Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - إيَّاكم والظن: ((إيَّاكم)): في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: احذروا . - الظن: معطوف على ((إيَّاكم))، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: احذروا. * ما يؤخذ من الحديث: الحديث فيه التحذير من الظن، والمحذَّر منه: هو ما كان بالمسلم الذي ظاهره العدالة؛ فإنَّ هذا لا يجوز فيه ظن السوء، وإنما يحمل على ظاهره؛ فالظن فيه كذب مخالف للواقع. أما الظن بأصحاب الرِّيَب والفِسق: فليس فيه هذا التحذير؛ فأعمالهم شهدت عليهم بسوء السلوك، وعدم الاستقامة، والحديث تقدم معناه. والله أعلم. (١) البخاري (٥١٤٣)، مسلم (٢٥٦٣). ٤٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ عَلى الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَنَا بُدُّ مِنْ مَجَالِسِنَاَ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَّا إِذَا أَبَيَكُمْ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفَتُ الأَذَى، وَرَدُ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) . * مفردات الحديث: - إيَّاكم: محله النصب على التحذير، فهو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: احذروا. - الجلوس: ((الجلوس)): معطوف على ((إياكم))، أو مفعول لفعل محذوف، تقديره: احذروا، فهو منصوب على التحذير. - الطرقات: بضم الطاء، والراء: جمع طريق. - ما لنا بٌُّ: بضم الباء الموحدة، وتشديد الدال، أي: لا محيد لنا عن ذلك، ولا يعرف استعماله إلاَّ مقرونًا بالنَّفي، أي: ما لنا غِنّی عنه. - أبيّتُمْ: الإباء بمعنى شدة الامتناع، قال الراغب: كل إباء امتناع ، وليس كل امتناع إباء . - غض البصر: غض البصر يغضه غضًّا، وأغضَّهُ: خفضه، ولم يذكر ما يُغَضُّ البصر عنه؛ لأنَّه معلوم بالعادة . (١) البخاري (٦٢٢٩)، مسلم (٢١٢١). ٤٨٣ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق - ورد السلام: يعني على الذي يسلّم عليه من المارِّين. - والأمر بالمعروف: المعروف: كل أمر جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات، ونهى عنه من المقبحات. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على النَّهي عن الجلوس في الطرقات، وممرات الناس؛ لما في ذلك من تتبع أحوال المارين، وإلى النظر إلى النساء المارات أمام الرجال، فينبغي أن يكون في البيوت، أو في المقاهي، أو الحدائق العامة الخالية من اختلاط الرجال والنساء. ٢ - إذا لم يكن بدّ من الجلوس في الطرقات والشوارع، فعلى الجالسين أن يعطوا الطريق حقه من الأمر بالمعروف، وإذا رأوا منكرًا أمامهم فعليهم إنكاره، وغض البصر عن النساء اللاتي يمررن أمامهم، وأن يغفلوا عن الذين يمرون أمامهم من الرجال الذاهبين الآيبين في أغراضهم وحاجاتهم، التي ربما كرهوا أحدًا أن يراهم عليها . ٣- كما يجب عليهم رد السلام وإجابته على من ألقاه عليهم من المارين؛ لأنَّ الابتداء بالسلام سنة من المار على القاعد، أما رده: فهو فريضة على من ألقي عليه . ٤ - قال القاضي عياض: فيه دليل على أنَّ النَّهي عن الجلوس في الطريق ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه، لأنَّهم لو فهموا أنَّه للتحريم، لم يراجعوه. ٥ - وأيضًا كانت مراجعتهم للنبي وَّ لضيق منازلهم التي فيها النساء، فإذا اجتمع الرجال، تركوا البيوت لضيقها، وجلسوا في الطريق، والله أعلم، كما ذكر هذا ابن أبي جمرة. ٦ - المطلوب من الجلوس في الطريق أمور كثيرة منها: ٤٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - إرشاد ابن السبيل. - إغاثة الملهوف . - إعانة المظلوم. - الإعانة على الحمل. ٧- ومن الحكمة في النَّهي عن الجلوس في الطرقات خشية الفتنة، وفيه التعرض للزوم حقوق الله وحقوق المسلمين، ولو كان قاعدًا في منزله، كما تعرَّض للفتنة، ولما لزمته الحقوق التي قد لا يقوم بها . ٤٨٥ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٢٩ - وَعَنْ مُعَاوَيَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - مَن: اسم شرط يجزم فعلين، فـ(يرد)) فعل الشرط، و((يفقهه)) جوابه، وكلاهما مجزوم. - يُرِد: بضم الياء المثناة التحتية، من الإرادة، والإرادة: صفة مخصِّصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وأما الخير: فهو ضد الشر. - يُفَقُّهْهُ: من فقه بالكسر فقهًا، من باب علم، وفقه بالضم: إذا صار فقيهًا، فمعنى يفقهه: يجعله فقيهًا في الدين . والفقه لغة: الفهم. واصطلاحًا: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. - الدِّين: بكسر الدال، قال في المصباح: وإن قرنت بالإسلام دينًا يقيد به كذلك، والمراد بالفقه بالدين ما يشمل الأصول والفروع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث دليل على عظمة الفقه في الدِّين، الذي يشمل أصول الإيمان وشرائع الإسلام، وحقائق الإحسان، ومعرفة الحلال والحرام؛ فإنَّ الدِّين يشمل هذه الأمور الهامة العظام كلها؛ فإنَّ جبريل لما سأل النبي وَّ عن هذه القواعد، وأجابه عنها، قال: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) [رواه البخاري (٥٠) ومسلم (٢٩)]. (١) البخاري (٧١)، مسلم (١٠٣٧). ٤٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- أما تسمية الفقه بأنَّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال ، فإنَّ هذا إنَّما هو اصطلاح خاصٌّ حادث لعلماء الأصول الفقهية، فيدخل في مدلوله الشرعي - على المعنى العام -: معرفة حقائق الإيمان، ومعرفة أحكام شرائع الإسلام، ومعرفة السَّير والسلوك إلى الله بمعرفة مراتب الإحسان؛ فمن أراد الله به خيرًا فقَّهه في هذه الأمور، ووقَّقه للعمل بها . ٣- دلَّ مفهوم الحديث على أنَّ من أعرض عن الفقه في الدين، والتحلي بعلومه التي هي أشرف العلوم، أنَّ الله تعالى لم يرد به خيرًا. وقد جاء هذا المعنى منطوقًا في رواية أبي يعلى (٣٧١/١٣): ((ومن لم يُفَقُّهُ لم یبال الله به)). ٤- العلوم الشرعية من الأعمال النافعة المتعدي نفعها من حاملها إلى غيره، تعليمًا، أو تأليفًا، أو قضاء، أو إفتاء؛ فهي من الأعمال الباقية بعد وفاة صاحبها: ((أو علم يُنْفع به بعده)) [رواه مسلم (١٦٣١)]. قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [البقرة]. ٥- للتفقه في الدين طرق وأسباب، من أخذ بها، نجح، وحصل له الفقه التام في دين الله، فمنها: تقوى الله تعالى، والإخلاص في الطلب، فلا يريد به إلاَّ وجه الله والدار الآخرة، ومنها سلوك الطرق المستقيمة في التحصيل، فيعنى أول طلبه بالمختصرات لتلك العلوم وأصولها، حفظًا وفهمًا، ثم يتوسع فيها شيئًا فشيئًا، ولا يزج بنفسه بالمراجع الكبار في أول الطلب، فيتشتت ذهنه، ويضيع جهده في أسفار العلم، والكتب الكبيرة؛ فيخرج بلا فائدة. ٤٨٧ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٣٠ - وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهُ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الِمِيزَانِ أَنْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن. قال العراقي: أخرجه أبوداود، والترمذي، من حديث أبي الدرداء، وقال الترمذي : غريب، وقال عن بعض طرقه: حسن صحيح. والحديث له شواهد كثيرة خرَّجها العراقي في تخريجه لأحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حسن الخلق هو الصورة الباطنة للإنسان، فالإنسان؛ في حقيقته مركب من جسد ونفس، فالجسد مدرك بالبصر، والنفس مدركة بالبصيرة، ولكل واحد منهما هيئة وصورة: إما جميلة، وإما قبيحة. فالخلق - بضم الخاء واللام -: عبارة عن هيئة للنفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية . فإن كانت الأفعال جميلة، سميت خلقًا حسنًا، وإن كانت قبيحة، سميت خلقًا سيئًا، وليس الخلق عبارة عن الفعل؛ فرب شخص طبعه السخاء يبذله بلا رجاء نفعه. ٢ - الخلق الحسن عبارة عن الأفعال الجميلة، والتصرفات المستملحة الصادرة (١) أبوداود (٤٧٩٩)، الترمذي (٢٠٠٢). ٤٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام من نفس طيبة، لم يحمل على صدورها طلب المكافأة، ولم تكن بداعي الرياء والسمعة، ولا من أجل غرض من الأغراض الدنيوية ، وإنَّما هي فيض من النفس الصافية، صارت أثقل شيء في ميزان صاحبها يوم القيامة . ٣- وفي الحديث دليل على أنَّ الإنسان إذا فعل الخير بداع من خلق لم يكتسبه، وإنما فطره الله تعالى عليه: أنَّ له على ذلك أجرًا، فلو لم يعلم أنَّه من أهل هذا الخلق الكريم، وأنَّه جدير به، لما جُبِلَ عليه . ٤٨٩ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الحياء: في اللغة: تغير وانكسار يلحق الإنسان من خوف ما يعاب عليه، وفي الشرع: خُلَق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي حق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحياء خلق كريم يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي حق؛ لئلا يعاب على فعل القبيح، أو التقصير في الواجب، والحياء - وإن كان فطرة - إلاّ أنَّه يحتاج إلى اكتساب وتنمية ليكمل. ٢ - أما كونه من الإيمان: فإنَّ المستحيي يُقْلِع بحيائه عن المعاصي، ويقوم بالواجبات . وهكذا تأثير الإيمان بالله تعالى إذا امتلأ به القلب، فإنَّه يمنع صاحبه عن المعاصي، ويحثه على الواجبات؛ فصار الحياء بمنزلة الإيمان من حيث الأثر والفائدة. ٣- الحياء لا يمنع من التفقه في الدين، والسؤال عما يجب السؤال عنه، والحياء الذي يمنع صاحبه من إنكار المنكر، ونحو ذلك، فهذا ليس حياءً شرعيًّا، وشعبة من الإيمان، وإنما هو خَوَر وذِلَّةٌ ومهانة، لا يُحمد عليه صاحبه. ٤ - تقدم أنَّ الحياء غريزي ومكتسب؛ قال القرطبي: كان النبي ◌َّ قد جُمِعَ له النوعان من الحياء المكتسب والغريزي. (١) البخاري (٢٤)، مسلم (٣٦). ٤٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٣٢ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّسُ مِنْ كَلَام النُّبُوَّةِ الأُولىُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) . * مفردات الحديث: - النبوة الأولى: يعني: ما اتَّفق عليه الأنبياء ولم ينسخ؛ لأنَّه أمر طبَّقت عليه الشرائع السماوية، وقَبِلَتْهُ العقول السليمة؛ فهو من مكارم الأخلاق. - إذا لم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ: قيل: المراد إذا كان الأمر مما لا يستحيا منه فافعله، وقيل: إذا نزع عنك الحياء، وصرت لا تبالي بعمل الأفعال القبيحة والمليحة، فافعل ما تريد؛ فما لجرحٍ بِميتٍ إيلامُ. ! ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله: ((إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى)): قال ابن رجب: يشير إلى أنَّ هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأنَّ الناس تدوالوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنًا بعد قرن، وأنَّه لنفاسة هذه الحكمة، فقد اشتهرت بين الناس حتى وصلت إلى أول هذه الأمة. ٢ - قوله: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)): قال ابن رجب : في معناه قولان: أحدهما: أنَّه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، وللكنه على معنى الذم والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان: أولهما: أنَّ الأمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى إذا لم يكن حياء، (١) البخاري (٦١٢٠). ٤٩١ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق فاعمل ما شئت ؛ فالله يجازيك عليه؛ كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا ﴾ [فصلت]. تَعْمَلُونَ بَصِيُ لإِ ثانيهما: أنَّ الأمر بمعنى الخبر، والمعنى: أنَّ من لم يستح، صنع ما شاء؛ فإنَّ المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء، انهمك في كل فحشاء ومنكر، وما يمنع من مثله من له حياء، على حد قوله: ((من كَذَبَ عليَّ متعمدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار)) [رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٣)]؛ فإنَّ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر. ٣- ثم قال - رحمه الله تعالى - واعلم أنَّ الحياء نوعان: أحدهما: خلق وجبلة، وهو من الأخلاق التي يمنحها الله للعبد ويجبله عليها . الثاني: مكتسب من معرفة الله وعظمته، ومعرفة قربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان، وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى، ورؤية تقصيره في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء الغريزي والمكتسب ، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح. ٥- ثم قال - رحمه الله -: وأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله، أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، وإنما هو ضعف وخور، وعجز ومهانة . ٦- القول الثاني -: في معنى قوله: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) : - أنَّه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر أمره، وأنَّ المعنى: إذا كان الذي يريد فعله عملاً لاَ يُسْتَحيا من فعله، لا من الله، ولا من الناس؛ لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق، والآداب المستحسنة ۔ فاصنع منه حينئذٍ ما شئت؛ وهذا قول جماعة من الأئمة، منهم: الثوري، والشافعي، وحكي مثله عن الإمام أحمد. ٤٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٣٣ - وَعنْ أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلُّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ(لَوْ)) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) أَخْرَجَهُ 2 (١) مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - فإنَّ ((لو)): أي: فإنَّ كلمة ((لو)) بعد وقوع شيء على خلاف المراد. - تفتح عمل الشيطان: لما تُثْنِيهِ عَنْ شِدَّةِ حرصه، وحسرته على ما فات أو وقع، وعن عدم رضائه بالقضاء، وظنه إمكان رد القدر. - قَدَرُ الله: بفتحتين، وهو القضاء الذي يقدِّره الله على عباده. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه استحباب القوة في الأعمال؛ لأنَّه يحصل فيها من الفائدة والثمرة ما لا يحصل من الضعف؛ فإنَّ الضعيف لا ينتج عنه إلاَّ ضَعْفٌ وقلَّة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ [القصص]، وقال تعالى: ٢٦ ◌ْخُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿يَيَحِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. ٢ - قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية: القوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوَّة (١) مسلم (٢٦٦٤). ٤٩٣ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق في إمارة الحرب: ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والقوةُ في الحُكم بين الناس: ترجع إلى العلم بالعدل الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. واجتماع القدرة والقوة والأمانة في الناس قليل، فإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشدَّ، قُدِّم الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها فلا بد فيه من قوَّة وأمانة، فيولَّى عليها قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. ومن ذلك السَّعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها؛ فإنَّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب . ٣- أما الحديث هنا، فالمراد في أعمال الآخرة التي يحصل منها إقدامٌ على الجهاد، وصلابة في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وصبرٌ على الأذى، وتحمُّلٌ للمشاق في أمر الله، والقيام بحقوقه من الطاعات. ٤- أما الضَّعيف: فهو بالعكس من ذلك؛ فلا يحصل منه كمال المطلوب إلاّ أنَّ وجود الإيمان معه لا يحرمه من الخير؛ فإنَّ الإيمان أساس الخير والبركة، ولا بد له من فائدة مهما كانت . ٥- قوله: ((احرص على ما ينفعك)) في أمر الدين والدنيا، وأهم المنافع والمطالب هو ما يطلب من طاعة الله تعالى التي فيها السعادة الأبدية؛ فهذه هي المنفعة الكبيرة، والمطلب العظيم، الذي لمثله فليعمل العاملون، وفي الحصول عليه فليتنافس المتنافسون؛ فهذا هو النفع العظيم، والكسب الكبير . والعبد محتاج إلى الأمور الدنيوية؛ كما هو محتاج إلى أموره الدينية، ومأمور بأن يسلك الطرق الموصلة، والوسائل القوية التي تبلغه حاجته في ٤٩٤ ٠٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أمور دينه وأمور دنياه، وهو محتاج إلى معرفة الأحوال والأمور والوسائل التي تبلغه إلى مقصوده، وتوصله إلى مطلوبه، ومن أقوی الوسائل إلى ذلك وأنفع السبل: العلوم النافعة؛ فإنَّها الصراط المستقيم إلى خير الدنيا والآخرة. ٦ - قوله: ((واستعن بالله)): قال ابن القيم في مدارج السالكين: الاستعانة: طلب العون من الله تعالى، وإذا التزم العبد بمعبودية ربه، أعانه الله تعالى عليها؛ فكان التزامه بها سببًا لنيل الإيمان، فكلما كان العبد أتم عبودية لربه، كانت الإعانة من الله له أعظم، وأنفعُ الدعاء طلب العون من الله على مرضاته، وأفضلُ المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه. قال شيخ الإسلام: تأمَّلْتُ أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ ﴾﴾، والعبد مع استعانته بربه، فهو محتاج إلى عمل الأسباب النافعة، والطرق الموصلة . قال بعضهم: إنَّ كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه، وقد مكَّن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والعون من دفع بعض الموانع، وكسب بعض الأسباب ، وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك، ونبذل الجهد في إتقان أعمالنا بكل ما نستطيع من حول وقوّة . ونفوّض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء، ونلجأ إليه تعالى وحده، ونطلب منه المعونة المتمِّمة للعمل، والموصِّلة لثمرته منه ٤٩٥ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق سبحانه وتعالى دون سواه؛ إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل بشر إلاَّ مسبّب الأسباب، ورب العباد. ٧ - وقوله: ((ولا تعجز)) العجز يكون بأمرين: الأول: هو ترك العمل وإهمال القيام بالأسباب الموصِّلة إلى المطلوب، والوسائل المبلغة إلى المقصود، والركون إلى الكسل والعجز. الثاني: عدم الاستعانة بالله تعالى، والاتكال عليه بالإعانة على المهامِّ والمقاصد، وصرف همه وحده بالاعتماد على حوله وقوَّه وسعيه؛ فإنَّ حرص العبد بغير الاستعانة بالله تعالى لا ينفعه، ولا یجدیه شيئًا . ونواميس الله تعالى الكونية لا تفضّل أحدًا دون أحد، فمن أخذ بها، وصل إلى مقصوده، ولكنْ هناك أمورٌ وراء الأسباب والنواميس لا يقدر عليها إلاَّ هو، ولا تطلب إلاّ منه تعالى. ٨- ومن العجز: أن يدعو العبدُ الله تعالى ويطلب منه تعالى قضاء حاجاته، وتسهيل مهماته، فلا يرى الإجابة الظاهرة، فيكسل، ويعجز عن مواصلة الدعاء . قال ابن القيم في الجواب الكافي: ومن الآفات التي تمنع ترتيب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطيء، ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذَر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهد ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه ، تركه وأهمله. وفي صحيح البخاري (٦٣٤٠) ومسلم (٢٧٣٥) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)). ٩ - قوله: ((وإن أصابك شيء ... إلخ)). يبيِّن رَّةِ بهذه الجملة: أنَّ الإنسان إذا بذل الجهد، واستفرغ طاقته ووسعه، ٤٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ثم جاء الأمر بخلاف مطلوبه، بأن فاته مطلوبه، أو حصل له ضرر لم يتوقعه: فعليه بالإيمان بالقضاء، وأن لا يقول: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا؛ فإنَّ ((لو)) تفتح عمل الشيطان، فتُحْدِث للإنسان الأسف، والحزن على الأمور التي فاتته، وتوجب له عدم الصبر بما قدَّره الله عليه، وتجعل عنده ((لو)) احتمالاً أنَّه لو فعل ذلك، لم يصبه ما وقع عليه . ١٠ - أما استعمال ((لو)) في تمنِّي الخير، أو في بيان العلم النافع ، فإنَّها محمودة؛ لأنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، كقوله بَّه: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما سُقت الهَدْي، ولأحللتُ معكم)) [رواه البخاري (٥٠٥) ومسلم (٢١٨)]. = ٤٩٧ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٣٣٤ - وَعنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إِنَّ الله تَعَالَىْ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - تواضعوا: التواضع: التذلل والتخاشع، وهو ضد الكبر. - البغي: بغى يبغي، فهو باغ، والجمع بغاة، معناه: الظلم والاعتداء. - يفخر: يقال: فخر على غيره يفخر فخرًا: تمدَّح بالخصال، مباهِيًا بالمناقب والمكارم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التواضع: هو التذلل والاستسلام للحق فيما بين العبد وبين ربه، وفيما بينه وبين الناس؛ وبهذا فهو أعم من الخشوع الذي لا يكون إلاَّ الله. ٢- إذا اتصف الناس بهذا الخلق الكريم، فإنَّه لن يتكبّر أحد على أحد؛ لأنَّ التواضع ضد الكبر، ولن يبغي أحدٌ على أحدٍ؛ لأنَّ المتواضع لا يرى لنفسه مزية على أحد، فيتكبر عليه، أو يبغي عليه، وإنما البغي والكبر ينشآن ممن يرى نفسه فوق الناس، وله ميزة عليهم تحمله على الكبر عليهم، والبغي علیھم . ٣- جاءت نصوص كريمة في مدح التواضع وصاحبه قال تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ · [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُوَأْأَنْفُسَكُمْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِ (٢١٥) ﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ٣٢ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّفَ (١) مسلم (٢٨٦٥). ٤٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وفي صحيح البخاري (٢٢٦٢)، عن أبي هريرة، عن النبي وَالله قال: ((ما بعث الله نبيًّا إلاَّ رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة))، وقال ◌َله: ((من تواضع لله، رفعه)) [رواه مسلم (٢٥٨٨)]، وفي البخاري (٥١٧٨) عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع لقبلت)). ٤ - وفي الحديث التحذير من البغي على الناس، والفخر، والكبر عليهم، وقد جاء في ذلك التحذير؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ١٨ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. وجاء عن ابن مسعود أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) [رواه مسلم (٩١)]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ٤٩٩ كتاب الجامع - باب الترغيب في مكارم الأخلاق صَلى الله علـ ١٣٣٥ - وَعَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وسلم قَالَ: ((مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضٍ أَخِيهِ بِالغَيْب، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ(١). وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ(٢). * درجة الحديث: الحدیث حسن . فقد حسّنه الترمذي، وقال ابن القطان: الذي منع الحديث من الصحة: أنَّ فيه مرزوقًا التميمي، وهو مجهول الحال، لكن للحديث شواهد يتقوى بها . قال المناوي عن حديث أسماء بنت يزيد: إنَّ السيوطي رمز له بالحسن. قال المنذري: إسناد أحمد حسن، وقال الهيثمي: إسناده حسن. * مفردات الحديث: - مَنْ رَدَّ: أي: دفع عنه وحفظه . - عِرْض أخيه: بكسر العين، وسكون الراء، هو النفس والحسب، وما يمدح به الإنسان ويذم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه فضيلة الرد عن عرض مسلم، يُنَال منه في غَيبته في المجلس، كأن يغتابه أحد الحاضرين؛ فينبري الغيور، ويسكت المغتاب الذي يتفكه بأعراض المسلمين الغافلين. (١) الترمذي (١٩٣١). (٢) أحمد (٤٦١/٦). ٥٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢ - الرد عن عرض مسلم: من إنكار المنكر الذي يجب القيام به حسب الاستطاعة، ولا يحل تركه؛ فإنَّ هذا من خذلانك لأخيك المسلم الذي یوقَعُ في عرضه، وأنت حاضر قادر على رده. ٣- جاء الوعيد على السامع الساكت القادر على الرد عن العرض؛ ففي سنن أبي داود (٤٨٨٤) من حديث جابر، وأبي طلحة، يقولان: قال النبي وَّل: ((ما من مسلم يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص من عرضه، إلاّ خذله الله في موطن يحب فيه نصرته))؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، وقد جاء في الحديث أنَّ النَّبِيَّ بَّ قال: ((إنَّ المستمع للغيبة أحد المغتابين))، فمن حضر مجلس الغيبة، وجب في حقه واحد من ثلاثة أمور: - الرد عن عِرْض أخيه المسلم. - أو القيام من مجلس الغِيبة . - أو الإنكار بالقلب، والكراهة للقول، إن لم يستطع الرد أو القيام.