القوم، والذكر عبودية القلب واللسان،
وهي غير مؤقتة، بل هم يأمرون بذكر معبودهم، ومحبوبهم، في كل حال.
والذكر جلاء القلوب وصقالها، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين
عبده، ما لم يغفله العبد بغفلته، وهو روح الأعمال، فإذا خمل العبد عن
الذکر، کان کالجسد الذي لا روح فيه.
والذكر ثلاثة أنواع:
ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاه، وذكر بالقلب وحده وهو
بالدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد وهو بالدرجة الثالثة .
وأنواع الذكر ثلاثة ثناء، ودعاء، ورعاية، والأذكار النبوية تجمع الأنواع
الثلاثة؛ فإنَّها متضمنة للثناء على الله، والتعرض للدعاء، ومتضمنة لكمال
الرعاية، ومصلحة القلب، وفيها تعليم القلب مناجاة الرب؛ تعلُّقًا، وتضرعًا،
واستعطافًا، وغير ذلك من أنواع المناجاة.